نقد ومقالات

حروب الجيم: ماذا تكشف ضجة سلوم حداد عن هيبة الفصحى في الدراما العربية؟/ مهيب الرفاعي

15/09/2025

أثار الجدل الذي فجّره انتقاد سلوم حداد لطريقة نطق الممثلين المصريين للعربية الفصحى زلزالًا إعلاميًا كون عدة أطراف اعتبروه تصريحًا فجّاً أكثر بكثير من مجرد زلة لسان أو نقاش في مقابلة تلفزيونية؛ إذ كشف تنافسًا قديمًا حول مَن يملك حق تحديد معايير المكانة الثقافية في العالم العربي. عمومًا، إن خلفية حداد في تقاليد الدراما التاريخية والملحمية القرآنية والاجتماعية والثقافية في سوريا، حيث تُعامَل الفصحى البليغة بوصفها المعيار الذهبي، تتيح له ادعاء سلطة في شؤون المخارج والإلقاء، وكأن إتقان الفصحى هو العلامة الحاسمة على الاحتراف. سلوم حداد ممثل السوري من مواليد مدينة حلب، عام 1953، ودخل عالم التمثيل لينال لقب “فارس الدراما العربية” بمشاركات في الدراما والسينما والمسرح والإذاعة؛ وبأنماط اجتماعية وسياسية، وبوليسية، وفنتازيا تاريخية، وغيرها. غير أنّ سخريته من اللكنات المصرية، مع استثناءات قليلة مثل عبد الله غيث ونور الشريف، خلّف جرحًا عميقًا وأحدث كركبة في الشارعين السري والمصري، إذ أعاد النظر إلى الشعور بتآكل مركزية مصر في الدراما العربية بعد أن هجرها معظم صنّاعها للعمل في دول الخليج العربي ولبنان وتونس.

على مدى أجيال، حكمت السينما والتلفزيون في مصر الإقليم بفضل حميمة اللهجة المصرية وقدرتها على محاكاة صوت الشارع والمقهى وسائق التاكسي. ومن ثمّ، فإن الادعاء بأن هذه الأصوات تفتقر إلى “العربية السليمة” ليس تحقيرًا فحسب؛ بل هو تحدٍّ لمطالبة مصر التاريخية بأنها القلب النابض للفن العربي. لذا لم يكن مستغربًا أن تأتي ردود الفعل فورية وعنيفة، أفضت إلى اعتذار قُبل من نقابة الممثلين، لكن مع بقاء مذاق صراع ثقافي غير محسوم. ما هو على المحكّ حقًّا هو صراعٌ بين نموذجين للفصحى ذاتها؛  فصحى شامية مصقولة تُبنى على صرامة المخارج وإيقاع الجملة الملحمية كما تبلورت في الدراما التاريخية، وأعمال نجدة أنزور وحاتم علي، في مواجهة فصحى مصرية ذات تقاليد إذاعية ومسرحية عريقة تُراهن على وضوح البيان، وحسن الوقف والابتداء، ونبرٍ أدائيٍّ يُقرّب المعنى إلى المتلقّي المعاصر. هنا لا تدور المسألة حول عاميةٍ مقابل فصحى، بل حول معيارين للفصحى،  أحدهما يُعلّي الحبكة الصوتية والجزالة الوزنية، والآخر يُقدِّم البلاغة بوصفها اقتصادًا في النطق وخدمةً مباشرة للدراما. إن ترقية معيارٍ واحدٍ إلى مقام “النموذج الأوحد” ليست تفضيلًا بريئًا، بل فعلُ حراسة أبواب ثقافية يختزل الفنّ العربي في هرم لهجاتٍ داخل الفصحى نفسها؛ مثل نطق القاف، وتفخيم الظاء، وحدود الهمز، ومقادير المدّ ، وكلّها تتحوّل إلى شيفرات انتماء وأساسيات في تحديد الهوية.

في عصر المنصّات، تبدو هذه الهرمية أكثر اهتزّازًا؛ فالجمهور لم يعد يساوي الفصاحة بتفخيمٍ مطلقٍ أو بتليينٍ شامل، بل بما يحقِّق صدق الأداء ودقّة الدلالة. لذا يغدو التشبّثُ بشعارات “النطق الصحيح” أقرب إلى صراعٍ على السُلطة والمعيار، وبالتالي دائما يسألون: من يضع قواعد الذائقة العربية؟ أو من يملك حقَّ اعتماد “الضبط” بوصفه مقياسًا للمهنية؟ أو من يراقب حدود الانتماء المدرسي داخل الفصحى؟ قد تبدو “حروب الجيم” و”قاف القاهرة وقاف الشام” تفاصيل تقنية، لكنها تُجسِّد قلقًا أوسع يطرح سؤالًا حيويًا مفاده فكرة اتساع السرد العربي لتعدّد مدارس الفصحى بوصفها أدواتٍ متكافئة للتعبير، أم استمرار التطهّر اللغوي في التخفّي بزيّ الوطنية، فيقوِّض التعدّدية التي تمنح مشهدنا اللغوي والفنّي حيويّته.

أصول العربية الفصحى

أصول العربية الفصحى عميقة ومتعددة الطبقات، تمتد مما قبل الإسلام إلى العصر الحديث. فأقدم جذورها في لهجات بدوية مرموقة بوسط وشمال الجزيرة العربية، حُفظت عبر الشعر الجاهلي مثل المعلقات، التي أرست نماذج للمفردات والنحو والبيان وأضحت لاحقًا أساس العربية الكلاسيكية. ثم جاء نزول القرآن في القرن السابع ليُعلي شأن ضربٍ من العربية إلى مقام القداسة، مثبتًا قواعد النحو، ومكرّسًا مفردات وسمات أسلوبية صارت مركزية في الفصحى. وفي القرنين الثامن والتاسع، قعّد علماء البصرة والكوفة، وعلى رأسهم سيبويه، العربية في نحوٍ منظومي مستند إلى القرآن والشعر الجاهلي وكلام الأعراب، فأنشأوا إطارًا تقنينيًا متميزًا عن اللهجات اليومية. وفي العصر العباسي، ازدهرت العربية الكلاسيكية كلغة للأدب والعلم والإدارة، مثبتة دورها معيارًا لغويًا حتى مع استمرار تباعد المنطوقات المحكية وتباين لفظ الحروف وتعقيدات الانتقال والتبديل بين القاف، والجسم، والدال، والشين. وأخيرًا، في نهضة القرن التاسع عشر، حدّث المفكرون العربية الكلاسيكية إلى ما يُعرف اليوم بـ “الفصحى الحديثة”، فأُدخلت ألفاظ جديدة وبُسّطت بعض البنى لتواكب الحاجات المعاصرة. واليوم تُستخدم الفصحى الحديثة في التعليم والإعلام والكتابة الرسمية في سائر العالم العربي، متجاورة مع العاميات المتنوعة في الحياة اليومية.

في قلب الجدل السوري-المصري سؤال شائك: ما الذي يُعد “فصحى سليمة”؟ أهو النطق الخالي من العيوب للحروف، أم إحكام قواعد النحو، أم القدرة على بث الوضوح والوقار، أو مدة الاعتداد وتطابق المنطوقات الأخرى مع منطوقنا؟ تختلف مقاييس الجمهور والنقاد، ما يثير اللغط حول صاحب الحق في تعريف الأصالة اللغوية. فقد افترضت تصريحات حداد معيارًا صارمًا، بينما رأى منتقدوه أن الفن والأداء لا يُختزلان في النقاء اللغوي، ليفتح هذا السجال باب التفكير في مدى واقعية هذه المعايير، وهل تعيد إنتاج مُثلٍ نُخبوية منفصلة عن ضرورات الأداء العملية المرتبطة بالنص الدرامي والإخراج.

في الدراما التلفزيونية العربية، ولا سيما التقليد السوري في إنتاج الملاحم التاريخية المعتمِدة على الفصحى، نرى أن تركيز الإنتاج السوري الدرامي على تدريب الممثلين في اللغة العربية الكلاسيكية وتقديم أعمال شاقة لغويًا تحتاج تدريبًا ومدققين لغويين وخبراء معجميين قد ضغط على الإنتاج المصري للحفاظ على المعايير أو رفعها في هذا الجانب. وهكذا يجد قطاع الترفيه المصري واسع النطاق، المهيمن تاريخيًا، نفسه مقارنًا بنموذج سوري من الصرامة اللغوية. ويعقّد هذا التوازي السردية الشائعة: فبينما تُحتفى بمصر عاصمةً ثقافية للعرب، تُقاس أحيانًا بميزان المهارة السورية في صون تراث الفصحى.

التمثيل لا يُختزل في الحروف؛ بل هو تزامنُ نفسٍ وإيقاعٍ وجسدٍ وصوت، تُكسب فيه اللغة الفصحى العملَ رفعًا نغميًّا، ووضوحًا دلاليًّا بفضل الإعراب، وتوحيدًا أسلوبيًّا في العوالم الملحمية؛ لكنها تصير عائقًا إن فُرضت تعسّفًا أو أُديت بنبرة مدرسية. ولضبط النقاش يمكن أن نعود إلى خريطة سيبويه للمخارج: الأحرف الحلْقية (ء/ه/ع/ح/غ/خ)، ومناطق اللسان (القاف لهوية، الكاف أمامها، الجيم/الشين/الياء وسطه، الضاد حافّتاه…)، والشفويتان (ف/ب/م/و)، والخيشوم للغنّة؛ وهي منهاج عمل لتمارين النفس والانتقال السلس وتلوين النبرة. أما اختلاف النطق فقديمٌ أصيل: للجيم أوجهٌ معاصرة ([d͡ʒ]، [ʒ]، [ɡ])، وللقاف صور ([q]، [ʔ]، [ɡ]) ذات دلالات مكانية وطبقية وزمنية، وتتحوّل الثاء/الذال/الظاء إلى س/ز/ظ أو ض في لهجات كثيرة، وتظهر ظواهر الإمالة وتخفيف الهمز. وظيفة الفنان تسخير التنوّع لخدمة الدور مع حفظ معيار فصيح عند الحاجة.

 الآن ، عمومًا، نعيش ازدواجية لغوية (فصحى عالية/ فصحى متدنية ؛ عامية فوقية/ عامية يومية). ينجح العمل الدرامي حين يبدّل سِجِلَّ الفصحى بوعي: فـالفصحى العادية (المعيارية الميسَّرة) أصلحُ للدراما الاجتماعية المعاصرة حيث تُطلَب سرعة الفهم وقرب العبارة، بينما الفصحى المنمَّقة (المشدودة إلى الجزالة والوزن والوقف) أنسبُ للملاحم التاريخية والدينية حيث تُبنى الهيبة الأسلوبية. ويفشل حين يفرض المنمَّق على مشاهد يومية فيبدو متخشّبًا، أو يهبط بالمنمَّق في التاريخي إلى تلقينٍ جامد يفقد النَّفَس الملحمي. عمليًّا: تُعلِن كلّ تجربة «بيان أسلوب لغوي» يحدّد مستوى الفصحى ومفرداتها ودرج الإعراب وحدود التخفيف، وتُرصد ميزانية لتدريب الصوت، ويُعامَل المشرف اللغوي شريكًا إبداعيًّا لا شرطيًّا، وتُنشأ جوائز مزدوجة لأفضل أداء بالفصحى العادية وأفضل أداء بالفصحى المنمَّقة، مع برامج تبادل تدريبية بين العواصم العربية. الخلاصة: لغةٌ تخدم الدراما؛ نرفع معيار الفصحى المنمَّقة حيث يلزم المقام، ونُبقي الفصحى العادية حيّة حيث يقتضي الواقع، والمعيار النهائي دائمًا هو الإجابة عن مخدومية اللغة لهذا المشهد ولفكرته ولعقل المتلقي.

سؤال الهوية والتسويق

تتحوّل الفصحى بنسختَيها  العادية و المنمقة من مجرّد خيار أسلوبي إلى شارة هوية تُترجم تسويقيًا إلى نفاذٍ أوسع أو أضيق؛ إذا اعتبرنا أن الفصحى المنمّقة تمنح العمل هالة «مرجعية» يستثمرها المنتجون في تسويق الدراما التاريخية والدينية عبر المنصّات والقنوات العابرة للحدود؛ إذ تقلّ كلفة التوطين، وتتعزّز قابلية التصدير لأن المخاطر اللهجية أقل؛ أو إذا ما قلنا إن الفصحى العادية الميسّرة ذات البيان الإذاعي والوقف الواضح تراهن على قابلية الاستهلاك السريع في الدراما الاجتماعية المعاصرة، فتُحافظ على الفصاحة بوصفها علامة مهنية وتمنح المتلقي انطباع “الحداثة المفهومة”. بين هاتين المدرستين تتحرّك سياسات البائعين والمشترين: مديرو المحتوى والمشتريات في القنوات والمنصّات يقيسون مخاطر اللفظ على جمهور متنوّع، ويقرّرون هوية العمل (بان–عربي/محلّي) وفق مستوى الفصحى؛ ومن ثمّ تُعاد صياغة الهوية اللغوية للعمل باعتبارها أصلًا تجاريًا لا مكوّنًا فنّيًا فحسب.

هنا تظهر السطوة،  فهناك قوة تسعير أعلى في المواسم الكبرى (وخاصة موسم رمضان) بفضل النجومية المصرية والبنية الإنتاجية، فيما راكمت المدرسة السورية عبر تدريب الفصحى التاريخي رأس مال لغوي يوظّف كميزة تنافسية في سلة البيع الإقليمي. تتحوّل قرارات المشرفين اللغويين ومديري الأداء الصوتي إلى أدوات سلطة داخل غرفة المونتاج؛  فيتم التدقيق في أي فصحى تُعتمد في البرومو التسويقي،  وإلى أيّ مدى يُرخَّص بالتخفيف مثلاً، وأيّ مفردات تُستبدل لتقليل الحساسية المحلية والإقليمية. هذه التفاصيل لا تحسم فقط جماليّات المشهد، بل تحدّد ممرّات التوزيع، وأسعار البيع، ونِطاق الترجمة ،والدبلجة. وعليه، فإن صراع الهوية بين مدارس الفصحى ليس اختلاف ذائقة فحسب؛ إنّه لعبة موقعٍ وسوق، حيث تُعاد صياغة الانتماء اللغوي بوصفه قيمة تبادلية تُقرِّر من يرى العمل، وبأي سعر، وفي أي خريطة بث.

 فوضى المنصات واعتذار لم يطفئ نارًا

صاحَبَ هذا التصريح ضجة في الشارع المصري، وسارع رموز مصريون بارزون، وفي مقدمتهم أشرف زكي نقيب الممثلين، إلى الدفاع عن زملائهم. وقد عقّب زكي بأن على حداد أن ينصرف إلى تحسين نفسه قبل انتقاد الآخرين، في تعليق يعكس عمق الإهانة التي شعر بها محترفو مصر. وأوحى هذا الدفع بأن تصريحات حداد تجاوزت حدًّا مرسومًا؛ على اعتبار أنه في حقل يُشاد فيه بمصر كثيرًا بوصفها “أمّ الفن العربي”، يُقرأ التشكيك في كفاءة الممثلين اللغوية على أنه تقويض لسلطة مصر الثقافية. وتبيّن الواقعة كيف يمكن أن تتحول مناقشات الكفاية اللغوية سريعًا إلى منازلات حول المكانة الوطنية والفنية، خصوصًا حين تكون ريادة مصر الثقافية موضع رهان. تُظهر واقعة تصريح حداد كيف يتقمص الجمهور دور الحارس لمعايير اللغة والثقافة. فقد لجأ مصريون كثيرون إلى وسائل التواصل للتعبير عن الغضب، ليس من الإهانة المتصوَّرة فحسب، بل أيضًا من الإيحاء بأن ممثليهم يفتقرون إلى الانضباط. ويكشف هذا الغضب أن النطق وإتقان الفصحى مرتبطان بالفخر الوطني: فالجمهور يتوقع معيارًا معينًا، حتى لو كان الترفيه اليومي يعتمد إلى حد كبير على العامية. كما تكشف الردود الإلكترونية انقسامات جيلية وأيديولوجية؛ فبينما يصر البعض على قدسية الفصحى لغةً للثقافة والتعليم، يرفض آخرون الانتقاد بوصفه متقادماً في بيئة إعلامية تهيمن عليها العاميات.

إزاء تصاعد النقد، أصدر حداد اعتذارًا، موضحًا أنه لم يقصد الانتقاص من الممثلين المصريين. وشدّد على احترامه لإرث مصر الفني، واصفًا المصريين بأنهم “معلمون ورواد” وضعوا أسس المسرح والتلفزيون العربيين. وصرّح أيضًا بأن المصريين تجاوزوا مرحلة الانشغال بالفصحى، في إشارة إلى أن تركيزهم بات منصرفًا إلى أوجه إبداع أخرى. وبرغم نبرة التصالح، يكشف الاعتذار توترًا مستترًا: التمييز بين تقدير الإسهام المصري تاريخيًا وبين التساؤل عن النهج الراهن في التدريب اللغوي. وهذه الازدواجية تبرز كيف تحاول الاعتذارات في المنازعات الثقافية الموازنة بين توقير التقليد والاعتراف بتحولات الممارسة.

 بالمحصلة، فتح هذا الحوار بابًا لنقاشٍ مهنيّ قديم حول معايير الأداء الصوتي في الدراما العربية ووظيفة اللغة داخل الأنواع الدرامية المختلفة. جاءت الاستجابات متباينة على نحوٍ يكشف خرائط النفوذ والاعتبارات الجمالية في الحقل نفسه؛ فقد قدّم محمد هنيدي تأييدًا حذرًا لملاحظة حدّاد، معتبرًا أن المشكلة تتعلق أساسًا بمخارج الحروف والإلقاء، ومشيرًا إلى نماذج تاريخية مرجعية (مثل “عمر” و”الزير سالم”) وإلى أسماء مصرية سبقت وأتقنت الأداء الفصيح؛ في المقابل، وسّع أحمد حلمي زاوية النظر من الفصحى إلى تراجعٍ عام في سلامة التعبير حتى على مستوى العامية المصرية، وهو ما قرأه متابعون بوصفه إقرارًا بوجود فجوة تدريبية تستدعي مقاربات منظمة للإلقاء والصوت.

على الضفة الأخرى، لم يقتصر التفاعل على الفنانين المصريين أنفسهم أو المتابعين العاديين، ليتعداه أيضًا إلى مشايخ ودعاة دينيين إسلاميين يردون على حداد ان العربية المصرية هي قديمة وأن النطق سليم في القرآن وغيره،  ليخرج الداعية عصام تليمة ليدافع عن الرواية المصرية، وكيف كان يوسف وهبة وغيرهم يهتمون في الالقاء واللغة الفصحى، والكتابة وغيرها هي باللغة الفصحى. واتخذ أحمد ماهر موقفًا دفاعيًا صريحًا عن الإرث المصري، معتبرًا تصريح حدّاد تعميمًا مُجحفًا ينتقص من تاريخ طويل لممثلين أتقنوا الفصحى، ومُلمّحًا إلى ضرورة عدم تحويل ملاحظات جزئية إلى أحكام كليّة على الصناعة المصرية. وبين هذين الاتجاهين، قدّم مقدّم الندوة محمد المتيم سياقًا مكمّلًا، موضحًا أن المقطع المتداول مجتزأ من حوار أطول، وأن انتقاد حدّاد جاء بوصفه مثالًا لغويًا لا إساءة شخصية، مع التذكير بثلاث مسلّمات متداولة داخل الأوساط الفنية: تفوّق نسبي للدراما التاريخية السورية في العقود الأخيرة، وإتقان لغوي أعلى “في الغالب” لدى ممثلين سوريين ضمن هذا النوع تحديدًا، وثبات ريادة مصر إنتاجًا ونجومية على مستوى السوق العربية.

على المنصات، تراوحت التفاعلات بين غضبٍ دفاعي قرأ في الكلام إساءة للمشهد المصري، ونبرة تهكّم طالت الدراما السورية، ومراجعات تاريخية ومناطقية كثيرة، وبين أصواتٍ حاولت تحويل الجدل إلى نقاشٍ مهني حول مكانة المشرف اللغوي، ومعايير اختيار السجلّ اللغوي تبعًا للنوع الدرامي (تاريخي/ملحمي مقابل اجتماعي/واقعي). وبمنظور نقدي وصفي، لا ينصبّ الخلاف على “قيمة” الفصحى بحدّ ذاتها بقدر ما يتعلّق بوظيفتها وحدودها داخل الأعمال: فالفصحى تُستخدم لإحكام الإطار الأسلوبي في العوالم التاريخية أو الدينية، بينما تظل العامية معيارًا للحميمية والمطابقة الواقعية في الدراما الاجتماعية. وعليه، تشير مجمل الردود إلى حاجةٍ مهنية متكررة لسياسات لغة أوضح داخل الإنتاجات، بما في ذلك التدريب الصوتي المنتظم، وتحديد أدوار المشرفين اللغويين، ووضع معايير معلنة لاختيار السجلّ المناسب للمشهد والنص.

 يكشف هذا السجال، وفق معطياته المعلنة، عن توتّرٍ بين معيارين للأداء؛  الأول هو معيار الضبط الصوتي الذي يرتبط تقليديًا بالأعمال التاريخية ويستدعي أدواتٍ تدريبية صارمة، والثاني هو معيار الصدقية الاجتماعية الذي يمنح العاميات أولويةً وظيفية في الدراما المعاصرة. وتُظهر خرائط المواقف أن الخلاف الحالي يصلح “مؤشرًا” على فراغٍ تنظيمي أكثر منه خصومة فنية، وهو ما يدفع مراقبين إلى ترقّب تحوّل النقاش من ردودٍ انفعالية إلى إجراءاتٍ عملية داخل المعاهد وورش العمل والبلاتوهات، بحيث تُصان قيمة الفصحى في مقامها ويُحافَظ في الوقت ذاته على واقعية العاميات حيث تقتضي بنية الحكاية.

 مجلة رمان

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى