خطابات الشرع الباردة/ شعبان عبود

23 سبتمبر 2025
لعبت الخطابات السياسية دوراً مركزياً في رسم علاقات الزعماء بشعوبهم. وحقيقة الأمر أن الإنجاز السياسي لم يكن وحده هو ما ضمن لزعماء كثيرين مكانتهم، بل قدرتهم على مخاطبة الشعوب بلسان عفوي، حيّ، ومباشر، وقدرتهم على الإيحاء بأنهم قريبون جداً من الناس ومشاعرهم.
كان جمال عبد الناصر يلهب مشاعر الجماهير بكلمات عفوية، هذه القدرة على الارتجال ومخاطبة الجمهور ربما كانت واحدة من أهم أسرار جاذبيّته، بغض النظر عما حملته تلك الخطابات من مضامين سياسية. وياسر عرفات، بصوته المنفعل، المتردّد أحياناً، كان يترك أثراً واضحاً في نفوس مستمعيه.
في هذا السياق، يبرز الرئيس السوري أحمد الشرع نموذجاً مغاير تماماً، فمنذ تولّيه السلطة، لوحظ أمر لافت: لم يلقِ أي خطاب مرتجل. كل كلماته وخطاباته جاءت مكتوبة بالكامل، وكانت تُقرأ بنبرة هادئة ومحسوبة، تخلو من التفاعل اللحظي أو التلقائية التي ينتظرها كثيرون من “قائد” خرج من رحم ثورة وحرب أهلية طويلة وأزمة وطنية عاصفة. هنا يصبح التساؤل مشروعاً عن دلالة هذا الخيار، ولماذا يصرّ الشرع على الخطاب المكتوب؟
ربما يوحي غياب الارتجال بنوع من القلق من الجماهير أو ضعف في التواصل العاطفي مع الناس، فالقادة الذين يرتجلون خطابهم غالباً ما يثقون بأنفسهم، ويشعرون بارتياح أمام الجمهور، ويتقنون فن التقاط اللحظة والتفاعل معها. كذلك، قد يعكس اعتماد الشرع على الخطاب المكتوب شخصية رجل كان قائداً لتنظيم مستهدف أمنياً، وعمل طويلاً في الخفاء، وهذا قد يكون أحد أسباب الحذر من التواصل المباشر مع الجمهور.
من ناحية ثانية، يمكن تفسير هذا النهج أيضاً بأنه تعبير عن نزعة عقلانية صارمة، تُفضّل الانضباط والدقة على العفوية. ففي بلد خرج للتو من حرب أهلية طاحنة، قد يرى الشرع أن كل كلمة يجب أن تُوزن بميزان الذهب، وأن الزلّة اللغوية قد تفتح أبواب التأويل والتجييش، في وقتٍ لا تحتمل فيه البلاد المزيد من الاستقطاب.
وبصراحة أكثر، لو فكّرنا في هذا الإصرار على الخطاب المكتوب سنجد أنه لا يمكن تفسير أسبابه، ولا يمكن فصله عن السياق السوري شديد الحساسية، فالرئيس الشرع يقود بلداً يرزح تحت انقسامات مجتمعية عميقة، حيث الثقة بين مكوّنات الشعب متصدّعة، والجراح السياسية والطائفية لم تندمل بعد. في مثل هذا المناخ، قد يُنظر إلى كل جملة، بل إلى كل مفردة، إشارة مرمّزة أو انحيازاً مبطّناً. ولذلك، يبدو أن الشرع يختار كلماته بدقة، متجنباً أي انفعال أو تعبير تلقائي قد يُستغلّ لإثارة الجدل أو فتح أبواب التأويل. هنا يمكن النظر إلى هذا الحال بوصفه انعكاساً لعقل منظّم. الشرع هنا يبدو أنه لا يسعى إلى زعامة كاريزمية شعبوية، بل إلى تقديم نفسه رجل دولة يشتغل على إعادة بناء المؤسّسات، ويبتعد عن الإبهار البلاغي.
في الوقت نفسه، لا يتحرك الشرع في فراغ سياسي، فعيون العالم مسلّطة على دمشق، تراقب كل ما يصدر عن السلطات الجديدة بقيادته، أي خطأ لفظي قد يُضخَّم دولياً، وقد يُفسَّر إشارة إلى نياتٍ خفية أو أجندات غير معلنة. في ظل هذا الضغط المزدوج، الداخلي المنقسم، والخارجي المترصّد، يُفضّل الشرع الوقوف على أرض آمنة.
وبغض النظر عن ذلك كله، يبقى السؤال الأهم: هل يكفي هذا النهج المكتوب وحده لبناء علاقة ثقة بين الحاكم والمواطن؟ فكما نعلم، الخطاب السياسي ليس بياناً صحافياً، بل هو جسدٌ حي يتنفّس التفاعل، ويتغذّى على النبرة والنظرة والصمت أحياناً. حين يُقرأ الخطاب من الورق فقط، يشعر المتلقي أو الجمهور بأن ثمّة مسافة بينه وبين المتكلم، ثمة برودة لا تتناسب مع لحظات غليان وأزمات ومواضيع مقلقة يعيشها السوريون، يشعر بأن الخطاب والكلمات لم تُكتب له، بل لغيره.
العربي الجديد



