ستارلينك في دمشق/ حسام موصللي

13/09/2025
“(الكتابة) بيتُ الوجود”، بَتصرُّفْ، بالإذن من مارتن هايدغر.
توقَّفت عن الكتابة قبل قرابة عشر سنوات. لم أنقطِع عن فضاءاتها وعوالمها تماماً، بيد أنَّ علاقتنا الحميميَّة صارت محصورةً في مسافةٍ آمنة أو لنَقُل عن طريق وساطات: تَرجمات ما بين كتبٍ ومقالات ودراسات، وتكليفات بنصوصٍ أدبيَّة أو مقالات معرفيَّة كتبتُها وتُرجمَت مباشرةً إلى لغاتٍ أخرى دون أن تُنشَر بالعربيَّة، وبضع أوراقٍ بحثيَّة للجامعة ومراكز دراسات، بالإضافة إلى العمل على مراجعة عشرات الكتب في الأدب وصنوف شتَّى من المعرفة والعمل على تحريرها أو تدقيقها لجهة اللغة. على الرغم من ذلك، ومقارنةً بالسنوات ما بين 2011 إلى 2016، فلا أعتبر أنَّني كتبتُ أيَّ حرف، هكذا ببساطةٍ ووضوح.
في الأعوام آنفة الذكر، ولنسمِّها الذهبيَّة، كتبتُ في النضال والثورة والمجتمع والسياسة والسينما والأدب وغيرها من مجالات، وما زلت أعتبر نفسي من الصفوة الأكثر حظَّاً إذ قُدِّر لي أن أنشر عدداً من نصوصي النثريَّة والشعريَّة في الملحق الثقافيِّ لجريدة النهار اللبنانيَّة قبل إيقاف نشره في عام 2015. المهمّ، وباختصار، كانت الكتابة جزءاً أصيلاً من روحي؛ الحامل الموسيقيَّ لمنظوري الخاصّ إلى عالمٍ أحتفي بأفراحه وكوارثه على هيئة حروف وكلماتٍ تتداعى على الورق أو شاشة الكمبيوتر مثل راقصة باليه رشيقة تكاد أن تطير كما ريشة شفَّافة.
كتبتُ في دمشق، وفي بيروت، وفي الإسكندريَّة والقاهرة، وفي إسطنبول. وطالما اعتدتُ في كلِّ رحلةٍ من مدينةٍ إلى أخرى أن أنسى بعضَ أغراضي- قميصاً هنا، أو كتاباً هناك- لكنَّني لم أكُن على درايةٍ أنَّني سأنسى الكتابة بمجرَّد أن أغادر إسطنبول. كانت الأخيرة تَعني بالنسبة إليَّ ما كتبتُه وأنا فيها كعنوانٍ لواحدٍ من آخر نصوصي في ملحق النهار “الطبعة الأولى لمدينتي القديمة”، في إشارةٍ إلى دمشق. سافرتُ إلى السويد بفضلِ الكتابة، بل ودعيتُ هناك بـ “كاتبٍ ضيف” مع احتفاءٍ مبالَغٍ به، وللمفارقة أنَّني حملتُ معي من إسطنبول كلَّ شيءٍ إلَّا الكتابة التي كانت نفسها بمثابة تذكرة طيراني إلى هناك؛ تركتُها تائهةً في أزقةٍ إسطنبول التركيَّة والكرديَّة والعربيَّة والفرنسيَّة والإيطاليَّة والأرمنيَّة والكرديَّة؛ كائناً يتحدَّث كلَّ لغات العالم لكن لا صوتَ له؛ حروفاً مفكَّكةً تتسوَّلُ عند كلِّ قارعةٍ وناصيةٍ كنايةً من هُنا ومجازاً من هناك لكن بلا طائلٍ ودونما فائدة؛ حَمْلاً كاذباً.
“ما تبحثُ عنه يبحثُ عنك”، جلال الدين الرومي.
أوَّل مرَّةٍ عادَت الكتابة لتداعبَ فيها مخيِّلتي من جديدٍ بعد كلِّ ذلك الانقطاع كنتُ حينذاك في قاهرة المعزّ، قبل قرابة عامٍ ونصف. مقاهي القاهرة الشعبيَّة، كباريها ونيلها، أرصفتها الكسيرة كقلوب العاشقين، حزنُ جدران صالات السينما المغلقة التي تحوَّلت اليوم إلى شمَّاعات للأحذية، وبالطبع المشهد اليوميّ الأكثر تعبيراً عمَّا تمرُّ به المنطقة، وأعني: عبورَ المشاة لشوارعَ عريضةٍ وسريعة، دونما إشارة مرورٍ أو نفقٍ أو جسر، ودونما إضاءةٍ حتَى، وللمفارقة: دونما وَجلٍ من المارّة أو السائقين على حدِّ سواء! فيلم “مصريّ” طويل، في كنايةٍ عن أنَّنا بطريقةٍ ما، مِلؤُها الفوضى والعشوائيَّة والاعتباط، نَعبُر إلى الضفَّة الأخرى في كلِّ مرَّة. من المنطقيّ ألَّا نعبُر، ولكنَّنا لسببٍ ما ننجح بالعبور! والحقيقة أنَّ القاهرة، حتَّى في ظرفها الحاليّ، لا تزال تغري بما هو أكثر من ذلك بكثير، وأوَّل ما تغري به هو الحبُّ، وكيف لا وأنت تسير خفيفاً على أوتار الجمال، عابراً للتاريخ نحو أزَّقة نجيب محفوظ ومحمَّد عبد الوهاب وصلاح عيسى ومحمَّد خان وعاطف الطيِّب و و و…! بل لم تشأ القاهرة أن أغادرها دون أن تحفر آثارها في جسدي مادَّةً ومعنى: فقبل أن أسافر عنها ألمَّت بي نوبةٌ قلبيَّة كادت أن تودي بحياتي. ولقدرٍ لا أعرفه، وبفضل بنات القاهرة وأبنائها على اختلاف الجنسيَّات، نجوت في الدقائق الأخيرة. عملتُ لاحقاً أنَّ لديَّ “ندبةً” ستظلُّ حاضرةً في القلب مدى الحياة على إثر موت بعض الخلايا. والحقُّ أقول إنَّ ذلك أدخل إلى قلبي كثيراً من سرورٍ وعزاء؛ كيف لا والقاهرة قد تمسَّكَت بقلبي لئلَّا أرحل عنها حتَّى خلَّفت أظافرها فيه ندبةً ستظلُّ تخبرني أبد الدهر أنَّها خالدةٌ معي، وَسطَ الحشا.
“الحياة لا تُفهَم إلَّا إلى الوراء، لكنَّها لا تُعاش إلَّا إلى الأمام”، سورن كيركجور (كيركغارد).
عدتُ إلى دمشق. ثلاث كلماتٍ لا تكفي لاختصار أزمنةٍ شديدة الكثافة والتعقيد. غادرتُها في الأيَّام الأخيرة من عام 2012، وها أنا أعود إليها في أواسط صيف 2025، بصلعٍ في الرأس، وندبة في القلب، والكثير من الشوق والحزن واللوم والصخب، وبحبٍّ ما زاده المنفى إلَّا أصالةً ونضجاً ورسوخاً. دخلتُ إلى المدينة النائمة تعباً في صباح يوم سبت، كانت شبه فارغةٍ إلَّا من بعض شرطة المرور وعمَّال النظافة. لم أميِّز أوكسجينها في بادئ الأمر. لكن أوَّلُ ما فعلَتهُ بي هو أنَّها وضعَت حدَّاً لقلقي المزمن من ذاكرتي التي أصبحت في السنوات الأخيرة انتقائيَّةً حتَّى بدأت أشكُّ أنَّني سأصاب بألزهايمر مبكِّراً، وهو قَلَقٌ بطبيعة الحال ينطوي على بعض الراحة. قريباً من باب شرقي، اجتاحني دفقٌ لا محدود من الشخوص والذكريات والأماكن، من مراحل عمريَّةٍ مختلفة، ومن بيئات تكاد أن تكون متنافرة، بما في ذلك أصدقاء دراسة في مراحل ومقاعد متعدِّدة، وأصدقاء ومعارف عمل، وأوساط ثقافيَّة مُهمَلة وصعاليك و”مخيَّمجيَّة” عتاة، ثمَّ بالطبع أدرينالين المظاهرات الطيَّارة والمسائيَّات في جوبر وبرزة، الاعتقال، المستشفيات الميدانيَّة، غياب الأصدقاء لأسباب ووجهات مختلفة …. تأتي المشاهدُ أحياناً بدقَّة 4k، وفي أحيان أخرى غائمةً كزجاجة بيرة “مشبَّرة”، كما يقول رفاق الحانات في مصر. ثلاث عشرة سنةً غبتها عن هذا المكان، وغيَّبتهُ مثلَها عن ذاكرتي عدا عن بعض الكوابيس التي يتشاركها اللاوعي الجمعيُّ لأبناء وبنات جيلي الذين عرفوا رعب الحواجز، فنرى أنفسنا كلَّ مرَّة، ونستغرب في كلِّ مرة، نركض لاهثين هاربين من مطاردةٍ عبثيَّة في خرائط حاراتنا وأزقَّتنا. على هذه الصورة، كان الوطن يصرُّ أن يتسرَّب من شقوق الذاكرة. ينصحني الطبيب بالمشي، وهذا ما أدأب عليه منذ عودتي؛ ساعةٌ أو ساعتان على نحوٍ شبه يوميّ، أُنعِش فيها قلبي وروحي وبصري. أتجوَّل في أزقَّة مدينتي القديمة، أجتمعُ بأصدقائي الصامدين الذين لم يغادروها، لكنَّها برغم ذلك صارَت منفاهم أيضاً في آن. نعيدُ اكتشافها معاً، تعريفَها، نجرِّب أن نتعاطى شؤونها بموضوعيَّة باحثٍ إثنوغرافيّ، لكنَّنا نفشل في كلِّ مرَّة أمام خطوط الزمن على أحجارها، فنحزن؛ ثمَّ نفشلُ أمام تَعبِ شيَّابها، فنَشيب. تُنعشُني قراءةُ لافتات المحالّ التي لم تتغيَّر منذ طفولتي؛ أسماء العائلات الدمشقيَّة في الحميديَّة والبزوريَّة وباب شرقي والقيمريَّة والقشلة وباب سريجة وباب الجابية. تُذهلني وتطمئنُني في آن. لا ينفي هذا أنَّ آثار السنوات العجاف الأخيرة بائنة بشدَّة على كلِّ تفاصيلها، لكن هذا قدر المدينة- التاريخ، أو ربَّما لعنتها. وهكذا، أرى نفسي طفلاً، يشتري بعض “الموالح” من محمصة البيرقدار في شارع مدحت باشا؛ أو يعود من مدرسته “المحسنيَّة” وأقصى شواغله الوجوديَّة في الدنيا أن يتيح أهله له ساعةً إضافيَّة من اللعب مع أقرانه؛ ثمَّ أرى نفسي أركض حتَّى أكاد أطير بعد مظاهرة الشعلان، أو بين أزقَّة الميدان، أو القابون، أو مخيَّم اليرموك، أو أو أو …. ثمَّ أرى طائرة مروحيَّة فوق منزلنا القديم في شارع بغداد، تقصفُ جوبر. قبل أيَّامٍ قليلة، رأيت ما فعلته تلك الطائرة بجوبر. لا أدري إن كانت مفرداتٌ من قبيل ركام أو حطَّام أو هشيم أو رماد تكفي للتعبير عن قساوة المشهد. نبكي بحرقةٍ، بصمت، سيولاً تنحفر أخاديد على أرواحنا، على نكبتنا، وعلى ضمير وُلِد ميتاً في هذا العالم. أعودُ وأمشي، في مدينتي؛ أتجوَّل في جامعها الأمويّ وحوله؛ ألاحقُ روائح الرأفة منبعثةً من قبورِ أوليائها؛ وسكينةَ الشموع منعكسةً على أيقونات كنائسها؛ واللونَ الأزرق للافتات التعريفيَّة بمعالمهما، وصوتَ أمّ كلثوم مساءً ينبعث من جهاز تسجيلٍ قديم وهي تغنّي: “القلب يعشق كلّ جميل” لتطرب به مجموعةُ رجالٍ في السبعينات من أعمارهم أمام محالّهم في أحد خانات البزوريَّة، يجلسون على كراسي الخيزران، بكامل أناقتهم ودفئهم وكأنَّهم هاربون من لوحةٍ لمستشرقٍ في دمشق في القرن التاسع عشر. وهكذا أمشي بلا هدف، وكلُّ الهدف دمشق.
“الفضاءُ الذي نحبُّه هو كونٌ مُصغَّر”، غاستون باشلار.
ختاماً، ما علاقة ستارلينك بكلِّ ما سبق؟ حسناً، منذ فرار بشَّار الأسد من البلاد وعودتنا إليها، وخاصَّة من المنافي الغربيَّة، وبسبب سوء خدمات الإنترنت المحلِّيَّة وتأثير العقوبات الدوليَّة، شاع استخدام أجهزة ستارلينك للإنترنت الفضائيِّ كحلٍّ بديل. بيد أنَّ هذه تحتاج حتَّى تعمل بكامل استطاعتها إلى ما يُسمَّى بالقبَّة، أي إلى مجالٍ خالٍ من أيِّ معوِّقاتٍ أمام إشارات الأقمار الاصطناعيَّة. ذكرتُ هذا التوصيف التقنيَّ المبسَّط لأقول إنَّني اكتشفت هذه الأيَّام أنَّ علاقتي بالكتابة هي في الواقع أشبه بعلاقة ستارلينك بقبَّته؛ فتلك المدن، بيروت والإسكندريَّة والقاهرة وإسطنبول، كانت قبَّتي، ومركزها دمشق، حيث تتعاظم تلك الإشارة إلى حدٍّ تجتاحني فيه كاملاً حتَّى أشعرَ بحاجةٍ إلى الكتابة لا تقلُّ عن الحاجةُ إلى الهواء الذي أتنفَّسه.
مجلة رمان



