صحفيو سوريا يناقشون مسودة لمدوّنة السلوك.. هل تؤسس لخطاب إعلامي منضبط؟/ عز الدين زكور

2025.09.25
في ورشة نقاشية جمعت صحفيين سوريين في مدينة إدلب، أخذ جدال دائر حول تعريف “المؤثرين” و”صنّاع المحتوى الاجتماعيين” حيزاً كبيراً من الورشة التي امتدت نحو 3 ساعات في “كتاب كافيه” بدعوةٍ من وزارة الإعلام السورية واللجنة المشرفة على إعداد “مدوّنة سلوك مهني وأخلاقي” هي الأولى من نوعها بعد سقوط نظام الأسد.
وعلى الرغم من أن عنواني “المؤثرون وصناع المحتوى” تفصيلان صغيران من المدوّنة التي تتناول مختلف الجوانب المرتبطة بالعمل الصحفي والإعلامي في سوريا، إلا أنها “إضافة جديدة تعكس عصرية المدوّنة ومواكبتها لمختلف التطورات على الساحية الإعلامية وصناعة المحتوى في سوريا”، وفقاً للقائمين على إعدادها. إذ إن تناول الظاهرتين من منطلق مهني يعيد إعادة تعريف هاتين الفئتين ويُبدد الخلط الحاصل بينهما، ويضعهما ضمن إطار أخلاقي مقبول اجتماعياً ومهنياً، في ظل الجدل الذي يجتاح وسائل التواصل بين الحين والآخر بين الانتقاد والسخط تارةً، ومحاولة فهم أدوار هذه الفئات في الحياة العامة في سوريا، تارةً أخرى.
مداخلات طويلة، وتعليقات حيّة، ومقترحات تعديلات، وأحاديث مهنيّة تدور منذ 14 من أيلول الجاري، ضمن ورشات مناقشة مدوّنة السلوك، تعقدها اللجنة المشرفة في المحافظات السورية مع الصحفيين والإعلاميين والعاملين في الشأن الإعلامي، قبل الإعلان عن ولادة مدوّنة موسّعة تشكل مرجعية أخلاقية للخطاب الإعلامي في سوريا.
لجنة مستقلة
أكّد عمر حاج أحمد، عضو اللجنة والمدير العام للشؤون الصحفية في وزارة الإعلام، أنّ الحاجة الماسّة لضبط الخطاب الإعلامي وخطاب الكراهية، إلى جانب السعي لامتلاك إعلام حر ومسؤول، دفعت الوزارة إلى إطلاق مشروع إعداد “مدونة سلوك مهنية”.
وأوضح حاج أحمد لموقع تلفزيون سوريا، أنّ المبادرة انطلقت من وزارة الإعلام، وكانت أولى الخطوات تشكيل لجنة مختصة للإشراف على إعداد المدونة، معظم أعضائها من خارج الوزارة، تضم عشر شخصيات تمتلك خبرة واسعة في مجال مدونات السلوك ومواثيق الشرف وأخلاقيات الصحافة، وبعضهم يملك تجارب دولية في هذا المجال، مؤكداً على حرص القائمين على المدوّنة أن تكون اللجنة المشرفة على إعدادها مستقلة ومن خارج ملاك الوزارة، والأسماء تؤكد حقيقة هذه التوجه.
وجرى تشكيل اللجنة برئاسة الصحفي علي عيد، وتضم كلاً من الدكتور زيدون الزعبي، والدكتور خالد زعرور، وأكرم الأحمد، ولجين حاج يوسف، وهلا خير الله، وعبسي سميسم، ومحمود الشحود، والدكتورة ندى الأسود، وعمر حاج أحمد نفسه. مشيراً إلى أنّ هذه التشكيلة جمعت أكاديميين وخبراء وممثلين عن المجتمع المدني، في حين مثّلت وزارة الإعلام بشخص واحد فقط.
منهجية جديدة لإعداد المدونة
وأشار حاج أحمد إلى أنّ اللجنة اعتمدت منهجية عمل جديدة لصياغة مدونة تفصيلية غير مسبوقة في المنطقة، نظراً لحساسية الوضع في سوريا. فتم إعداد وثيقة شرف مختصرة لطرحها في ورشات العمل، ليُصار بعد النقاشات الموسّعة إلى إنتاج مدونة سلوك تفصيلية قد تتجاوز خمسين صفحة.
وبيّن أنّ الخطة تتضمن تنظيم أكثر من 17 ورشة عمل، منها 12 في مختلف المحافظات السورية و5 عبر الإنترنت، بمشاركة نحو 400 صحفي من أصحاب القرار في المؤسسات الإعلامية المحلية والإقليمية والدولية، إضافةً إلى صحفيين مستقلين ملمين بمدونات السلوك وأخلاقيات المهنة. وبعد هذه الورشات سيُختار عدد من المشاركين للمساهمة في صياغة المدونة، استناداً إلى المقترحات التي تطرح خلال النقاشات، على أن تستغرق هذه المرحلة نحو 60 يوماً، مع إتاحة المجال أمام المجتمع السوري لتقديم ملاحظاته عبر رابط مخصص لذلك.
محاور المدونة وتفاصيلها
وأشار حاج أحمد إلى أنّ المدونة شملت أهم التعريفات المتعلقة بالعمل الإعلامي والصحفي والإعلاني، ولا سيما الإشكالية منها، إضافةً إلى المعايير الأخلاقية والمهنية التي يجب أن يتحلى بها الصحفي. كما أُدرجت بنود خاصة باستخدام الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي وطرق الإشراف والمساءلة، فضلاً عن فقرات معنية بصانعي المحتوى، وهو ما يعد إضافة جديدة على مستوى مدونات السلوك.
ولفت إلى أنّ هذه المدونة التفصيلية تغوص في أدق معايير المهنة وأخلاقياتها، لضبط الخطاب الإعلامي والالتزام بالمعايير، بما يضمن إعلاماً مهنياً ومسؤولاً. وأكّد أنّ التزام المدونة أخلاقي بحت ويختلف تماماً عن قانون الإعلام، لكنها قد تشكل أرضية لإعداد قانون إعلام جديد، خصوصاً في ما يتصل بأخلاقيات العمل الصحفي وضبط الخطاب والمحتوى الإعلامي.
مشاركة واسعة وملاحظات المجتمع
وشدّد حاج أحمد على أنّ اللجنة حرصت على إشراك أصحاب المصلحة في كل التفاصيل، لكون المدونة معنية بضبط المحتوى والخطاب الإعلامي لدى المؤسسات الحكومية والخاصة وصانعي المحتوى، ما يجعل هذا الضبط التزاماً أخلاقياً قبل كل شيء. وأوضح أنّ هذه المشاركة أثمرت نقاشات نوعية سواء من خلال جمع التغذية الراجعة والمقترحات، أو عبر شرح أهمية المدونة وضرورة التزام المؤسسات والصحفيين بها.
جغرافيا الورشات
وكشف حاج أحمد أنّ الورشات شملت معظم الأراضي السورية باستثناء السويداء، موضحاً أنّ الورشة الأولى عُقدت في دمشق، والثانية في الحسكة، ثم انتقلت إلى الساحل السوري ودرعا، وبعدها إلى إدلب وحلب، على أن تُستكمل في حمص وحماة مع العودة إلى دمشق، فضلاً عن الورشات الافتراضية التي تستهدف الصحفيين خارج البلاد أو من تعذر الوصول إليهم في الورشات الحضورية.
لجنة خاصة للصياغة النهائية
وختم حاج أحمد موضحاً أنّ لجنة خاصة ستتولى الصياغة النهائية للمدونة استناداً إلى ملاحظات الورشات والمقترحات المقدمة عبر الروابط الإلكترونية. وأشار إلى أنّ هذه المرحلة قد تستغرق شهراً كاملاً، لتنتج مدونة سلوك مهنية عصرية غير مسبوقة، مقارنةً بمدونات السلوك العالمية.
إشراك صانعي المحتوى وجدلية الدور
بالعودة إلى صنّاع المحتوى، تطرّق حاج أحمد إلى أهمية إشراك “المؤثرين وصانعي المحتوى الاجتماعي”، باعتبارهم شريحة واسعة يجب تعريفها بالمعايير الأخلاقية التي ينبغي أن تحكم محتواهم. لكنه أشار إلى أنّ أبرز النقاشات التي برزت في الورشات تمحورت حول ما إذا كان يجب إدماج هذه الفئة في صلب المدونة أو تخصيص ملحق خاص بهم.
من جهته، يؤكد أكرم الأحمد ـ عضو في اللجنة ـ أن النقاش حول المؤثرين وصنّاع المحتوى شغل الحيّز الأكبر من الجلسات المنعقدة مع الصحفيين السوريين، ويشير إلى أن نقاشات طويلة جرت حول أحقية هذه الفئات في التوقيع على المدوّنة، أو إعداد مدوّنة خاصة بهم أو ملحق بالمدوّنة الأساسية.
وتُعرّف المدوّنة ما تصفه بـ”صانع المحتوى الاجتماعي” بأنه: “كل شخص ينتج مواد أصيلة أو يعيد إنتاج مواد منشورة، يعتمد على منصات التواصل الاجتماعي ويتوجه للغرائز، والعاطفة، يحابي السلوك والآراء الاستهلاكية ويعتمد على التكرار، والترفيه، والقرب من الجمهور”.
أما من أطلقت عليه المسودة “المؤثّر” فجاء تعريفه بأنه: “كل شخص يقوم بنقل المعلومات أو نشر محتوى يهدف التأثير في توجيهات ووعي سلوك الجمهور، وينشط على منصات التواصل الاجتماعي أو المدونات الخاصة على الشبكة”.
وما تزال التعريفات هي قيد التداول والمناقشات الواسعة بين جمهور الصحفيين، وهي غير نهائية من الناحية الصياغية، وربما تطولها تعديلات بناءً على مقترحات المشاركين في الورشات المنعقدة.
هل تستفيد المدوّنة من تجربة 14 عاماً؟
أكّد الأحمد في حديثٍ لموقع تلفزيون سوريا، أنّ أهمية هذه المدوّنة المهنية والأخلاقية في سوريا تنبع من دورها في ضبط الممارسات الصحفية، ولا سيما في بيئة مضطربة عاشت أربعة عشر عاماً من الحرب والثورة.
ولفت إلى أنّ هذه الظروف أفسحت المجال واسعاً أمام التضليل والتلاعب بالأخبار، والتدخلات السياسية والأمنية، إضافة إلى ارتفاع غير مسبوق في خطاب الكراهية، ما يجعل من المدوّنة إطاراً أخلاقياً لا غنى عنه للصحفيين.
ويجد أن الصحفيين أظهروا تفاعلاً مميزاً بناءً على تجاربهم الغنية على مدار 14 عاماً الماضية، خلال سنوات الثورة، مستفيدين من أخطائهم التي وقعوا بها في السابق، ما أضاف عمقاً في النقاش.
وأشار الأحمد إلى أنّ هذه المدوّنة تسهم في بناء ثقة الجمهور بالمؤسسات الإعلامية، موضحاً أنّ الثقة عادة ما تنخفض في بيئات مثل سوريا. وأوضح أنّ التزام الصحفيين بالأطر الأخلاقية التي ترسمها المدوّنة من شأنه تعزيز هذه الثقة وإعادة الاعتبار للإعلام السوري.
حماية الصحفيين وتوجيه التعامل مع القضايا الحساسة
وبيّن الأحمد أنّ المدوّنة لا تقتصر على توفير إطار أخلاقي فحسب، بل تمثّل أيضاً أداة لحماية الصحفيين من الاستغلال أو الوقوع في مآزق وانزلاقات أخلاقية، كما تساعد على ترسيخ فهم مهني في التعامل مع الأحداث، وتوفّر توجيهاً واضحاً عند التغطية في القضايا الحساسة المرتبطة بالنساء والأطفال وحقوق الإنسان، وفي سياقات الحروب والضحايا والأزمات.
وختم الأحمد مؤكداً أنّ المدوّنة تسعى إلى إرساء حالة مساءلة حقيقية للصحفيين والإعلام في سوريا، عبر وضع أطر تتيح للجمهور محاسبة الصحفيين على أدائهم، بما يعزز مناخ الشفافية ويكرّس المسؤولية المهنية والأخلاقية.
“محاولة في بناء إعلام مسؤول”
يعتبر معاذ العباس ـ مراسل تلفزيوني ومشارك في ورشة إدلب ـ أن هذا النوع من المدوّنات من شأنها أن تثقل المعارف الأخلاقية لدى الصحفيين والإعلاميين السوريين، وما يميز التجربة هو فتح باب التعديل بناءً على اقتراحات الصحفيين المشاركين في الورشات، إلى جانب الشفافية والاستقلالية التي تتمتع بها.
ويجد العبّاس خلال حديث لموقع تلفزيون سوريا، أن الدافع الأخلاقي الفطري لدى الصحفي هو أكثر ما يلزم الصحفي في الالتزام، إلا أن تعميم فكرة المدوّنة ربما يشكّل قاعدة أخلاقية وسلوكية للصحفيين عبر تبنيها من قبل وسائل الإعلام السورية، ما ينعكس إيجاباً بكل تأكيد على العمل الإعلامي.
من جانبه، يرى حسين الطويل ـ مشارك في ورشة إدلب أيضاً ـ أن خطوة إعداد مدوّنة السلوك لا تعدو عن كونها رمزية أكثرية من أنها عملية، كما أنها محاولة لبناء ثقافة إعلامية مسؤولة بعد سنوات من الفوضى الإعلامية التي غذّتها الحرب والفوضى السياسية.
ويعوّل الطويل على أن تكون الخطوة بداية لبناء ثقافة مهنية جديدة فيما لو دُعمت بآليات إلزام وحماية حقيقية وواقعية على الأرض.
تلفزيون سوريا



