في الحاجة إلى تَصوُّر اتحادي للوطنية السورية/ صادق عبد الرحمن

دفاعاً عن سوريا التي لنا/ صادق عبد الرحمن
الجزء الأول:
يشيع في أوساط الثورة السورية، خصوصاً في الشتات والمناطق الخارجة عن سيطرة النظام، نوعٌ من نكران سوريا نفسها بينما يكون القصد نزع الشرعية عن سوريا الأسد، أو مجرّدَ التذكير بموجبات الثورة على نظام الحكم فيها. ويتخذ هذا النكران في العادة شكلين أساسيين؛ أولهما اعتبار مناطق سيطرة النظام أرضاً عدوةً بكل ما فيها من بشر وحجر وعمران ومدنيين ومقاتلين، وثانيهما نكران كل وجه إيجابي للحياة والعمل في سوريا قبل الثورة، وكأن كل ما فعله أهل البلد منذ سيطرة الأسدية عليه، من علم وثقافة وفن وحياة، إنما هو أسديٌ منسوب إلى نظام الحكم.
وليس النكران المقصود هنا هو ذاك الذي يعتبر أصحابه أن سوريا ليست كياناً قابلاً للبقاء والتحول إلى دولة وطنية حقيقية، لأن لهذا النقاش مجالاً آخر يتعلق بالاجتماع السياسي والمفاهيم الدستورية. كذلك ليس المقصود نكران سوريا لأسباب إيديولوجية، من قبيل إنكار استقلالها لصالح ضرورة اندماجها في كيانات أكبر عربية أو إسلامية مثلاً، أو إنكار وحدتها لصالح تقسيمها إلى كيانات أصغر على أسس قومية أو إثنية أو طائفية. لكن النكران المقصود هنا هو تلك التعبيرات والكتابات التي تحط من شأن البلد وأهله قبل الثورة، أو تحط من شأن المناطق التي تسيطر عليها قوات النظام ومؤسساته بعد الثورة، دون أن تستند إلى تصورات إيديولوجية أو نقاشات سياسية أو دستورية.
ويشمل النكران الذي يحاول هذا النص مجادلته تعبيرات مباشرة، من قبيل الكتابات والأحاديث التي تدافع عن ضرورة القطيعة الكاملة مع مناطق سيطرة النظام وسكانها، أو تلك التي لا تجد في سوريا منذ العام 1970 حتى قيام الثورة عام 2011 سوى الحزن والألم والفشل والانهيار الاجتماعي والثقافي والسياسي التام، بما يصل في حالات كثيرة إلى نكران أو تجاهل نضالات ما لا يحصى من السوريين والسوريات في مواجهة النظام قبل الثورة، ونكران كفاح ما لا يحصى منهم لأجل عيش كريم لا تلوثه الأسدية بفسادها وانحطاط قيمها وأخلاقها واقتصادها، وبما يشمل أيضاً ردود فعل تحتقر كل تعبير عن الحنين إلى الحياة في سوريا قبل الثورة، وترفض كلّ كلام فيه حسرة على البلاد التي تم تدميرها والحياة التي تم تحطيمها.
كما يشمل هذا النكران أيضاً تعبيرات غير مباشرة، وربما غير مقصودة، من قبيل تصنيف قرى سوريا وبلداتها ومدنها إلى «عدو» و«صديق» بحسب الجهة التي تسيطر عليها، على ما نراه في مجموعات افتراضية عديدة لتداول الأخبار، أو من قبيل وصف مناطق سيطرة قوات النظام ومؤسساته بأنها «مناطق النظام». صحيحٌ أن تعبيرات «عدو» و«صديق» تنطلق من توصيف ذي أبعاد عسكرية، وأن الدافع وراء استخدام عبارة «مناطق النظام» هو الاختصار في أحيان كثيرة، إلا أن هذه التعبيرات تترك أثراً مديداً على تصورات جزء من جمهور الثورة السورية وأنصارها لبلدهم وماضيهم، وتالياً مستقبلهم.
ليست التصورات التي تقف خلف هذه التعبيرات، أو تنتج عنها، تصورات صائبة، لا في سوريا ولا في غيرها، إذ لا يمكن لسلطة مهما بلغت هيمنتها أن تبتلع تماماً حياة سكان البلاد التي تحكمها ومصائرهم وإنجازاتهم، كما أنه ليس مفيداً ولا صائباً تحويل العداء لسلطة ما إلى عداء للمجتمع الذي تحكمه. وليس هذا القول مبنياً على تصورات تفصل بين السلطة والمجتمع، لكنه لا يستسلم في الوقت نفسه إلى المماهاة بينهما، بل هو يستند إلى نظرة تعتبر أن تاريخ الحضارة البشرية، في أحد وجوهه، تاريخٌ من بناء السلطات والصراع معها في آن معاً، بحيث تُنتِجُ المجتمعاتُ السلطاتِ التي تحكمها، وتقاومها وتغيرها عبر عمليات تاريخية معقدة تحضر فيها العوامل الثقافية والاقتصادية والسياسية.
على الرغم من الهيمنة الهائلة للأسدية على المجتمع وبناه وعلاقاته حتى العام 2011، إلا أن عشرات آلاف السوريين قاوموا طويلاً هذه الهيمنة ودفعوا أثماناً باهظة، تراوحت بين الموت والتعذيب والسجن والتضييق الأمني والحرمان من العمل. لكن الأمر لا يتعلق فقط بمقاومة هيمنة النظام بالمعنى المباشر، بل يتعلق بالحياة نفسها، التي عشناها وعاشها آباؤنا وأمهاتنا قبل الثورة؛ الحياة الحقيقية، التي كنا نعيشها فنكبر ونتعلم ونعمل ونطعن في السنّ ونموت، ونتألم ونفرح ونحزن ونضحك ونبكي، ونكره ونحبّ ونتزوج وننجب، ونكتب وننتج فناً ومسرحاً وأدباً وموسيقى ودراما.
لم تكن تلك الحياة الحقيقية كلّها تمرداً، مقصوداً أو غير مقصود، على هيمنة النظام، لكنها لم تكن كلّها خاضعة له ومُستسلِمة لخططه وتصورات أركانه وقادته، بل كانت مزيجاً من هذا وذاك، يحاول النظام إدارتها وفرض نفسه عليها في كل وقت عبر مؤسساته وأجهزته الأمنية، فينجح أحياناً ويفشل أحياناً، لتكون النتيجة حياة بالغة التنوع والصخب؛ تنوعٌ عملت الأسدية على تغطيته باللون الواحد الكالح للبدلة العسكرية في زمن حافظ، ثم باللون الباهت لربطات العنق في عهد بشار، وصخبٌ عملت على تغطيته بفرض صوتها المنضبط الموحد الذي أصبح بعد تكراره لسنوات وعقود أشبه بالصمت المخيف.
يشيع كثيراً أن يتم وصف سوريا تحت حكم الأسد بمملكة الصمت، لكن سوريا كانت عامرة بالحياة خلف ذلك الصمت، الحياة التي نستطيع أن نعثر على معالمها في البيوت والساحات والشوارع والأسواق والمدارس والجامعات والأعراس والمكتبات والمساجد والكنائس. وإذا كان النظام لم يسمح طوال سنوات حكمه لهذه الحياة أن تطل برأسها كما تستحق عبر الصحافة والكتابة والفن والأدب والدراما والبحث الأكاديمي، إلا أن هذا لا يعني أنها لم تكن موجودة، ولا أن سوريا كانت فعلاً سوريا الأسد؛ سوريا الأسد هي نظام الحكم السلطاني الدموي الذي يجلّل حياتنا بالألم والعار، أما سوريا فهي بلادنا وأهلها، الذين ثارت قطاعات منهم لتخليص البلد وأهله من سوريا الأسد.
ربما يكون الأمر مختلفاً قليلاً بعد الثورة، ذلك أن أنصار النظام، ومنهم قطاعٌ عريضٌ من سكان مناطق سيطرته اليوم، ليسوا مجرد مؤيدين أو قواعد اجتماعية لنظام حاكم، بل هم شهود زور على تدمير البلاد وتحطيم حياة قطاعات واسعة من أهلها من أجل بقاء النظام، وهذا ما يجعل مهمة التفريق بين سوريا وسوريا الأسد أكثر عسراً وتعقيداً اليوم، وهو أيضاً ما يدفع إلى الواجهة بتعبيرات تحشر سكان مناطق النظام، وخصوصاً سكان المناطق التي لم تشهد تمرداً في أي وقت، مع النظام وقادته وأجهزته الأمنية وميليشياته الإجرامية في خانة واحدة، هي خانة سوريا الأسد.
لكن هذا لا يغير في الأمر كثيراً، لأن ما يمكن قوله بخصوص سوريا قبل الثورة لا يزال صحيحاً بعدها، وهو أن ملايين السوريين الذين يعيشون في مناطق سيطرة النظام ومؤسساته متنوعون جداً، بعضهم منخرطٌ حتى النخاع في السلطة ومعادلاتها وخطابها وطريقتها في الحكم، وبعضهم يواصل عيشه بما هو متاح دون أن يكون منخرطاً في تلك السلطة وإن كان مستسلماً لخطابها وطريقة عملها، وبعضهم يقاومها بأساليب شتى لا مجال لحصرها، دون أن تتماهى كلها بالضرورة مع خطاب ثورة 2011 وشعاراتها وأحلامها ومساراتها.
تأخذنا الفكرة الأخيرة بالذات إلى نقاش حاد دار بمناسبة المظاهرات التي شهدتها السويداء أواسط شهر كانون الثاني (يناير) الماضي، ذهب فيه قطاع من جمهور الثورة السورية إلى احتقار ذاك الحراك الذي جاء رداً على تدهور الأوضاع الاقتصادية، معتبرين أن الاحتجاج على سوء الأوضاع المعيشية دون رفع شعارات مباشرة ضد النظام ومذابحه وسلوكه الإجرامي، إنما هو حراك تافه لا يستحق الاحتفاء به أو التعويل عليه، وصولاً في بعض الحالات القصوى إلى المماهاة بين من قاموا بهذا الحراك وبين النظام وميليشياته وأجهزته الأمنية الإجرامية. لعلّ هذا يصلح مثالاً بارزاً على نتائج النكران المديد لكل ما لا يرتبط مباشرة بثورة 2011 وشعاراتها وخطابها، الذي ينتهي لأن يكون نوعاً من الاستقالة السياسية والتقوقع على الذات.
ليس منصفاً هذا النكران، وهو لا يعبر عن أي حقائق يمكن الاستناد إليها لفهم ما جرى ويجري في سوريا وتفسيره، لكنه فوق ذلك نكرانٌ كارثيٌ سياسياً، فهو يمنح النظام انتصاراً معنوياً ورمزياً لا يُقدَّرُ بثمن؛ يمنحه تاريخ سوريا طيلة أربعة عقود قبل الثورة، ويمنحه شرعية حكم المناطق التي يسيطر عليها في سوريا، وشرعية التحدث باسمها وباسم سكّانها. إذا كان سكان مناطق سيطرة النظام، وخاصة سكان المناطق التي لم تشهد تمرداً جديّاً ومديداً على حكمه، أسديين جميعاً وينبغي مناصبتهم العداء، فأي وجه عادل يبقى للمطالبة بإزالة حكمه عنهم؟!
ليست سوريا كلّها سوريا الأسد، ليس لأن فيها مناطق خارجة عن سيطرة النظام منذ العام 2012، بل لأنها لم تكن كلّها سوريا الأسد في أي وقت مضى، ولن تصير كّلها سوريا الأسد في أي وقت قادم أيضاً. ويساهم التذكير الدائم بأن سوريا ليست سوريا الأسد في إبقاء قضية السوريين في مواجهة الأسدية على قيد الحياة، أما المماهاة بين سوريا الأسد ومناطق سيطرة النظام، فهي ليست إلا هدية يتم تقديمها للأسدية أولاً، وثانياً لسائر القوى التي تحاول حكم المناطق الخارجة عن سيطرته والتسلط على حياة سكّانها.
لقد هُزمت الثورة السورية إذ فشلت في اقتلاع الأسدية وبناء نظام سياسي جديد أكثر عدالة، لكن الصراع مع الأسدية لن ينتهي في أي وقت قريب، وكذلك الكفاح من أجل نظام سياسي أكثر عدالة في سوريا، وهو الهدف الذي لا يشكل الخلاص من الأسدية سوى محطته الأولى، والذي لا يمكن السير نحوه بخطاب حربي يقسم سوريا إلى عالمين متناقضين؛ عالم ثورة 2011 وعالم بقية سوريا قبل الثورة وبعدها.
«سوريا لينا وما هي لبيت الأسد»؛ كان هذا واحداً من أبرز شعارات الثورة السورية في طورها السلمي عام 2011، وكان مئات آلاف السوريين قد هتفوه في الشوارع قبل أن تكون هناك مناطق خارجة عن سيطرة النظام أصلاً. في سوريا التي لنا، وليست للسلالة الأسدية، تاريخٌ ومجتمعٌ ينبغي الدفاع عنهما، وحياةٌ عامرةٌ لا وجه لاختزالها إلى ثنائيات لا وجود لها إلا في تصورات أصحابها.
———————————–
دفاعاً عن سوريا التي لنا/ صادق عبد الرحمن
الجزء الثاني
في الحاجة إلى تَصوُّر اتحادي للوطنية السورية
22-09-2025
كتبتُ في العام 2020 مقالاً بعنوان «دفاعاً عن سوريا التي لنا»، قلتُ فيه إن سوريا ليست مُلكاً للسلالة الأسدية، وإن إنكار سوريا كلها في سياق معارضة نظام الأسد مَسلكٌ سياسيٌ غير صائب. يمكن اعتبار هذا المقال استئنافاً واجباً للطرح نفسه بعد سقوط النظام السابق.
كان سقوط نظام الأسد ممراً ضرورياً للخروج من استعصاء كان يبدو بلا نهاية، وقد عبرت سوريا هذا الممر الدامي في كانون الأول (ديسمبر) من العام الماضي 2024، ثم وجد السوريون أنفسهم مجدداً وسريعاً في مواجهة استعصاء جديد يبدو بلا نهاية. لكنه ليس بلا نهاية، بالتأكيد.
استحوذَ على السلطة بعد سقوط الأسد تحالفٌ هشٌّ من فصائل إسلامية تقودها هيئة تحرير الشام قاعدية المنشأ، ودخلنا مساراً جديداً من العنف والمجازر الطائفية واستمرار التحلل الوطني العام، تحاول السلطة أن تديره وتتحكم به لصالح الاستئثار بكل مفاصل الحكم والدولة، مَدعومةً بتيار شعبي عريض في الأوساط السُنّية يؤيدها ولا يَلحظُ أنها تسعى للاستئثار بالحكم والموارد، أو أنه لا يرى مشكلة في هذا الاستئثار أصلاً بل قد يعتبره ضرورة لمواجهة التحديات الراهنة.
بالمقابل تتنوع أدوات وخطابات السوريين الرافضين لهذا الاستئثار، بين من يرى ضرورة مقاومته عبر الانخراط الفعّال في جهود بناء الدولة التي أعلنتها السلطة بدعم وشراكة من قوى إقليمية ودولية، ومن يرى أنه لا سبيل لإفشال هذه الاستئثار بغير الرفض الجذري لهذه السلطة والعمل على إسقاطها بكل الوسائل الممكنة. بين الموقفين، يتدرّجُ طيفٌ واسعٌ من المواقف والخطابات والرؤى المُتنازعة.
في السويداء، دون غيرها حتى الآن، أنتجت المجازر التي ارتكبتها فصائل السلطة ومجموعات مسلحة عشائرية محسوبة عليها تَصلّباً واتساعاً شعبياً لموقف لا يكتفي برفض السلطة والدعوة لإسقاطها، بل يرى أن المَخرَجَ الوحيد من الوضع الراهن هو «حلّ الرابطة الوطنية السورية»، أو خروج الدروز منها وتأسيس كيانهم السياسي المستقل في السويداء. ولا يعني هذا أن الموقف الداعي لتجاوز الوطنية السورية وتقسيم البلد يقتصر على دروز، بل ثمة مواقف لسوريين من منابت طائفية متنوعة يتفقون مع هذا الطرح، لكن القصد أن هذا الطرح لا يستقطب حتى الآن تياراً شعبياً إلّا في السويداء، وربما في أوساط كُردية، غير أن القوى السياسية الكُردية الفاعلة حتى الآن ما تزال تتبنى طرحاً يتحدث عن دولة سورية واحدة بتصورات لا مركزية. لكن مَعركةً مُحتمَلةً بين فصائل السلطة وقسد، وأي مجازر قد تحدث في سياقها، ستدفعُ هذا التوجه إلى الأمام في الأوساط الكردية.
عند العلويين تتصلّبُ أيضاً قطيعة نفسية وسياسية مع «سوريا»، فاقمت منها مجازر آذار (مارس) الماضي لكنها لا تجد تعبيرات سياسية متماسكة عنها، يتصاعد حضورها مع تصاعد الانتهاكات الطائفية والتهميش والإقصاء والحرمان من موارد العيش، ويتراجُع مع تَراجُع هذه السلوكيات والسياسات. والخلاصة أنه عند الدروز والكُرد والعلويين، وعند عموم السوريين على تنوعهم، فإن سلوكَ السلطة ونهجها هو ما يمكن أن يدفع نحو تَصلُّب طروحات التقسيم واتّساعها، أو يمكن أن يدفع نحو تراجعها.
عند السلطة وأنصارها، وعند قسم من «معارضيها» الذين يرون أن «النضال من داخل مشروع بناء الدولة» هو الطريق الصحيح لمقاومة الاستبداد، يأتي الرد على طروحات التقسيم بالدفاع عن وحدة سوريا ومركزيتها، بينما يقتصر قبولهم بالتخلي عن المركزية على طروحات اللامركزية الإدارية العمومية، دون الطروحات الاتحادية «الفيدرالية»، وحتى دون طروحات اللامركزية السياسية التي تمنح الأقاليم حقَّ التعبير السياسي عن نفسها.
يفترض هذا الطرح أعلاه ضمنياً وجودَ «رابطة وطنية سورية» ينبغي الدفاع عنها، بينما يفترض طَرحُ دُعاة التقسيم وجودَ «رابطة وطنية سورية» ينبغي حَلُّها أو أنه لا وجود لرابطة كهذه ولا إمكانية لقيامها أصلاً، بينما يفترض الطرح الذي أحاول الدفاع عنه وجودَ نوعٍ من «رابطة وطنية سورية» رثّة وضعيفة وإقصائية ينبغي إعادة بنائها على أُسس جديدة، وهو ما سأحاول الدفاع عنه باقتضاب في الأسطر التالية.
بالنظر إلى مُجمل تاريخ سوريا منذ مطلع القرن الماضي، فإنه ليس صحيحاً أن هناك رابطة وطنية سورية مُكتملة كانت أساساً للحكم والدولة وسياستها، بل الأصحّ أن «الوطنية السورية» طَرحٌ جديدٌ لم نعرفه بهذه التسمية قبل مطلع هذا القرن في سياق ربيع دمشق، على ما يشرح ياسين الحاج صالح بتفصيل يُغني عن التكرار في مقال كتبه مؤخراً بعنوان «الوطنية السورية وبدائلها».
لكن إذا حاولنا رغم ذلك أن نرسم معالم لما يمكن اعتباره «رابطة وطنية سورية» كما عاشها السوريون منذ الاستقلال، فإنها تَصَورٌ لشعب واحد منصهر بلا تمايزات ملحوظة في الفضاء العام، يعيش في دولة شديدة المركزية تتم إدارة حياة أهلها جميعاً من العاصمة، وتُقصي كل التعبيرات السياسية المحلية وتعتبرها خيانة يجب قمعها، يَحتلُّ الإسلام بنسخته السُنّية وتَحتلُّ العروبة بنسختها القومية الوحدوية جميع مساحاتها الرمزية والثقافية، وتُحكَمُ عبر إدارة تناقضاتها الطائفية والإثنية في الخفاء من تحت الطاولة، ثم طوال نصف قرن من حكم الأسدين عبر توظيف هذه التناقضات حصراً لصالح استقرار السلطة المركزية وإمساكها بالحُكم، والاعتماد في قيادة وتكوين أجهزتها الأمنية والعسكرية على منحدرين من طائفة أكثر من غيرها (كانت هذه الطائفة هي العلوية عند الأسديين، وتَنقلُ السلطة الحالية هذا «الامتياز» إلى منحدرين من الأوساط السُنّية على نحو أكثر علنية وشمولاً). وبالفعل، بالكاد تستحق «رابطةٌ» بهذه المعالم أن تحمل وصف «الوطنية» في اسمها، لكن مع ذلك عاش السوريون معاً في ظلها عقوداً وأنتجوا نوعاً من «وطنية سورية يومية» عبّرت عن نفسها مراراً رغم هشاشتها الشديدة.
لقد تحطمت هذه النسخة من «الرابطة الوطنية السورية»، إن صحَّ إطلاقُ هذا الوصف عليها، بعنف دموي جرّاء رد النظام السابق المُدمِّر على ثورة 2011، ولا فائدة من محاولة إعادة إنتاجها مجدداً على يد السلطة الحالية: إن نجحت هذه المحاولة في بناء دولة مستقرة فإنها ستكون دولة استبداد جديد مفخخة باحتمالات الاحتراب الأهلي في كل وقت، وإن فشلت وهذا هو الأرجح فإن فشلها سيأتي في سياق من مجازر ومعارك أهلية متنقلة، وهذه الأخيرة هي التي قد تقود إلى تقسيم البلد في النهاية. هكذا يصير التصور الوحدوي الاستبعادي «للوطنية السورية» هو المعبرَ إلى التقسيم بدل أن يكون معبراً إلى الوحدة كما يتصور أصحابه، ويصير هو الرافعة الفعلية لانحلال «الرابطة الوطنية السورية».
أَقترحُ هنا أن تفادي التقسيم، أو تفادي استمرار التحلّل الوطني إلى كيانات متنازعة لا يعترف أحدٌ باستقلالها، لا يكون بغير تصور اتحادي لرابطة وطنية سورية جديدة يحلُّ محلَ التصور الوحدوي الإدماجي، ويعترف بالتمايزات الأهلية والمناطقية والطائفية والإثنية ويمنحها حق التعبير عن نفسها سياسياً وإدارياً على حد سواء، ويقرّ بأن ليس هناك سردية وطنية واحدة جامعة لتاريخ الوطن السوري وحاضره، بل سرديات متنوعة يجب إفساح المجال أمامها للتعبير عن نفسها في إطار وطني جديد مُبتكَر، يستفيد من تجارب مشابهة متعددة لدول لا مركزية بالغة التنوع.
ولا يطرح هذا التصوّر حلاً لتنوع سوريا الطائفي والإثني فقط، بل هو حل لسائر التناقضات المرشحة للانفجار كلما طال أمد الفشل السياسي والانهيار الاقتصادي والاجتماعي. فأبناء «المكونات السورية» ليسوا موحدين بالقدر الذي تَفترضه مقولات «سنّة» في مواجهة «أقليات»، كما أن سنوات الحرب السورية، التي دفعت الأريافُ وأحزمةُ الفقر السُنّية في المدن أثمانها الأكبر منذ أواخر 2011 حتى سقوط الأسد في 2024، هي السببُ الأبرز وإن لم يكن الوحيد لما يبدو من «التفاف سُنّي» حول السلطة الحالية، لكن هذا لا يعني أن سُنّة سوريا باتوا طائفة موحدة المصالح والرؤى السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل إن ما يبدو من «وحدة سُنّية» ليس إلا نتيجة ظرف استثنائي خلقه سقوط النظام السابق، وثمة تناقضات وتنويعات اجتماعية ومناطقية سُنّية لا يبدو حَلُّها ممكناً بغير لا مركزية واسعة النطاق تستجيب لهذه التنويعات والتناقضات.
ما أَقترحُهُ هنا ليس اختراعاً لم يعرفه التاريخ من قبل، بل يمكن النظر إلى أمثلة عنه في أنحاء العالم، وهو لا يعني بالضرورة «فيدرالية» تقليدية بين دول شبه مستقلة وصافية طائفياً وإثنياً، بل ثمة خيارات أخرى واسعة من أنماط اللامركزية الإدارية والسياسية، يبدأ السعيُ نحوها بالقبول المبدئي بالتصور الاتحادي للرابطة الوطنية، الذي يرى في السوريين والسوريات أفراداً متساوين تأسيسياً في الحقوق القانونية والسياسية، وفي الوقت نفسه «شعوباً وجماعات متمايزة» متساوية بدورها تأسيسياً، يجمعها أكثر بكثير مما يفرّقها ويمكن أن تعيش معاً في كيان سياسي واحد جمهوري وديمقراطي ولا مركزي.
توحيد سوريا في نظام مركزي تحت سلطة إسلامية عربية سُنّية محاولةٌ مستحيلة على الأرجح، وأيُّ نجاح لها بالحديد والنار سيكون نجاحاً دموياً ومؤقتاً بلا شكّ، وكذلك فإن تقسيم سوريا إلى دول مستقلة لطوائفها وإثنياتها محاولةٌ مستحيلة على الأرجح، وهو بالنظر إلى التَداخُل السكاني الواسع يحتاج مجازر وضربات تهجير متبادل كارثية، وبعد ذلك فإن نجاحه لا يعني بالضرورة نهضةً ولا حقناً لدماء سكّان الكيانات الناشئة.
لدينا طريقٌ آخر، وهو إن بدا مستحيلاً بدوره فإنه محاولةٌ تستحق العمل لأجلها، وقد يُقال عن حق إنه يحتاج سنوات طويلة من العمل والصراعات، ولكن من قال إن الطريقين الآخرين يحتاجان وقتاً أقل أو صراعات أقل؟!
تستحق سوريا أن نُدافع عنها عبر إعادة اختراعها، وهي لا تحتاج اختراعها من العدم، بل من تاريخ حافل بالنضالات والتضحيات والآلام طوال أكثر من قرن منذ انهيار السلطنة العثمانية. هي أيضاً لا تحتاج اختراعها بلا سياق، بل في سياق النضال ضد السلطة الحالية وأي سلطة غيرها تسعى للاستئثار بالحُكْم والموارد، وفي سياق الدفاع عن عيش أفضل وآفاق أكثر انفتاحاً للسوريين جميعاً. وقد نختلف كثيراً أو قليلاً على أدوات هذا النضال وخطابه وتموضعه في كل لحظة سياسية، لكننا نحتاج توافقاً مبدئياً على وجهته أولاً.
موقع الجمهورية



