انتخابات مجلس الشعبتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

ليست نبوءات… هذه حقائق/ يعرب العيسى

23 سبتمبر 2025

“تظهر جولة قصيرة في مشفى المجانين، أن الاعتقاد لا يعني شيئاً”، تلخّص جملة نيتشه هذه الوصفة المثالية للتعامل مع ما تمتلئ به وسائل الإعلام، وشقيقتها الأصغر، وسائل التواصل الاجتماعي، فليعتقد من شاء بما شاء. فهذا كله لا يعني شيئاً، والحياة تسير بمفردها مع ظل ابتسامةٍ خفيفةٍ على فمها، تناسب تجاهلها المقصود لكل هذه الثرثرات التي تملأ الفضاء.

يمرّ بلدي في حالة من عدم اليقين، وأبواب ونوافذ مفتوحة على احتمالاتٍ لا تُحصى. وحالة عدم اليقين هي البيئة المناسبة ليتمسك الأفراد باعتقاداتهم الخاطئة، والتعامل معها أنها يقينيات مطلقة. وماذا بيدهم أن يفعلوا غير ذلك؟

هل نتوقع مثلاً من سوري أن يرفع كتفيه ويقول: الله أعلم؟ هذا مستحيل، فهو بطبيعته يعرف كل شيء، يعرف ما جرى وما سيجري، يعرف ما يدور في الاجتماعات السرية لرؤساء الدول الكبرى، ويعرف القرارات التي اتخذت فيها، يعرف مسار الأحداث ويحدد تواريخ دقيقة لحدوثها.

يعرف أن الإدارة الحالية لسورية ستختفي فجأة في الأسبوع الثالث من شهر كانون الأول، ويعرف كذلك أن الإدارة الحالية ستبقى خمسين عاماً، وفي طريقها إلى تثبيت ذلك، ستحلّ قوات سوريا الديمقراطية (قسد) نفسها في منتصف شهر تشرين الثاني، ويعلن حكمت الهجري توبته آخر أيلول، وترسل السعودية الاستثمارات حين تخف درجات الحرارة قليلاً، وهذا أيضاً متوقع في السابع من تشرين الأول، وهذا العام سيكون مطره غزيراً، وسيكتشف حقل جديد للنفط في الفرقلس.

أنا أعتقد أن لا شيء من هذا صحيح، وهذا الاعتقاد أيضاً لا يعني شيئاً، لأن الحقيقة غائبة، والاحتمالات مفتوحة على مصراعيها، وكل الكلام الذي نسمعه كلام. وقد علمتنا التجارب أنه حتى كريستوف كولومبس قطعت عليه أمريكا الطريق. فقد كان الرجل ذاهباً إلى الهند، لكنّها قاطعته في منتصف الطريق، وجعلته يكتشفها، ويغير خطته بكاملها. وعلمتنا أيضاً أن مسارات الأمم تحركها وتغيرها عوامل كثيرة، معظمها لم يكن بالحسبان. والدول الأكثر عرضة لذلك، هي الدول غير المستقرة، مثل أن تكون خارجة تواً من حروب، أو تعيش فوضى، أو تلوح فيها بوادر فوضى، أو تعاني من صعوبات اقتصادية، أو اجتماعية، أو سياسية، أو أمنية. أو أن تفتقر لخطة واضحة في مجالات الحياة فيها، أو تلك البلدان التي تظهر فيها نزعات انفصال، أو تعود في مجتمعاتها انتماءات ما قبل الدولة.

أي واحدة من هذه الدول العشر يصعب التنبؤ بما سيحصل فيها، ولا قيمة لأي اعتقاد يخصها، ويخص مستقبلها. فما بالك أن صفات الدول العشر تلك اجتمعت كلها في بلد واحد، في حقبة واحدة؟

للأسف، هذا واقع الحال، وهذه هي بلدنا، فلنخفّف من غرورنا قليلاً. كائناً ما كان موقفنا، وأياً كان رأينا في أحمد الشرع أو مظلوم عبدي أو الاستثمار في قطاع الكهرباء، أو بالدروز أو العلويين أو الإسلام السلفي أو الصوفي، أو مستثمر أبراج الفراشات.

في النصف الثاني من أربعينيات القرن العشرين، كانت بريطانيا خارجة حديثاً من الحرب العالمية الثانية، منتصرة لكنها مدمّرة. لخّص ونستون تشرشل رئيس الوزراء وضع الرأي العام في ذلك الوقت: كثيرون يملكون خططاً متكاملة لحل مشاكل بريطانيا، لكنهم للأسف يعملون جميعاً سائقي تكسي وحلاقين. وأعتقد أن هذا هو حالنا اليوم، مع فارق بسيط، أن سائقي التاكسي في لندن لم يكونوا يملكون في الأربعينيات حسابات على فيسبوك.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى