نقد ومقالات

ما أغفله بوعلي ياسين في كتابه “النكتة”/ منذر مصري

20 سبتمبر 2025

(إلى أرواح بوعلي الثلاث: روزا وتهامة وليال)

المقدّمة الضائعة:

لا أذكر حرفيًّا ما يقوله بوعلي ياسين في إحدى مقدّمات كتبه، إنّه بات يقلقه احتمال تجاوزه السقف المنخفض الذي تفرضه السلطات السورية على الكتّاب! السقف الذي وصفه ميشيل كيلو تلك الأيام، بأنه انخفض انخفض حتى بات ملتصقًا بالأرض! وعبثًا حاولت معرفة مقدّمة أيّ كتاب؟ فياسين، الاسم الذي كان يوقّع به، وكنّا أنا وزملاؤنا في مديرية تخطيط اللاذقية، نناديه به، طوال العشرين سنة التي عملنا فيها سوية، كما تقول عنه زوجته الصحافية الراحلة سلمى سلمان في مقدّمتها الموجزة لكتابه غير المنته: “أهل القلم وما يسطّرون” (دار الكنوز الأدبية، 2001)، الصادر بعد ما يقارب السنة من رحيله 18/4/2000: “كان من المفترض أن يكتب بوعلي ياسين مقدّمة كتابه هذا بنفسه، كعادته في جميع مؤلفاته”. فلم أكتف بالبحث في كتبه الثلاثة عن النكتة التي من المفترض، بظنّي، أن تكون المقدّمة الضائعة مقدّمة أحدها: “عين الزهور- سيرة ضاحكة” (دار الحصاد، 1993)، “بيان الحد بين الهزل والجد – دراسة في أدب النكتة” (دار المدى، 1996)، “شمسات شباطيّة” (دار الكنوز الأدبية، 1999)، الذي يأتي فيه على ذكري مرّات عديدة تحت اسم (الزميل م): “لك في هذا الشباط/ شباط شمسات كثيرة 11/1/2000. ياسين”، بل اتّصلت أيضًا بصديقه الأقرب، الروائي نبيل سليمان وسألته، كما اتّصلت بأصدقاء عدة، كتاب ومثقفين، أحدهم صاحب مكتبة، ولم يفيدوني بشيء.

الخطّ الأحمر:

مهلًا مهلًا! لدي أيضًا كتاب بوعلي ياسين “خير الزاد من حكايا شهرزاد” (دار الحوار، 1986)، فهو أيضًا ليس سياسيًّا، ويسبق الكتب الثلاثة التي ذكرت زمنيًّا بعدد من السنين، ومن المرجّح بشدّة أن أجد ضالتي فيه. ولكن أين هو؟ ها أنذا أبحث بين أكداس كتبي الموزّعة على ثلاث مكتبات، مرسمي، بيت ابني الذي لم يسكنه بعد، وأخيرًا… أجده خلف وتحت كتب الرف الأعلى من مكتبة البيت الموزّعة بدورها على أربعة جدران! “أين سيذهب؟” أسأل نفسي، كتاب عليه هذا الإهداء من صاحبه: “أبو المناذر الشهريار العصري 29/10/1986. ياسين”. وها هي العبارة المعنية أمامي، ليس في بداية المقدّمة، كما تهيّأت، بل في السطرين الثامن والتاسع: “كنت قد بدأت ألمّس على رأسي من الكتابة في الواقع الاجتماعي الاقتصادي، خوفًا من أن أتجاوز غافلًا الخطّ الأحمر، أو أن يقترب الخطّ الأحمر دون دراية منّي”. ألاحظ الآن أنّه لا يقول: “الواقع السياسي”!

شاعرًا:

وعلى سيرة مقدّمات بوعلي ياسين، فإنني لن أفوّت فرصة إيراد القصيدة التي استهلّ بها سيرته الضاحكة (عين الزهور)، والتي تعطي دليلًا على أن تذوّق بوعلي لشعر مرام ومحمّد سيّدة كان نتيجة لوجود شاعر مكبوت، كما أشياء كثيرة، في داخله:

[تمنيت أن أكون نبيًّا قالوا: محمّد آخر الأنبياء

تقدّمت لأصبح معلمًا رفضوني لأنّي لا أقيم الصلاة جرّبت أن أصير شاعرًا قالوا: إنك لا تجيد الرقص قلت: لأكن حاكمًا قالوا: تعلّم القتل أوّلًا فرحت أبحث عن قلب لأبكي معه.]

غير أنّي أملك رواية شخصية أخرى عن قصّة فشل ياسين في فحص قبول المعلمين آنذاك، والذي لولاه لما كان لدينا بوعلي ياسين كما عرفناه، غير هذه التي ذكرت في الكتاب، أعني جوابه للّجنة بأنّه لا يصلي لأنّ أهله لا يصلّون: “ولم أكن هنا صادقًا تمامًا”، يستدرك. وهي ما رواه لي بنفسه، بأنّهم سألوه عن دينه؟ فأجاب، كما نصحه البعض: “سنّي”. فعلموا أنّه يكذب، لأنّ السنّة يكتفون بكلمة: “مسلم”. وأحسب أنّ لبوعلي وجهة نظر محقّة في عدم اختياره للرواية الثانية، لما هي عليه من شناعة، هو الذي ديدنه تجميل كلّ شيء.

الحدّ بين الجدّ والجدّ:

يقسّم بوعلي ياسين كتابه “بيان الحدّ بين الهزل والجدّ – دراسة في أدب النكتة”، إلى ثمانية فصول، 1-2-3، يخصّها لمفهوم النكتة وجنسها الأدبي وبنيتها، أمّا الفصول الباقية فيوزّعها على: 4- التربوية 5- العصبوية 6- الاقتصادية والسياسية 7- الجنسية 8- الدينية.

ولأنّ ضالتنا هي النكتة السياسية، لن أتطرق للجانب الاقتصادي، رغم دمج بوعلي للنكتة الاقتصادية والسياسية في فصل واحد. مستهلًّا كلامه عنها بوصفها بالمغرضة، لأنّ لها غرضًا بعيدًا عن الإضحاك، ومغايرًا له! وفي 56 صفحة، من 283 إلى 239، يأتينا بوعلي بكمّ هائل من النكات عن الفلاحين والموظفين والمخبرين والأطباء والتجّار والممثلين والشعراء والكتّاب… في سورية والبلاد العربية والعالم على السواء، والحصّة الأكبر لمصر، حيث تكثر مراجعه عن النكتة من الكتب والمجلات، مقارنة بأيّ بلد عربي آخر، فمصر أمّ النكتة والمصريون سادة الفكاهة والسخرية. مفتتحًا الفصل بمناقشة مسألة بالغة الأهمية حول عمل النكتة السياسية ونتائجها، وهي تهمة (التنفيس)، في مسرحيات الفنان الكوميدي دريد لحّام التي كتبها محمد الماغوط، التي يرفضها لحّام بحجّة أنّها إهانة للفنان بقدر ما هي تبخيس بحقّ الجمهور: “لا أعتقد أنّ الناس بالونات تنتفخ في الشارع وتأتي إلى المسرح وتفرغ شحنتها من الغضب”. بيد أنّ بوعلي، كما عرفناه في كتابه المشترك مع نبيل سليمان (الأدب والأيديولوجيا في سورية 1967-1973) مفكّرًا أيديولوجيًّا قبل أي شيء آخر، يؤكّد عليها ويثبّتها، فمسرحيات لحام – الماغوط في عرفه متصالحة جوهريًّا مع الواقع، ولا تقترح بديلًا له بالمعنى السياسي والأيديولوجي! ولا يعفّ بوعلي عن إيراد النكات عن الرؤساء، ولكن أيّ رؤساء؟ محمد علي العابد والشيخ تاج الدين الحسيني وشكري القوتلي وأديب الشيشكلي وناظم القدسي، الذين حكموا سورية من أربعينيات إلى أوّل ستينيات القرن الماضي، ثم حين يصل إلى النكات التي كانت تتداول عن الرؤساء والحكام الذين جاؤوا بعدهم، نراه يقوم بتمهيد نظري عميق ومحكم يحتفظ بأهمّيته لليوم: “لو استعرضنا النكات السياسية المتناقلة في مجتمعاتنا العربية، لَلاحظنا أنّ أكثرها يستهدف أشخاص السياسيين أكثر مما يستهدف نظام حكم أو سياسة معينة… فالعامّة تتفاعل مع الأشياء الملموسة أو المشخّصة أكثر من الأشياء المجرّدة أو المعنوية… وذلك لأنّه يسهل صبّ الكره والغضب على الأشخاص بالمقارنة مع المؤسسات والأفكار، ولأنّه يشفي الغليل أن نهزأ بشخص أكثر من نظامه أو سياسته. فالشخص السياسي المستهدف هو رمز لنظام وسياسة معيّنين. ولكنّ هذا لا يمنع من أنّه مستهدف أيضًا لذاته… وعندما لا يعود يمثّل النظام أو ينفّذ السياسة، فإن السخرية تحوّل هدفها إلى المسؤول الجديد، وتوضع النكات التي قيلت عنه على رف التاريخ”، ص334.

إلّا أنّ بوعلي بحسابات الخط الأحمر ذاته، يجرّد كمًّا كبيرًا وغنيًّا من النكات، مفضّلًا استخدام صفة (الحاكم) أو (أحد الحكام) بدلًا عن الأسماء المباشرة للرؤساء، مثل النكتة التي يشاهد فيها الرئيس حافظ الأسد وهو واقف على شرفة القصر الجمهوري، مواطنًا سوريًّا يقضم الحشائش في حديقة القصر، فعطف عليه وأصدر مرسومًا جمهوريًّا: “يسمح للمواطن فلان الفلاني بالرعي في جميع حدائق القطر”.

“شمسات شباطية” و” خير الزاد…”

والنكتة التي تحتاج إلى اللكنة الريفية الساحلية، وهذا دليل على محلّيتها، في جواب السيدة الأولى، عندما سألها الصحافيّون عن رأيها براقصات الباليه: “والله كتير مذوّقات، لما شافوا سيادة الرئيس نايم، صاروا يرقصوا على رؤوس أصابعهن”.

استدراك مستوجب:

ليس أنا من يأتي على ذكر تحسّب بوعلي ياسين من تجاوز الخط الأحمر، ومن إبداله اسم حافظ الأسد بأحد الحكام العرب، بقصد أن أشير إلى مأخذ، أو أزايد عليه في موقف، وهو الآن ليس في موقع يستطيع به تفسير ما فعل وما قال في هذا الموضوع أو تلك القضية، لأنّي أوّلًا أعرف ياسين عن قرب، وأعرف أنّ الشجاعة لم تنقصه يومًا، ولدي من الأدلّة ما يكفي ويزيد لإثبات ذلك، أحدها ما جرى معه عند اعتقاله مع محمد جمال باروت وعبد الرزاق عيد بعد تلك السهرة التي قضيناها في بيت يوسف جهماني، بعد مشاركتنا في جنازة إلياس مرقص 26/1/1991، من قبل فرع المخابرات العسكرية، عندما سألوه ما إذا كان يؤيد صدّام حسين في الحرب الدائرة آنذاك بين قوات التحالف والعراق، فأجاب بكلّ صراحة: “أنا مع أي رئيس عربي يطلق صواريخ على إسرائيل”! ثم ليسرّ لي بعد ذاك: “لا يوجد عنصر سنّي واحد في فرع المخابرات العسكرية!”. هو الذي يتجنّب ذكر أي إشارة طائفية في حديثه. والحادثة الأخرى بدل المشاركة في إحدى المسيرات، قام هو وزميلتنا (س. ع) بالدوس على صورة حافظ الأسد على شرفة مديرية التخطيط. ولأنّي ثانيًا أعرف وأنتم تعرفون، ماذا يعني مجرد ذكر الاسم خارج سياق التعظيم والتأليه، فما بالك في نكتة ساخرة! وثالثًا لأنّي أنا نفسي، عملًا بحسابات تجاوز الخط الأحمر الأحمر الأحمر، خط ذكر اسم حافظ الأسد وبشّار الأسد، أرجأت كتابة هذا المقال حتى دارت عجلة التاريخ وانتهى حكم الأسدين!

يبتسم يضحك يسجّل:

هناك تصنيف آخر للنكتة، لا بد وأنّ ياسين وغيره من الكتاب العرب الذين اهتموا بالنكتة وكتبوا عنها انتبهوا له، وهو أنّ هناك نكاتٍ يمكن نقلها للفصحى من دون أن تفقد الكثير من قدرتها على الإضحاك، وهناك نكات تقتلها الفصحى، إن لم أقل يقتلها مجرد كتابتها. فالنكتة، إذا قبلنا بتصنيفها كجنس أدبي، فهي، لا ريب، أدب شعبي شفاهي! كما أنّ هناك، وهذا أظنّه متّفقًا عليه، من يحسن رواية النكتة ومن لا. أمّا بوعلي فرغم اشتغاله على أدب النكتة كلّ هذه السنين، جامعًا آلاف النكات، لم يكن من رواتها! عمله، يبتسم، يضحك، يسجل.

قرود وأسود ومهرجون:

ص335: “فيما يلي مجموعة من النكات المتداولة عربيًّا والتي تستهدف بعض الحكام…” يكتب بوعلي. أعدل هذا الاستهلال: “فيما يلي بعض النكات المتداولة سوريًّا والتي تستهدف حافظ الأسد، وبعض الشخصيات من العائلة ومن السلطة، الذين كانوا أقرب للمهرجين. ما يدفعني لذكر هذه النكات هو رغبتي أن أضعها، كما قال بوعلي، وإن بمفهوم معاكس، على رفّ التاريخ:

    زار سورية وفد ياباني، فأخذوهم في رحلة اطّلاعية على معالم سورية ومنجزات الشعب السوري تحت قيادة الرئيس حافظ الأسد: “هذه مكتبة الأسد، وهذه أكاديمية الأسد، وهذا مطار الأسد، وهذه مشفى الأسد، وهذا جسر الأسد…”، وأعضاء الوفد في كلّ مرّة يسمعون كلمة (الأسد) ويهزّون برؤوسهم، “وهذه بحيرة الأسد، وهذا سد الأسد”، فإذا بأحدهم يسأل مستغربًا: “ولكن أليس لديكم حيوان آخر؟”.

    قامت مجموعة من أشقائنا الجزائريين برحلة سياحية إلى سورية، ورغبوا بزيارة بلدة (القرداحة) مسقط رأس الرئيس حافظ الأسد، لكن ما وجدوه مكتوبًا على اللافتة التي تشير للبلدة هو (الـ…احة)! فسأل أحدهم مواطنًا يقف بجوارها: “هل هذه القرداحة؟”، أجابه: “نعم”، فعاد وسأله: “ولكن أين القرد؟”. أجابه: “في دمشق”. وهذا يكاد يطابق فكرة فيلم “نجوم النهار” (1988) لأسامة محمّد مطابقة كاملة، لولا أنّه في الفيلم نستطيع أن نرى صور الفنان فؤاد غازي الكبيرة والملونة في كلّ مكان بدمشق ولكن لا نستطيع أن نجده هو نفسه!

    وهذه من أرشيفي، عندما تسلّم بشّار الأسد رئاسة الجمهورية العربية السورية، قال لي (م. ع) وهو إنسان صموتي، ليس من عاداته التدخّل فيما لا يعنيه: “والله لا مشكلة أبدًا في رئيسنا الجديد، سوى أن رقبته بحاجة لتقصير بضعة سنتيمترات!”.

    ذهب جميل الأسد إلى الحجّ، وأصرّ على قيامه برمي إبليس بالحجارة، عندها سمع حجّاج البيت الحرام جميعهم صوتًا هادرًا صاعدًا من قعر الجحيم: “حتّى أنت يا جميل!”.

    بعد عودته من الحجّ، راح جميل الأسد يستقبل الزوّار، ويضيّفهم التمر وراحة الحلقوم، فإذا بأحدهم يقول له: “سمعنا بأنّكم أحضرتم معكم عشرين تنكة ماء زمزم، فيا ليت لو تسقونا، ولو شفّة، منه”. فأجابه الحاج: “والله تاركها لكسر العرقات”!

ما يضحك ناسًا يبكي ناسًا:

لن تصدّقوا مقدار المتعة التي تحصّلت عليها، وأنا أقلّب صفحات ثلاثية كتب النكتة لبوعلي ياسين، مستعيدًا ذكريات ومشاعر حميمة لا تزول تربطني بصاحبها. الإنسان الذي طلب منّي يومًا الصديق الراحل فايز عطّاف أن ألخّصه بكلمة، أن أجمله بصفة، فأجبت بلا تردّد، لأنّي أعرف الجواب مسبقًا: “اللطف!”. ولا أظنّني سأفوّت فرصة إخباركم أنّه بينما كنّا في سهرة من تلك السهرات التي لن تعود، نستعيد نكات بوعلي التي أضحكتنا في “عين الزهور”، فإذا بالشاعر وفيق خنسة يعارضنا كعادته: “أمّا أنا… فأبكتني”. وعلى غير عادتنا، هززنا جميعًا رؤوسنا ووافقناه…

ضفة ثالثة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى