مقالات تناولت التعليم في سوريا

من الصف إلى الشارع.. ملامح علاقة جديدة بين السوريين والدولة/ أحمد عسيلي
شهدت سوريا خلال الفترة الماضية حادثتين متباعدتين في الزمان والمكان، لكنهما تكشفان خيطًا واحدًا في مسار ما بعد سقوط النظام.
الأول إعادة افتتاح ثانوية دوما للبنين، بعد ترميم شامل منحها صورة مختلفة تمامًا عما اعتاده السوريون في مدارس الحقبة السابقة، حيث المباني أقرب إلى سجون، والحمامات بؤر قذارة تدفع الطلاب إلى تجارب يومية مهينة. في المقاطع المصورة للمدرسة الجديدة، برزت صورة مختلفة، صفوف حديثة، مرافق مرتبة، وحمامات نظيفة.
أما الحدث الثاني فوقع في الشارع، حين حاول شرطي مرور مخالفة فتاة، فانفجرت في وجهه بكلمات بذيئة وطائفية صادمة، صورت المشهد ونشرته. المفارقة أن الشتائم الفجة وحّدت كثيرًا من السوريين ضدها، إذ أظهرت بشاعة الطائفية دون أي تجميل.
هنا بين مؤسسة تعليمية تعاد صياغتها، وشارع يُختبر فيه القانون، تلوح ملامح علاقة جديدة بين المجتمع والسلطة.
المدرسة في عهد عائلة الأسد لم تكن مكانًا للتثقيف والتعليم، بل مؤسسة لتدجين الأجيال وتدريبها على الطاعة، أتذكر كيف كان يُطلب منا كطلاب أن نعتمد الكتاب المدرسي مرجعًا وحيدًا، وأن نكتب في أوراق الإجابة ما ورد فيه حتى لو كان خاطئًا، وكأن الهدف هو تكريس الطاعة العمياء لا الفهم أو النقد. كنا نرتدي ما يسمى “بدلات الفتوة” التي حولت الطلاب إلى جنود صغار داخل قطعة عسكرية، لا إلى متعلمين أحرار، حتى شكل المدارس كان يتطابق مع شكل السجون، بواجهات قبيحة وجدران صارمة. بعد العام 2005، خفّ الطابع العسكري قليلًا نتيجة الضغوط الدولية عقب اغتيال رفيق الحريري، لكن جوهر العملية التعليمية لم يتغير، مبانٍ متداعية، عقلية قمعية، وأساليب تعيد إنتاج الخضوع بدل أن تبني التفكير الحر.
من هنا تأتي أهمية مشهد مدرسة دوما الجديدة، صحيح أنه إعمار مادي بالدرجة الأولى، لكنه على الأقل خطوة أولى في الاتجاه الصحيح، صورة المدرسة النظيفة المرتبة ليست تفصيلًا شكليًا، بل رسالة نفسية للطلاب: أنتم تستحقون مكانًا أفضل، وهي نقطة البداية نحو تغيير أعمق لا بد أن يشمل أسلوب التعليم والمناهج والعلاقة بين المعلم والطالب، فلا ديمقراطية ممكنة إذا بقيت المدرسة مجرد أداة لإعادة إنتاج الطاعة، الديمقراطية تبدأ من الصف الدراسي باعتباره الاحتكاك الأول بين الطفل ككائن مستقل وبين إحدى مؤسسات الدولة.
تستحضرني بقوة هنا أفكار عالم الاجتماع نوربرت إلياس، خاصة في كتابه الشهير “عملية التمدن”، بأن التغيير الاجتماعي الحقيقي لا يبدأ بالشعارات الكبرى، بل من التفاصيل اليومية: طريقة النظافة، شكل المباني، أسلوب الكلام. المدرسة الجديدة بحماماتها النظيفة وصفوفها المرتبة ليست مجرد ترميم عمراني، بل مؤشر إلى إمكانية تحول أعمق في العلاقة بين الفرد والدولة، التفاصيل الصغيرة تحمل دلالات بعيدة المدى، لأنها تزرع في اللاوعي إحساسًا بأن زمن القبح والإهمال قد انتهى.
أما العلاقة مع ممثلي الدولة ومنهم الشرطي، فكانت لعقود تقوم على الرشوة و”الواسطة”، كنا إما ندفع لنحمي أنفسنا منه، وإما نستخدمه لمصلحتنا إذا سيطرنا عليه بالمال أو النفوذ، وفي حال حدوث أي احتكاك تبدأ سلسلة “الواسطات”، حيث الغلبة دومًا لمن “واسطته” أقوى. ما حدث في قضية الفتاة أعاد الأمور إلى مسارها الصحيح، جرى استدعاء جميع الأطراف دون تمييز، الاستماع إلى أقوالهم، وتحويل الملف إلى المحكمة، هنا برزت رسالة مزدوجة: الدولة موجودة وحاضرة، لكن لا الفتاة قادرة على التمادي بلا حساب، ولا الشرطي محصن فوق القانون، القضاء شمل الجميع، مواطن عادي وشرطي على قدم المساواة.
الأهم أن ما جرى وُثّق بطريقة واضحة، ليصبح جزءًا من عملية تربية مدنية نحتاج إليها اليوم لتغيير العقلية التي سادت في عهد الأسد، نحن أمام مشهد جديد: السلطة لا تُختصر في فرد أقوى أو في شبكة “واسطات”، بل تبدأ تدريجيًا بالتجسد في مؤسسة قضائية، هذا لا يعني أن الرشوة اختفت أو أن كل شيء بات مثاليًا، لكنها إشارة إلى أن النية موجودة، وأن هناك استعدادًا لتصحيح العلاقة بين المواطن والشرطي على قاعدة القانون، هنا يبرز دور المجتمع: الضغط المستمر، التوثيق، المطالبة، وعدم السماح بانزلاق هذه النية إلى عادة قديمة.
الحدثان يكشفان مسارين متوازيين: مدرسة تعيد الاعتبار للحجر كواجهة للدولة، وقضية شرطي ومواطنة تعيد الاعتبار للبشر كممثلين للسلطة، الدولة لم تعد مجرد جدران قبيحة ومبانٍ متداعية، ولا مجرد شرطي مذلول أو متسلط، بل صورة تتشكل ببطء: حجر أنيق، وبشر يخضعون للقانون.
الدرس الأهم أن السلطة اليوم لا تزال طفلًا في طور النمو، ومسؤوليتنا أن نرعاه ونحدد مساره بالطريقة التي نرغب بها. الأشهر الماضية أثبتت أن الرقابة الاجتماعية قادرة على التأثير، فقد غيرت الكثير من عادات بعض أجهزة الدولة تحت ضغط الحملات الشعبية، وربما كان هذا الضغط ما دفع جهاز الشرطة أيضًا للتحرك في الحادثة الأخيرة، هذه المهمة إذًا واجب جماعي لا يخص الدولة وحدها، فنحن جميعًا معنيون بالتخلص من إرث نصف قرن من العفونة الأسدية، من إعادة بناء المدارس وتحديثها، إلى دفع المعلمين لاعتماد أساليب تدريس حديثة بدل أساليب التلقين القديمة، إلى الضغط على مؤسسات الدولة كي تحترم القانون وتتجاوز منطق الرشوة والواسطة، إنها عملية شاقة وطويلة المدى، بل لا نهائية بمعنى ما، لكن كل ما ننجزه اليوم يختصر سنوات من التأخر عن ركب الأمم الأخرى، والتحدي أن نحافظ على الوعي بأن التغيير يبدأ من التفاصيل، وأن المشاركة المجتمعية هي التي تمنح هذه التفاصيل قيمتها.
عنب بلدي
———————————
معلمون وطلاب في قلب الأزمة.. التعليم بين تعديلات المناهج وغياب البنية التحتية/ علي محمد برهوم
21 سبتمبر 2025
في ظل التحديات السياسية والاقتصادية التي تمر بها سوريا، يبرز ملف التعليم كإحدى القضايا الحساسة التي تؤثر مباشرة في الأجيال المقبلة، لكنها لا تحظى بالاهتمام الكافي. ويواجه التعليم اليوم إشكاليات متعدّدة، أبرزها اختلاف المناهج بين المناطق التي تسيطر عليها قوى مختلفة. حيث هناك منهاج في دمشق، وآخر في إدلب، وكذلك في الشمال وشمال شرق سوريا. هذا التباين ينعكس بشكل مباشر على سير العملية التربوية، خصوصًا مع وجود محتوى مرتبط بالنظام السابق في منهاج دمشق، ما يدفع أحيانًا إلى حذف مادة بأكملها مثل التربية الوطنية أو تعديل محتواها.
قرار وزاري يثير الجدل
وسط هذه التعقيدات، أعلنت وزارة التربية والتعليم اعتماد المنهاج الدراسي للعام 2023-2024 كمنهاج رسمي للعام الدراسي المقبل 2025-2026، بعد إدخال تعديلات واسعة شملت إزالة جميع الإشارات والرموز المرتبطة بالنظام السابق، خصوصًا في مواد الدراسات الاجتماعية والتربية الإسلامية والتاريخ والجغرافيا. وأكدت الوزارة استمرار العمل بقرار سابق يقضي بحذف مادة التربية الوطنية نهائيًا من المقررات الدراسية في إطار “مقتضيات المصلحة العامة”، مع اعتماد الطبعة المعدّلة الصادرة عام 2014 كمرجع أساسي. وفي المقابل أُلغيت جميع الطبعات السابقة لهذه المواد، فيما بقيت بقية الكتب دون تعديل.
كما نص القرار على استثناء طلاب مناطق شمال سوريا، الذين يتبعون مناهج مختلفة عن منهاج دمشق، حيث يُسمح لهم بالتقدم للامتحانات لمرة واحدة فقط خلال دورة عام 2026 وفق المناهج المعتمدة لديهم، حفاظًا على أوضاعهم القانونية.
وأدى تطبيق هذا القرار إلى تقليص عدد الحصص الدراسية في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية. وبينما أشارت الوزارة إلى أن الهدف من القرار هو تنظيم الجدول الدراسي وتخفيف الضغط عن التلاميذ، يرى عدد من المدرسين أن الحصص كانت سابقًا غير كافية لتغطية المناهج، فالوضع حتمًا سيكون “كارثيًا” كما عبر عدة مدرسين.
شهادات من الميدان
في ريف طرطوس، ترى رهام، مدرسة مرحلة التعليم الابتدائي، أن القرار الأخير لتقليص الحصص سيترك انعكاسات سلبية على التلاميذ. وتوضح رهام لموقع “الترا سوريا” أن تقليص حصص المواد الترفيهية، مثل الرياضة والرسم والموسيقى، من حصتين أسبوعيًا إلى حصة واحدة لكل مادة “سيضاعف الضغط على طلاب الابتدائي، خاصة أن المناهج الدراسية لم تُعدّل وما زالت تعتمد في معظمها على التلقين والحفظ”.
وتضيف أن “حصة واحدة ترفيهية في الأسبوع لن تكفي للتخفيف عن الطلاب”، مشيرةً إلى أن الإشكالية تتجاوز مجرد تقليص عدد الحصص، إذ ترتبط بطريقة اتخاذ القرارات التربوية وغياب التشاور الكافي مع المعلّمين. وترى رهام أن “تقليص نصاب معلمي الرسم والموسيقى مقابل زيادة نصاب معلمي الصف، يجعل القرار غير متوازن ويحتاج إلى مزيد من الدراسة والتخطيط”، على حد تعبيرها.
أما هالة، مدرّسة العلوم بالمرحلة الابتدائية في ريف طرطوس، فتشير إلى أن تقليص حصص العلوم إلى النصف لا يتناسب مع حجم المنهاج، مشددة في حديثها لـ”الترا سوريا” على أن هذا التغيير سيجبر المدرسين على إعطاء الدروس بشكل أسرع، مما قد ينعكس سلبًا على جودة الفهم لدى الطالب.
ويقول سامر، مدرس المرحلة الابتدائية من ريف طرطوس أيضًا، إن مادة الرسم ليست نشاطًا ثانويًا، بل تكمّل مواد أخرى، إذ تزوّد التلميذ بمهارات يحتاجها في الرسم الهندسي بالرياضيات، ورسم الخرائط في الجغرافيا، والرسوم التوضيحية في العلوم. ويضيف لـ”الترا سوريا”: “تقليص هذه الحصص من حصة أسبوعيًا لكل مادة بدلًا من حصتين يضعف الجوانب التطبيقية المرتبطة بعدة مقررات أساسية”.
أما ثريا، مدرسة التربية الموسيقية، فتشير إلى أن مادة الموسيقى بالمرحلة الابتدائية تُشكّل ما يشبه “محو الأمية الموسيقية”، حيث تسهم الحصص الموسيقية في تعزيز تفاعل الطلاب داخل الصفوف. وتوضح لـ”الترا سوريا”: “كنا نتعاون مع معلمي الصفوف في تلحين الأناشيد المقررة للغة العربية، ما جعل الدروس أكثر جذبًا للتلاميذ”.
معلوماتية بلا حواسيب وموسيقى بلا آلات!
يرى عدد من المدرّسين من حمص أن تقليص حصص بعض المواد يفاقم مشكلة قديمة تعود إلى عهد نظام الأسد حيث “كانت هذه المواد تُدرّس بشكل شكلي ومن دون أي مقومات حقيقية”، على حد تعبيرهم.
يقول فراس، مدرس التربية الموسيقية، إن الموسيقى في المدارس لطالما اقتصرت على بضع آلات بسيطة، من دون توفير الوقت الكافي أو الأدوات اللازمة لأي تعليم أكاديمي جاد. ويضيف لـ”الترا سوريا”: “بدلًا من تقليص حصصها كان الأجدى توفير قاعات مجهزة وأدوات موسيقية حديثة، ولو بشكل تدريجي بطيء، بحيث تتحول الحصة إلى مساحة إبداعية حقيقية تسهم في صقل شخصية الطالب واكتشاف مواهبه”.
أما أحمد، مدرس مادة المعلوماتية، فيوضح أن المادة لم تُمنح يومًا البيئة المناسبة، إذ تفتقر المدارس إلى الأجهزة التي تتيح تدريبًا عمليًا للطلاب. ويقول لـ”الترا سوريا”: “عندما تُخفض الحصص من اثنتين إلى واحدة فقط، تصبح المعلوماتية مادة نظرية بحتة. كان الحل الأمثل هو الحفاظ على عدد الحصص وزيادة الاستثمار في تجهيز قاعات حواسيب حديثة، حتى يكتسب الطلاب مهارات عملية حقيقية”.
من جهته، يعتبر حسام، مدرس التربية الرياضية من ريف حمص، أن الرياضة كانت تعاني أساسًا من غياب البنية التحتية والملاعب المجهزة، وغالبًا ما اقتصرت على أنشطة بسيطة. ويضيف لـ”الترا سوريا”: “إلغاء الرياضة كليًا في الصف الثالث الثانوي العلمي وتقليص حصصها في المراحل الأخرى قرار غير صائب، ويمكن للوزارة بدلًا من ذلك اعتماد برامج رياضية مبسطة لا تحتاج إلى تجهيزات كبيرة، لكنها تحافظ على الفوائد الصحية والنفسية للطلاب”.
ويشير سمير، مدرس مادة الرسم، إلى أن المادة لطالما عانت من النظرة الثانوية إليها، ويقول لـ”الترا سوريا”: “لم تكن هناك ورش أو أدوات أو قاعات مجهزة، وكان الطلاب يكتفون برسوم بسيطة على الورق. تقليص الحصص سيجعل الوضع أسوأ، والحل هو ربط مادة الرسم بالمواد العلمية كالجغرافيا والعلوم عبر مشاريع تطبيقية، ما يمنحها بعدًا عمليًا ويثبت جدواها في نظر الطلاب والأهالي”.
تحديات توحيد المناهج في سوريا
اقتضى تطبيق قرار الوزارة الساعي لتوحيد المناهج في سوريا، إلغاء مادة القرآن الكريم في منهاج إدلب، التي لا يوجد ما يقابلها في منهاج دمشق، مما أثار استياء شريحة واسعة من سكان المحافظة. وأظهرت فيديوهات انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي امتعاض السكان، مؤكدين أن المادة تشكل جزءًا مهمًا من التعليم الديني للطلاب في المرحلة الابتدائية والإعدادية.
ويُظهر هذا الجدل مدى حساسية أي تعديل على المنهاج، خصوصًا عند المساس بمواد دينية، ويبرز التحديات الكبيرة التي تواجه الوزارة في سعيها لتوحيد المناهج بين المناطق المختلفة. ويضاف إلى ذلك، القرار الصادر عن قوات سوريا الديمقراطية “قسد” بإلغاء الاعتماد على منهاج دمشق في مدارس شمال وشرق سوريا، واعتماد برامج تعليمية محلية، ما يعكس صعوبة تحقيق توحيد شامل للمناهج على مستوى البلاد، ويطرح أسئلة حول انعكاسات هذه التغييرات على الطلاب والمعلمين في كل المناطق.
المدارس المدمرة وأزمة التعليم
لا تقتصر التحديات التي تواجه التعليم في سوريا على تغييرات المناهج وتقليص الحصص، بل يشكل تدمير العديد من المدارس خلال سنوات الحرب عقبة كبيرة أمام استقرار العملية التعليمية. وفقًا لتقرير سابق صادر عن اليونيسف، يواجه نظام التعليم ضغطًا شديدًا نتيجة النزاع المستمر لمدة تزيد عن عشر سنوات، إذ يوجد أكثر من 2.4 مليون طفل غير ملتحقين بالمدرسة، بينهم حوالي 40% من الفتيات. وتشير المنظمة إلى أن واحدة من كل ثلاث مدارس لم تعد صالحة للاستخدام، سواء بسبب الدمار الناتج عن النزاع، أو التحول لأغراض عسكرية، أو الأضرار الجسيمة التي لحقت بالمرافق التعليمية.
ويضطر الأطفال الذين لا تزال مدارسهم صالحة إلى الدراسة في صفوف مكتظة، وفي مبانٍ تفتقر غالبًا إلى الحد الأدنى من الخدمات مثل المياه والكهرباء والتدفئة والصرف الصحي والتهوية. كما وثقت الأمم المتحدة وقوع حوالي 700 هجوم على منشآت تعليمية وطواقم تعليمية منذ بداية النزاع، ما يزيد من صعوبة استمرار التعليم ويهدد سلامة الطلاب والمعلمين على حد سواء.
ختامًا، يكشف القرار الأخير في التعليم السوري أن العملية التعليمية تواجه مشاكل عدة، إذ تتقاطع تحديات تعديل المناهج وتقليص الحصص أو إلغاء بعض المواد، مع أزمة حقيقية في البنية التحتية جراء الحرب المستمرة، حيث تعاني آلاف المدارس من الدمار الجزئي أو الكلي.
هذه العوامل مجتمعة تضع المعلمين والطلاب في مواجهة مباشرة مع صعوبات يومية تهدد جودة التعليم، لكن يبقى النجاح مرتبطًا بشكل مباشر بمدى قدرة الجهات المعنية على توفير بيئة تعليمية آمنة وتجهيز المدارس بشكل مناسب ودعم المعلمين، لضمان ألا يكون التعليم مجرد نقل للمعلومات، بل أداة حقيقية لبناء مهارات الأطفال وتمكينهم من مستقبل أفضل في سوريا.
الترا سوريا
—————————–
الموسيقى ودروس التربية الدينية وصدمات الهوية السورية/ رولا حيدر
20 سبتمبر 2025
نشأت ابنتي (السورية) في بيئة أوروبية تعدّدية منذ ولادتها وحتى سنوات طفولتها الأولى. كانت مدرستها فضاءً مفتوحاً يجتمع فيه المسلم والمسيحي واليهودي والبوذي وغيرهم، من دون أن يُطرح سؤال الاختلاف عائقاً أو سبباً للتمييز. بالنسبة لها، كان المسجد والكنيسة والمعبد أماكن متساوية للعبادة، جميعها محطات تلتقي فيها الروح بالله. لم تعرف التمييز الديني أو العرقي أو اللوني، إذ لم يكن حاضراً في محيطها ولا في المدرسة.
كان الدين بالنسبة لنا مسؤولية أسرية، اعتمدتُ فيها على غرس القيم الأخلاقية وأساسيات التعامل الإنساني مع الناس. عرّفتها بالله بوصفه الحاضر في كل مكان، والمجيب لصلواتها، وكانت ترقصُ فرحاً حين أؤكد لها أن الله يسمعها.
عندما عدنا من أوروبا تعرّضت لصدمة نفسية لا تتناسب وعمرها الصغير. عادت يوماً تبكي من المدرسة بعد أن قيل لها: “الله سيحرقك في النار إذا أخطأت”. لم تستوعب تلك اللغة الترهيبية، فاتّخذت موقفاً دفاعياً من فكرة الله نفسها، وأصبحت ترتعد خوفاً وتبكي حين يُذكر اسمه سبحانه وتعالى، وبدأت تعاني من كوابيس متكرّرة. في مرّة أخرى، أخبرها أحد التلاميذ: “أنت مسلمة وأبوك قد يتزوج أربع نساء”. عادت مذعورة تسألني إن كان والدها سيتركنا ويذهب إلى عائلة أخرى لأنه مسلم. بلغت بها الصدمة أن أنكرت هويتها الدينية أمام إدارة المدرسة الجديدة التي نقلتها لها، قائلة: “أنا لست مسلمة ولن أحضر درس الدين”. هذه التجارب المبكّرة تمثل، وفق علم النفس التربوي، ما تُسمّى “الصدمات القيمية” التي تؤثر عميقاً في تكوين الهوية والوجدان.
ليس التعليم الديني للأطفال، خصوصاً في المراحل المبكرة، شأناً مدرسياً إلاّ بشروط موضوعية، فالمعلم غير المؤهل قد يُسقِط في الغالب تربيته وفهمه الخاص للدين، بما يحمله من عقد وتفسيرات شخصية على الطفل. وفي مجتمعاتنا، يصبح درس الدين أداة بيد السلطة لإنتاج “مواطن” على مقاس سياسي محدّد، أكثر منه مسعى إلى تربية روحية صافية.
يضاف إلى ذلك أن مدرّس الدين في مجتمعاتنا غالباً لا يُختار ولا يُؤهل بطريقة علمية دقيقة. كثيراً ما يُكلَّف بالمهمّة من دون مراعاة أسس تكوينه التربوي أو المعرفي في علم نفس الطفل والأسس العلمية لبناء إنسان متوازن دينياً واجتماعياً. وهنا الخطورة: الطالب في سنّ مبكّرة يتعامل مع معلمه بوصفه “سلطة مطلقة”، ويمتصّ شخصيته وسلوكه كما تمتصّ الإسفنجة الماء. أي خلل في شخصية المعلم، تشدّداً أو أفكاراً متطرّفة أو عقداً شخصية ينعكس مباشرة في عقل الطفل أنه الدين نفسه، وهذا ما يجعل التعليم الديني في هذه المرحلة حسّاساً للغاية، لأنه لا ينقل نصوصاً مجرّدة، بل يزرع نموذجاً حياً من الفهم والسلوك.
من هنا، لا يفقد الدين تحييد الدولة عن الدين، وحصره على مساحة تعليمية محدّدة، وترك مسؤوليته للأسرة، لا يُفقد الدين مكانته، بل يحمي روحه، فكما يذهب الفيلسوف الألماني كانط إلى أن “الأخلاق هي جوهر الدين”، فإن التعليم المبكّر يجب أن يركز على القيم الكونية: الصدق، العدل، الرحمة، واحترام الآخر. أما إدخال مفاهيم النار والعقاب والخوف والتمييز إلى وعي الطفل في مرحلة التأسيس فهو، في علم النفس التربوي، “تلقين صادم” يُضعف علاقة الطفل بالله ومحيطه المختلف ويحولها من حبّ إلى رعبٍ وصدام، ويؤثر في تكوينه ومناعته ضد متغيرات الحياة.
وقد استُخدمت الأديان في مراحل عدة من التاريخ أداة سياسية، وغلافاً للتعبئة والتحشيد، فالتجارب التاريخية تكشف أن التعليم الديني المسيس يُنشئ أجيالاً مجندة لمشاريع سياسية، لا أجيالاً حرّة متصالحة مع نفسها ومع الآخر. وقد قال النبي محمد (ص): “إنما بُعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق”. يضع هذا الحديث معياراً واضحاً: قيمة الدين تقاس بقدر ما يُترجم إلى أخلاق وعدل وإنصاف، لا بكثرة العبادات أو مظاهر التدين. لذلك، يجب أن يُختصر التعليم الديني للأطفال في المدارس على قصص الخير والرحمة المبسطة، وحفظ بعض الآيات التي تزرع المحبّة والأمل، مع إشراف خبراء في علم نفس الطفل والتربية.
لا يحتاج بلد مثل سورية خارج من حرب طويلة وتحوّلات حرفت المسار ولعبت على تعزيز الشروخ الاجتماعية والطائفية نرى آثارها وتداعياتها كل يوم، زيادة عدد دروس الدين في المدرسة لتحصّن المجتمع من المخاطر الكثيرة، وتقليلها ليس كارثياً كما كتب الشيخ عبدالله المحيسني في منشور على “إكس”، معترضاً على ما وصل إلى مسامعه عن زيادة دروس الموسيقى للطلاب على حساب دروس الدين ووصف الأمر بالكارثي.
في مجتمع متنوّع، كالمجتمع السوري، حيث تتعايش مكونات دينية وطائفية متعدّدة، تُظهر التجارب الدولية أن جوهر الإصلاح التربوي لا يكمن في زيادة ساعات تدريس الدين أو تقليصها، بل في إعادة تعريف وظيفة هذه المادّة، بحيث تكون بعيدة عن التلقين، ومنفصلة عن التقييم الأكاديمي النهائي، فلا تُستخدم ورقة ضغط أو مادة “مرسِّبة”، بل مساحة معرفية لتعريف الطلاب بالقيم الأخلاقية المشتركة والأديان في بعديها الثقافي والحضاري. إدراج هذه المقاربة، مع التركيز على مناهج المواطنة وحقوق الإنسان والتربية المدنية، يمكن أن يحوّل التنوع السوري من مصدر انقسامٍ إلى رافعة لبناء دولة مواطنة أكثر عدلاً وتماسكاً.
ما تحتاجه سورية الآن إعادة تكوين وصياغة حقيقية لجوهر التعليم الديني وغايته. زمن التعبئة والتحشيد الديني السياسي بكل ما حمله من أساليب التحفيز يجب أن ينتهي في سورية، وذلك لن يحدُث إلا بفرض القانون حالياً وللمستقبل من خلال الجيل الجديد الصغير، بتدعيمه سلوكياً ونفسياً ودينياً، بما يؤسّس لإنتاج بيئة اجتماعية متوازنة مع حجم التنوّع الديني والثقافي والفكري في سورية.
الموسيقى غذاء الروح كما يصفها الفلاسفة وغيرها من الفنون التي يحرّمها و ينبذها كلٌّ على هواه، هي من أرقى أدوات تنمية الحس الجمالي والنفسي لدى الأطفال. تضييقها لصالح المزيد من “التلقين الديني” لا يبني إنساناً أكثر إيمانا، بل يسرق من الطفل فرصة الفرح والتوازن النفسي وتوسيع المدارك.
يجب أن يُبنى التعليم الديني في المرحلة الابتدائية على أسس علمية وروحية متوازنة، تحمي الطفل من الصدمات القيمية والتلقين السياسي، وتمنحه صورة متوازنة عن الله والدين، تحصّنه وتحصّن الوطن من العبث باستقراره بكل أشكاله، بمناهج تُؤسَّس بخيوط دقيقة ينسجها خبراء في التربية وعلم النفس، بعيداً عن نزعات التسيس والأجندات، فبقدر ما نزرع الأخلاق والعدل في نفوس الأطفال، بقدر ما نؤسّس لمجتمع متصالح، منتج، وقادر على تقبل الاختلاف الموجود ومحصّن ضد الاختراقات.
العربي الجديد
—————————
سوريا الجديدة والتعليم: بين الطموح والواقع/ مالك ونوس
21 سبتمبر 2025
بدأ اليوم العام الدراسي الأول في سوريا الجديدة، بعد سقوط نظام “حزب البعث”، وهروب الدكتاتور بشار الأسد خارج البلاد. وفي هذه المناسبة، ينتظر كثيرون أن يكون هذا العام مختلفًا عن العام السابق، لأن الحكم الجديد يطرح نفسه بديلًا، ورمزًا للتغيير بعد الانقلاب على الأسد الذي أدخل البلاد في حربٍ، جعلت كل قطاعاتها تعاني الفشل. ومن تلك القطاعات التعليم الذي وصل إلى درجة من البؤس لم تشهده سوريا الحديثة من قبل.
وإذا كان جهد أهالي طلاب المراحل الأساسية والثانوية عاملًا في منع تدني مستويات تحصيل أبنائهم، ساهمت الدروس الخصوصية التي كانت تستنزف قدرات الأهالي المادية في المحافظة على سوية جيدة وممتازة، في حين بقي دور المدرسة يقتصر على تنظيم وقت الطلاب والاستمرار في رسالتها، التي لم تحِد عنها يومًا؛ تدجين الطلاب وإدخالهم في غياهب البعث، من أجل تجهيزهم ليصبحوا جنودًا مطواعين للأسد حين يكبرون.
دائمًا ما كانت مشكلات التدريس في البلاد، مرتبطة بالهموم الشخصية المتعلقة بالمهنة، وكذلك بالوضع المعيشي للمدرس، علاوة على المشكلات العامة التي تحتاج اهتمام وزارة التربية ومديرياتها، والتي تتطلب أيضًا تدخُّل المدرِّس ومتابعته لكي تُحل على الوجه الأمثل. وبينما كان التركيز دائمًا ينصبُّ على ضرورات تطوير التعليم، وعلى العوامل المساهمة في ارتقاء جودته، كان النقاش حول مستوى دخل المدرسين يحضر بقوة، بسبب أهمية هذا العامل في الارتقاء بتلك الجودة.
ولهذا السبب، ربط وزير التربية والتعليم السوري، محمد عبد الرحمن تركو، بين صدور مرسوم رئاسي، في 22 حزيران/يونيو الماضي، يقضي بزيادة رواتب العاملين في القطاع العام بنسبة 200%، وبين الارتقاء بجودة التعليم. وهي ربما المرة الأولى في تاريخ البلاد المعاصر، التي يربط فيها مسؤول حكومي بين الدخل الجيد للمدرسين وبين جودة التعليم.
هذه المعادلة التي تجاهلها النظام السابق، على الرغم من المطالبات التي كان كثيرون يرددونها من أجل وقف تدهور تلك الجودة التي تواصلت على مدى عقود من حكم آل الأسد، والتي كان تدنِّي مستوى دخل المدرسين أحد أسبابها، لأنه يدفع المدرس إلى البحث عن أعمال أخرى للإيفاء بمتطلبات أسرته المعيشية، ما ينعكس سلبًا على أدائه في الصف.
وكان الوزير قد قال، في 23 يونيو/حزيران الماضي، أي في اليوم التالي لصدور مرسوم زيادة الرواتب: “سيكون لها أثر مباشر في تحسين الواقع المعيشي للكوادر التربوية، وستشكل دافعًا قويًا نحو رفع جودة التعليم في الجمهورية العربية السورية”.
لكن، وعلى الرغم من أهمية زيادة رواتب الموظفين في الحصول على إنتاجية أكبر، إلا أن الزيادة الأخيرة، والتي، بالمناسبة، لم يستلمها العاملون في قطاع التعليم حتى الآن، ليست بالقدر الكافي الذي يريح هؤلاء، كونها لا تساهم في زيادة مستوى دخل الموظفين لكي يقارب خط الفقر على أقل تقدير. فالمدرس الذي كان يتقاضى وسطيًا 30 دولارًا كمرتب شهري، أصبح يتقاضى بعد الزيادة حوالي 90 دولارًا، في حين أن أسرة مكونة من 4 أشخاص تحتاج إلى أكثر من 500 دولار لتأمين حاجياتها المعيشية، وهو مبلغ ليس في متناول أيادي أكثر من 95% من مواطني البلاد.
وربما لا يعلم القائمون على وزارة التربية، وغيرها من وزارات الدولة، أن مرتب الموظف الحكومي لا يكفيه لشراء الخبز، ودفع أجور وسائل النقل العام للتنقل من عمله إلى منزله، وبعض الحاجيات الضرورية، حتى بعد الزيادة الجديدة التي طرأت عليه.
لذلك، لن يصبح لهذه الزيادة تأثير ملموس على جودة التعليم، إن لم تقترن بتبني سياسات جديدة ومغايرة لسياسات النظام السابق، في وزارتي التربية والتعليم العالي. فعلى الرغم من أن المعنيين في قطاع التعليم كانوا يركّزون على ضرورة تطوير مناهج التعليم من أجل الارتقاء بسويته، إلا أنه كان يغيب عن بالهم أن ما يجب تطويره هو “طرائق التفكير العليا” ومهاراتها. فالتركيز على هذه الطرائق يُكسب الطلاب التفكير النقدي والإبداعي، والقدرة على الحل الإبداعي للمشكلات جماعيًا وفرديًا، بعد تجميع المعطيات وتحليلها ثم تركيبها من أجل توليد أفكار جديدة، علاوة على الإتيان بحلول مبتكرة للمشكلات والمسائل قيد المعالجة.
وبينما لم تكن وزارة التربية تُقصِّر بإقامة دوراتٍ تدريبيةٍ للمدرِّسين بهدف ترقية مهاراتهم، إلا أن تلك الدورات كانت غالبًا غير مجدية، لأنها لم تكن تُعطي النتائج المرجوة منها؛ إذ لم تكن ترتقي بمهارات المدرسين، وبالتالي لم تنعكس في الصفوف، وفي إيصال المعلومة للطلاب على أكمل وجه وترسيخها في أذهانهم، للاستفادة منها بعد تخرجهم والدخول في سوق العمل. أما السبب في ذلك فهو أن التدريب لم يكن يُؤخَذ بجدية من قِبل المتدربين، لأنه يفتقر لثقافة المكافأة والعقاب، علاوة على عدم تفعيل دوائر “طرائق التدريس” المخولة بمتابعة التزام المدرسين بما تدربوا عليه.
يكفي أن نعرف أن متخرجي كلية التربية، قسم “المناهج وطرائق التدريس”، والذين يمضون في دراستهم الجامعية خمس سنوات، عادة ما يُنتدبون لشغل مهامٍّ إدارية يمكن أن يضطلع بها الحاصلون على الشهادة الثانوية، يكفي ذلك لإدراك مدى إهمال طاقات هؤلاء وتحييدها، وكذلك عدم الاكتراث الذي كانت تدار الموارد البشرية وفقه في هذه الوزارة، والتي كان يمكن لها أن تؤدي مهمات جليلة لو أديرت بالشكل الأمثل.
دائمًا ما كان بعض الخبراء العاملين في برنامج “دمج التقانة في التعليم”، يحاولون لفت نظر المسؤولين إلى أن مهنة التدريس تحتاج إلى الارتقاء بها عبر تحويلها إلى مهنة احترافية تطبيقًا لما يعرف بـ “تمهين التعليم”، كما جرت المطالبة مرارًا بإنشاء أكاديمية خاصة لتعزيز هذا المبدأ. ومن المعروف أن البلاد عانت من “سياسة الاستيعاب” التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة خلال حكم حافظ الأسد، أي قبول أكبر عدد ممكن من خريجي الجامعات والمعاهد المتوسطة في وظائف القطاع العام، والتي قابلها تخفيض الرواتب.
وإذا كان الهدف من هذا الأمر تقليل نسبة البطالة وإعانة أكبر عدد ممكن من الشباب، إلا أن جوانبه السلبية طغت، خصوصًا في قطاع التربية والتعليم حين أصبح التدريس ملاذًا لغير المؤهلين. لذلك، وللتأثير في سلوك التلاميذ والطلاب وتغييره، بعدما سقط مبدأ التربية وتحسين سلوك الطلاب من مهمات المدارس قبل سنوات، تبقى الضرورة من أجل تأسيس أكاديمية خاصة بجعل مهنة التدريس حرفةً تضع لها أسسًا ومعاييرًا وتحدد لها المبادئ والأخلاقيات، للمساعدة في إدارة الغرف الصفية، علاوة على دمج التقنيات الحديثة في هذه المهنة.
إذا كان الواقع الاقتصادي للمدرسين أحد أهم العوامل المساعدة في الارتقاء بجودة التعليم، كما لاحظ الوزير تركو، فإن التوجه نحو إعادة بناء المدارس التي تهدمت خلال الحرب التي شنها بشار الأسد على الشعب السوري، تُعدُّ المهمة الأكثر إلحاحًا أمام الحكومة السورية، من أجل عدم حرمان أجيال كثيرة من أبناء الشعب السوري من التعليم، خصوصًا أولئك الذين ما يزالون نازحين في الخيام في دول الجوار وفي مناطق الشمال السوري.
أما الأولويات التي يجب أن تضعها الحكومة السورية ووزارة التربية أمامها من أجل الارتقاء بمهنة التعليم فكثيرة، وستكون المهمة ناقصة إذا لم يجرِ العمل على جميع الملفات التي تحتاج للمعالجة دفعةً واحدةً، للوصول إلى الهدف الذي أشار إليه الوزير هذه المرة، مع العلم أنه وضع أصبعه على الجرح الذي دائمًا ما آلم كوادر وزارته وبقية السوريين.
—————————–
فوضى في مدارس سورية بسبب تأخير تكليف المدرّسين/ عبد الله البشير
24 سبتمبر 2025
تُواجه عدة مدارس في سورية حالة من الفوضى مع انطلاق العام الدراسي، نتيجة تأخر صدور قرارات تكليف وتعيين المدرسين، على الرغم من استكمالهم الأوراق المطلوبة وتقديمها إلى مديريات التربية المعنية. وقد انعكس هذا التأخير بشكل مباشر على العملية التعليمية، خاصة في بعض المناطق التي شهدت عودة النازحين والمهجرين، في وقت مضت أربعة أيام على بدء العام الدراسي.
ويقول المدرس حسين طعمة من ريف حمص الشمالي لـ”العربي الجديد”، إن أسباب تأخير التعيينات الخاصة بالمدرسين في المنطقة يعود إلى مديرية التربية التي ما زالت تعمل على إعداد التشكيلات، نظرا لوجود مدرسين منقولين من خارج المنطقة وآخرين مفصولين، إضافة إلى مدرسي العقود والوكالات. ويشير إلى أن هذا الوضع انعكس سلبا، إذ “أصيب الطلاب بالملل، وفقد الأهالي الثقة وبدأوا يشككون في نزاهة الإجراءات”.
ويوضح طعمة أن المدرّسين يطالبون قبل كل شيء براتب مُنصف يلبّي احتياجاتهم، وبقوانين تحافظ على كرامتهم أمام الطلاب والأهالي. ويبيّن أن المدارس في عموم المنطقة تعاني من نقص حاد في المقاعد والألواح، فيما تبقى دورات المياه غير جاهزة، لا سيما في المدرسة التي يعمل بها في بلدة الطيبة الغربية بريف حمص الشمالي. ويضيف أن الاكتظاظ داخل الصفوف يزيد من تفاقم الوضع، ويؤثر سلبا على الطلاب.
ويتابع طعمة: “كان من المفترض إنجاز التشكيلات وترتيب شؤون المدرسة خلال الأسبوع الإداري الذي يسبق بدء الدوام الفعلي للطلاب، لكن التأخير ترك الأهالي في حالة ارتباك، وأصاب الطلاب بالملل، فيما ينتظر الجميع بلهفة وشوق عودة الدراسة إلى مسارها الطبيعي”.
من جهتهم، أشار عدد من سكان ريف حمص الشمالي بحديث لـ”العربي الجديد” إلى أن بعض الطلاب يتوجّهون إلى مدارسهم من دون معرفة الشعبة الصفّية التي ينبغي أن يلتحقوا بها، أو المدرس المسؤول عنهم. ويرتبط ذلك، بحسب قولهم، بمشكلة إعادة المدرّسين المفصولين إلى عملهم، والتأخير في عملية فرز المعلّمين على المدارس.
بدوره، يقول عبد الرزاق الأحمد، أحد المدرّسين من ريف اللاذقية، لـ”العربي الجديد”، إن مشاكل عدة ما زالت ترافق انطلاقة العام الدراسي. ويوضح: “تواجه المدارس ضغطا كبيرا بسبب تزايد أعداد الطلاب مع عودة النازحين والمهجّرين، كما تعاني مدارس في المدينة والبلدات بريف اللاذقية من نقص واضح في الكادر التعليمي، نتيجة استقالة بعض المدرّسين وعودة آخرين من المفصولين من دون أن تصدر حتى الآن قرارات بتوزيعهم على المدارس أو تكليفهم بالدوام الفعلي”.
ووفقا لتصريحات معظم المدرّسين ممن أُعيدوا بعد فصلهم، فإنهم ما زالوا حتى الآن تحت تصرّف وزارة التربية من دون صدور قرارات تعيين لهم، في حين يواصل المدرّسون الذين كانوا على رأس عملهم مهامهم وفق التعيينات القديمة في مدارسهم السابقة. ويُشدَّد على أن حل هذه المشكلة يتطلّب تدخّلا عاجلا من مديريات التربية.
من جانبه، يقول المدرّس ياسر الفضل، الذي يعمل في منطقة عفرين، لـ”العربي الجديد”، إن مدارس المنطقة كانت تعاني في السابق من نقص حاد في الكوادر التعليمية بسبب الأعداد الكبيرة من الطلاب. ويوضح: “اضطررنا حينها للاستعانة بمدرّسين من خارج ملاك التعليم، بل وحتى من غير المختصّين، مثل بعض المهندسين، لتغطية الاكتظاظ الذي بلغ في بعض الصفوف نحو 80 طالبا. لكن الوضع الآن بات أفضل نسبيا مع عودة النازحين إلى مناطقهم، ما أسهم في تقليل أعداد الطلاب داخل المدارس”.
ويضيف: “المشكلة الحالية تكمن في غياب الاعتراف بالمدرّسين الذين عملوا لسنوات لاستيعاب الأعداد الكبيرة من الطلاب. كما أن التأخير في إلحاق المدرّسين بمباشرة عملهم دفعنا إلى تنظيم وقفات احتجاجية وتوجيه مطالب إلى وزارة التربية ومديرية تربية حلب”.
وانتقد أحد المدرسين في ريف حمص التأخير في عملية تكليف المدرسين، وأوضح خلال حديثه لـ”العربي الجديد” أنها تشمل عمليات نقل المدرسين الذين كانوا على رأس عملهم، بالإضافة إلى آخرين تمت إعادتهم إلى العمل بعد سنوات من فصلهم من قبل النظام السابق.
وقال أحد المدرّسين، مفضّلا عدم ذكر اسمه، إن بعض المجمعات التربوية ترتكب أخطاء تتمثل في ضغط الطلاب ضمن عدد محدود من المقاعد في مدارس تتوفر فيها تجهيزات، ثم نقل هذه المقاعد إلى مدارس أخرى تعاني نقصا. وأوضح: “هذا ليس حلا مع استمرار عودة السكان إلى مناطقهم وازدياد أعداد الطلاب، إذ سيؤدي ذلك إلى نقص جديد في المقاعد داخل المدارس الأصلية”. وأكد أن الحل يكمن في توفير مقاعد مدرسية إضافية للمدارس المحتاجة ضمن إطار دائم، مضيفا: “نُقدّر الحاجة، لكن هذه الخطوة المؤقتة لن تكون الحل الأمثل”.
وبحسب الإحصائيات الصادرة عن وزارة التربية والتعليم في سورية، فإن نحو 7900 مدرسة تعرضت لدمار جزئي أو كلي في البلاد، من أصل 19400 مدرسة، حيث التحق نحو 4 ملايين طالب بالمدارس المتاحة مع انطلاق العام الدراسي الجديد 2025 – 2026، في 21 سبتمبر/ أيلول الجاري.
——————————
رئيس جامعة الفرات يؤكد استيلاء قسد على كليات ومعاهد حكومية في الحسكة/ سامر العاني
2025.09.24
أكد رئيس جامعة الفرات، الدكتور منير عاروض، الأربعاء، استيلاء “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) على كليات حكومية تابعة لجامعة الفرات في الحسكة، مطالبا تحييد المؤسسات التعليميّة عن أي صراع.
أعرب رئيس جامعة الفرات، الدكتور منير عاروض، في تصريحات لموقع تلفزيون سوريا، عن استيائه من قرار الإدارة الذاتيّة التابعة لقوّات سوريا الديمقراطيّة، الاستيلاء على عدد من الكليّات، وحظر تدريس المناهج التعليمية الصادرة عن وزارة التربية والتعليم السورية في مناطقها.
وقال الدكتور عاروض: “لقد فوجئنا بهذا القرار الذي يحرم أجيالاً كاملة من حقها في التعليم، نحن نؤكد على ضرورة تحييد المؤسسات التعليمية عن أي صراعات سياسية أو عسكرية”.
وأضاف رئيس الجامعة أنّهم استثمروا مبالغ طائلة في تجهيز هذه المباني لتكون في خدمة الطلبة، ومن غير المقبول أن تبقى هذه الاستثمارات معطلة بسبب قرارات لا تخدم المصلحة التعليمية”.
وأكّد أنّهم رفعوا الأمر إلى وزارة التعليم العالي، مضيفا “نحن بانتظار التوجيهات التي ستصدر بعد عودة رئيس الجمهورية من زيارته الخارجية، حيث تجري مفاوضات مهمة على المستوى الدولي”.
تأتي هذه التصريحات بعد أن حظرت هيئة التربية والتعليم في “الإدارة الذاتية” لشمالي وشرقي سوريا، تدريس المناهج التعليمية الصادرة عن وزارة التربية والتعليم السورية في مناطقها بعد نحو أسبوعين من إبلاغها إداريي فرع “جامعة الفرات” في الحسكة بتسلم الكليات لها.
تأثير على الطلاب
وقال مصدر إداري من جامعة الفرات لموقع تلفزيون سوريا، إنّ “الإدارة الذاتية تتجه إلى منع الطلاب ممن أنهوا مرحلة الثانوية وفق المنهاج الحكومي هذ العام للدراسة في كليات فرع جامعة الفرات بالحسكة وسوف تخيرهم بين الدراسة خارج مناطق سيطرتها أو في الجمعات التابعة لها”.
وكانت هيئة التربية في “الإدارة الذاتية” حظرت، منذ عام 2022، تدريس مناهج الدولة السورية في جميع المدارس والمعاهد التعليمية الخاصة بمناطق سيطرة “قسد” شمالي سوريا، تحت طائلة فرض غرامة مالية والسجن بحق المخالفين.
ومع زيادة الضغط الشعبي على “الإدارة الذاتية”، عادت لتسمح، وبشكل محدود، لبعض المعاهد والمدارس الخاصة بتدريس مناهج الدولة، حينذاك، في مدينتي القامشلي والحسكة شمال شرقي سوريا.
واليوم، يواجه آلاف الطلاب الذين نجحوا في امتحانات الثالث الثانوي مصيراً مجهولاً، حيث حرموا من التسجيل أو الدراسة في هذه التخصصات الحيوية، وتشير التقديرات إلى أن هذا القرار يؤثر على مستقبل أكثر من 3000 طالب وطالبة كانوا يتطلعون لبدء رحلتهم الجامعية هذا العام، بناء على إحصائية الطلاب الناجحين في امتحانات الثالث الثانوي لهذا العام.
تقول طالبة في كلية العلوم لموقع تلفزيون سوريا (فضلت عدم الكشف عن اسمها) إن مصادرة مباني الكلّيات يعد “قرارًا كارثيًا”، مشيرة إلى أن مستقبلهم أصبح في خطر، وهدفهم الوحيد هو إكمال تعليمهم والحصول على شهادتهم، ولا ينبغي أن يتحول مستقبل الطلبة إلى أداة متأثرة بقرارات إدارية أو سياسية لا علاقة لهم بها
بينما أبدى علاء المرشد، أحد طلّاب كليّة العلوم استغرابه من القرار، مؤكداً أن العملية التعليمية يجب أن تبقى بعيدة عن أي تجاذبات سياسية.
انتهاك ومحاولة ضغط سياسي
بدوره، علّق الباحث مهند الكاطع على هذه التطورات بأنّ ما أقدمت عليه قسد من محاولة السيطرة غير القانونية على مؤسسات التعليم الأساسي والجامعي، والسيطرة على مبانٍ وكليات تابعة لجامعة الفرات بقوة السلاح، يشكّل انتهاكاً خطيراً.
واعتبر الكاطع أن هذه الممارسات تعرّض مستقبل مئات الألوف من الطلاب في المدارس والجامعات للخطر، عبر محاولة فرض منهاج مؤدلج يتعارض مع قيم المجتمع ولا يتضمن أي قيمة علمية يمكن لها إضافة معرفة، فضلاً عن أنها مناهج غير معترف بها
ويرى الكاطع أن ما تقوم به قسد يتعارض مع القانون الدولي الذي يشدد على ضرورة تحييد المؤسسات التعليمية حتى في أوقات النزاعات”، معتبراً أن موقف قسد هو عبارة عن محاولة لتوظيف هذا الملف للضغط على الحكومة السورية للحصول على تنازلات سياسية، لكنه في الوقت ذاته يشكل إدانة صريحة لقسد أمام المجتمع الدولي، وانتهاك صارخ كذلك لاتفاقية 10 آذار التي تقضي بتسليم جميع مؤسسات الدولة إلى الحكومة وليس احتكارها بهذا الشكل.
الإطار القانوني الدولي
تعتبر حماية المؤسسات التعليمية والطلاب حقاً أساسياً تكفله القوانين الدولية حتى في أوقات النزاع، إذ تنص المادة 26 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن “لكلِّ شخص الحق في التعليم”، وأن التعليم العالي يجب أن يكون “مُتاحًا للجميع تبعًا لكفاءتهم”. وهذا الحق لا يعتبر امتيازاً بل هو حق أصيل لجميع البشر.
بينما تعتبر اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية المؤسسات التعليمية أعياناً مدنية تتمتع بالحماية ويُحظر استهدافها في النزاعات المسلحة، وتؤكد المادة 50 من اتفاقية جنيف الرابعة على وجوب تسهيل عمل المؤسسات المكرسة لرعاية وتعليم الأطفال.
ويعزز القانون الدولي الإنساني حماية التعليم في أثناء النزاعات المسلحة ويسعى لضمان استمراريته من دون انقطاع. إن استهداف المباني التعليمية وحرمان آلاف الطلاب من مواصلة تعليمهم يشكل انتهاكاً للقانون الدولي.
وتأتي هذه الأزمة في ظل تطورات سياسية معقدة في المنطقة، حيث تجري مفاوضات دولية قد تغيّر الخارطة في شمال شرقي سوريا، وقد أكد مسؤولون في الجامعة أن الموضوع يتم التعامل معه على أعلى المستويات الحكومية والدولية.
تلفزيون سوريا
—————————–
===========================



