أبحاثانتخابات مجلس الشعبتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

شوراقراطية رقمية: بحثاً عن سياسة تشاورية سوريّة/ عمّار منلا حسن و فجر السيّد

مشروع منصّة تشاركية من أجل «شورى» السوريين في شؤونهم

01-10-2025

        تدعو الجمهورية.نت جميع أصحاب المشاريع السياسية الديمقراطية، سواء كانت أحزاباً أو مبادرات أو حركات أو هيئات مدنية، للتعريف بمشاريعهم على صفحاتها، ومُشاركة رؤيتهم بشأن اللحظة الراهنة بعد سقوط نظام الأسد، وبشأن أولويات عملية الانتقال السياسي.

        لا تتبنى الجمهورية.نت أيّاً من هذه الطروحات والمبادرات بشكل حزبي أو حصري، بل تهتم بتعزيز قيم الحوار والمُراكمة على أسس ديمقراطية تعددية وتوافقية جامعة.

        * * * * *

        في إحدى ليالي ربيع 2014، اجتاح مئات الطلاب التايوانيين مقرّ برلمانهم في تايبيه احتجاجاً على اتفاقيّة تجاريّة مع الصين، وطوّقوا أعمدة البرلمان بلافتات ورسوم احتجاجيّة. عُرِفَت الثورة قصيرة العمر باسم حِراك عبّاد الشمس، وكان للحركة من اسمها نصيب، إذ قدمت الشعب التايواني بوصفه مصدر الطاقة الذي على الحكومة أن تتبعه وتميل باتجاهه.

        لم يكن حِراكُ عبّاد الشمس مجرّد انفجار شبابي عابر، بل شكّل لحظة تأسيسيّة أعادت تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، في تايوان ولاحقاً في أماكن أخرى في العالم. من جهتهم، لم يطالب المحتجّون بانتخابات مبكّرة ولا بإسقاط النظام، بل طالبوا بأن تستمع الحكومة إليهم، وبدل أن تردَّ الحكومة بمزيج القمع والتجاهل المألوف في ثورات ما بعد 2011، اختارت السير في طريق مختلف ومفاجئ إلى حدٍ ما: الإنصات.

        من رحم تلك الأزمة، وُلد برنامج تايوان الافتراضيّة (في تايوان / vTaiwan)، وهو مبادرة حكوميّة مفتوحة تهدف إلى إشراك المواطنين في صياغة السياسات عبر منصات رقمية تفاعلية. استخدمت الحكومة أداة مفتوحة المصدر اسمها بوليس (Pol.is)، تسمح باستطلاع آراء عشرات الآلاف من المواطنين وتحليلها بطريقة بصريّة تُظهِرُ نقاط الاتفاق والخلاف والانحراف عن الإجماع. أصبح الجدل بين المؤيدين والمعارضين ينقسم إلى مجموعات رأي مرنة، حيث تبدأ التفاهمات بالتشكّل من القاعدة، لا من فوق. لم تَعُد الحكومة مُجبَرة على التخمين أو القمع، بل صارت قادرة على رؤية المزاج العام كصورة بيانيّة حيّة، وباتت القوانين والسياسات تصدر من ساحات افتراضيّة مفتوحة بدلاً من قاعات مغلقة.

        بعد مرور أشهر على حراك عبّاد الشمس، ظهرت حركة احتجاجية صغيرة جديدة في تايوان. قام قرابة 1200 سائق تاكسي في تايبيه بقطع عدّة طرقات في العاصمة احتجاجاً على دخول أوبر إلى السوق التايوانيّة بدون تنظيم لائق، بشكلٍ هدّدَ عمل سائقي التكاسي ووضعهم في مواجهة منافسة غير عادلة. مثّلت هذه الحادثة الفرصة المثاليّة لاختبار برنامج تايوان الافتراضيّة، حيث تمّ تنظيم تشاورات جماعيّة عبر تطبيق بوليس ضمّت سائقي تكاسي ومندوبين عن أوبر ووكالات حكوميّة، وأفضت إلى إجماع بين جميع الأطراف حول قوانين تنظيميّة عادلة لتطبيقات طلب التكاسي في البلاد.

        وهكذا بدأت تجربة تايوان مع الديمقراطيّة التشاوريّة (deliberative democracy)، وهي إحدى أشكال الديمقراطيّة التي تُفضِّلُ التشاور العقلاني والتوافق على الديمقراطيّة التمثيليّة التي تعتمد على الانتخاب والتمثيل واعتماد رأي الأغلبيّة. أصبح للمواطنين التايوانيين رأيٌ مباشر في قوانين تتعلق بالمركبات ذاتية القيادة وتنظيم أوبر وتقنين الكحول وغيرها، وتراجعَ الصراعُ بين الشارع والبرلمان لتحلّ محلّه ساحة تداولية رقميّة.

        من النظريّة إلى الممارسة ومن تايوان إلى العالم

        رغم امتلاك المفهوم جذوراً تاريخيّةً قديمة، إلا أن مصطلح الديمقراطيّة التشاوريّة ظهر للمرّة الأولى عام 1980 في مقال للعالم السياسي الأميركي جوزف إم. بيسيت، حاججَ فيه بأن شرعيّة الديمقراطيّة لا يجب أن تأتي من حكم الأغلبيّة، بل من تشاور عقلاني تقوده المصلحة العامّة بين كافّة الممثلين المُنتخَبين.

        خلال العقدين اللاحقين، بدأ عدّة مفكرين وفلاسفة سياسيين باستكشاف الفكرة بشكل أعمق، مثل المفكّر الألماني يورغن هابرماس الذي اقترحَ أن شرعيّة الأنظمة الديمقراطيّة يجب أن تُبنى على عمليّة نقاش وتشاور حرّة وعادلة بين أفراد المجتمع. بالتوازي، صمّمَ العالم السياسي الأميركي جايمس فيشكين ما بات يعرف بـ الاستطلاعات التشاوريّة (deliberative polls)، التي تقوم على قياس الرأي العام بشأن قضايا معيّنة عبر استطلاع عيّنة من المواطنين بعد منحهم فترة للاطلاع على المعلومات الهامّة حول القضيّة والتشاور فيما بينهم.

        عادت الديمقراطيّة التشاوريّة إلى الواجهة في العقد الأخير كاستجابة لأزمة الديمقراطيّة التمثيليّة العالميّة، التي تجلّت في تآكلِ الثقة بالمؤسسات العامّة، والانسحابِ من الفضاء السياسي الرسمي. كانت الديمقراطيّة التشاوريّة إحدى المدارس الفرعيّة في الديمقراطيّة التي لجأ الناس إليها خلال هذه الفترة، إلى جانب مدارس أخرى مثل الديمقراطيّة المباشرة، حيث يقوم المواطنون بالتصويت على القرارات والسياسات بشكلٍ مباشر بدلاً من انتخاب ممثلين يقومون بذلك بدلاً عنهم. على خلاف الديمقراطيّة المباشرة، تترك الديمقراطيّة التشاوريّة مسؤولية اتخاذ القرارات بيد السلطة، لكنها تفرض على هذه السلطة الاستماعَ إلى جماهيرها وتصميمَ القوانين والسياسات بشكلٍ يتناسب مع تَطلُّعاتهم، لذلك تُعَد مدرسة جذّابة لأولئك الذين ما زالوا يثقون بإمكانيّة إصلاح السلطة بدلاً من تجاوزها كليّاً.

        من هنا نجد أن الديمقراطيّة التشاوريّة تطرح مفهوماً بديلاً عن الديمقراطيّة التمثيليّة من حيث الشرعيّة السياسيّة، إذ لا ترى الانتخاب شرطاً كافياً (وربما ليس ملزماً حتّى) لتحصل السلطة على شرعيتها، بل تُركِّزُ على مدى استماع هذه السلطة إلى آراء شعبها وترجمة هذه الآراء إلى سياسات وقرارات تُلبّي تطلُّعات الشعب. يجدر التأكيد أن الهدف هنا ليس فقط أن يُسأل الناس عن رأيهم، بل أن يتحاوروا ويفكّروا معاً ويصلوا إلى تفاهمات جماعيّة حول ما يجب فعله.

        ألهمت حركة عبّاد الشمس في تايوان والإصلاحات التالية لها العديد من التجارب المماثلة حول العالم. في أوروبا الغربية، طبّقت فنلندا وأيرلندا وإسبانيا أدوات مماثلة، حيث طوّرت بلديّة برشلونة منصة اسمها ديسيدم (فلنقرّر \ Decidim)، وهي أداة تشاوريّة رقميّة مفتوحة المصدر استخدمها أكثر من مليون مواطن في إسبانيا. أمّا في فنلندا فقد أصبح من المعتاد أن تتلقى وزارة الصحّة آلاف الاقتراحات الرقميّة من مواطنين مجهولي الهوية يناقشون أنظمة الرعاية. في أمريكا اللاتينية، اعتمدت بعض البلديات البرازيلية على التشاور الرقمي في التخطيط العمراني وتوزيع الميزانيّات المحلية.

        تأخذ الديمقراطيّة التشاوريّة عدّة أشكال، من بينها هيئات المواطنين (citizens’ assemblies)، التي تختار بالاقتراع عدداً من مواطني دولة أو مدينة معيّنة وتجمعهم في فضاء فيزيائي مُشترَك للتشاور والتداول حول قضايا مُلحِّة، ثم تأخذ نتائج تشاورهم كتوصيات شبه ملزمة للسلطة. لكن الشكل الأكثر رواجاً وتأثيراً للديمقراطيّة التشاوريّة تمثّلَ في منصّات رقميّة مفتوحة تُمكِّنُ أعداداً كبيرة من المواطنين من الانخراط في محادثات واسعة حول قضايا مختلفة. نجحت هذه المنصّات لقدرتها على تلقي آراء أعداد قد تصل إلى عشرات الآلاف من المواطنين، ومعالجتها باستخدام تعلّم الآلات والذكاء الصناعي لرسم خرائط بصريّة تُظهِرُ نقاط الإجماع والاختلاف ومجموعات الآراء بشكلٍ يُسهِّلُ استخلاص التوصيات منه.

        عند مراقبة هذه التجارب المختلفة، يتضح أن استخدام الديمقراطيّة التشاوريّة الرقميّة لا يتعلّق بالحماسة التقنية أو «يوتوبيا الإنترنت»، بل بفراغ سياسي استشعَرَهُ الجميع في زمنٍ تُختزَلُ فيه الديمقراطية إلى مشهد انتخابي مُملّ ومُكرّر، ظهرت فيه الحاجة إلى إعادة تعريف السياسة بوصفها حواراً، لا سباقاً نحو الغالبية.

        تآلفات واضحة خفيّة

        خلال السنوات الأخيرة، ومع صعود الديمقراطيّة التشاوريّة ونجاح العديد من تجاربها، سواءً على مستوى الدول والمدن أو حتّى على مستوى الشركات والمنظّمات والأحزاب السياسيّة، بدأ بعض الباحثين الإسلاميين بإحياء كلمة كانت قد غابت عن التداول السياسي المعاصر لفترة طويلة: الشورى.

        كانت الشورى حاضرة في خطاب النبوّة منذ بداية الدعوة، ليس فقط كقيمة دينيّة بل كأداة تنظيم وتشاور جماعيّة، مذكورة بوضوح في سياقات الحكم والقيادة: «وأمرهم شورى بينهم». لم تَكُن مجرّد وعظ أخلاقي، بل بنية عقلانية تهدف إلى تقليل الخطأ وتوسيع زاوية النظر وتفادي الاستبداد بالرأي. في عهد الخلفاء الراشدين، ورغم كل التعقيدات السياسية آنذاك، كانت الشورى مُمارَسة مُعترفاً بها، على الأقل في لحظات تأسيس القرار.

        لكن سرعان ما تراجعت هذه الممارسة أمام تصاعد نماذج الوراثة والسلطنة، وتحوّلت من آليّة إلى شعار، ثم إلى مجرد حُلية لغوية يستخدمها الحاكم لإضفاء شرعيّة على سلطته.

        مع ذلك، ظلّت الشورى كامنة في الذاكرة الثقافية الإسلامية، وكانت تطلّ برأسها خلال فترات الخلافة المختلفة تبعاً لهوى الحاكم حتى سقطت آخر خلافة في إسطنبول. لكنّ مفهوم الشورى عاد إلى السطح في مطلع القرن العشرين على يد مفكّرين مثل محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي ومالك بن نبي؛ ولم تقتصر عودته المُعاصِرة على الوعظ أو الحنين، بل دخل فضاءَ المقارنة الجديّة مع نماذج الحكم الحديثة.

        في السنوات الأخيرة، ظهرت دراسات أكاديمية لافتة تربط بين الشورى ومفاهيم الديمقراطية التشاوريّة، مثل دراسة سيف الدين نسلينبي (٢٠٢٤)، التي قارنت بين آليّات اتخاذ القرار في كل من الشورى والديمقراطية التشاوريّة، مشيراً فيها إلى أوجه التشابه في شروط الشرعيّة والالتزام بالمصلحة العامّة والابتعاد عن الأغلبيّة العدديّة المطلقة. من جهته، يقترح الأكاديمي منصور ميرحمدي (٢٠٢١) تَصوُّراً سمّاه «الشورى-قراطية، بوصفها نموذجاً سياسيّاً تشاورياً نابعاً من المرجعيّة الإسلامية، يقوم على التفاهم والتوافق بدل الحسم العددي، وينظر إلى الشورى لا كبديل عن الديمقراطيّة بل كشريك فكري ومفاهيمي لها.

        ما يلفت الانتباه في هذه المقاربات هو التركيز على التشاور والاتفاق الجماعي كشرط للشرعيّة، وليس مجرد المشاورة الشكلية. تُصبح الشورى هنا بنية حواريّة تهدف للوصول إلى رأي جماعي ملزِم، وليست تبريراً أو تغليفاً لقرار فردي مسبق. يفتح هذا التطوّر الباب أمام إمكانية التلاقي العميق بين الشورى والديمقراطية التشاوريّة، على أساس أن كليهما يرتكز على:

        – التشاور والعصف الذهني الجماعي.

        – التعدُّدية في الرأي.

        – الإجماع أو التفاهم كبديل عن الحسم بالأغلبيّة.

        – مركزية العدالة والمصلحة العامة.

        – إتاحة المجال للناس ليُعبِّروا عن رأيهم حول الشأن العام.

        تجدر الإشارة إلى أن هذا التلاقي لا يعني التماهي. فالشورى، أو الشورى-قراطيّة، تظل مرتبطة بخلفيّات دينيّة وقيميّة إسلاميّة، بينما ترتكز الديمقراطيّة التشاوريّة على فلسفات ليبراليّة أو عقلانيّة أو مدنيّة. مع ذلك، فإن الجسر ممكن ومثمر، خاصةً إذا ما تمّ بناؤه بعقلٍ مفتوح وحسٍّ نقديّ.

        السياسة التشاوريّة في سوريا الجديدة

        منذ سقوط نظام الأسد في نهاية 2024، بدأت تظهر مساحات جديدة – هشّة ولكن واعدة – لإعادة تَخيُّل السياسة في سوريا. ليست السياسة هنا بمعناها السلطوي القديم، بل كمساحة للنقاش والتفكير الجماعي، وإعادة بناء العلاقة بين السوريين والسياسة نفسها؛ العلاقة التي تشوّهت خلال عقودٍ من الخوف والتلقين والانتخابات الصوريّة.

        في هذا السياق، أظهرت الحكومة الانتقالية انفتاحاً على الممارسات السياسيّة التشاوريّة، وإن كان هذا الانفتاح حتّى الآن شكليّاً إلى مدىً ما. وفّرَ مؤتمر الحوار الوطني المنعقد مطلع هذا العام فرصةً للاطلاع على اهتمام الحكومة الجديدة بهذه الممارسات، حيث تمّ التمهيد للمؤتمر عبر تأسيس لجنة تحضيريّة، قامت بعقد 30 جلسة تشاوريّة في محافظات سوريّة مختلفة. حضر هذه الجلسات أكثر من 4000 سوري، عبّروا عن آرائهم في قضايا حاسمة للمرحلة الانتقاليّة عبر أكثر من 2200 مداخلة شفهيّة و700 مساهمة مكتوبة. تَلا ذلك إطلاق استطلاع رقمي موجّه للسوريين في الداخل والخارج، جمع آراء أكثر من 10 آلاف سوري حول القضايا ذاتها المتعلّقة بإدارة المرحلة الانتقاليّة.

        في وقتٍ لاحق، قال أعضاء لجنة الإعلان الدستوري إنّهم اعتمدوا على نتائج الاستطلاعات والجلسات التمهيديّة في صياغتهم للإعلان، رغم أنّ الواقع يعكس صورة مختلفة، إذ قوبل الإعلان الدستوري شعبياً بشكل مختلط، أثار إعجاب البعض وإحباط كثيرين. يُذكِّرنا هذا بمصطلح «الغسيل المفتوح» (open washing)، الذي يُشير إلى قيام بعض السلطات بتأسيس مَظاهِرَ للتشاركيّة والتشاوريّة بغرض إضفاء الشرعية، مثل إطلاق استطلاعات وجمع آراء المواطنين، دون أن تترجم هذه الآراء بالضرورة إلى أي قرارات أو سياسات أو قوانين ملموسة.

        تَرافَقَ هذا الانفتاح على الممارسات التشاوريّة مع خطابٍ متوجّس من ناحية السلطة تجاه الديمقراطيّة والتجريب السياسي. في كلمته الافتتاحية لمؤتمر الحوار الوطني، قال الشرع إنّ: «نظام الحكم لأيّ بلدٍ يتّفق اتفاقاً وثيقاً مع المرحلة التاريخيّة السابقة لإقراره، والثقافة العميقة والأصيلة لأهل البلد، فلا ينبغي استيراد أنظمةٍ لا تتلاءم وحال البلد، ويجب الابتعاد عن تحويل المجتمعات إلى حقول تجارب لتنفيذ أحلامٍ سياسيّةٍ لا تناسب».

        تبرز هنا أهميّة مفاهيم ناشئة مثل الشورى-قراطيّة، التي تسمح بتأصيل الفكرة محلّياً ضمن المرجعيّة الثقافية والاجتماعية السورية، لا كاستيراد لنماذج أجنبية، بل كاستعادة لأصول مُتجذِّرة في ثقافتنا السياسية، باعتبار سوريا بلداً متنوعاً وفي الوقت نفسه ذا ميراثٍ ثقافي إسلامي ملحوظ.

        مشروع تشاور

        في الفترة التالية لسقوط نظام الأسد، اجتمعنا (مجموعة من الباحثين والناشطين والتقنيين السوريين وغير السوريين) لبحث ما يمكن تقديمه لسورية خلال هذه المرحلة الحرجة، وانطلق الحديث من فكرة الشورى-قراطيّة. بدا لنا أنّه في بلدٍ يعاني من تَفكُّك جغرافي، استقطاب سياسي، وثقة مقوّضة بالسلطة، يصعب الحديث عن ديمقراطية على النمط الغربي في الوقت الحالي، لكن يمكن الحديث عن بُنى تشاور رقميّة آمنة، يستطيع فيها الناس المشاركة دون كشف هوياتهم، ودون الحاجة للقاءات محفوفة بالمخاطر.

        بعد أشهر من النقاش ومتابعة التطوّرات واستعراض أفكار مختلفة، شرعنا بالعمل على تطوير مشروع سمّيناه «تشاور». يتمحور المشروع حول تطوير نسخة من تطبيق بوليس (Pol.is) التشاوري الرقمي، الذي استخدمته الحكومة التايوانيّة والعديد من الجهات الأخرى حول العالم، وتخصيصه تقنيّاً وثقافيّاً لمُلاءَمة الواقع السوري. يسعى المشروع للمواءمة بين تقنيّات التشاور الرقميّة والسياق السوري، عبر العمل ضمن مفهوم الشورى-قراطيّة.

        يهدف المشروع أيضاً إلى توفير مساحة للتفكير الجماعي، وممارسة المواطنة بطريقة لا تُختزَل في الانتخاب أو الولاء، بل تعتمد على الحوار والنقد وتشكيل الرأي العام من القاعدة إلى القمة.

        بدأنا بتخصيص تطبيق بوليس من الناحية التقنيّة ليناسب الظروف اللوجستيّة في سوريا، مثل تمكينه من العمل بسرعات إنترنت بطيئة والحدِّ من استهلاكه للبيانات حرصاً على وصولٍ متساوٍ له من قبل جميع السوريين. إلى جانب ذلك، نعمل على تطوير آليّات تَحقُّقٍ من المستخدمين لا تكشف هوياتهم، وبُنى غير مركزيّة لتخزين بيانات المستخدمين والنقاشات الحاصلة ما بينهم.

        نسعى في المرحلة الأولى إلى تقديم المشروع والتطبيق إلى المجتمع المدني والسياسي المحلّي في سوريا، مثل منظّمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكوميّة والشبابيّة والأحزاب السياسيّة المنبثقة وشركات المقاولات المَنوطة بإعادة إعمار أحياء مدمّرة. أعربت تحالفات سياسيّة جديدة عن اهتمامها باستخدام المشروع لتوسيع قواعدها الشعبية بطريقة تشاركيّة.

        كذلك أظهرت منظّمات مدنيّة محليّة اهتماماً باستخدام المشروع لتصميم مشاورات رقميّة حول مسائل استراتيجيّة داخليّة، مثل أولويّات العمل وكيفيّته. في تجربة مبدئيّة مع منظّمة سند، تم إطلاق مشاورة رقميّة شاركَ فيها أكثر من خمسين عضواً موزّعين على خمس محافظات سوريّة، أدلوا بأكثر من 5700 صوت على 130 مقترحاً مختلفاً، وتوزّعوا على مجموعات رأي مختلفة تتراوح ما بين 2 إلى 5 مجموعات. لم يكن الهدف الوصول إلى «نتيجة»، بل إلى خريطة: من يفكر بماذا؟ وهل المشاكل المطروحة مسبقاً في عمل الفريق ما زالت قائمة اليوم؟

        في مجالات أخرى، أبدت بعض شركات المقاولات رغبتها في استطلاع آراء السكّان قبل تنفيذ مشاريع عمرانيّة – ليس بدافع المثاليّة، بل من منطلق أن فهم البيئة الاجتماعية يوفّر مخاطر الصدام مستقبلاً.

        في مراحل لاحقة، نرغب بطرح المشروع على السلطات المحلية في سوريا، مثل المحافظات والبلديّات التي تستطيع استخدام التطبيق لاستطلاع آراء سكّانها حول أولوياتهم من حيث توزيع الميزانيّة المحلّية وإعادة الإعمار ومشاريع التنمية. كذلك نرغب بطرحه على الحكومة السوريّة لاستخدام التطبيق في تأسيس بيئة شورى-قراطيّة، يتم من خلالها استطلاع آراء السوريين حول القوانين والسياسات والقرارات الحكوميّة قبل إقرارها وإطلاقها.

        في كلّ هذه الحالات، لا نُقدِّمُ المنصّةَ كحلّ، بل كمساحة؛ مساحة آمنة، رقميّة، مفتوحة، لا تشترط الانتماء السياسي، ولا الولاء، ولا حتى الإفصاح عن الهويّة. مساحة يمكن لأي فرد أن يُعبّر فيها عن رأيه، وأن يرى الآخرين يفعلون الأمر نفسه، ثم يلاحظ أين يقف هو على خريطة النقاش.

        ومن هنا، فإن إعادة تفعيل الشورى، ليس بوصفها شعاراً مُفرَغاً من مضمونه، بل كبنية تشاوريّة أخلاقيّة وتشاركيّة، قد يشكّل جسراً بين ماضٍ يُستعَاد، ومستقبل يُخترَع. وإذا كانت السياسة فنَّ العيش معاً، فربما تكون الشورى-قراطيّة خطوة أولى باتجاه إعادة إحياء هذا الفن في سوريا.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى