عرين الأسد: خالٍ من السكان/ بثينة عوض

الجمعة 2025/09/26
تتسع حدقتا عيني رجل ثمانيني، وهو يقف بلا حول ولا قوّة أمام عتبة بيته في حي المِزّة الدمشقي. كان جسده منحنياً كأثاث قديم يتكئ على ذاكرة طويلة، في حين أنَّ عينيه تلاحقان سيارة “البيك آب” التي تمضي محمّلة بقطع أثاث متواضعة، تدلّ على ضيق حال أصحابها، أكثر مما تدلّ على زينة بيت يغادرونه قسراً.
تقدّمت نحوه في أحد أزقة الحي، كسرت الصمت وسألته: ما الذي يحدث؟
ردّ بصوت خافت، لكنه خالٍ من الخوف المعتاد في دمشق: “عم يرحّلوا الناس… من أيّام الأسد الأب لهلأ ما وقفت قرارات الترحيل. المِزّة اللي شايفتيها هلأ ما بتشبه مِزّة زمان”.
لحظة قصيرة، قبل أن تهوي دمعة على خده وتجعل الصمت أثقل.
ذلك المشهد البسيط كان مدخلي لمعرفة ما يجري. فالقصة أبعد من خروج عائلة من بيتها: إنها فصل جديد من مسلسل طويل بدأ منذ عقود. يومها عرفت أن تهجير أهالي حي المِزّة جاء بمرسوم رئاسي يحمل الرقم 66 للعام 2012، الذي قضى بهدم المنطقة بحجّة إنشاء “منطقة تنظيمية حديثة”، وهو المرسوم الذي تحوّل لاحقاً إلى أساس مشروعي “ماروتا سيتي” و”باسيليا سيتي” اللذين بدّلا وجه العاصمة وذاكرتها.
المِزّة ليست مجرد حيّ. إنها بوّابة دمشق من الجهة الجنوبية الغربية، واحدة من أهم المناطق الاستراتيجية في العاصمة. منذ السبعينيات، استُهدفت المنطقة بسلسلة من مراسيم الاستملاك التي حوّلتها إلى مساحة مطوّقة بالمشاريع العقارية والأمنية. تدريجياً، أُزيحت العائلات الدمشقية العريقة وحلّت مكانها تركيبة سكانية جديدة، صُمّمت بعناية لتخدم النظام سياسياً وأمنياً.
ما جرى في المِزّة ليس حالة معزولة؛ بل جزء من خطة أكبر. فالنظام أعاد تشكيل دمشق عبر توزيع العشوائيات “الموالية” في مواقع استراتيجية على مداخل العاصمة وفي المرتفعات المطلّة وحول الثكنات العسكرية. هكذا بُني “حزام الأمان السكاني” الذي يضمن السيطرة على المدينة سياسياً وأمنياً.
يقول خبراء إن أخطر تغيير ديموغرافي شهدته سوريا كان في دمشق نفسها. لم يكن مجرد إعادة إعمار أو تطوير عمراني، كما يدّعي الخطاب الرسمي؛ بل عملية مدروسة لتغيير هوية المدينة: من مدينة بأحيائها التاريخية وسكانها الأصليين، إلى مدينة كانتونات مغلقة، يسكنها الغرباء وتخضع لرقابة صارمة.
اليوم، أصبح أهل دمشق الأصليون غرباء في عاصمتهم، يتذكرون بيوتاً وحدائق لم يبقَ منها سوى أطلال، في حين ترتفع مكانها أبراج إسمنتية باردة لا تحفظ سوى ذاكرة الخراب.
عرين الاسد
يمر الوقت ثقيلاً على قلب العاصمة، لتنفجر مع انفجار الثورة حافلة مبيت عسكرية في منطقة مساكن “عرين الأسد”، التي عُرفت سابقاً باسم مساكن “الحرس الجمهوري”. الانفجار أودى بحياة عدد من الضباط، في حين تبنّى تنظيم “حراس الدين” العملية ضمن سلسلة هجمات حملت عنوان “غزوة العسرة – ثأراً لدرعا”.
لكن وراء الخبر الأمني، تكمن حكاية حيّ كامل يعيش على هامش دمشق.
مساكن “عرين الأسد” بُنيت في الأساس لسكن العناصر والموظّفين في وزارة الدفاع السورية، ثم تحوّلت لاحقاً إلى خليط سكاني غير متجانس: عسكريون متقاعدون، موظفون حكوميون، وعوائل مهجّرة من الشمال السوري لجأت إلى المكان، وتمدّدت عشوائياً في محيطه.
يقع الحي بجوار منطقة قدسيا، محاطاً بسور مرتفع. ما أن تجتازه حتى تشعر أنك غادرت دمشق إلى مكان منفصل، منعزل عن حياة المدينة. بيوت إسمنتية متشابهة، أشبه بثكنات عسكرية قديمة، وجوه صارمة تخبرك من النظرة الأولى أنها كانت يومًا ما في صفوف الجيش. رجال بأيدٍ متشققة يعملون في ورش طلاء ونجارة، وأطفال يحملون حقائب مدرسية بيد واحدة، كأنهم يختصرون ثقل العيش اليومي.
وراء كل باب حكاية عزلة. في أحد الشوارع الضيقة، التقيت عجوزاً سبعينية جاءت من اللاذقية مع ابنها الضابط. قالت بلهجتها الساحلية: “أنا ساكنة بالعرين، ما دخلني بالشام”. صحّحت لها بأن المنطقة تتبع إدارياً لمدينة دمشق، لكنها أصرت: “ما شفت دمشق ولا مرة”. كلماتها تكشف أن السور لم يفصل الحي عن العاصمة عمرانيًا فقط؛ بل ذهنياً ونفسياً أيضاً.
هكذا يتأرجح المكان بين صفتين: ثكنة عسكرية فقدت صرامتها، وحيّ شعبي يعيش على قلق البقاء. هنا لا شيء يشي بالطمأنينة: لا عمران منظماً، لا أمان واضحاً، ولا شعور بالانتماء إلى دمشق القريبة. الانفجار الأخير لم يكن سوى تكثيفٍ لهذا الواقع الهش: عزلة اجتماعية وأمنية جعلت من “العرين” مساحة مشحونة بالخوف، وأحياناً بالدم.
تدور الدوائر
هذه المرة، لم يكن الرجل العجوز هو من يودّع بيته كما في مشهد المِزّة سابقاً؛ بل امرأة مسنّة تراقب بصمت سيارة “البيك آب” وهي تُحمَّل بأغراض ابنها العسكري السابق وصندوقها الخشبي الصغير. تودّع المكان وهي لم تعرف دمشق يوماً؛ تماماً كما حال مئات الأسر التي استيقظت فجأة على بلاغ من “لجنة الإسكان العامة” يأمرهم بإخلاء المساكن خلال ثلاثة أيام فقط، “من دون تأخير أو تسويف”.
قبل البلاغ، جرى استبيان شمل سكان العقارات، تضمن أسئلة دقيقة: رقم الشقة والكتلة، جهة العمل، الرقم الذاتي، طبيعة العمل… كأنما كانت السلطات تحصي أنفاس السكان قبل أن تطرق أبوابهم بقرار الطرد.
بعض العائلات رفضت الامتثال. المهجرون القادمون من الشمال السوري، والعسكريون القدامى ممن خدموا في صفوف وزارة الدفاع، لم يجدوا بديلاً سكنياً. كانوا قد لجأوا إلى “عرين الأسد” بحثاً عن مأوىً، ليجدوا أنفسهم أمام تهديد بالاقتلاع مرة ثانية.
المشهد لا يختلف عن حال سكان منطقة السومرية الذين واجهوا قرارات مشابهة. في “العرين”، خرج السكان بتظاهرات صغيرة عبّروا فيها عن رفضهم، واصفين القرار بـِ”الظالم”، لأنه يهدد استقرار مئات العائلات التي لا تملك مأوىً آخر وسط ظروف معيشية خانقة.
لعبة قديمة
كل ما يحدث في هذه الأحياء ــ من المِزّة إلى السومرية و”عرين الأسد” ــ يكشف عن سياسة واحدة: التلاعب بالحجر والبشر معاً.
النظام البائد اعتاد أن يوظّف المساكن الشعبية والعشوائية لتكون أدوات لإحكام قبضته على المجتمع، يوزعها على الموالين، أو يهدمها لإعادة تشكيل التركيبة الديموغرافية بما يخدم مصالحه.
اليوم، يدفع سكان “عرين الأسد” ثمن تلك اللعبة. عائلات بأكملها لم تعد تطلب سوى “حياة كريمة تحت سقف آمن”، لكن حتى هذا السقف يبدو هشاً، قابلاً للانهيار ببلاغ إداري مختوم.
المدن



