أخطاء ترجمة غيّرت العالم: من النووي إلى “أعضاء بولندا الحساسة”/ وليد بدران

30 أيلول 2025
يحتفل العالم في 30 سبتمبر/أيلول من كل عام باليوم الدولي للترجمة. ويشير موقع الأمم المتحدة إلى أن الهدف من هذا اليوم هو تكريم المتخصصين في اللغة الذين يضطلعون بدور أساسي في التقريب بين الدول، وتسهيل الحوار والتفاهم والتعاون، والمساهمة في التنمية وتعزيز السلام والأمن العالميين.
كما تؤكد المنظمة أن “نقل الأعمال الأدبية أو العلمية، بما فيها الأعمال الفنية، من لغة إلى أخرى، إضافة إلى الترجمة المهنية بمختلف أشكالها مثل الترجمة التحريرية والتفسير والمصطلحات، يشكّل ركناً لا غنى عنه للحفاظ على الوضوح والمناخ الإيجابي والإنتاجية في الخطاب العام الدولي والتواصل بين الشعوب”.
“نوّرتونا” بمناسبة اليوم العالمي للترجمة
اليونسكو: 2500 لغة انقرضت أو في طريقها للانقراض
في 24 أيار/مايو 2017، اعتمدت الجمعية العامة قراراً بشأن دور المتخصصين في اللغة في ربط الدول وتعزيز السلام والتفاهم والتنمية، وأعلنت يوم 30 سبتمبر/أيلول يوماً دولياً للترجمة.
وقد اختير هذا التاريخ لأنه يوافق عيد القديس جيروم، مترجم الكتاب المقدس الذي يعد شفيع المترجمين. كان جيروم كاهناً من شمال شرق إيطاليا، عُرف بمحاولته ترجمة معظم الكتاب المقدس إلى اللاتينية من المخطوطات اليونانية للعهد الجديد، كما ترجم أجزاء من الإنجيل العبري إلى اليونانية. تعلّم اللاتينية في المدرسة وأجاد اليونانية والعبرية من خلال دراساته وأسفاره، وتوفي بالقرب من بيت لحم في 30 سبتمبر/أيلول عام 420 ميلادية.
ومنذ عام 2005، تدعو الأمم المتحدة موظفيها وموظفي البعثات الدائمة والطلاب من جامعات شريكة مختارة إلى مسابقة القديس جيروم للترجمة، وهي منافسة تكافئ أفضل الترجمات باللغات العربية والصينية والإنجليزية والفرنسية والروسية والإسبانية وكذلك الألمانية، بهدف الاحتفال بتعدد اللغات وتسليط الضوء على الدور المحوري للمترجمين والمتخصصين اللغويين في الدبلوماسية متعددة الأطراف.
تخطى الأكثر قراءة وواصل القراءة
وبحسب صحيفة “واشنطن بوست”، في العالم 7102 لغة، تتصدرها آسيا بـ 2301 لغة، تليها أفريقيا بـ 2138 لغة، بينما تضم منطقة المحيط الهادئ نحو 1300 لغة، والأمريكيتان 1064 لغة، فيما تأتي أوروبا في المرتبة الأخيرة بـ 286 لغة فقط رغم تعدد دولها القومية.
وتواجه الترجمة اليوم تحديات متزايدة في ظل تطور الذكاء الاصطناعي، حيث تطرح أدوات الترجمة الآلية أسئلة حول الدقة، والسياق الثقافي، ومكانة المترجم البشري في المستقبل.
وهنا من المفيد التوقف عند أبرز أخطاء الترجمة التي شكّلت عبر التاريخ مواقف طريفة وأحياناً مأساوية.
“موكوساتسو”
شكّل إعلان بوتسدام، الصادر في 26 يوليو/تموز 1945 عن الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى والصين، إنذاراً نهائياً يطالب اليابان بالاستسلام غير المشروط.
جاء هذا الإعلان في مؤتمر بوتسدام الذي عُقد قرب نهاية الحرب العالمية الثانية بعد شهرين من استسلام ألمانيا، حيث اجتمع قادة الحلفاء في المدينة الألمانية لمناقشة التسويات السلمية وقضايا ما بعد الحرب.
ورغم انتهاء القتال في أوروبا، استمرت الحرب في المحيط الهادئ حيث واصلت اليابان القتال. لذلك، صاغ الرئيس الأمريكي هاري ترومان، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، والزعيم القومي الصيني تشيانغ كاي شيك، إعلاناً يحدد شروط استسلام اليابان، محذّرين من عواقب وخيمة إذا رفضت إلقاء السلاح.
لم يشارك الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين في هذا الإنذار لأن بلاده لم تكن قد أعلنت الحرب على اليابان بعد.
وجاء في الإعلان أن “الحسابات غير الذكية” للمستشارين العسكريين اليابانيين دفعت البلاد إلى “عتبة الفناء”، ودعا اليابانيين إلى اتباع “طريق العقل”.
تضمنت الشروط نزع السلاح الكامل، احتلال مناطق معينة، وإنشاء “حكومة مسؤولة”. في المقابل، تعهّد القادة بألّا تُستَعبَد اليابان كعرق أو تُدمَّر كأمة. لكن الإعلان انتهى بتهديد واضح بـ”التدمير الفوري والمطلق” إذا لم تستسلم اليابان دون قيد أو شرط.
وبحسب دائرة المعارف البريطانية، رد رئيس الوزراء الياباني سوزوكي كانتارو على الإنذار في مؤتمر صحفي بكلمة “موكوساتسو”.
وقد فسرتها وسائل الإعلام حينها على أنها رفض أو تجاهل للإنذار، بينما رأى آخرون لاحقاً أن الترجمة الأدق قد تكون “لا تعليق”. هذا اللبس في الترجمة زاد من تعقيد الموقف.
لم تصدر اليابان أي تصريحات إضافية، وبعد أيام قليلة، في 6 أغسطس/آب 1945، ألقى الجيش الأمريكي قنبلة ذرية على هيروشيما فدمّر معظم المدينة. وبعد ثلاثة أيام، تعرضت ناغازاكي للقصف الذري. وفي تلك الفترة أعلن الاتحاد السوفيتي الحرب على اليابان.
وفي 15 أغسطس/آب 1945 أعلنت اليابان استسلامها رسمياً، منهية الحرب العالمية الثانية.
حرب فيتنام
كانت حرب فيتنام من أكثر فصول التاريخ الأمريكي إثارة للجدل، وقد لعب حادث خليج تونكين دوراً محورياً في تصعيدها.
في 2 أغسطس/آب 1964، هاجمت زوارق دورية فيتنامية شمالية المدمرة الأمريكية “يو إس إس مادوكس” في خليج تونكين.
وبعد يومين، أُبلغ عن هجوم ثانٍ في 4 أغسطس، وهو ما دفع الرئيس ليندون جونسون إلى طلب تفويض عسكري واسع من الكونغرس عُرف بـ”قرار خليج تونكين”، الذي مهّد الطريق لتصعيد التدخل الأمريكي.
لكن تحقيقات لاحقة، منها مراجعات داخلية لوكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA) رفعت عنها السرية، بحسب صحيفة “نيويورك تايمز” أظهرت أن الهجوم الثاني لم يحدث.
فقد كانت الرسائل اللاسلكية من الشمال غامضة ومُجَزّأة، وتعرضت لترجمة وتحليل مضللين. بعض هذه الأخطاء نتج عن دمج رسائل منفصلة في ترجمة واحدة، مما جعلها تبدو كأنها وصف لهجوم منسّق، بينما لم يكن الأمر كذلك.
من المؤكد أن حادثة الترجمة والاستخبارات المضللة في خليج تونكين كانت الشرارة التي منحت البيت الأبيض مبرراً رسمياً لتوسيع الحرب، التي أدت لاحقاً إلى مقتل مئات الآلاف من الفيتناميين وعشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين.
عيد الحب بالياباني
ومن اليابان أيضاً، برز خطأ في الترجمة لكنه فتح الباب أمام صناعة كاملة من الشوكولاتة ثم لاحقاً المجوهرات والهدايا الفاخرة.
شهد عام 2016 إقبالا كبيرا من الرجال على متجر “غوديفا” في طوكيو لشراء هدايا اليوم الأبيض للنساء
ففي عام 1968، أرادت إحدى شركات الشوكولاتة اليابانية الترويج لعيد الحب، بعدما أثبت نجاحه كأداة تسويقية ضخمة في الولايات المتحدة.
لكن بسبب سوء فهم في الترجمة، رُوّج للمناسبة في اليابان على أساس أن النساء هنّ مَن يقدّمن الشوكولاتة للرجال، وليس العكس كما في التقليد الغربي.
ومن هنا انطلقت حملات التسويق التي شجعت على ما عُرف لاحقاً باسم “غيري-شيكو” أي “الشوكولاتة الإلزامية” التي تهديها المرأة للزملاء أو الأشخاص المهمين في حياتها.
وفي عام 1970، ولزيادة المبيعات، اخترعت الشركات يوماً مكملاً بعد شهر واحد فقط: 14 مارس/آذار، الذي سُمّي بـ”اليوم الأبيض”. كان الهدف منه أن يردّ الرجال الهدايا التي تلقوها في عيد الحب، بدايةً عبر تقديم حلوى وبسكويت أبيض اللون. لكن مع مرور الوقت، تحولت هذه الهدايا الرمزية إلى مجوهرات فاخرة وهدايا باهظة الثمن.
وهكذا، بفعل حملة تسويقية وخطأ في الترجمة، أصبح التقليد في اليابان أن تهدي النساء الشوكولاتة للرجال في 14 فبراير/شباط، ثم يرد الرجال الهدية في 14 مارس/آذار. ومع أن الأساس كان تجارياً محضاً، فإن هذه العادة تحولت إلى تقليد ثقافي راسخ في المجتمع الياباني حتى اليوم.
حرب العوالم
عندما بدأ عالم الفلك الإيطالي جيوفاني فيرجينيو شياباريللي رسم خرائط للمريخ عام 1877 من مرصد بريرا في ميلان، لم يكن يدرك أنه سيفتح الباب أمام موجة كاملة من الخيال العلمي. فقد وصف المناطق المضيئة والمعتمة على سطح الكوكب بأنها “بحار” و”قارات”، وأطلق على الخطوط الطويلة الرفيعة التي رآها عبر تلسكوبه كلمة “canali”، وهي بالإيطالية تعني ببساطة “مجارٍ” أو “قنوات طبيعية”.
لكن هنا وقع سوء الفهم: فقد تُرجمت الكلمة في اللغات الأخرى على أنها “canals” أي “قنوات صناعية من صنع البشر”، مما أطلق العنان لفكرة وجود حضارة ذكية على سطح المريخ شقت هذه القنوات لريّ أراضيها.
العالم الأمريكي بيرسيفال لويل كان مِن أبرز مَن تبنَّوا هذه الفكرة. بين عامي 1894 و1895 رسم مئات “القنوات” المريخية، ونشر على مدى عقدين ثلاثة كتب تضمنت رسوماً توضيحية لهذه الشبكات المائية المزعومة، معتقداً أنها من صنع مهندسين مريخيين عباقرة يسعون لنقل المياه من الأقطاب إلى المناطق القاحلة. هذه الأفكار ألهمت كتاباً آخرين للحديث عن “المريخيين الأذكياء”.
ومن أبرز من تأثروا بهذا التصور الكاتب البريطاني اتش. جي. ويلز، الذي نشر روايته الشهيرة حرب العوالم عام 1897 (في البداية كسلسلة مقالات). وفيها صوّر غزواً للأرض من قبل سكان المريخ، لترسخ أسطورة “المريخيين” وتصبح حجر أساس في أدب الخيال العلمي الحديث.
أما رواية “أميرة المريخ” التي كتبها إدغار رايس باروز عام 1911، فقد تناولت بدورها أفول حضارة المريخ، مستعيناً بالأسماء التي أطلقها شياباريللي على الظواهر المختلفة في ذلك الكوكب.
ويتفق علماء الفلك على أنه لا وجود لقنوات مائية على سطح المريخ، وأن ما سُمّي بالقنوات لم يكن سوى نتاج اللغة والخيال الجامح.
وبحسب ما تؤكد وكالة ناسا الفضائية: “إن شبكة الخطوط المتقاطعة التي وُصفت على سطح المريخ لم تكن إلا انعكاساً لرغبة بشرية محضة في رؤية أشكال محددة، حتى وإن لم تكن موجودة فعلياً. فعندما ننظر إلى مجموعة باهتة من البقع الداكنة، تميل العين إلى الربط بينها بخطوط مستقيمة”.
غلطة بـ 71 مليون دولار
يمكن أن تؤدي الترجمة الخاطئة أحياناً إلى عواقب كارثية، كما حدث في إحدى أشهر القضايا الطبية.
ففي عام 1980، نُقل الشاب ويلي راميريز إلى أحد مستشفيات فلوريدا وهو في حالة غيبوبة. حاول والداه، الناطقان بالإسبانية، شرح حالته للطبيب، لكن الأخير لم يفهم لغتهما، فقام أحد موظفي المستشفى ثنائي اللغة بترجمة كلامهما للأطباء.
المأساة بدأت مع كلمة واحدة: فقد استخدم الوالدان كلمة “intoxicado”، التي تعني بالإسبانية “تسمم”. لكن الموظف ترجمها إلى الإنجليزية بمعنى “ثمل” أو “في حالة سكر”. وبناءً على هذا الفهم الخاطئ، عالج الأطباء راميريز على أنه يعاني من جرعة زائدة من المخدرات، بينما كانت حالته الحقيقية تسمماً غذائياً خطيراً.
الخطأ في الترجمة أدى إلى تشخيص وعلاج غير مناسبين، فترتبت عليه مضاعفات خطيرة انتهت بإصابة ويلي راميريز بشلل رباعي دائم بعد استيقاظه من الغيبوبة.
وقد اضطر المستشفى لاحقاً إلى دفع تسوية مالية تجاوزت 71 مليون دولار تعويضاً عن الأضرار التي لحقت به.
“شهوات” البولنديين
كان الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر بارعاً في جذب انتباه الجمهور، لكن زيارته إلى بولندا عام 1977 ارتبطت بواحدة من أشهر هفوات الترجمة الدبلوماسية.
ففي خطاب ألقاه آنذاك، أراد كارتر التعبير عن اهتمامه بالتعرف أكثر إلى “تطلعات الشعب البولندي للمستقبل”، غير أن المترجم نقل العبارة لتصبح “شهوات البولنديين في المستقبل”، بما حمل إيحاءً غير مقصود.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد؛ فعبارة كارتر البسيطة “غادرت الولايات المتحدة هذا الصباح” تحولت إلى “غادرت الولايات المتحدة ولن أعود أبداً”، وفق ما ذكرت مجلة “تايم”. حتى جملته الترحيبية بأنه “سعيد بوجوده في بولندا” خرجت في الترجمة بمعنى فاضح يشير إلى “الإمساك بالأعضاء الحساسة لبولندا”.
هذه الأخطاء وضعت المترجم في قلب حادثة دخلت التاريخ، وباتت مثالاً كلاسيكياً يُستشهد به في الدراسات حول مخاطر الترجمة غير الدقيقة في المجال الدبلوماسي.
لم يكن مستغرَباً أن يستعين الرئيس جيمي كارتر بمترجم آخر خلال مأدبة عشاء رسمية لاحقة في الزيارة نفسها، بعد سلسلة الإخفاقات التي واجهها. غير أن معاناته لم تتوقف عند ذلك الحد؛ فبعد أن ألقى السطر الأول من خطابه، قوبل بصمت مطبق، ثم تكرر الأمر بعد السطر الثاني، وسط ذهول الحاضرين.
المفاجأة كانت أن المترجم الجديد لم يكن يجيد الإنجليزية بما يكفي، فاختار أن يلتزم الصمت بدلاً من المجازفة بالترجمة الخاطئة. ومع انتهاء زيارة كارتر، تحولت هذه الحوادث إلى مادة للتندر والنكات في الأوساط البولندية.
جرعة زائدة من الإشعاع
في عام 2004، أدين عدد من العاملين في أحد المستشفيات الفرنسية بتهمة القتل غير العمد بعد أن خضع أكثر من 450 مريضاً بالسرطان لعلاج إشعاعي غير سليم على مدى أربع سنوات، مما أسفر عن وفاة سبعة منهم.
السبب الرئيسي كان سوء استخدام أجهزة أشعة جديدة، إذ كانت كتيبات التعليمات مكتوبة بالإنجليزية بينما كان الطاقم فرنسياً، ما أدى إلى أخطاء في فهم الإرشادات وترجمتها، وبالتالي تقدير خاطئ لجرعات الإشعاع.
التقارير كشفت أن المرضى تلقوا جرعات أعلى بنسبة 20 في المئة من المُوصَى بها بسبب خطأ في معايرة الأجهزة. ولم يكتفِ اختصاصي الأشعة المتورط بارتكاب الأخطاء الطبية، بل وُجّهت إليه أيضاً تهم إتلاف الأدلة وإنكار التهم الموجهة إليه.
ورغم أن الأطباء حاولوا تبرير ما حدث باعتباره “خطأً بشرياً”، فإن المحكمة رأت أن خطورة العواقب تستدعي الإدانة، لتصبح هذه الحادثة واحدة من أخطر الأمثلة على عواقب الترجمة الطبية الخاطئة في فرنسا.
“سوف نقوم بدفنكم”
في عام 1956، أثارت تصريحات منسوبة إلى الزعيم السوفيتي آنذاك نيكيتا خروتشوف ضجة دولية بعدما تُرجمت على أنها تهديد مباشر للدبلوماسيين الغربيين.
فقد نقلت وسائل الإعلام قوله خلال حفل استقبال في السفارة البولندية في موسكو: “سوف نقوم بدفنكم”. وسرعان ما تصدرت العبارة عناوين الصحف والمجلات في الغرب، لتزيد من حدة التوتر والبرود في العلاقات بين الاتحاد السوفيتي والمعسكر الغربي.
لكن وضع التصريح في سياقه يوضح أن خروتشوف لم يكن يقصد تهديداً مباشراً، بل كان يعبر عن قناعة أيديولوجية بأن الشيوعية ستستمر إلى ما بعد الرأسمالية، التي ستنهار بفعل تناقضاتها الداخلية. كان بذلك يشير إلى مقطع في “البيان الشيوعي” لكارل ماركس يؤكد أن الطبقة البورجوازية “تحفر قبرها بيديها”.
وبعد سنوات من الجدل، حرص خروتشوف على توضيح مقصده. ففي خطاب ألقاه عام 1963 في يوغوسلافيا قال: “ذات يوم قلت: ‘سوف ندفنكم’، وقد سببت لي تلك العبارة مشكلات كثيرة. بالطبع لم أعنِ أننا سنقوم بدفنكم باستخدام مجرفة، بل إن طبقتكم العاملة هي التي ستقوم بذلك”.
الاتفاقية مزورة
تُتهم بعض الدول باستغلال الغموض اللغوي في الاتفاقيات الدولية لصالحها.
ومن أبرز الأمثلة معاهدة ويتانغي التي وُقّعت عام 1840 بين التاج البريطاني وما يقارب 500 من زعماء شعب الماوري في نيوزيلندا.
فقد تضمّن النص الإنجليزي للمعاهدة منح بريطانيا السيادة الكاملة، بينما استخدم النص بلغة الماوري كلمة “كواناناتاغا” (kawanatanga) التي تعني “الحكم أو الإدارة”، وهو ما جعل الماوري يعتقدون أنهم سيحتفظون بسلطتهم على أراضيهم ومواردهم.
هذا التباين بين النصين أدى إلى نزاعات طويلة الأمد لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم. ومنذ سبعينيات القرن العشرين، عبّر الماوريون عن رفضهم لتلك الصياغة المتناقضة في احتجاجات رفعوا خلالها شعار: “الاتفاقية مزورة”.
عزل ترامب
خلال الزيارة الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى السعودية، تداولت وسائل إعلام عربية خبراً بعنوان: “البيت الأبيض يبحث إجراءات عزل الرئيس من منصبه”، نقلاً عن تقرير منشور بالإنجليزية. وسرعان ما انتشر الخبر على نطاق واسع، سواء عبر وسائل الإعلام التقليدية أو على منصات التواصل الاجتماعي.
لكن الترجمة لم تكن دقيقة. فالخبر الأصلي باللغة الإنجليزية أشار إلى أن محامي البيت الأبيض يدرسون الخيارات القانونية في حال قرر الكونغرس المضي في إجراءات سحب الثقة، ولم يقل إن البيت الأبيض يبحث بالفعل عزل ترامب. هذا التحريف في الترجمة أضفى طابعاً دراماتيكياً على الخبر، وأسهم في تضليل الجمهور حول فحواه.
سوء فهم
أحياناً تكمن المشكلة في سوء الفهم أكثر من سوء الترجمة، وهذه الفكرة تتضح في الحكايات التي تُضخمها الصور النمطية الجاهزة.
فخلال زيارة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون إلى الصين عام 1972، سُئل رئيس الوزراء الصيني آنذاك، زهو إنلاي، عن تقييمه لآثار الثورة الفرنسية عام 1789، فأجاب: “ما زال الوقت مبكراً جداً للحكم”.
رئيس الوزراء الصيني السابق زهو إنلاي
الأمريكيون فهموا العبارة على أنها تجسيد لـ”الحكمة الصينية” ورؤية بعيدة المدى، واعتبروها دليلاً على أن الصينيين يفكرون بمدى زمني يمتد لقرون.
لكن المعنى الحقيقي مختلف تماماً. زهو لم يكن يقصد الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر، بل كان يتحدث عن انتفاضات الطلاب والعمال في فرنسا عام 1968، أي قبل بضع سنوات فقط من ذلك اللقاء.
المترجم الأمريكي تشارلز فريمان، الذي كان حاضراً مع نيكسون، يوضح أن سوء الفهم هذا استُخدم لترسيخ صورة مسبقة عن القادة الصينيين كرجال دولة ذوي نظرة استراتيجية بعيدة، على عكس نظرائهم الأوروبيين. ويعلّق قائلاً: “الناس صدّقوا ما أرادوا أن يصدّقوه، ولذلك ترسخ هذا التفسير الخاطئ إلى الأبد”.
بي بي سي
——————————–
في اليوم العالمي للترجمة… أي مستقبل ينتظر المترجم البشري؟/ إبراهيم قعدوني
بين دقة الخوارزمية وروح الإنسان
آخر تحديث 29 سبتمبر 2025
مع تسارع التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي والنماذج اللغوية الكبرى، لم يعد قطاع الترجمة في منأى من التأثيرات التقنية التي تغير طبيعة العمل وفرصه، لا بل كان هذا القطاع في صدارة القطاعات التي ألقت التقنيات الجديدة بظلالها عليها. ويحتدم الجدال اليوم في شأن ما إذا كانت هذه الثورة التقنية مجرد محطة تطورية جديدة من محطات الترجمة الآلية التي بدأت على نطاق محدود في سبعينات القرن العشرين، وما برحت تتطور، أم أنها هذه المرة تمثل تهديدا وجوديا لدور المترجم البشري.
قبل فترة قصيرة، نظم “معهد اللغويين المجازين” في المملكة المتحدة، ندوة حضرها نحو 300 مترجم عبر الإنترنت، انقسمت آراؤهم في استطلاع للرأي بين من رأوا في هذه الأدوات فرصة لزيادة الإنتاجية والنهوض بالقطاع، وبين من أعربوا عن توجسهم في شأن مستقبلهم المهني في ظل هذا التحول المتسارع.
كما اشتكى عدد من المترجمين من تراجع فرص العمل وتنامي الضغوط على الأجور، إذ يجدون أنفسهم أمام مساومات غير مسبوقة من العملاء الذين يقترحون إدماج هذه الأدوات لتوفير الوقت والتكلفة. ينطبق هذا بشكل خاص على شريحة المترجمين المستقلين، الذين يشكلون النسبة الكبرى من العاملين في المجال.
على الجانب الآخر، يؤكد كثيرون أن للمترجم البشري دورا لا يمكن الاستغناء عنه، انطلاقا من خبرته الثقافية وقدرته على صوغ النصوص بروح وحساسية قد تعجز عنهما الخوارزميات. كما يثير آخرون مسألة حماية البيانات في مجالات حساسة، فضلا عن الطابع الذي “يخلو من الروح” للترجمة الآلية، خصوصا حين يتعلق الأمر بالنصوص الأدبية كالشعر والرواية والمسرح.
انطلاقا من هذه الإشكاليات، التمسنا آراء كوكبة من المترجمين العرب في شأن هذه التحولات الجذرية من خلال محاور عدة: تأثير الذكاء الاصطناعي المباشر على عملهم اليومي، وتجاربهم الشخصية مع هذه الأدوات، مقارنة بالترجمة البشرية. كما تناولنا التأثير المهني والاقتصادي من حيث تغير طبيعة الطلب وضغوط الأسعار، فضلا عن الجوانب الثقافية والأدبية المتعلقة بقدرة الآلة على تحسس الروح الأدبية والأبعاد الثقافية ودقائقها. وأخيرا، حاولنا أن نستشرف معهم مستقبل المهنة والمهارات اللازمة لبقاء المترجمين فاعلين في هذا العصر.
كاظم جهاد: في “جائحة” الذكاء الاصطناعي
يتناول المترجم العراقي المقيم في فرنسا كاظم جهاد إشكالية الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في الترجمة والكتابة، في سياق الإشكالية العامة للتكنولوجيا التي توقف عندها مفكرون كبار مثل مارتن هايدغر وجاك دريدا وبول فيريليو، مما يعطي الأزمة بعدا فلسفيا يتجاوز الجانب التقني المحض، بحسب ما يقول. ويسلط الضوء على أن العينات المولدة آليا في مختلف أشكال الكتابة، بما فيها الشعر والترجمة، تكشف عن نواقص كبيرة تفرض تدخلا بشريا حاسما للتدقيق والتنقيح.
في التحليل الأدبي، يلاحظ جهاد أن النصوص المولدة تعيد إنتاج الكليشيهات والصورة النمطية، بينما تفتقر النصوص التحليلية إلى العمق والدقة، متكئة على التعابير الجاهزة والمعالجات التقريبية. وهذا يقوده إلى التساؤل الجوهري عن إمكان الثقة بهذه النصوص في المجالات الإبداعية التي تتطلب “ذاتية مخصوصة ولا-وعيا إبداعيا”، ويقودنا من ثم إلى التساؤل الذي يطرحه مشيرا إلى أن المترجم بدوره يضفي حساسيته الفريدة على النص مع احترامه لخصوصية المؤلف الأصلي. يقول جهاد: “ألا يمكننا قول الشيء نفسه عن المترجم أيضا، الذي كلما ترجم، مهر “جسد” اللغة بحساسيته الخاصة في الوقت نفسه الذي يسعى فيه إلى التقاط خصوصيات مؤلف النص الأصلي، ما يدعى “غرابته”؟”.
ويستحضر جهاد مفهوم “موت المؤلف” لرولان بارت، موضحا أن بارت قصد به تحرير النص من سطوة المؤلف المباشرة وليس إلغاء دوره الإبداعي، بينما يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى “موت فعلي” للمؤلف وذاتيته الإبداعية.
أما في الجانبين التربوي والمعرفي، فيحذر جهاد من “جائحة” الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الأوساط الأكاديمية، إذ أصبح الطلبة يستخدمونه بشكل متزايد في إعداد الأبحاث والترجمات، مما يهدد التأسيس المعرفي الحقيقي. ويؤكد جهاد أن القيمة تكمن في الجهد الذهني الذي يبذله المتعلم، لا في النتائج الجاهزة.
ويخلص كاظم جهاد إلى أن الخسارة على مستوى عمق الأفكار وأصالة التعبير تفوق بكثير المكاسب الوقتية، داعيا إلى تأمل عواقب هذه الظاهرة على الهوية الإبداعية والمعرفية للإنسان.
بثينة الإبراهيم: أداة بحث متطورة
تبدو المترجمة السورية المقيمة في الكويت بثينة الإبراهيم متفائلة بحذر تجاه الذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى أنها استعانت به في نطاق محدود جدا لا يتعدى كونه أداة بحث متطورة، أشبه باستخدامها لمحرك “غوغل” في البحث عن معلومات أو فهم عبارات بلغات قديمة كاللاتينية. وتوضح أن هذا الاستخدام يقتصر على المرحلة التمهيدية للترجمة، حيث تساعدها هذه الأدوات في الحصول على خلفية سريعة عن الموضوع، لكنها تعود دائما إلى المصادر البشرية والمراجع المعتمدة للتحقق من الدقة.
وتؤكد بثينة الإبراهيم أنها لم تلحظ أي تأثير للذكاء الاصطناعي على عملها في الترجمة الأدبية، إذ لا يزال الإقبال كبيرا على الترجمات البشرية. كما تشير إلى أن دور النشر التي تتعامل معها لم تفرض عليها استخدام هذه الأدوات أو تمارس أي ضغوط أسعار مرتبطة بها، بل إن بعضها يصر صراحة على خلو الأعمال المقدمة من أي استخدام للترجمة الآلية، حرصا على الجودة والأصالة.
وتستبعد الإبراهيم أن تحل الآلة محل الإنسان في الأعمال الإبداعية، مستشهدة بتجربتها الأخيرة في “تهشيم اللغة العربية” لتناسب صوت شخصية روائية، معتبرة أن مثل هذه المغامرات اللغوية لا يستطيع الذكاء الاصطناعي خوضها. وتصف الترجمة الحاسوبية بأنها “باردة” وتتعامل مع النص كمعادلة رياضية، وتضيف: “الترجمة الأدبية تحتاج إلى قلب ينبض باللغة، وأذن موسيقية تلتقط إيقاع النص، وهذا ما تفتقر اليه الآلة تماما”.
وتختم بثينة برسالة مختصرة لزميلاتها وزملائها في اليوم العالمي للترجمة: “طوبى لكم!”، مؤكدة أن إتقان اللغة يبقى سلاح المترجم الأهم في كل العصور، وأن التحدي الحقيقي ليس في منافسة الآلة، بل في تطوير الذات والغوص في أعماق اللغة لإنتاج ترجمات تليق بالأعمال الإبداعية.
محمد آيت حنا: البشر هم المؤولون الأعظم
يقدم المترجم المغربي محمد آيت حنا رؤية متوازنة لتأثير الذكاء الاصطناعي، معتبرا إياه أداة مساعدة جدا في المهام المساندة، من قبيل نسخ النصوص المصورة والمقارنة بين النصوص الأصلية والمترجمة، مما يوفر وقتا كبيرا كان يستهلك في أعمال روتينية. ويشير إلى أن هذه الأدوات أصبحت تشكل “عضوا جديدا في فريق العمل” لا غنى عنه للإسراع في إنجاز المهام التحضيرية وما بعد الترجمة.
لكنه يميز بين المستويين الشخصي والعام: فبينما يساهم الذكاء الاصطناعي في تطوير الممارسة الترجمية على المستوى الفردي، يشكل تهديدا وجوديا للمهنة جمعاء إذا تشبع السوق بترجمات آلية. “فالتهديد واقعي وملموس، عدد المترجمين يتناسل والأعمال الترجمية تتوالد، ولو طبع القارئ مع هذه الترجمات، واقتنعت بها دور النشر، نستطيع أن نقول لمهنة المترجم السلام”، ويضيف أن أكبر خطر هو “تطبيع القارئ مع لغة الآلة” مما قد يؤدي إلى فقدان الحساسية اللغوية تدريجيا.
ويحذر آيت حنا من الطبيعة “الخداعة” للذكاء الاصطناعي، ذلك أنه ينتج نصوصا براقة تخفي افتقارها للفهم التأويلي، معتبرا أن الترجمة البشرية قائمة على الانزياح عن النص الأصلي وليس المطابقة الحرفية. وهذا ما يجعل الترجمة الأدبية – في نظره – المجال الأكثر صمودا أمام الغزو الآلي، لأنها “ضرب من إعادة الخلق وليس النقل الآلي”.
ويشير آيت حنا إلى انقسام محتمل في سوق العمل بين مترجمين معتمدين ومترجمي ذكاء اصطناعي، متوقعا اختفاء فعل الترجمة التقليدي لتحل محله نصوص تترجم آليا عند تأليفها. وينتهي إلى نظرة فلسفية تستحضر فكرة أن حتى هذه المحاورة قد تكون من إنتاج الذكاء الاصطناعي، في إطار تحول ثقافي أشمل “يجب أن نكون واعين بأخطاره وأبعاده”.
ويتمنى آيت حنا سنة سعيدة لزملائه الذين يصفهم بـ”المؤولين الأعظم للنصوص!” موجها إليهم النصيحة بالتكيف مع الأدوات الجديدة مع الحفاظ على مشاريعهم التأويلية الفريدة، معتبرا أن كل مترجم يمثل “نسخة غير قابلة للتقليد”. ويختتم بالقول: “علينا أن نتعامل مع هذه الأدوات كما نتعامل مع النار: نستخدمها لطبخ طعامنا، لا لحرق بيوتنا”.
حسام موصللي: الذكاء الاصطناعي عاجز أمام الفلسفة والأدب
يقدم المترجم السوري المقيم في السويد حسام موصللي رؤية دقيقة لتأثير الذكاء الاصطناعي، مؤكدا أن تأثيره يتفاوت بحسب مستوى تعقيد النص. فيذكر أن الأدوات تفيد في النصوص الإجرائية أو القانونية، حيث يتحول دور المترجم إلى “مشرف” يصحح ويراجع، لكنها تعجز تماما أمام النصوص الفلسفية أو الأدبية المعقدة، بل إن إحدى هذه الأدوات نصحته ذات مرة بالاستعانة بـ”مترجم بشري” لترجمة نص فلسفي كثيف.
ويشير موصللي إلى أن هذه الأدوات سيف ذو حدين: قد تسرع العمل لكنها تزيد ضغوط الأسعار، خاصة في ظل غياب تنظيم مهني قوي في العالم العربي. كما يؤكد أن الطلب على الترجمة البشرية تراجع وتغيرت طبيعته، ما انعكس سلبا على الدخل والفرص. وقد لاحظ تحولا ملحوظا في طلبات العملاء الذين أصبحوا يفضلون النصوص المترجمة آليا ثم مراجعتها بشريا بأسعار مخفضة.
وفي الجانب الثقافي، يعبر موصللي عن قلقه من أن يؤدي الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي إلى تحويل العقل البشري نفسه إلى آلة، مفتقدا الأصالة. ويؤكد أن الآلة تظل عاجزة عن مجاراة المترجم البشري في مجالات مثل الأدب والنقد والفلسفة، خاصة عند الترجمة إلى العربية، بسبب ضحالة قاعدة البيانات الثقافية المتاحة للآلة وعدم قدرتها على فهم السياقات التاريخية والاجتماعية المعقدة.
وفي رؤيته للمستقبل، يتوقع موصلي أن يتحول دور المترجم إلى “مشرف” على الترجمة أكثر من كونه منفذا مباشرا لها. وينصح زملاءه بالتمسك بقيمة المهنة النبيلة والسعي نحو التنظيم الجماعي، مستذكرا كيف كان المترجمون يكافؤون بوزن كتبهم ذهبا في عهد هارون الرشيد، داعيا إلى إحياء هذا التقدير لمهنة كانت ولا تزال جسرا بين الحضارات.
نوف الميموني: الذكاء الاصطناعي سيعيد تشكيل المهنة
تقدم المترجمة السعودية نوف الميموني رؤية واقعية لا تتفق مع مزاعم طمأنة الخبراء، فترى أن جميع المهن – ومنها الترجمة – تتأثر لا محالة بالتقدم التقني، خاصة مع قدرة الآلة اليوم على إخراج ترجمة كتاب كامل في دقائق. وتؤكد أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة جامدة، بل هو نظام يتعلم ويتطور مع كل معالجة للنصوص، مما يجعله قادرا على إتقان الترجمة في المستقبل القريب، خاصة في المجالات التقنية والعلمية ذات اللغة الموحدة.
وتتنبأ الميموني بأن دور المترجم قد ينحصر في “التحرير الثقافي” الذي تعجز عنه الآلة، خاصة في المجالات الإبداعية كترجمة الشعر، حيث تبقى البلاغة والإحساس حكرا على الإنسان. لكنها تذكر بأن هذا الاستثناء لا ينطبق على مجالات أخرى واسعة كالترجمة الطبية والعلمية والقانونية، التي قد تشهد تحولا جذريا لصالح الآلة، ما لم يسارع المترجمون إلى تطوير مهاراتهم في هذه التخصصات.
وتشير إلى أن أكبر تحد يواجه المهنة هو “وهم الكفاءة” الذي تخلقه الترجمة الآلية، حيث تبدو النصوص سليمة ظاهريا لكنها تفتقر إلى الدقة والعمق. وتنصح المترجمين الشباب بعدم الاكتفاء بالترجمة السطحية، والغوص في التخصصات الدقيقة التي تتطلب فهما ثقافيا وعلميا عميقا، كما تحثهم على تعلم أدوات الذكاء الاصطناعي ليس كمنافس، بل كمساعد يمكن توظيفه لتحسين الجودة والإنتاجية.
عماد الأحمد: المترجم البشري سيغدو ذواقا ثقافيا في المستقبل
ينظر المترجم السوري عماد الأحمد إلى الذكاء الاصطناعي على أنه “فرصة هائلة” تحمل تأثيرا كبيرا على المهنة، مؤكدا أن التأقلم مع الأدوات الجديدة هو شعار المترجم الذكي. ويرى أن هذه الأدوات تسهل العمل عبر اختصار الوقت والجهد، لكنه يحذر من مغبة الإغفال عن المراجعة الدقيقة، لأن “إغماضة عين واحدة” كفيلة بتغيير المعنى كله. ويضيف: “لقد أصبحت عملية المراجعة والتدقيق أكثر تعقيدا مما كانت عليه في السابق، فالأخطاء التي ينتجها الذكاء الاصطناعي غالبا ما تكون خفية وتتطلب وعيا لغويا حادا لاكتشافها”.
ويشير الأحمد إلى تحول جذري في سوق العمل، حيث أصبحت معظم طلبات الترجمة تشترط الترجمة الآلية ثم التنقيح، مما أدى إلى تراجع هائل في الطلب على الترجمة البشرية الخالصة. ويلاحظ أن هذا التحول لم يقتصر على النصوص التقنية فحسب، بل بدأ يمتد إلى مجالات كانت حكرا على المترجم البشري. وفي المجال الثقافي، يفرق الأحمد بين سوق الترجمة التجارية وسوق الأدب، مؤكدا أن دور النشر والمؤسسات الثقافية الكبرى لا تزال تعتمد بشكل أساسي على المترجم البشري، خاصة في مجالات الشعر والرواية التي يعجز فيها الذكاء الاصطناعي عن التقاط المستويات النصية المختلفة والانزياحات الدلالية التي تشكل روح العمل الإبداعي.
وينتهي الأحمد إلى توقع تحول المترجمين المتمرسين إلى “ذواقة” في المستقبل، ناصحا زملاءه بعدم معاداة الذكاء الاصطناعي بل الاستفادة القصوى من أدواته، مع التمسك بحب المهنة التي يصفها بأنها “قدرنا”. ويؤكد أن المترجم المدرب جيدا سيتمكن من استخدام هذه الأدوات لصالحه، حيث ستوفر له الوقت الذي يمكنه استثماره في تطوير مهاراته اللغوية والثقافية، مما يخلق تميزا نوعيا يصعب على الآلة محاكاته.
كاصد محمد: أقبل الأيدي التي أثرت العالم
يصف المترجم والكاتب العراقي المقيم في إيطاليا كاصد محمد تجربته مع الذكاء الاصطناعي بالمحدودة والمفيدة، معتبرا إياه “محرك بحث عملاقا” يساعده في الحصول على المعلومة بسرعة، خاصة في تحليل الجمل الصعبة أثناء الترجمة من الإيطالية. وهو لا يرى فيه تهديدا للمهنة حتى الآن، لأنه يفتقر الى القدرة على إنتاج ترجمة عالية الجودة، قائلا: “فاقد الشيء لا يعطيه”. ويوضح أن الاستخدام الأمثل لهذه الأدوات يكون في إطار مساعد للبحث والاستكشاف، وليس كبديل من العمل الإبداعي للمترجم.
ويلاحظ محمد أن تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل لم يصل بعد إلى مجال الترجمة الأدبية، الذي لا يزال في منأى من هذه الضغوط، مشيرا إلى أنه لم يواجه أي طلب من العملاء لاستخدام هذه الأدوات. ويعزو ذلك إلى طبيعة الجمهور المتلقي للأعمال الأدبية المترجمة، الذي يبحث عن بصمة المترجم وأسلوبه المميز، وهو ما تفتقر اليه الترجمة الآلية الجاهزة التي تنتج نصوصا متشابهة تخلو من الخصوصية.
ويؤكد كاصد أن العامل الحاسم الذي ستحتفظ به الترجمة البشرية هو “الخبرة الإنسانية” التي لا يمكن لاآلة محاكاتها. ويستشهد بترجمته لكتاب “ما إذا كان هذا إنسانا” للكاتب بريمو ليفي، حيث استحضر ذاكرته الشخصية لأيام الجوع في العراق خلال فترة الحصار، معتبرا أن مثل هذه التجارب الإنسانية العميقة هي التي تنقل النص بصدق وجمالية. ويضيف: “الترجمة الحقيقية هي عملية استيعاب للنص ثم إعادة إبداعه بلغة أخرى، وليست مجرد نقل حرفي للكلمات.”
ويختم برسالته إلى زملائه المترجمين في يوم الترجمة العالمي: “أقبل الأيدي التي أثرت العالم بكل ما هو جميل”، معتبرا أن هذه اللمسة الإنسانية ستظل سر بقاء المترجم. وينبه إلى أهمية الحفاظ على الهوية الإبداعية في عصر الآلات، فالتمسك بالأصالة والخصوصية سيكونان السلاح الأقوى في مواجهة المد التقني.
المجلة



