أبحاثالإعلان الدستوري لسوريا 2025تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

الدستور السوري.. بين المرجعية وإرادة المجتمع/ ميسون محمد

30 سبتمبر 2025

عندما تصل الشعوب إلى لحظات التحول التاريخية، يصبح الدستور ليس مجرد وثيقة قانونية، بل عقدًا اجتماعيًا يختبر قدرتها على تجاوز الماضي ورسم ملامح المستقبل. وسوريا اليوم، بعد سنوات الحرب والانقسام والتجارب الدستورية المفرغة من معناها، تقف عند عتبة صياغة دستور جديد سيكون حجر الأساس في بناء الدولة المقبلة. والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا: هل سيكون هذا الدستور انعكاسًا لموازين القوة الراهنة، أم إطارًا ضامنًا لعيش مشترك يعبر عن جميع السوريين ويكفل حقوقهم وكرامتهم؟

المرجعية والقيم الكبرى

اعتادت الدساتير السورية السابقة أن تورد عبارات عامة وفضفاضة تشير إلى الشريعة كمصدر من مصادر التشريع، من دون أن توضّح المقصود بذلك أو تحدّد آليات تطبيقه. هذه الصياغات الغامضة كانت سلاحًا ذا حدّين، فمن جهة تُرضي بعض التيارات الدينية ذات البعد الرمزي، ومن جهة أخرى تُبقي الباب مفتوحًا أمام السلطة التنفيذية لتفسيرها بما يخدم مصالحها.

لكن ما نحتاجه اليوم هو مقاربة مختلفة، تقوم على جعل القيم المستمدة من الوحي إطارًا مرشدًا للمبادئ الكبرى، كالعدالة والمساواة وصون الكرامة الإنسانية، مع إسناد مهمة التشريع نفسها إلى مؤسسات مدنية تخضع لرقابة قضائية صارمة. وبهذا الشكل نحمي المرجعية الدينية من التسييس، ونمنحها دورها الحقيقي كمصدر للقيم والمبادئ، لا كأداة تُوظَّف في خدمة الاستبداد.

يبقى السؤال الجوهري: هل يكفي أن نكتفي بعبارات عامة، أم نتعمق في تفاصيل دقيقة؟ التجارب الدستورية المقارنة تُظهر أن العمومية تمنح قدرًا من المرونة، لكنها في الوقت نفسه تفتح فراغًا دستوريًا قد تستغله السلطة على هواها. وفي المقابل، فإن الإفراط في التفاصيل يحوّل الدستور إلى ما يشبه مدوّنة قانونية جامدة تفقد القدرة على مواكبة التحولات.

أما المخرج المتوازن، فيكمن في النص على مبادئ عامة واضحة ومحددة، مع إرساء آليات تفسير مؤسسية تضمن الانضباط. فقد تكون هناك محكمة دستورية عليا، أو هيئة مستقلة تضم فقهاء قانون إلى جانب فقهاء شريعة، لتقديم قراءات منسجمة مع روح الدستور. وبهذا الشكل يتحول الدستور إلى منظومة حيّة قابلة للتكيّف، تحافظ على استقرار المبادئ من جهة، وتمنع فتح الأبواب أمام التلاعب أو الجمود من جهة أخرى.

شرعية الدستور

لا يكتسب الدستور شرعيته الحقيقية إلا إذا كان معبّرًا عن الإرادة العامة للمجتمع، لا عن إرادة نخبة محدودة، وهو ما يقتضي عملية تأسيسية تشاركية تعكس التنوع المجتمعي وتستند إلى مشاورات واسعة، تتيح للمدن والقرى والمكوّنات القومية والدينية والسياسية، وكذلك للنساء والشباب، فرصة التعبير والمشاركة. فالتجارب المقارنة تبيّن أن النصوص التي تُصاغ في أطر ضيقة تظل هشّة وقابلة للرفض، بينما تلك التي تنبثق من حوار وطني جامع تكتسب قوة الاستمرار والشرعية حين تُقرّ عبر استفتاء شعبي.

وفي صلب هذا العقد الاجتماعي تقف الحقوق والحريات الفردية باعتبارها أساسًا لا يجوز التنازل عنه، إذ تُمثل حرية التعبير وحرية المعتقد والحق في التنظيم والمساواة أمام القانون ركائز لا غنى عنها لوحدة الدولة وتماسكها. ومن هنا تبرز أهمية تكريس المساواة بين الجنسين في النصوص الدستورية صراحة، ليس فقط لضمان الحقوق والواجبات، بل أيضًا لتأمين حضور النساء في المؤسسات السياسية والدستورية، حيث أثبتت التجارب العالمية أن غياب المرأة عن دوائر صنع القرار يفضي إلى نصوص ناقصة وغير قادرة على تحقيق العدالة.

كما أن نجاح أي دستور يظل مرهونًا بقدرته على تنظيم العلاقة بين السلطات على نحو يضمن التوازن والرقابة المتبادلة، وهو ما يستلزم فصلًا واضحًا بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وتعزيزًا لاستقلال القضاء ليكون الضامن الأول لسيادة القانون. ولأن التجربة السورية عرفت طغيان السلطة التنفيذية على بقية السلطات، فإن النصوص وحدها لا تكفي، بل يجب أن تقترن بآليات عملية مثل برلمان قوي ومحكمة دستورية مستقلة تترجم المبادئ إلى واقع ملموس.

ولا تكتمل المنظومة الدستورية من دون وضع ضمانات حقيقية تحول دون عودة الاستبداد، سواء عبر تقييد إعلان حالات الطوارئ أو من خلال تحديد دقيق لمدد ولاية الرئيس والبرلمان بما يضمن تداول السلطة. فالتجربة المقارنة تثبت أن النصوص بحد ذاتها قد تبقى حبرًا على ورق إن لم تُسنَد إلى مؤسسات قادرة على فرض احترامها، إذ وحدها هذه المؤسسات هي التي تحوّل المبادئ الدستورية إلى ممارسة راسخة تضمن استقرار النظام السياسي وعدالته.

وإذا كان الدستور في جوهره عقدًا جامعًا يُعبر عن إرادة المجتمع ويصون الحقوق والحريات وينظم السلطات ويضع الضمانات ضد الاستبداد، فإن التحدي الأكثر حساسية يبقى في موقع الدين من الدولة. فالمجتمع السوري شديد التعددية، ولا يمكن اختزاله في هوية دينية أو أيديولوجية واحدة، لكن في الوقت نفسه فإن تجاهل الدين كليًا يجعل النص الدستوري معزولًا عن وجدان شرائح واسعة من المواطنين. ومن هنا يبرز الحل في صياغة ذكية تؤكد مدنية الدولة وكونها إطارًا مشتركًا لجميع مواطنيها، مع الاستلهام من القيم الروحية الكبرى التي تُعزز العدالة والكرامة، من غير أن تتحول هذه القيم إلى أدوات إقصاء أو هيمنة.

إن التجارب الدولية تقدم لنا نماذج غنية تساعد على استشراف الطريق. فجنوب أفريقيا بعد حقبة الفصل العنصري لم تصيغ دستورها بالانعزال عن العالم، بل صاغته بالانفتاح على التجارب الإنسانية مع الحفاظ على خصوصيتها. وتونس بعد 2011 تجاوزت مأزق الهوية الدستورية بتوافقات سياسية دقيقة أمنت قدرًا من التوازن. أما سوريا، فهي أحوج ما تكون إلى استلهام مثل هذه الدروس، لا من خلال استنساخها بحرفيتها، بل عبر تكييفها مع واقعها الاجتماعي والسياسي بما يضمن صياغة عقد وطني متماسك.

إن ما نحتاجه اليوم ليس مجرد كتابة نص، بل بناء عملية دستورية قائمة على النقاش الحر، الانفتاح الفكري، والجسارة في مواجهة الأسئلة الصعبة. فبدون ذلك سنكرر دورات الفشل، ونورث أبناءنا دستورًا جديدًا على الورق، لكنه ميت في الواقع. أما إذا امتلكنا الشجاعة لإنتاج دستور جامع، يوازن بين المرجعية القيمية ومتطلبات الدولة الحديثة، ويعبر عن إرادة المجتمع كله، فسنكون قد وضعنا الأساس لأول مرة لدولة سورية حرة وعادلة.

الترا سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى