الرئيس السوري أحمد الشرع في الجمعية العامة للأمم المتحدة تحديث 02 تشرين الأول 2025

أنطر المتابعة المبدئية من الرابط التالي:
الرئيس السوري أحمد الشرع في الجمعية العامة للأمم المتحدة تحديث 25 أيلول 2025
————————————
تحديث 02 تشرين الأول 2025
——————————–
زيارة الشرع لأميركا… صورة سورية جديدة!/ فايز سارة
1 أكتوبر 2025 م
حازت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع الولايات المتحدة، اهتماماً كبيراً من أوساط سياسية دولية وإقليمية واسعة. واستند الاهتمام إلى عوامل متعددة، لعل الأهم فيها أنها الزيارة الأولى لرئيس سوري منذ نحو 60 عاماً، وأن الزيارة تمت بعد تغييرات جوهرية شهدتها سوريا، لا سيما في أمرين: تغيير نظام الحُكم فيها، وتبدُّل في توجهاتها وسياساتها الإقليمية والدولية، والأمر الثالث في أهمية الزيارة، يكمن في الأنشطة والاهتمامات التي تضمَّنتها الزيارة، وكان بينها 3 محاور؛ أولها: إلقاء الرئيس الشرع كلمة في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة. والثاني: مساعٍ سورية لتحسين وتعزيز العلاقات السورية – الأميركية وتوسيعها في ضوء تطورات إقليمية وداخلية سورية من الضروري إعادة ضبطها، والأهم فيها الدور الإسرائيلي في الجنوب السوري من الناحيتين السياسية والعسكرية – الأمنية، وتأثيراته على الوضع المأزوم في السويداء. والمحور الثالث: إعادة ترتيب وتعزيز ما أمكن من علاقات سوريا مع قادة وحكومات وكيانات، توفر فرصاً أفضل من الناحيتين السياسية والاقتصادية للسلطة السورية، تساعدها على مواجهة التحديات القائمة، خصوصاً إعادة إعمار سوريا.
ومن دون أي شك، فقد كانت كلمة الرئيس الشرع أمام الجمعية العامة ذات أهمية، حيث تجاوزت فكرة أنها نشاط بروتوكولي على نحو ما يُنظَر لكثير من كلمات زعماء الدول، وصارت نشاطاً تقديمياً، أعاد فيها الشرع طرح صورة سوريا في انتقالها، مما عرفه العالم عنها خلال حكم الأسدَين الطويل ما بين 1970 و2024، وما عاناه السوريون تحت سلطة بشار الأسد، خصوصاً في الأربعة عشر عاماً الأخيرة من قتل وتهجير ودمار، وتحويل السلطة إلى نظام يقتل بالكيماوي، وينتج ويروج «الكبتاغون».
وأخذت صورة سوريا المعروفة، تتغير مع مجيء السلطة الجديدة في ديسمبر (كانون الأول) 2024، وكان التغيير جزئياً وصعباً في بعض المجالات، خصوصاً المتصلة بالداخل الذي كرَّسته الصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية، التي يتطلب تجاوزها انفتاحاً وتشاركاً وسلماً أهلياً وعدالة انتقالية، ومحاسبة كل مَن ارتكب جرائم. في حين أن التغييرات في السياسات الخارجية أسهل، كما في التوجه نحو التنمية والاستقرار، وتبني سياسة علاقات سلمية وتعاون مع دول المحيط والأبعد منها، وتأكيد أن سوريا الجديدة لا تُشكِّل خطراً على الغير، وهذه بعض توجهات سمعها العالم عبر المنبر الدولي من الرئيس الشرع مباشرة.
وكانت العلاقات السورية – الأميركية موضوع المحور الثاني في زيارة الشرع، ولأن وقت الزيارة قليل، فقد سبقتها زيارة تمهيدية لوزير الخارجية أسعد الشيباني، تضمَّنت اجتماعات في مؤسسات، ولقاءات مع أشخاص مؤثرين في سياسة واشنطن السورية، تمَّت فيها هندسة وترتيب توافقات في نقاط النقاش السوري – الأميركي، منها ما يتصل باستكمال رفع العقوبات عن سوريا وقانون قيصر، ومنها سبل تعزيز سياسات إجرائية داخلية، تناولها الطرفان في لقاءات وحوارات سابقة حول محتوى السياسات الداخلية، والتي لحقتها إشكالات، تراكمت في الأشهر الأخيرة، وباتت تشكل ضغوطات على علاقات سوريا الخارجية مع الولايات المتحدة، ودول أخرى.
وجاءت أقوال وتصريحات الرئيس الشرع، التي توالت في فعاليات الزيارة، لتؤكد رغبة الطرفين في تعزيز العلاقات الثنائية وتحسينها، لدرجة أن مصادر سورية قدرت أن العلاقات ستكون أفضل بكثير مما كانت عليه قبل الزيارة. وأضافت أن تعبيرات هذا التطور، لم يتح لها أن تظهر؛ بسبب كثافة انشغالات الطرفين، السوري والأميركي.
والمحور الثالث في زيارة الشرع، بدا في تركيز الجهود لفتح بوابة علاقات مع دول ومؤسسات وتجمعات، يمكن أن تلعب دوراً في عملية التنمية الواسعة التي تستعد سوريا لإطلاقها، بدءاً من إعادة إعمار البلاد، التي تقول الحكومة السورية إنها وفرت لها مقومات نجاح عبر سياسات تشجيعية بينها نصوص تشريعية، تضمَّنت تعديل قوانين الاستثمار، وإجراءات تنظيمية جديدة بينها بدء تحديث الجهاز المصرفي في سوريا.
ولا شك في أن لقاء الرئيس الشرع مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي كان حدثاً سياسياً واقتصادياً له دلالات عميقة على صورة سوريا وعلاقاتها، كان من نتائجه استعادة علاقات البلدين، وتوقيع اتفاقات أخرى. كما أنَّ هناك زيارة قريبة للشرع إلى العاصمة الروسية.
وتضمَّنت قائمة أنشطة الرئاسة السورية لقاءات مع شخصيات وفعاليات من قطاع الأعمال وغرفة التجارة الأميركية، ورجال مال وأعمال من أبناء الجالية السورية في الولايات المتحدة، وهي أمثلة من جهود بُذلت لفتح آفاق أوسع لمستقبل اقتصادي مختلف في سوريا، لكن الذهاب في هذا الاتجاه يحتاج إلى توفير بيئة متعددة الأبعاد، تحتاج إلى جهد سوري كبير، ودعم إقليمي ودولي يتجاوز ما بُذل حتى الآن من الجانبين.
وسط سيل من قضايا سورية مهمة تم طرح بعضها وشرحها، وبيان متطلباتها في بلد خرج للتو من حرب مُدمِّرة، وشعب مشتت لديه قدرات محدودة في الواقع الراهن نتيجة ما حصل، فإن جهوداً متعددة ينبغي أن تبذَل من عالم سكت عمّا حصل في سوريا، ومن أصدقاء وأشقاء راغبين في المساعدة، ومن السوريين أنفسهم بغض النظر عن مكانهم وموقعهم؛ من أجل تصفية آثار النظام البائد، وفتح الأبواب نحو سوريا جديدة، كما ينبغي أن تكون.
الشرق الأوسط
———————————-
بعد خطاب الشرع بنيويورك.. ما الذي ينتظر سوريا؟
الأربعاء 2025/10/01
أجمع أعضاء من التحالف السوري الأميركي للسلام والازدهار، ومن المجلس السوري الأميركي في حديثهم لـ”المدن”، على أن التطورات في الملف السوري ما بعد زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى نيويورك، لن تكون كما كانت قبلها، مؤكدين على أن الأيام المقبلة ستشهد المزيد من حلٍّ للملفات العالقة، ومن بينها ملف السويداء في الجنوب السوري، إضافة إلى ملف الاتفاق الأمني مع إسرائيل، ناهيك عن الملف الأبرز وهو رفع العقوبات كاملة عن سوريا.
الشرع على منبر الأمم المتحدة
وألقى الشرع، مساء الأربعاء، كلمةً من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، تابعها السوريون على نطاق واسع، ودعا فيها إلى رفع العقوبات المفروضة على سوريا، إضافة إلى تنديده الشديد بالتوغلات والضربات الإسرائيلية على الأراضي السورية، لافتاً في الوقت نفسه، إلى معاناة الشعب السوري على مدار 14 عاماً بسبب ما ارتكبه نظام المخلوع بشار الأسد من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وعلى الرغم من هذا الزخم الإعلامي لتواجد الشرع في أهم محفل دولي وتصدره واجهة الأحداث السياسية والإعلامية، فإن السؤال الأبرز بقي لدى عدد كبير من المحللين والمراقبين وحتى من غالبية السوريين: ماذا بعد هذه الزيارة؟ وكيف ستتحول أقوال صّناع القرار إلى أفعال؟
وفي هذا السياق، قال د. سامر الصفدي، استشاري التحالف السوري الأميركي للسلام والازدهار في حديث لـ”المدن”، إن “كلمة الرئيس أحمد الشرع في الأمم المتحدة لم تكن مجرد حضور بروتوكولي، بل محطة سياسية مفصلية أعادت سوريا إلى قلب المشهد الدولي بعد غياب امتد لأكثر من نصف قرن. الزيارة إلى نيويورك واللقاءات الجانبية التي رافقتها أعطت مؤشراً واضحاً أن سوريا لم تعد معزولة، بل استعادت موقعها كفاعل مؤثر في التوازنات الإقليمية والدولية، عبر انفتاحها على محيطها العربي ودخولها مجدداً إلى المنابر الدولية بلغة جديدة أقرب إلى فهم الغرب”.
رسالة ثقة
وفي ما يتعلق بالسياق السياسي وملف السويداء، رأى د. أنس العمر، عضو في التحالف السوري الأميركي للسلام والازدهار، أن “الخطاب حمل رسالة ثقة بأن سوريا تتحرك اليوم بنشاط دبلوماسي يُعدّ من الأكثر كثافة في تاريخها الحديث، سواء عبر الانفتاح على محيطها العربي أو عبر الحضور في المنابر الدولية”.
وأضاف: “لكن التحديات قائمة، في مقدمتها ملف العقوبات الأميركية وقانون قيصر، وهو ما ناقشه الوفد السوري مع مسؤولين أميركيين في أروقة الكونغرس”.
وأكد أن التوقعات باتت أقرب إلى تليين هذا الملف، بما يفتح الطريق أمام شراكات اقتصادية مع الخليج وتركيا وحتى الولايات المتحدة، ويعزز مسار إعادة الإعمار والانفتاح الاقتصادي، وفق وجهة نظره.
وحول ملف السويداء، قال العمر، إن “الرئيس شدد على أن المعالجة ستكون بالحوار والاحتواء الوطني، بعيداً عن العنف أو القطيعة، وبالتالي هناك بعدان متكاملان: أمني يتمثل في ضبط السلاح المنفلت وحصر القوة المسلحة بيد الدولة، وسياسي اجتماعي يقوم على إعادة دمج المحافظة في المشروع الوطني مع احترام خصوصيتها. هذا التوجه يعكس رغبة الدولة في تثبيت الاستقرار الداخلي وإظهار أن الحل لن يكون إلا بالشراكة الوطنية”.
ماذا عن “قسد” وإسرائيل؟
وبالنسبة إلى ملفي قسد وإسرائيل، قال محمد مسالخي، عضو في التحالف السوري الأميركي للسلام والازدهار، إن “الموقف كان واضحاً بأن لا مكان لأي مشروع انفصالي، وفي المقابل، أبدت الدولة استعداداً للتفاهم عبر دمج قوات قسد ضمن الجيش السوري الموحد ومؤسسات الدولة، وهو ما يجري بحثه بدعم تركي وتنسيق مع الأميركيين. بذلك يجمع الطرح بين الحزم في الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، والمرونة عبر فتح الباب أمام حلول سياسية”.
أما في ملف التفاهم مع إسرائيل، فإن “الرئيس وضع سقفاً واضحاً: أي تفاهم محتمل سيكون ذا طبيعة أمنية بحتة هدفه وقف الاعتداءات وضمان الاستقرار على الحدود، بعيداً عن فكرة اتفاق سلام أو تطبيع، كما أكد أن أي تقدم مشروط بانسحاب إسرائيل إلى خطوط 1974، وهذا الموقف يعكس ثبات الثوابت السورية مع ترك مساحة لحماية السيادة الوطنية”.
ولفت أعضاء التحالف السوري الأميركي إلى أن الرسالة الأوسع من الخطاب أن سوريا تدخل مرحلة جديدة تقوم على: سلام داخلي عبر المصالحات والحوار الوطني الشامل، ازدهار اقتصادي بالاستثمار وإعادة الإعمار، انفتاح خارجي عبر بناء علاقات متوازنة تتيح لسوريا أن تكون شريكاً في المشاريع الإقليمية والدولية، لا متفرجاً عليها.
وفي هذا الإطار، يعمل التحالف السوري الأميركي للسلام والازدهار على بناء جسور تواصل بين الجانبين، لضمان بقاء سوريا شريكاً فاعلاً في النظام الدولي، وتعزيز مكانتها كمحور استقرار في المنطقة.
كما يسعى التحالف إلى فتح الباب أمام شراكات اقتصادية مع كبرى الشركات الأميركية، التي يتعطش لها السوق السوري، بما يعزز فرص التنمية وإعادة الإعمار.
إيجابيات زيارة الشرع لنيويورك
وحملت زيارة الشرع إلى نيويورك الكثير من الإيجابيات، التي تحدث عنها فاروق بلال، رئيس المجلس السوري الأميركي، مشيراً في حديثه لـ”المدن”، إلى أن أهم ما في زيارة الرئيس وكلمته أمام الجمعية العامة هو الدليل القاطع والتأكيد على نصر الشعب السوري، بعد أن عانى أربعة عشر عامًا من القتل والتدمير والتهجير، وكل أبشع أنواع الجرائم، إذ نرى الآن الشعب السوري منتصرًا، ويُحدِّث العالم من أعلى منبرٍ في الأمّة المتحدة، وهذا النصر الكبير يؤكد نصر الثورة السورية.
ورأى بلال أن الكلمة جاءت قوية جدًاً، فقد امتزجت فيها العاطفة بالمنطق والسياسة، وروت الحكاية السورية، وتاريخ الشعب السوري ومعاناته التي عشناها، كما تناولت حاضرنا والمشاكل التي نواجهها، ونظرتنا إلى مستقبلنا، وقد أشار الشرع إلى عدة أمور أكد عليها، مثل الحوار والدبلوماسية، وأكّد أيضًا على مسؤولية المجتمع الدولي التي يجب أن يتحملها لدعم سوريا، ودعم استقرارها، واحترام وحدة أراضيها، وإحلال السلام، وفق تعبيره.
كما دعا الشرع، بحسب بلال، إلى المضي قُدمًا في الدبلوماسية، والاستثمار في سوريا، بما يُسهم في رفع العقوبات، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية، لذا، يمكننا قراءة الكلمة بشكل عام، سواء على المستوى السياسي، أو فيما يخص ملف السويداء أو القُصَير، أو التفاهم مع إسرائيل والآخرين.
واعتبر بلال أن الشرع لمس كل هذه الملفات من خلال كلمته، وأكد أن سوريا ستستمر في اتباع النهج الدبلوماسي لحل مشكلاتها الداخلية والتحديات الداخلية، مثل ملفي القُصير والسويداء، وستعتمد أيضًا على الدبلوماسية لمعالجة التهديدات الخارجية، كمثل الهجمات الإسرائيلية.
ووسط كل ذلك، يأمل السوريون داخل سوريا وخارجها، أن تعود سوريا إلى صدارة المشهد الدولي بعد غياب استمر أكثر من نصف قرن، وأن تفتح الباب لمعالجة ملفات حساسة “داخلياً وإقليمياً” تتعلق بالعقوبات والملف الكردي والسويداء والعلاقة مع إسرائيل، في إطار رؤية أشمل ترسم ملامح مرحلة سورية جديدة عنوانها السلام والازدهار والانفتاح.
———————————–
========================
تحديث 30 أيلول 2025
——————————–
الحضور السوري في نيويورك وتداعياته على مسألتيْ قسد والسويداء/ حسن النيفي
2025.09.30
بعيداً عن الأبعاد الرمزية (التاريخية والمعنوية) لزيارة الرئيس أحمد الشرع إلى نيويورك (22-24 أيلول) لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، فإن المؤمَّل من تلك الزيارة يمتد ليطول مسائل أخرى ذات صلة بالسياسة والاقتصاد واستكمال الجهود لرفع العقوبات.
إلّا أن كثيراً من السوريين أيضاً يرون أن هذه الزيارة سيكون لها انعكاسات واضحة على أهم ملفّين داخليين في الوقت الحاضر؛ يتمثل الأول بالتداعيات المستمرة لما جرى في السويداء منذ الثالث عشر من تموز الماضي، في حين يتمثّل الثاني بتعثّر المسار التفاوضي بين الحكومة المركزية في دمشق وقوات سوريا الديمقراطية.
السويداء بين الحل الوطني والتدخلات الخارجية
يمكن التأكيد على أن الوثيقة التي أنجزتها التفاهمات الثلاثية (سوريا والأردن والولايات المتحدة الأميركية) في منتصف شهر أيلول الجاري، والتي سُمّيت “خارطة الطريق”، قد حظيت بتأييد واسع عربياً ودولياً، من جهة شموليتها على أبرز المطالب التي كانت تنادي بها القوى المسيطرة في مدينة السويداء.
ولعل أبرزها: سحب المقاتلين المدنيين خارج حدود السويداء، وتشكيل مجلس محلي تنفيذي من أبناء المحافظة، وإنشاء قوة شرطية لحفظ الأمن ترأسها شخصية من مدينة السويداء ذاتها، ولعل الأهم من ذلك هو استجابة الحكومة السورية بالموافقة على دخول لجنة تحقيق دولية تتولّى تقصّي الحقائق بخصوص أحداث السويداء في منتصف تموز الماضي.
إلّا أن حماس الرأي العام حيال خارطة الطريق الجديدة قوبل برفض من جانب السلطات المحلية في السويداء، عبر بيان أصدرته ما تُدعى “اللجنة القانونية” تؤكّد فيه عدم ثقتها بالقضاء السوري لمحاسبة من يثبت تورطه في ارتكاب جرائم بحق المدنيين، فضلاً عن استمرار المرجعية الدينية المتمثلة بحكمت الهجري بالمطالبة بحق تقرير المصير.
وبالنظر إلى عدم موضوعية تلك المطالب وطابعها التعجيزي الذي يراد منه الرفض لمجرّد الرفض، فإن الذهاب إلى أن رفض المبادرة الثلاثية لا ينبثق من رأي محلّي يجسّد رغبة شعبية عامة لدى أهالي السويداء، بقدر ما يجسّد امتثال القوى المتحكّمة لجعل ملف السويداء مرهوناً بأجندات خارجية، وبتعبير أدقّ: تحويل مسألة السويداء إلى ورقة بيد إسرائيل لتكون أداة ضغط إضافية يستخدمها نتنياهو في مسار التفاهمات الأمنية مع حكومة دمشق.
إذ سبق أن أشارت مصادر عديدة إلى إخفاق الطرفين السوري والإسرائيلي في التوصّل إلى اتفاق أمني كان من المفترض أن يتم التوقيع عليه على هامش اجتماعات الجمعية العامة في نيويورك.
ولعلّ أبرز بواعث هذا الإخفاق هو رفض الحكومة السورية لمطلب إسرائيلي يقضي ببقاء ممر مفتوح بين الجولان المحتل ومدينة السويداء بهدف الإمداد الإنساني، وفقاً للجانب الإسرائيلي، في حين ترى الحكومة السورية في هذا المطلب مساساً بالسيادة وتدخلاً في الشأن الداخلي السوري.
ولعل السؤال الأهم: هل ستستمر القوى المسيطرة في السويداء برفضها لأي تسوية مع حكومة دمشق، في حين إذا تم تجاوز نقاط الخلاف السوري-الإسرائيلي وتوصل الطرفان إلى تفاهمات أمنية؟
استعصاء سياسي أم انتظار لا بدّ منه؟
ومن جنوبي البلاد إلى شمالها الشرقي، حيث تسعى الحكومة السورية منذ التوقيع على اتفاق العاشر من آذار بين الرئيس الشرع والقائد العسكري لـ”قسد” مظلوم عبدي، إلى تحقيق اختراق فعلي في المسار التفاوضي مع “قسد”.
وعلى الرغم من كل اللقاءات الجارية بين الطرفين، فلم يزل مسار التفاوض يراوح في نقطة صفرية، ولعل ما هو ملاحظ أن لغة الخطاب بين الجانبين، والتي شهدت مستوًى من النعومة في الأشهر الثلاثة التي تلت اتفاق آذار، إلّا أنها سرعان ما استعادت خشونتها المعتادة، بدءاً من مؤتمر القامشلي الذي انعقد في نيسان الماضي، وتضمن بيانه الختامي ما يمكن اعتباره انقلاباً على اتفاق آذار من وجهة نظر الحكومة، مروراً بلقاء الحسكة الذي أعقب أحداث السويداء، والذي حمل رسالة استفزازية لحكومة دمشق من خلال حضور حكمت الهجري وغزال غزال للقاء المذكور، الأمر الذي فهمت منه الحكومة بدايةً لتحالف الأطراف المناوئة لها برعاية “قسد”.
أما على مستوى الخطاب، فلم تعد مسائل الخلاف بين الطرفين تتجسّد في طريقة أو آليات دمج قوات قسد في وزارة الدفاع السورية واحتفاظها بهيكليتها الإدارية وكذلك احتفاظها بتموضعها الجغرافي فحسب، بل بات مطلب “اللامركزية” هو اللازمة التي لا تفارق أحاديث وتصريحات قادة “قسد”، إضافة إلى المطالبة بإعادة صياغة للإعلان الدستوري الذي اعتمدته الحكومة لتجاهله حقوق الكُرد كمكوّن قومي له حقوق ينبغي الوقوف عندها.
واقع الحال يؤكّد أن مصطلح “اللامركزية”، ولكثرة تداوله والتمسّك به من جانب “قسد” على وجه التحديد، بات يبدو للآخرين وكأنّه لغز، بينما يعرف الجميع ماذا يعني، إذ في الوقت الذي تؤكّد قيادات “قسد” أن اللامركزية التي تطالب بتحقيقها لا تعني الانفصال عن الدولة السورية، وذلك في سياق الردّ على توجسات الحكومة ورفضها لأي مشروع من شأنه أن يفضي إلى تقسيم البلاد.
إلّا أن قسد تدرك -ضمناً أو جهراً- أن اللامركزية السياسية أو أي مشروع فدرالي هو بالفعل لا يعني الانفصال المباشر، بل يُبقي على الارتباط بالدولة، لكن قوّة هذا الارتباط تبقى مرهونة بيد “قسد”، فإن شاءت تعزيز هذا الارتباط يمكنها ذلك، لكن إن شاءت الانتقال إلى خطوة لاحقة، وتحديداً الانفصال التام عن الدولة السورية، فإن النظام اللامركزي يوفّر لها مقوّمات ما ترمي إليه.
وبالتالي فإن الخلاف بين “قسد” وحكومة دمشق حول مفهوم “اللامركزية” يتقوّم على أسس عدم الثقة المتبادلة بين الطرفين بالدرجة الأولى؛ إذ في الوقت الذي تدّعي فيه “قسد” أن النظام المركزي في الحكم إنما يؤدي إلى “طمس الهويات المحلية والحدّ من حرية العمل السياسي والتنمية” -وفقاً لمسؤولة الشؤون الخارجية في الإدارة الذاتية إلهام أحمد، في تصريح لها لمجلة “المجلة” بتاريخ 21 من أيلول الجاري- فإنّ الحكومة السورية، إضافة إلى رأي عام عربي ودولي، ترى أن حالة الاستقرار الأمني والاقتصادي في سوريا لا تحتمل المغامرة بمشاريع، إن لم تكن تهدف إلى الانفصال المباشر، إلّا أنها يمكن أن تمهّد السبيل لذلك.
لا شك أنّ زيارة الرئيس الشرع إلى نيويورك وإلقاءه كلمة على منبر الجمعية العامة، فضلاً عن حراكه السياسي على هامش اجتماعات نيويورك، لم تُجسّد مبعث اطمئنان لـ”قسد”، إلّا أنها في الوقت ذاته لا تحمل نتائج مباشرة من شأنها تضييق الخيارات أمام حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، وذلك بسبب امتناع إدارة الرئيس ترمب حتى الوقت الراهن عن ممارسة أية ضغوط فعلية على “قسد” لدفعها نحو الاندماج في الدولة السورية، فضلاً عن استمرار رهان “قسد” على الضغوطات الإسرائيلية التي تمارسها حيال دمشق، مما قد يفضي إلى تمكين القوى المسيطرة في السويداء من الحصول على شكل من أشكال “الإدارة الذاتية”، الأمر الذي يجعل من دعوة “قسد” للامركزية -حينها- شأناً أكثر مشروعيةً.
في النتيجة، يمكن القول إن مسألتي “قسد” والسويداء هما المسألتان الشائكتان اللتان تجسّدان أهمّ التحديات ليس أمام الحكومة السورية كسلطة فحسب، بل أمام الخطوات الأولى في تعافي البلاد السورية وشروعها نحو العبور من أزمتها الراهنة، ولعل ما يعزّز وعورة السبيل إلى حل هاتين المسألتين هو الاختراقات الخارجية للشأن السوري وقدرتها على الاستثمار فيهما بما يخدم مصالحها أولاً وآخراً.
تلفزيون سوريا
———————————-
سورية الجديدة في الأمم المتحدة/ حسين عبد العزيز
30 سبتمبر 2025
قد تجبُّ السياسة في لحظات تاريخية معينة ما كان، وتكتفي بالتعامل مع ما هو قائم الآن… ربما تكون هذه العبارة تمثيلا حقيقيا لتعامل المجتمع الدولي مع الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي كان حتى الأمس القريب أبا محمد الجولاني، وكان على رأس المطلوبين لديفيد بترايوس القائد الأسبق للقيادة المركزية بالجيش الأميركي ومدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية.
غير أن السياسة القائمة على البراغماتية والتعامل مع الوقائع القائمة هي التي جمعت الشرع وبترايوس في مشهد سوريالي في نيويورك، في وقت ما يزال بعض العرب والسوريين يمارسون ما يمكن تسميتها السلفية السياسية التي تظل أسيرة أفكار ماضوية ترفض رؤية ما هو قائم وقبوله.
كان حضور الشرع في الأمم المتحدة خطوة بالغة الأهمية لسورية في عالم السياسة، خطوة فتحت لها باباً واسعاً لاستعادة مكانتها الدولية، ليس كاعتراف رسمي بالقيادة الجديدة لسورية فحسب، بل أيضا بضرورة استعادة سورية مكانتها الإقليمية دولةً صانعةً للسلام.
تحول الشرع إلى نجم الأمم المتحدة، وكانت لقاءاته مع شخصيات عالمية. (الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ووزير خارجيته مارك روبيو، والسيناتور الصهيوني المتشدد ليندسي غراهام، رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، رئيس التشيك، رئيس وزراء النرويج، الرئيس الأوكراني، رئيس وزراء اليونان، الرئيس التركي، فضلاً عن لقاءاته مع ملوك وأمراء ومسؤولين عرب)، تتجاوز عالم السياسة إلى عالم علم النفس السياسي إن صحّت العبارة، فإذا كانت رغبة زعماء العالم من لقاء الشرع استكاشف السياسة الجديدة لسورية أو التفاهم على طبيعة العلاقات المستقبلية، إلا أن هذه اللقاءات لا تخفي رغبة المسؤولين الدوليين، أو بعضهم، في لقاء شخصية غامضة ومحيّرة وسابقة من نوعها في عالمنا المعاصر.
وعليه، إذا كانت اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة حدثاً سنوياً اعتيادياً، فإن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة لسورية التي ألقى رئيسها كلمة هي الأولى منذ نحو 60 عاماً. لا يتعلق الأمر بالفاصل الزمني البعيد بين الحضورين الدبلوماسيين (نور الدين الأتاسي عام 1967 وأحمد الشرع عام 2025)، بقدر ما يتعلق الأمر بحضور أحمد الشرع ذاته في كرنفال دولي سمح له بتقديم نفسه وتقديم سورية بحُلة جديدة مغايرة تماما للسابق. وبهذا المعنى، يمكن القول إن كواليس لقاءات الشرع مع الرؤساء والملوك على هامش اجتماعات الجمعية العامة، إلى جانب كلمته التي جاءت تحت عناوين السلام والازدهار والتنمية، حملت رسائل بدت مقنعةً وكافية للمجتمع الدولي على الأقل في المدى القريب، وهو ما بدا واضحاً في تصريحات المسؤولين الغربيين ووسائل الإعلام الغربية.
تحوّلت سورية من دولة مصدّرة للأزمات إلى دولة تمنح فرصة للسلام في المنطقة، ولغة الحوار والدبلوماسية هي اللغة المعتمدة في سورية الجديدة، سواء على مستوى التعاطي الإقليمي والدولي (خصوصاً مع إسرائيل) أو على المستوى المحلي الداخلي.
وتحت عنوان السلام هذا، ذكّر الشرع مستمعيه بالاعتداءات الإسرائيلية على سورية منذ “8 ديسمبر”. وتحت عنوان السلام نفسه، دعا إلى وقف الحرب الإسرائيلية في غزّة، وتحت عنوان السلام أيضاً تحدّث الشرع عن ملء فراغ السلطة، والحوار الوطني الجامع، وتشكيل حكومة كفاءات، وتعزيز مبدأ التشارك، وتأسيس هيئة وطنية للعدالة الانتقالية وأخرى للمفقودين إنصافاً وعدلاً لمن ظُلم.
لكن لغة السلام هذه تتطلب أكثر من النيات السلمية، إنها تتطلّب مهارة وإرادة وقوة، وهذه الأخيرة غير الموجودة في سورية قد تحوّل السلام إلى استسلام أو سلام هش مع إسرائيل التي لا تقيم أي وزن للسلام، كما أن لغة السلام حيال الداخل السوري تتطلب مشاركة حقيقية مع مختلف مكونات الشعب، لا عناوين تشاركية فضفاضة.
باختصار، نجح الشرع في الحصول على قبول واعتراف دوليين بقيادته وبسورية الجديدة، وما يُنتظر منه أن يحصل على القبول والاعتراف من أغلبية الشعب السوري، وهذه هي المهمّة الرئيسية له، فمن دون داخلٍ قويٍّ ومتماسكٍ لا معنى لنجاحات الخارج.
العربي الجديد
———————————-
الشرع يروي حكاية سورية في الأمم المتحدة/ عمر كوش
30 سبتمبر 2025
حظيت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى نيويورك بأهمية خاصة، ليس فقط لأنه أول رئيس سوري خاطب دول العالم من منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ عام 1967، بل لأنها شكلت حدثاً تاريخياً، روى فيها حكاية سورية، وقدّم من خلالها صورة سورية التي تريد الانفتاح على العالم والتعاون معه، والعودة إلى عضويتها الطبيعية في المجتمع الدولي، بوصفها طرفاً شرعياً مشاركاً في صياغة النقاشات العالمية، بعد أن واجهت إرثاً طويلاً من العزلة الدولية. وجاءت الزيارة في لحظة مفصلية من تاريخ منطقة الشرق الأوسط، وفي ظل مشهد عالمي وإقليمي شديد التعقيد، حيث تُعاد صياغة الاصطفافات والتحالفات في منطقة الشرق الأوسط، التي تعيش على إيقاع الحروب المفتوحة من قطاع غزّة إلى السودان.
شكلت الزيارة اختباراً حقيقياً لموقف المجتمع الدولي من القيادة السورية الجديدة، سواء من خلال التفاعل مع كلمة الشرع، الذي جسّده الترحيب بها، أم اللقاءات المتعددة التي أجراها الشرع، خصوصاً مع عدة زعماء على هامش أعمال الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي أظهرت حجم الاستعداد للتعامل مع سورية الجديدة على أسس جديدة، وبما يحدّد طبيعة موقعها في الاصطفافات الدولية الجديدة.
على صعيد الداخل السوري، حملت مشاركة الشرع بعداً رمزياً ومعنوياً لعموم السوريين، بوصفها مناسبة كي يطلع العالم على الرواية السورية، ورسالة لاستعادة بلادهم مكانتها ومشاركتها في المحافل العالمية. وكان معبّراً جداً أن يبدأ الرئيس الشرع زيارته إلى نيويورك بلقاء الجالية السورية في الولايات المتحدة، وإطلاعهم على الوضع الداخلي والخطوات التي سيتخذها لرأب الصدع الحاصل، وعزمه على بناء البلد، وتمكين ناسها من العودة إلى بلادهم.
ولعل الخطاب أو الكلمة التي ألقاها الشرع أمام الجمعية العامة في دورتها الثمانين، حملت دلالاتٍ ورسائل متعدّدة على المستويين، الداخلي والخارجي، إذ منحت الإدارة السورية الجديدة فرصةً من أجل عرض رؤيتها السياسية ومواقفها تجاه القضايا الإقليمية والدولية، وتبيان مساعيها للحفاظ على وحدة البلاد وإعادة إعمار ما دمّره نظام الأسد البائد، ومن ثم، يمكن اعتبارها خطوة هامة لإعادة تموضع سورية، بوصفها لاعباً ضمن المجتمع الدولي.
اتصف خطاب الشرع على منصة الأمم المتحدة بالشمول والتوازن، وروى فيه الحكاية السورية، التي تعدّ من عبر التاريخ في “معركة الحق والباطل، وتمثيل حقيقي للمعاني الإنسانية النبيلة”، حيث ثار الشعب السوري على نظام الاستبداد، الذي واجهه باستخدام كل أنواع الأسلحة، وأبشع أدوات التعذيب، وقتل نحو مليون سوري ودمّر نحو مليوني منزل، ولم يكن “أمام الشعب سوى تنظيم صفوفه وخوض معركة عسكرية توجت بنصر استعاد فيه حقه”.
وحمل الخطاب عدّة رسائل إلى العالم، أهمّها أنّ سورية الجديدة تعتمد على ثلاث ركائز أساسية: “الاستقرار الأمني، والتنمية الاقتصادية، والدبلوماسية المتوازنة”. ولتحقيق ذلك، تشكل ضرورة رفع العقوبات مسألة جوهرية للشعب والحكومة السورية، الأمر الذي يفسّر تركيزه عليها كي لا تتحوّل إلى “أداة لتكبيل الشعب السوري ومصادرة حريته من جديد”، خصوصاً أن سورية تخوض معركة “بناء نفسها من خلال التأسيس لدولة جديدة، عبر بناء المؤسسات والقوانين الناظمة التي تكفل حقوق الجميع دون استثناء”.
ليس مصادفة أن يتزامن الخطاب مع إعلان وزارة الخزانة الأميركية تعديلاً شاملاً ونهائياً على اللوائح التي تنظّم العقوبات المفروضة على سورية منذ عام 2011، كونه يأتي استجابة للتحول السياسي في سورية بعد سقوط النظام البائد، ويهدف إلى تعزيز أدوات المساءلة القانونية بحقّ المتورّطين في الجرائم والانتهاكات. ولعل التسمية الجديدة تعبّر عن تحوّل جوهري في السياسة الأميركية، يركّز على ملاحقة رموز نظام الأسد، ويشمل أي جهةٍ تهدّد استقرار سورية.
على عكس ما كان يشاع حول إمكانية توقيع اتفاق أمني مع دولة الاحتلال الإسرائيلي في نيويورك برعاية أميركية، أو اتفاقية سلام، وما روّجته بعض وسائل الإعلام عن إمكانية عقد لقاء مزعوم بين الشرع ونتنياهو، لم يحصل شيء من هذا القبيل، فقد غادر الشرع نيويورك من دون أن يوقع أي اتفاق، على الرغم من حديثه عن إمكانية التوصل إلى اتفاقية أمنية مشابهة لاتفاق فض الاشتباك في عام 1974، الأمر الذي يشي بأن ما طالب به المجرم الملاحق دولياً نتنياهو لم يحصل عليه، وأن المحادثات لم تصل إلى مرحلة التوافق على شيء، على الرغم من ضغوط مارستها إدارة ترامب. ولم يتردّد الشرع في التعرّض للتهديدات والاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة ضد سورية منذ 8 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، والسياسات الإسرائيلية التي تعمل بشكلٍ يخالف الموقف الدولي الداعم لسورية وشعبها في محاولة لاستغلال المرحلة الانتقالية. كما أكّد دعمه أهل غزّة وأطفالها وباقي الشعوب التي تتعرّض للانتهاك، داعياً المجتمع الدولي إلى وقف حرب الإبادة فوراً، والوقوف إلى جانب سورية في مواجهة المخاطر الإسرائيلية واحترام سيادة الأراضي السورية ووحدتها.
على المستوى الداخلي، أشار الشرع إلى أن الإنجاز السوري الفريد، والتكاتف الشعبي الحاصل، دفع أطرافاً إلى محاولة إثارة النعرات الطائفية والاقتتالات البينية، سعياً إلى مشاريع التقسيم وتمزيق البلاد. وكرّر عبارة “نصر بلا ثأر”، إلى جانب تعهده أمام العالم بوقف روح الانتقام والثأر، و”تقديم كل من تلطّخت يداه بالدماء للعدالة”. وعرض الخطوات التي اتبعتها إدارته، والمضي في إجراء انتخابات مجلس الشعب وهيكلة مؤسّسات الدولة، وبناء دولة القانون. ولم ينس شكر كل من وقف إلى جانب التحوّل السوري، وخصّ بالذكر قطر والسعودية وتركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
سورية والأمم المتحدة
شكلت نيويورك نافذة لتقديم الحكاية السورية، وفرصة للسوريين كي يعيدوا تعريف ذاتهم الوطنية باعتبارهم أبناء حضارة قدّمت الكثير للبشرية، بل قدّمت للأمم المتحدة نفسها الكثير، حيث كانت سورية من بين الدول المؤسسة للأمم المتحدة، ووقّعت على ميثاقها في مؤتمر سان فرنسيسكو في 26 يونيو/ حزيران 1945، وانضمت رسمياً في 24 أكتوبر/ تشرين الأول 1945. وبعد الخلاص من الانتداب الفرنسي عام 1946، دخلت سورية فترة من الاضطرابات السياسية، توالت خلالها انقلابات عسكرية بين 1949 و1970، بدأت بانقلاب حسني الزعيم في 30 مارس/ آذار 1949، وانتهت بانقلاب حافظ الأسد في 16 نوفمبر/ تشرين الثاني 1970. وتعاقب خلالها رؤساء عديدون، لم يبق بعضهم في منصبه إلا بضعة أيام أو أسابيع قبل أن يُطاح، ولم يكونوا معنيين بالمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأم المتحدة لاعتباراتٍ داخليةٍ بالدرجة الأولى. ثم جاءت فترة الوحدة مع مصر (1958ـ 1961) وفقدت سورية رئيسها الخاص لصالح جمال عبد الناصر. ثم استعادت مقعدها باسم الجمهورية العربية السورية، بعد فشل تجربة الجمهورية العربية المتحدة عام 1961. وتوّج الحضور السوري في الأمم المتحدة بمشاركة الرئيس نور الدين الأتاسي، حين ألقى خطاباً بُعيد هزيمة حزيران (1967)، ثم امتنع حافظ الأسد عن حضور اجتماعات الأمم المتحدة خلال فترة استيلائه على السلطة في سورية، وسار على نهجه وريثه بشار الأسد.
تقف أسباب وحيثيات مختلفة وراء غياب رؤساء سورية عن المشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، يعود بعضها إلى أولوية حساباتهم الأمنية، بل خوف معظمهم من حدوث انقلابٍ عسكري عليهم، خصوصاً في مرحلة الانقلابات العسكرية، ويعود بعضها الآخر إلى الشك في فاعلية دور الأمم المتحدة وعدم تنفيذ قراراتها. يضاف إلى ذلك تآكل الشرعية الدولية لنظام الأسد البائد الذي أدخل سورية في عتمة العقوبات. وقد رَسَّخَ عُرف الامتناع عن المشاركة الأممية عزلة طويلة امتدّت أكثر من نصف قرن، غاب فيها الصوت الرئاسي، فيما تولّت الوفود الدبلوماسية إدارة الاشتباك السياسي والحقوقي مع غالبية المجتمع الدولي داخل أروقة الأمم المتحدة.
تعرّضت الأمم المتحدة لهجمات عديدة من نظام الأسد منذ انطلاق الثورة السورية في 15 مارس/ آذار 2011، لأنها طالبت بوقف قتل المحتجين والمتظاهرين السلميين، وأدار النظام ظهره لكل المبادرات الأممية التي كانت تسعى إلى إيجاد حل سياسي في سورية، مستنداً إلى دعم كل من روسيا والصين، حيث استخدمت كل منهما حق النقض (الفيتو) ضد مشاريع وقرارات عديدة في مجلس الأمن، دعت النظام إلى وقف حربه أو تضمّنت فرض عقوبات عليه، الأمر الذي أدّى إلى تقييد قدرة الأمم المتحدة في إيجاد حل سياسي. وطاول التشكيك والعجز شرعية الأمم المتحدة نفسها وهيكليتها. وفي 2012 قدم المبعوث المشترك للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، كوفي عنان، خطة سلام من ست نقاط تهدف إلى إيجاد حل سلمي للأزمة، لكنه فشل ولم تبصر خطته النور. وتولى بعده الأخضر الإبراهيمي مهمّة المبعوث الخاص بين عامي 2012 و2014، وفشل أيضاً، بل قدّم اعتذاره إلى الشعب السوري. ثم شغل ستيفان دي ميستورا منصب المبعوث الخاص بين عامي 2014 و2019، وعقد جولات من المفاوضات في جنيف، تحت مسمّى “مشاورات” للتواصل مع مختلف المجموعات السورية، وساهم في 2018 في تأسيس اللجنة الدستورية السورية، لكن مهمّته انتهت إلى الفشل أيضاً، وتولّى المهمّة بعده غير بيدرسون منذ 2019، ورعى اجتماعات اللجنة الدستورية السورية، التي لم تتمكّن من وضع أي مادة دستورية، وانتهت إلى فشل ذريع. وفي 18 سبتمبر/ أيلول الحالي قدّم استقالته بعد أكثر من ست سنوات لم يحقق فيها شيئاً.
أظهر ما جرى في سورية على مدى 13عاماً وجود أوجه قصور بهيكلية الأمم المتحدة، بما في ذلك الدور الذي لعبه “الفيتو” في عرقلة مساعي معالجة الأزمات والصراعات. ولذلك تعرّضت الأمم المتحدة لانتقاداتٍ كثيرة، خصوصاً عندما لم تتخذ موقفاً حازماً عندما استخدم نظام الأسد أسلحة كيميائية في 21 أغسطس/ آب 2013 في هجومه على المدنيين في غوطة دمشق، ما أدّى إلى مقتل أكثر من 1400 مدني. الأمر الذي شجع النظام على ارتكاب مجازر عديدة بالأسلحة الكيميائية ضد المدنيين السوريين.
تغيّر الوضع في سورية بعد 8 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وحمل هذا التغير عودة سورية إلى المجتمع الدولي. ولذلك تعد مشاركة الشرع في أعمال الدورة السنوية الحالية للأمم المتحدة خطوة دبلوماسية تاريخية، لها دلالات سياسية عميقة، وحملت رسائل متعدّدة الاتجاهات. إنها صحوة من غيبوبة أمراض نظم الاستبداد، وخطوة هامة في طريق يعيد سورية إلى المجتمع الدولي، وبات من الضروري أن يترافق هذا المسار مع السعي إلى بناء نظام وطني ديمقراطي، يكون بمثابة الدرع الحامي لسورية الجديدة.
العربي الجديد
————————————
هل نجح الشرع في نيويورك؟/ عمار ديوب
30 سبتمبر 2025
سبقت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع نيويورك، لإلقاء كلمة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، تكهّناتٌ كثيرة، أهمها أن لقاءً سيجمعه مع الرئيس الأميركي ترامب، وهو ما حصل، وأن اللقاء سيؤدّي إلى رفع العقوبات عن سورية، بالتوازي مع توقيع اتفاق أمني مع الدولة الصهيونية. الأمران لم يتحقّقا، وبدأ مبعوث ترامب إلى سورية، توم برّاك يتحدّث، عن خفض التصعيد. وأمّا قانون قيصر فلم يُرفع حالياً، وسيُجمّد فقط. الحصيلة هنا أن سورية ستظلّ معرّضةً لضغوط صهيونية، ولن تتحوّل واجهةً للاستثمارات العالمية، فعدم رفع العقوبات لن يشجّع على استثمارات واسعة، وهو يشير إلى أن هناك مخاطر أمنية كبيرة. فما العمل؟
هناك شروط أميركية كثيرة (جديدة وقديمة) هي من أسباب عدم رفع العقوبات، منها ضرورة الاشتراك بالتحالف الدولي ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وحماية حقوق الأقليات، الدينية والعرقية، ووقف أيّ هجمات على دول الجوار، أي الدولة الصهيونية، ومسألة وجود المقاتلين الأجانب في وزارة الدفاع. يكرّر مبعوث ترامب في هذا الاتجاه ضرورة تشكيل حكومة شاملة. ورغم رفضه فكرة الفيدرالية أو اللامركزية السياسية، وتحبيذه اللامركزية الإدارية، فهو يحثّ سلطة دمشق على التشاركية السياسية، والتفاوض مع كلٍّ من “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) والسويداء، ولعب أخيراً دوراً مركزياً في إطلاق “خريطة طريق لحلّ أزمة السويداء”، ويساهم بشكل متكرّر في التقريب بين “قسد” ودمشق.
لا تبدو الدولة الصهيونية في عجلة لتوقيع الاتفاق الأمني، والأدقّ أنها تُريد اتفاقاً على هواها. فهي تحتل أراضي جديدة بعد 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، تمتدّ نحو 600 كيلومتر مربّع، وتفرض سيطرةً أمنيةً وعسكريةً على كامل الجنوب السوري. وبالتالي، هي ليست بحاجة إلى الاتفاق الأمني، مع أن المفاوضات تؤكّد الاقتراب منه، وتسريبات وكالة رويترز أخيراً أشارت إلى أن الاتفاق كادّ يُوقَّع، لولا أن دولة العدو تقدّمت بمقترح جديد ينصّ على فتح معبر “إنساني” إلى السويداء، ورفضته دمشق.
اجتهد الشرع في نيويورك لتتحوّل سورية دولةً طبيعية، فألقى كلمة في الأمم المتحدة، وشارك في قمة كونكورديا لرجال الأعمال، وحاور مدير وكالة المخابرات الأميركية الأسبق، ديفيد بترايوس، والتقى ممثّلين لغرفة التجارة الأميركية. وهناك لقاءات كثيرة مع دبلوماسيين وقادة عرب. أراد أن يعيد سورية إلى المؤسّسات الدولية التي انقطع عنها حافظ الأسد ووريثه منذ 1970. وفي مشاركاته كلها، حاول الشرع تقديم سلطته باعتبارها تمثّل الشعب السوري، وتحدّث عن “انتخابات” مجلس الشعب في الأمم المتحدة، وفي حواره مع بترايوس أكّد تمسّكه باتفاق فكّ الاشتباك 1974، وأن الجولان محتل من دولة الاحتلال، وأن التوغّل البرّي عدوان، وانتقد (ضمناً) اتفاقات السلام مع بعض الدول العربية، وركّز كثيراً على أن الحاجة الفعلية في سورية هي التنمية الاقتصادية، والسلام والازدهار، ولم يتردّد بالقول: “ارفعوا العقوبات، وانظروا إلى النتائج”.
الشرع بأمسّ الحاجة إلى الشرعية من الإدارة الأميركية. وفقاً للتحليل أعلاه، هناك اشتراطات لتحقيق رفع العقوبات نهائيّاً. العقوبات مقيّدة حالياً، وهذا يعطي انطباعاً عالمياً بأن الإدارة الأميركية ليست راضيةً عن بعض سياسات السلطة منذ 8 ديسمبر. وبالتالي، من الخطأ أن تعوّل سلطة دمشق على طرد إيران وحزب الله، واعتبار ذلك رخصتها إلى انفتاح عالمي عليها، سيّما أن دولة العدو تعتبر أنها أسهمت بذلك منذ “7 أكتوبر” (2023).
الشروط المطروحة أمام سلطة الشرع هي الأساس في جعل سورية دولةً طبيعيةً، فماذا عليه أن يفعل؟ فلم تكن زيارته نيويورك كافيةً للمزيد من شرعنة سلطته أميركياً وعالمياً. لدينا مشكلتنا كبيرتان، هما قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المحمية أميركياً (وجيش سوريا الحرّة، المدعوم أميركياً أيضاً، لكنّه لا يشكّل مشكلةً حقيقيةً في هذا الآونة)، والسويداء، التي لا يتوقّف نتنياهو عن تأكيد حماية الدروز السوريين فيها. وهناك مسألة مهمّة هي التفاوض بخصوص التمدّد الصهيوني في كامل الجنوب السوري، وواضح أن هناك دعماً أميركياً له. ولن نُسهب هنا في عمق الأزمتَين الاقتصادية والاجتماعية، ولا التوتّر الشديد بين الطوائف، وتذمّر سكّان المدن (السُّنة وسواهم) من ممارسات الأمن العام، ومن تهميشٍ كبيرٍ لهم في أوساط السلطة أو في سياساتها العامّة في الاقتصاد وشؤون الدين والتعليم والثقافة، ولا في كيفية إدارة شؤون المواطنين عبر إدارات المدن.
ستظلّ يدا أحمد الشرع مقيدتين بالاشتراطات الأميركية، وربّما الصهيونية. وهذا سيحدّ كثيراً من الانفتاح العربي والعالمي على سلطته. المدخل نحو الحلّ، كما ترى أغلبية الأصوات النقدية السورية والعربية المنشغلة بالشأن السوري، يكون بالعودة إلى التشاركية، ويؤكّد برّاك ضرورة تشكيل حكومة شاملة، والأمم المتحدة تؤكّد أهمية إجراء عملية سياسية شاملة، تشترك فيها القوى الفاعلة كافّة في سورية. هذا مهم. وبالتالي، ولإسكات أصوات الاشتراطات الدولية، والضغط الصهيوني، يجب العودة إلى الشعب ونخبه، وعدم الاكتفاء بالشخصيات من هيئة تحرير الشام، مستشارين ووزراء، ومديرين لمختلف مؤسّسات الدولة. لم يؤدّ ذلك إلى قدرة السلطة على تذليل أيّ عقبة داخلية، بل راكمت المشكلات بمجزرتَين كبيرتين في السويداء والساحل، وفي سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. وحسناً قال الشرع في نيويورك إنه سيحاسب كل من “تلطّخت يداه بالدم”، علماً أنّه لم يحاسب فرداً واحداً ممّن أولغ في الدم بعد مجزرة الساحل، وكان قد شكّل لجنةً للتحقيق، أنهت أعمالها، ويفترض أن المجرمين كافّة صاروا معتقلين، أقلّها بعد إدانتهم من لجنة التحقيق الحكومية.
يستدعي فرض سورية دولةً طبيعيةً عالمياً تغييراً كاملاً للسياسات المتّبعة، وإشراكاً حقيقياً للشعب في إدارة الدولة والسلطة. هناك الآن ضرورة لحكومة ممثّلة (شاملة) للشعب، وهناك ضرورة لعقد مؤتمر وطني عام، وهناك ضرورة لتغيير كلّي في إدارة الانتخابات الحالية لمجلس الشعب، فهي محض تعيين كامل لشخصيات مرضيّ عنها من السلطة، فثلث المجلس سيعيّنه أحمد الشرع، والثلثَان المتبقِّيَان ستُعيّنهما اللجنة العليا للانتخابات واللجان التابعة لها في المحافظات، كما ينصّ الإعلان الدستوري. وأصبح واضحاً بعد زيارة الشرع نيويورك، وعدم رفع العقوبات، أن الكرة أصبحت في ملعبه، وأن رفعها مسألة معقّدة للغاية، وتتطلّب تغييرات سورّية كبيرة، وربّما يجب مصارحة الشعب بوضوح في هذه القضية، وأن يكفّ إعلام السلطة عن تكرار أن العقوبات رُفعتْ، وتحقيق المطالب السياسية الداخلية في التشاركية والتعدّدية السياسية والشفافية والمباشرة بتطبيق العدالة الانتقالية، وإيقاف سياسة التعيين في إدارات الدولة، والتوقّف عن الاستمرار في مشروعٍ سياسي يضع كامل السلطات بين يديه منذ 8 ديسمبر، ويراكم الأزمات يومياً.
العربي الجديد
—————————-
سورية: استحقاقات ما بعد نيويورك/ عبد الباسط سيدا
30 سبتمبر 2025
حدث غير عادي مشاركة الرئيس السوري، أحمد الشرع، في اجتماعات الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، وإعلانه أمام قادة العالم التحوّلات في الأوضاع الداخلية والتوجّهات الأساسية في السياسة السورية منذ وصول الإدارة الجديدة إلى دمشق. كما أن اللقاءات التي جمعته مع مسؤلين عديدين من دول عديدة، بالإضافة إلى مقابلات أجرتها معه المؤسّسات المؤثرة والمراكز البحثية ووسائل الإعلام المعروفة على المستوى الدولي… ذلك كلّه يُستشفّ منه أن العالم مستعدّ للانفتاح على الدولة السورية ودعمها، وهو متعاطف مع شعبها الذي عانى الأمرّين جرّاء عقود من الممارسات الاستبدادية لسلطة “البعث” (1963 – 2024) في مختلف مراحلها، لا سيّما في المرحلة الأسدية الطويلة، الأكثر ظلامية ووحشية (54 عاماً). كما أن الاهتمام الأميركي بالزيارة، والاحتفاء الخاصّ بالوفد السوري كان لافتاً، ولكن ما ينتظره السوريون هو أن تُترجَم هذه المواقف واقعاً عملياً تتمظهر نتائجه الإيجابية الملموسة في الأرض عبر إلغاء العقوبات الاقتصادية المفروضة على سورية تماماً، ومن دون شروط، ووضع خطّة واضحة مع خريطة طريق بتوقيتات محدّدة. خطّة مدعومة بميزانيات مُعلَنة، تلتزم بها الأطراف الدولية الحريصة على مسألة الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وسورية على وجه التخصيص، من خلال مؤتمر دولي هدفه دعم الشعب السوري، وتمكينه من النهوض على المستوى المجتمعي والعمراني والسياسي، ليكون قادراً على ترميم نسيجه المجتمعي الوطني، وإعادة بناء دولته وبلده.
ولم يعد سرّاً في هذا السياق أن الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتشدّدة، بقيادة نتنياهو، تحاول استغلال الوضع السوري غير السويّ بالأساليب كلّها، لفرض اتفاقات استثنائية تكبّل الإدارة السورية الراهنة، والحكومات المُنتخَبة المُقبِلة بعد المرحلة الانتقالية، سواء من جهة منع الطيران السوري من التحرّك ضمن مناطق واسعة في المجال الجوي السوري السيادي، والإقرار في المقابل بحقّ الطيران الإسرائيلي في التحرّك والقصف ضمن كامل الفضاء السوري، أو من ناحية الموافقة على وجود نقاط مراقبة عسكرية إسرائيلية داخل الحدود السورية المعترف بها دولياً، مع تجاهل موضوع الجولان المحتلّ بحجّة أن الظروف تستوجب ترحيل هذا الموضوع إلى مفاوضات لاحقة، ستودّي إلى اتفاق آخر، أو اتفاقات أخرى، كما صرّح بذلك المسؤولون السوريون والأميركيون، واستناداً إلى ما تسرّب من أخبار عن الاجتماعات الثلاثية بين المسؤولين السوريين والإسرائيليين والأميركيين. ولعلّنا لا نأتي بشيء جديد إذا قلنا إن هذا الموضوع (عقد اتفاقية أو اتفاقيات أمنية وربّما سياسية مع إسرائيل) حسّاس للغاية على المستوى الوطني الداخلي السوري، والعربي، وعلى المستوى الجيوسياسي الإقليمي، بالإضافة إلى انعكاساته وتبعاته الدولية.
السوريون بصورة عامّة على قناعة بأن موضوع العلاقة مع إسرائيل لا بدّ أن يحلّ سياسياً في نهاية المطاف على أساس قرارات الشرعية الدولية، ولكن ذلك يستوجب إجماعاً وطنياً سورياً صريحاً، تجسّده سلطة شرعية مُنتخَبة تقود الدولة السورية بدعم غالبية السوريين بموجب انتخابات فعلية نزيهة شفافّة، لقطع الطريق على القيل والقال، وإبعاد المجتمع السوري عن شرور المزيد من الانقسامات والتوجّسات. ونظراً لانعكاسات هذا الموضوع على واقع علاقات سورية بمحيطها العربي وجوارها الإقليمي، سيكون من المفيد جدّاً التشاور حول هذا الموضوع مع الدول العربية، ودول الجوار السوري (الأردن ولبنان والعراق وتركيا)، ولكن القرار في نهاية المطاف لا بد أن يكون سيادياً سورياً، يستمدّ قوته من التوافق الوطني السوري. فهذا الموضوع الشائك المعقّد، المحاط بشحنة قوية من الحساسيات والمشاعر الجيّاشة والذكريات الأليمة السورية هو أكبر من أن يعالجه فريق بعينه، مهما كان معتدّاً بنفسه، لأن موضوع المناطق المحتلة، وبناء علاقات متوازنة مع إسرائيل على أساس الحفاظ على الحقوق، من الأمور التي تهم السوريين جميعهم، الذين دفعوا ضرائب باهظة بمختلف الأشكال خلال الحروب مع الاحتلال منذ 1948.
كانت زيارة الرئيس الشرع نيويورك، ولقاءاته هناك، خطوة دبلوماسية لافتة، ومن المهم توظيفها الآن لصالح معالجة الجروح العميقة في النسيج المجتمعي الوطني السوري، بالانفتاح الفعلي، لا الشعاراتي المهرجاني، عليهم. وذلك يقتضي استمرارية الحوار الوطني المعمّق الصريح البنّاء بين ممثلي سائر المكوّنات والتوجّهات السياسية. أمّا أن نظلّ نسوّق الاجتماع المُستعجَل الذي انعقد في دمشق مدّة ساعات تحت اسم مؤتمر الحوار الوطني، أو أن نروّج عملية تعيين أعضاء مجلس الشعب، سواء بصورة مباشرة أم غير مباشرة، على أنها انتخابات تكون نتيجتها سلطة تشريعية، في أصعب مرحلة تمر بها البلاد في تاريخها المعاصر، فهذا معناه أننا ما زلنا بعيدين من عقلية تأسيس الدولة على أركان راسخة تمكّنها من الانطلاق بكل قوة، لتكون قادرة على مواجهة سائر التحدّيات، ومعالجة سائر القضايا والمشكلات بما يرمّم النسيج المجتمعي السوري ويعزّز الوحدة الوطنية.
الأوضاع في المنطقة مضطربة جداً، والصراعات المحمومة بين الدول الكبرى لا تلتزم بأيّ منطق، ولا تُعطي أيّ قيمة للوثائق والمعاهدات الخاصّة بحقوق الشعوب وسيادة الدول. وحدها المصالح العارية تحدّد السياسات وتتحكّم بالقرارات. ومنطقتنا هي في منظور هذه القوى مجرّد مادّة تتمحور حولها المصالح التي لا تكترث بمعاناة وتطلّعات شعوبها. ولعلّ ما جاء في مقابلة توم برّاك مع “سكاي نيوز” حول أولويات الإدارة الأميركية الحالية في منطقتنا، يلقي ضوءاً ساطعاً على هذه الحقيقة المُرّة (بكل أسف!). فبرّاك الذي يذكّر كثيرين ببطل مسرحية “زيارة الملكة”، للمبدع السوري الراحل ممدوح عدوان، “بقّ البحصة” كما يقال في موروثنا الشعبي، وأعلن صراحةً أنه لا يثق بأحد ولا يضمن أحداً. وفي أجواء كهذه يبقى الضمان الأكيد الأكثر استقراراً واستمرارية، هو تعزيز الوحدة الوطنية عبر الاعتراف بالتنوّع السوري المجتمعي والسياسي والفكري واحترامه، وإدارته بحكمة وبعد نظر، والقطع النهائي مع النزعات التمييزية والثأرية والاستعلائية، وتجريم كل أشكال الخطابين الطائفي والعنصري المقيتين. فالتنوع المجتمعي، الذي يعد جزءاً أصيلاً من الهُويَّة السورية على مرّ العصور، لا يمكن تجاهله وتقزيمه بجمل ضبابية أو مجاملات خاوية من أيّ مضمون واقعي، وإنما بالشراكة الحقيقية في الإدارة والموارد بموجب عقد اجتماعي وطني يتوافق عليه السوريون. عقد يستمدّ مشروعيته من موافقة السوريين الصريحة عليه، وذلك بموجب استفتاء شعبي شامل شفّاف أمام مرأى ومسمع العالم أجمع.
هناك توجّس عام بين السوريين على مستوى الشعب والسلطة ينبغي الإقرار به. السلطة منغلقة على ذاتها تخشى الانفتاح على الآخر المختلف بكل صيغه لأسباب متباينة. والمكوّنات المجتمعية السورية (بما فيها أوساط واسعة ضمن المكوّن العربي السُّني نفسه) لديها هواجس، وهي في مواجهة مستقبل غير واضح معالم. وللخروج من دائرة هذا التوجّس المزدوج (والمركّب) يحتاج السوريون (موالاة ومعارضة) إلى الحوار المعمّق مع الآخر المختلف على قاعدة الاحترام المتبادل، بغية وضع كل المخاوف والمؤرّقات والمظالم والمطالبات على طاولة الحوار العقلاني الهادئ وتركيز الجهود بغية التوصّل إلى الحلول لا إثارة المشكلات. حلول هدفها الأساس ترميم النسيج المجتمعي السوري، وتعزيز الثقة المتبادلة بين سائر مكوّناته، لتتبلور وحدة وطنية قوية تمكّن السوريين من العمل معاً بجدّية وحماس لتوفير الأمان، وتأمين الحدّ الأدنى الممكن من المقومات الأساسية للعيش الكريم في هذه الظروف المعقّدة. فالقسم الأكبر من السوريين يعانون من ظروف معيشية بالغة الصعوبة، خاصّة أن الشتاء على الأبواب. وفي مثل هذه الأوضاع، لا يمكن إقناع الجائع والمريض والمشرّد بوعود تبشيرية تسويفية من دون أن تلوح في الأفق علائم تنمّ عن وجود جهود ملموسة تبذل بغرض التخفيف عنهم، تمهيداً لمعالجات معقولة ترتقي إلى مستوى تضحيات وتطلّعات السوريين؛ ويتحقّق هذا الأمر من خلال ترتيب سلم الأولويات على الصعيد الداخلي، والتركيز على الملحّ المستعجل، ثمّ المهم… وهكذا، والقطع مع عقلية كل شيء أو لا شيء، الرومانسية العدمية، فغالبية المشاريع الكبيرة على مستوى الأفراد والدول هي حصيلة تراكمات نجاحات المشاريع الصغيرة التي تتحوّل بفضل الإدارة الرشيدة النزيهة مشاريعَ نوعيةً كبيرة.
شروط نهوض سورية متوفّرة، لكنّها في حالة الكمون أو الوجود بالقوة. كل ما نحتاجه لتفعيلها هو أن نتفاهم ونتوافق، ونتحرّر من العقد وضغوط الذكريات الأليمة. لقد واجه السوريون في مختلف مراحل تاريخهم القديم والوسيط والحديث كثيراً من التحدّيات والعراقيل، وتحمّلوا آلاماً كثيرة، إلا أنهم نهضوا دائماً بكدّهم وعرقهم واعتزازهم بكرامتهم، وسينهضون هذه المرّة أيضاً بكل تأكيد، ولكنهم يحتاجون إلى تضميد الجراح وتوحيد الصفوف. وهذا لن يتحقّق من دون وجود سلطة يشعر الجميع بأنها تمثّلهم، وتحرص عليهم جميعاً من دون أيّ تمييز أو امتياز.
العربي الجديد
————————————-
من الأتاسي إلى الشرع… “الحكاية السورية” في الأمم المتحدة/ محمد خالد شاكر
30 سبتمبر 2025
أثارت كلمة الرئيس السوري أحمد الشرع أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، وما رافقها من لقاءات، ضجة غير مسبوقة في وسائل الإعلام العربية والعالمية، اختزلت ما بين سطورها، عذابات شعب، قدّم على مذبح الحرية والإرادة ما لم يقدّمه شعبٌ في التاريخ المعاصر، قبل أن تُروى حكاياتهم، دروساً مهيبة في أروقة الأمم المتحدة.
بعد 58 عاماً من آخر خطابٍ في الجمعية العامة للأمم المتحدة، للرئيس نور الدين الأتاسي (في السلطة 25/2/1966 – 18/11/1970)، وقف الرئيس الشرع، يروي للعالم حكايةً سورية فريدة، اعتملت فيها جميع أنواع الحبكة القصصية، من التحدّي، والمرارة، والإصرار، والانتظارات، والغربة، والموت العلني، والتشرّد، والنزوح، واللجوء، والضياع ، قبل أن يرتد صداها، على منبر الأمم المتحدة، معلنةً على الملأ، قصّة شعبٍ أقوى من المجازر، آمن فانتصر.
ما بين خطاب اليوم للرئيس الشرع، وخطاب الأمس للرئيس الأتاسي، شهدت سورية ظروفاً ومعطياتٍ متغيّرة، تبدّلت حكومات، وتغيّرت خرائط، غابت قوى وظهرت أخرى. وحده التاريخ مائلٌ أمامنا، معنىً للماضي، وحدساً للمستقبل، وما بينهما برزخُ يشرع فيه السوري تطلعاته نحو دولة عزيزة، تليق بتضحياته، في سبيل العدالة والقانون وحكم المؤسسات.
بين خطاب الشرع وخطاب الأتاسي، يتبدى البعد المفقود في التاريخ استنساخاً لمرحلتين قلقتين ومفصليتين، ما انفكت خلالها الدولة السورية تعاني صراعات بينية داخلياً، وتحولات جذرية وعميقة في الشرق الأوسط خارجياً. مشهديةٌ كلاسيكية اعتادتها سورية المُقدر لها، جيوبوليتكياً، أن تأخذ الشرق الأوسط أينما توجهت.
في 20 يونيو/ حزيران 1967 ألقى الرئيس السوري نور الأتاسي كلمة سورية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال الدورة الاستثنائية، التي انعقدت بعد أيام من عدوان حزيران 1967، واحتلال إسرائيل هضبة الجولان، والضفة الغربية، وقطاع غزّة، في مرحلة كانت فيها سورية تغلي على نار انقساماتها الداخلية، بين تيار العسكر الذي يقوده وزير الدفاع السوري، حينها، حافظ الأسد، والرئيس الأسبق نور الدين الأتاسي، القادم من خلفيةٍ مدنية، طبيباً رفض تدخّل الجيش في السياسة، داعياً إلى ضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية، بينما أصرّ الأسد على استئثار البعثيين بالسلطة، وهيمنة الجيش على الدولة.
في مراحل لاحقة، دعا الأتاسي إلى عقد مؤتمر استثنائي لحزب البعث، تقرّر خلاله عزل حافظ الأسد، إلا أنّ الأخير قام بـانقلاب عسكري في 16/11/1970 أزاح فيه الأتاسي وجماعته، وأودعهم سجن المزة العسكري… أفرد الأتاسي مساحة كبيرة في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة للهجوم على إسرائيل وعدوانها في حزيران، مستهلّاً كلمته بشكر كل من ساهم في عقد الدورة الاستثنائية الخاصة للجمعية العامة للأمم المتحدة لمعالجة ما أسماها “الحالة الخطيرة التي نجمت عن الغزو الإسرائيلي الاستعماري لأجزاء جديدة من وطننا العربي”، فشكر الاهتمام الدولي والعربي بإدانة العدوان، واستعرض فشل مجلس الأمن في مطالبة إسرائيل بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها في حرب حزيران، بعد أن وجه نقداً لاذعاً إلى أدوار كل من الولايات المتحدة وبريطانيا، داعياً أكثر من مرة إلى أهمية الدور العربي، في دلالة على إيمانه بقوة سورية داخل حضنها العربي، ووحدة المصير العربي المشترك، حيث خاطب الحضور بأنّ “العرب يُرغمون اليوم على دفع ثمن جرائم النازية في أوروبا”.
نجحت كلمة الأتاسي في حشد تأييد عربي ودولي توصلت من خلاله إلى حل وسط لمشاريع عديدة فشل خلالها مجلس الأمن في استصدار قرار يطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها، بسبب الفيتو الأميركي والبريطاني. في نهاية المطاف، نجحت الدبلوماسية السورية والعربية، في إصدار قرار مجلس الأمن الشهير 242 في 22/11/1967، الذي أكد في ديباجته “عدم القبول بالاستيلاء على الأراضي بواسطة الحرب”، داعياً إسرائيل إلى الانسحاب، الأمر الذي رأى فيه كثيرون انتصاراً دبلوماسياً عربياً وسورياً، بينما كشف واقع الحال التواطؤ الدولي، وخطأ الدبلوماسية السورية والعربية في تفسير مشروع القرار ومندرجاته، تقنياً، ومقارنتها بالنسخة الإنكليزية قبل التصويت عليه، بسبب الاختلاف في تفسير روح النص وترجمته بين النسختين، استناداً إلى مداولات القرار وديباجته. مطبٌّ تقني استغلته إسرائيل، في مراحل لاحقة، عندما توقفت عند “أل” التعريف المنصوص عليها بنص الفقرة الأولى من القرار، بحسب النسخة العربية، الذي ينصّ على انسحاب القوات المسلحة الإسرائيلية من “الأراضي” المحتلة في النزاع الأخير، بينما تمسّكت إسرائيل وحلفاؤها بالنسخة الإنكليزية التي تنص على الانسحاب من “أراضٍ” عربية from territories ما حال دون تطبيق القرار 242، بعد أن وافقت عليه سورية والدول العربية. الأخطر من ذلك، إدخال القرار في أتون التدويل، الذي نقل مناقشة موضوع الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، من الاختصاص الوطني إلى الاختصاص الدولي داخل أروقة مجلس الأمن، وتجاذباته الدولية والإقليمية، تحت بند الحالة في الشرق الأوسط.
تتشابه الظروف والمعطيات الدولية والإقليمية والداخلية خلال كلمة الشرع مع الفترة التي ألقى فيها الأتاسي كلمته، مع اختلاف حيثياتها، فعلى الصعيد الداخلي، ما زالت سورية تعاني انقساماتٍ مجتمعيةً، ومناطق خارج سيطرة الدولة السورية، وقد أحسن الشرع حين قدّم في كلمته مشروعاً وبرنامجاً سياسياً داخلياً واضحاً. وعلى الصعيد الخارجي، لا تختلف ظروف الخطابين دولياً وإقليمياً، بل تكاد تكون متشابهة، إذ تزامن خطاب الشرع مع انعقاد مؤتمر حلّ الدولتين، وما يحصل في غزّة التي أفصح الشرع عن التضامن معها، ولاقت صدىً من الحاضرين. الفارق الجوهري الأهم أنّ كلمة الشرع جاءت على خلفية انتصار تاريخي للشعب السوري، طوى عقوداً من المرحلة الأسدية، التي وصلت إلى السلطة بانقلاب عسكري على الأتاسي.
أعطت التحولات نفسها الشرع مشروعية دولية، أضفت على الخطاب ثقة وصلابة بمضامين تاريخية، مغلفة بعاطفة جياشة لفعل سوري، قادر على تجاوز التحدّيات، في سبيل حقوقه المشروعة، فجاء الخطاب سردية أدبية لرسائل غير مباشرة، حمّالة أوجه، ودلالات ورمزية تحمل في طياتها، تداعيات استمرار الوجع السوري بسبب العقوبات، وآثارها على استقرار المرحلة الانتقالية والمنطقة.
نجح الشرع في تدوين” الحكاية السورية” أممياً، مذكّراً المجتمع الدولي، بطريقةٍ أبعد من الكلمات، وأقرب إلى الضمير، والحقوق المشروعة، وكأنه يقرأ على مسامع الحضور، العبارة الأولى في ديباجة ميثاق الأمم المتحدة “نحن شعوب العالم، وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال القادمة من ويلات الحرب”، وهو ما قدّمه السوريون للمنطقة والعالم، بعد 14 عاماً من التضحيات، والموت المعلن، في وقتٍ عجزت فيه السياسات الإقليمية والاستراتيجيات الدولية من تحقيق ذلك.
آثر الشرع في خطابه حشد الموقف الدولي لإنقاذ سورية من تمزّقها وهشاشتها داخلياً، نزولاً عند حاجة الشعب السوري، الذي ينتظر من حكومته ترشيد قواه، وتمكينه، ونهوضه، في غايةٍ نهائيةٍ مؤدّاها إنجاح المرحلة الانتقالية، أولوية تلخص ثالوث الشرع الاستراتيجي المتمثل بـ “الدبلوماسية المتوازنة، والاستقرار الأمني، والتنمية الاقتصادية”.
يُفرد للخطاب السياسي في مناهج الدبلوماسية والعلاقات الدولية أهميّةٌ قصوى، بوصفه نوعاً من التواصل الاستراتيجي لتحقيق أهداف سياسية، إلا أن خطاب الشرع كان مختلفاً، وأبعد من غاية سياسية، إذ ربط الخطابُ الشرعيةَ الثوريةَ بمصير شعب، فظهر الخطاب مشروعاً وبرنامجاً سياسياً في إطار السياقات العامة للمرحلة الانتقالية، بعيداً عن أي تشتيتٍ آخر، رابطاً استقرار المنطقة بمسارات هذا السياق.
آثر الشرع في خطابه صناعة القبول، وتشكيل الرأي الدولي العام، وترحيل كثير من القضايا الملحّة إلى أدوار الدبلوماسية السورية، التي تقف حالياً أمام تحدّيات جسام، لم يُصرح عنها، في مقدمتها القضايا الأكثر إلحاحاً في ضمير السوريين، ولا سيما بعد صدور ما سمّيت “خريطة الطريق لحل الأزمة السورية في السويداء وتحقيق الاستقرار في جنوب سورية” المؤرّخة في 17/9/2025، والموجهة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، ورئيس مجلس الأمن التي أصبحت إحدى وثائق المجلس، تحت بند “الحالة في الشرق الأوسط”، ما يضع الدبلوماسية السورية أمام جهودٍ ومسؤوليات تاريخية، تُبعد شبح التدويل Internationalization وتداعياته في عرف الأمم المتحدة، ولا سيما أن الوثيقة المذكورة آنفاً تُشير إلى نقل الاختصاص من الولاية الوطنية السورية إلى الولاية الدولية المشتركة تحت مجلس الأمن، آخذين بالاعتبار أن مهمّة الأمم المتحدة حفظ السلام لا بناؤه.
—————————-
من أجل سوريا تسعُ الجميع/ يوسف الديني
30 سبتمبر 2025 م
تعدّ ظاهرة التحوّل من خطابات التطرف إلى الاعتدال من أكثر الظواهر تعقيداً في العلوم الاجتماعية والسياسية، خصوصاً في السياقات التي تشهد أزمات كبرى أو محطات فاصلة. من الطبيعي حين يهيمن الخوف والتهديد الوجودي، أن تميلَ الجماعات والأفراد إلى تبني خطابات متشددة تقوم على الإقصاء والهويّة الصلبة، بينما في لحظات الاستقرار والانتصار يبرز خطاب أكثر اعتدالاً يدعو إلى إعادة البناء والتعايش. هذه الديناميكيات ليست مجرد ردود أفعال فردية؛ بل نتاج تفاعل بين البُنى النفسية الجمعية والسياقات الاجتماعية والسياسية المحيطة، وهو ما يجعلها شديدة التعقيد والتأثير في مسارات الدول والمجتمعات الخارجة من الحروب.
النظريات الاجتماعية والنفسية تساعدنا في فهم هذه الظاهرة. فمثلاً، نظرية الهوية في ظل عدم اليقين التي طوَّرها مايكل هَوغ، توضّح أنَّ الأفراد في أوقات الأزمات يبحثون عن هويات جماعية صلبة لتقليل شعورهم بالارتباك، وهو ما يفسر انجذاب كثير من السوريين أثناء الحرب، إلى خطابات متشددة تعطيهم يقيناً وانتماءً واضحين. لكن مع الاستقرار ينخفض منسوب القلق الوجودي، فتضعف جاذبية تلك الخطابات، ويبرز مجال أوسع لخطاب الاعتدال. كارل مانهايم أيضاً قدّم نظرية مهمة حول التحولات الاجتماعية؛ مفادها أنَّ الأزمات تولّد «أفكار أزمة» تعكس الانقسام والخوف، بينما تحتاج المجتمعات في لحظات البناء إلى إعادة صياغة هذه الأفكار في صورة «آيديولوجيا بناء» تكرّس المواطنة.
هذا ينطبق بدقة على سوريا اليوم، التي ما زالت تتأرجح بين رواسب خطاب الأزمة ومتطلبات خطاب الدولة. في المقابل، تؤكد نظرية بناء الدولة التي صاغها تشارلز تيلي، أنَّ احتكار العنف الشرعي وبناء مؤسسات قوية هما الشرط الأساسي لقيام الدولة الحديثة. وهذا التحدي قائم في سوريا، إذ ما زالت الدولة الوليدة مطالبة بانتزاع سلطة السلاح من الجماعات ودمجه ضمن إطار شرعي يضمن حماية الجميع.
من هنا نفهم أنَّ خطابات التطرف التي برزت في سنوات الحرب، يمكن وضعها في سياق التعبير عن «أفكار الأزمة» التي غذّاها الخوف والتهديد وانعدام الأمان ووحشية النظام. غير أنَّ هذه الخطابات لا يمكن أن تجد لها مكاناً في مرحلة بناء الدولة التي تعيشها سوريا اليوم، لأنَّ استمرارها يعني إعادة إنتاج الأزمة نفسها بدلاً من تجاوزها. فالدولة الجديدة مطالَبة بالانتقال من منطق التعبئة والتقسيم إلى منطق المواطنة الجامعة، حيث يصبح خطاب الاعتدال هو الخيارَ الوحيد القادر على تأسيس استقرار طويل المدى.
المجتمع الدولي يتطلَّع إلى هذه اللحظة، ويريد أن يرى سوريا تنهض على أسس جديدة، لأنَّ نجاح الداخل السوري سيعني استقرار المنطقة بأسرها. غير أنَّ التحديات لم تنتهِ بعد؛ إذ ما زال غياب المراجعةِ الفكرية الصريحة يفتح الباب أمام عودة خطابات الأزمة، وما زالت بعض المنابر الدينية تُستخدم للتعبئة والإقصاء. يزيد الأمر تعقيداً تصدّر بعض الشخصيات غير السورية المتطرفة التي تبحث عن دور جماهيري عبر وسائل التواصل؛ لا على سبيل المراجعات والنقد لماضيها وسلوكها الإرهابي، بل لاستثماره في البحث عن موطئ قدم في مرحلة الدولة، ووصف من يتسم بهذه الحالة بـ«المهاجرين». هذه التسمية تحمل دلالات سلبية، لأنَّها تعيد إنتاج المفهوم المتطرف للتنظيمات المسلحة كـ«القاعدة» و«داعش» لمفهوم الهجرة الحركية، وتعني الانتقال من «دار الكفر» إلى «دار الإسلام»، ما يضر بصورة الحكومة الجديدة التي تسعى إلى الاعتدال والإصلاح. كما أنَّ تسويق هذه الشخصيات نجوماً مؤثرين على منصات التواصل، لا يخدم مسار التحول من الثورة إلى الدولة؛ بل يهدد بإعادة تدوير خطاب التطرف بأشكال جديدة تمتد تبعاتها إلى سوريا والمنطقة معاً.
التجارب العالمية تثبت أنَّ الانتقال من خطاب الأزمة إلى خطاب الدولة، يحتاج إلى عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة الشاملة، كما فعلت جنوب أفريقيا عبر المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية. أمَّا الجزائر والعراق، فقد أظهرا أنَّ غياب النقد الذاتي والإصلاح العميق يبقي الاعتدال هشّاً وسهل الانكسار. سوريا اليوم أمام خيار مصيري: إما أن تترسخ فيها مؤسسات مدنية قوية تحوّل الانتصار السياسي إلى نهضة، أو تظل عالقة في حلقة مفرغة من الخطابات المتشددة.
المساعدة الحقيقية التي تحتاجها سوريا ليست الأموال فحسب؛ بل دعم الحكومة في بناء مؤسسات قادرة على احتكار العنف، وإعادة صياغة الأفكار من «أفكار أزمة» إلى «خطاب معتدل للبناء»، عبر ترسيخ هوية مدنية تخفف من آثار حالة عدم اليقين. عندها فقط سيصبح الاعتدال أكثر من مجرد خطاب ظرفي، بل مشروع طويل المدى يحمي المجتمع، ويمنحه ثقة بنفسه ويكسبه احترام العالم. فازدهار الداخل السوري، القائم على المواطنة الجامعة والمؤسسات الشرعية، هو الطريق الوحيد لنيل دعم المجتمع الدولي، بينما هشاشة الأوضاع وتفاقم خطابات التطرف سيجعلان أي دعم خارجي بلا جدوى مع انقسام الداخل.
في هذا السياق، جاءت كلمة الرئيس أحمد الشرع أمام الأمم المتحدة لتجسد هذا التحول، حين قال إن سوريا «بهذا النصر تحولت من بلد يصدر الأزمات إلى فرصة تاريخية لإحلال الاستقرار والسلام والازدهار في سوريا وللمنطقة بأسرها». وقد لقي هذا التصريح صدى كبيراً، لأنه حمل رسالة أمل تتجاوز الشعارات إلى رؤية لمستقبل مختلف يقوم على الاعتدال والتعايش، ويمنح السوريين والعالم معاً مبرراً واقعياً للإيمان بمرحلة جديدة.
اليوم لا يختلف اثنان في أنَّ العالم بأسره يتطلع إلى أن يرى سوريا، وقد تحولت إلى دولة مدنية قوية، تسع جميع أبنائها وتستعيد مكانتها الحضارية، دولة تنتصر للحياة على الموت، وللمواطنة على الانقسام، وللاعتدال على خطاب التطرف. إنَّها اللحظة التاريخية التي يمكن أن تضع سوريا في قلب خريطة الاستقرار الإقليمي والدولي من جديد.
سوريا التي دفعت أثماناً باهظة للحرب، يمكن أن تتحول اليوم إلى بوصلة جديدة للمنطقة، تعيدها إلى منطق الدولة بعد أن أنهكها منطق الميليشيات والشعارات، وتفتح الطريق أمام نماذج التنمية والاستقرار التي تقودها دول الخليج وفي مقدمتها السعودية، لتصبح عودة سوريا عودةً للمنطقة كلها إلى أفق جديد من التعايش والازدهار.
الشرق الأوسط
——————————
الهوية المقرمشة/ عبير داغر اسبر
30 سبتمبر 2025
في زيارته الأولى إلى نيويورك، ظهر الرئيس السوري أحمد الشرع وهو يأكل سندويشة فلافل في صورة انتشرت على المواقع الاخبارية ذات المصداقية المنخفضة، سرعان ما تبيّن أنها هُندست بالذكاء الاصطناعي. في الرواية الشعبية التي أحاطت بالمشهد المفبرك، قيل إن البائع معتقل سوري سابق في زمن حافظ الأسد، هرب منذ السبعينيات ونجح في بلاد الوفرة. المشهد مختلقٌ تماماً، لكنه استهوى السوريين. أحبوا المفارقة: أن السجين هو من يمدّ يده الآن بالطعام السوري الذي اكتسب الجنسية “النيويوركية”، وأن الرئيس الجديد، صاحب التاريخ المقلق للأميركيين، يتلقّى لقمة من يد نجت من بطش عائلة أطاحها.
الحقيقة أنه في قلب نيويورك، هناك محل فلافل شهير، صاحبه سوري أيضاً. في العام 1971 افتتح مأمون شاطر محله الصغير في شارع ماكدوغال بحي غرينتش فيليدج، وأسماه “مامونز فلافل”. وصفه بأنه صغير عادل تماماً، إذ لم تتجاوز مساحته بضعة أمتار مربعة. لكنه جذب طلاب جامعة نيويورك والفنانين والموسيقيين، ثم تحوّل إلى محطة لزوار المدينة. خبز، أقراص فلافل مقرمشة، خضرة وطحينة. احتفل المطعم في العام 2021 بمرور خمسين عاماً على افتتاحه، حيث وصفة دمشقية استطاعت أن تعيش نصف قرن في قلب مانهاتن. بين مقهى “ريجّو” الشهير وال”كوميدي سيلار”، وقف السوري المهاجر خادشاً سطحاً ولو بخفة، في قلب مدينةٍ لا تكفّ عن التغيّر.
يعرف الكل حكايتنا مع الفلافل منذ تحوّلت إلى رمز متنازع عليه. يراها العرب طعام الفقراء والأحياء الشعبية، علامة للكرم والامتلاء رغم القلة. لكنها فائضة بالرمز والذاكرة حين تصبح ملاذ المهاجر في غرينتش أو الشام أو بغداد أو القدس، وفائضة بالحنين حين تذكّر بجلسات البيوت والساحات. إسرائيل، “العدوة اللدود والجارة الدبقة”، روّجتها عالمياً باعتبارها جزءاً من “مطبخها الوطني”. وهكذا صار القرص الذهبي المقرمش ساحة نزاع على الهوية والسرد.
ما الذي أحبّه النيويوركيون في الفلافل؟ تزور المدينة فتكتشف أن كل ما في حياة الأميركي يتسم بالفائض: المساحة مترامية، المال حاضر بكثافة، الطعام مفرط، السلطة طاغية. وحين تتأمل الثقافة السائدة ترى خليطاً من الليبرالية، والاهتمام بالطبيعة، والدعوة إلى السلام، والدفاع عن حقوق السود، والاحتفاء بالنحافة المفرطة، والهوس بالنقاء في الهواء والماء، والمثلية التي تقدَّم بوصفها خياراً متعالياً عن العنف ومتصالحاً مع السلم وتختلط بالفيغانيزم بوصفها إحالة تكفيرية للتجويع، وإماتة الجسد. غير أن هذا الخطاب في جوهره يكشف حاجة دفينة إلى مواجهة فائض لا يُحتمل. فالمجتمع الذي عاش الامتلاء المادي حتى التخمة صار يخشى جسده الممتلئ ومحيطه المترف ويبحث عن طقوس للتخفف وكبح الزيادة.
من هنا، يمكن فهم ولادة حركة المينيماليزم (التخفف أو التقليلية) في ستينيات القرن العشرين، لا باعتبارها مجرّد اتجاه فني، بل ردّاً على صخب ما بعد الحرب وعلى الإفراط في الانفعال والانغماس بالحواس. جاءت دعوة المينيماليزم إلى البساطة، إلى التقشّف الجمالي، إلى إعادة الاعتبار للخطوط المجردة والألوان الأحادية: الأبيض والأسود أساساً. سرعان ما خرج هذا التيار من قاعات العرض إلى أنماط العيش اليومية، ليتجسّد في بيوت خالية من الفوضى، وخزائن شبه فارغة، وحياة تختزل كل شيء في الضروري وحده.
هكذا دخل العرب بمخيلتهم إلى قلب الحياة النيويوركية من وجبتهم “الفيغان”. وجبة مثلت في مكوناتها المينيماليستية، قرص حمص مقلي يلفه رغيف خبز مع سلطة وطحينة، ملخصاً لا لمطبخ بأكمله فحسب، بل لأسلوب حياة. قالت الممثلة الإسرائيلية الأميركية، شديدة التعاطف مع السؤال الفلسطيني، ناتالي بورتمان: “الفلافل الحقيقية واحدة من سندويشاتي المفضلة”. حضورها هنا يذكّر بالاختزال الأوضح للنباتيين: لا زخرفة، لا بهرجة، فقط الكثير من الخيال.
العربي الجديد
——————————
———————————–
========================
تحديث 29 أيلول 2025
——————————–
هل خفّفت زيارة الشرع نيويورك التزاماته أم أثقلتها؟/ سميرة المسالمة
29 سبتمبر 2025
يضعنا شبح تقسيم سورية أمام تخيّلات مؤلمة. أتخيل أنني أقف خلف أسلاك شائكة عند حدود مدينتي، درعا، أمام لوحة تشير إلى دولة أخرى هي السويداء قلب جبل حوران، وأحتاج قبل أن أخطو بضعة سنتيمترات لأقابل أصدقاء طالما التقينا لنصرة الثورة السورية، ورفع رايتها، مثل أليس مفرّج وسميح شقير وبسام بلان وغيرهم، إلى “فيزا” عبور، وقد لا يُسمَح (لحورانية مثلي) بالحصول عليها، حالي حال كثيرين يرفضون فكرة التقسيم، ليس من منطلق تأييد السلطة الحالية، أو من باب تبعيتي “السُّنية” لها، حسب الاتهامات التي صارت شائعة ومستسهلة عند بعض المعارضين للسلطة الحالية، من دون أن يسمحوا برأي آخر يقول بضرورة إعطاء الفرصة لها لرتقِ ما مزّقته 14 سنة من الحرب، أو إصلاح ما أفسده تاريخ طويل من حكم الأسدَين، أو حتى ضرورة التقاط الناس أنفاسهم لاستعادة الأمن، والتعافي المعيشي، كي يتمكّنوا من تفحّص خياراتهم.
ربّما أكثر ما حدث خلال الأسبوع الماضي أهمية في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، هو تأكيد الدول الفاعلة دولياً وإقليمياً وعربياً دعمها وحدة سورية ورفضها التقسيم. أيضاً، هذا ليس لاصطفاف سياسي مسبق، بل لأنه اللحظة التاريخية اللازمة لاستعادة الملفّ السوري إلى طاولة الحوار الداخلي، وتحمّل الرئيس أحمد الشرع مسؤولية تحقيق رؤيته التي قدّمها أمام العالم، وترتكز على وحدة سورية، دولة قانون ومؤسّسات ومصالحة وطنية.
من غير المفيد إنكار أن المشاركة حدث معني بصورة سورية الخارجية، وحضورها دولة طبيعية في المجتمع الدولي، لكن في المرحلة التي تعيشها البلاد تحمل أيضاً مضامين أعمق وأكثر واقعية، ورسائل اعتراف، هي إقرار بخطأ الماضي المنسحب حتى على شكل المقاومة التي يتحمّلها الشعب تجاه قضايا كبرى مثل القضية الفلسطينية، والعلاقة مع دول الجوار، وهذا لا يعني التخلّي عن تلك القضايا بإدارة الظهر، بل بالعمل وفق الممكن والمتاح، لأن الالتفات إلى معالجة الوضع الداخلي السوري، وتمتينه، ليكون قادراً على اختيار تموضعه السياسي تجاه الدول وقضاياها، يبدأ من تحويل الخطاب بأولوياته المذكورة إلى سياسة واقعية تنقلنا من الوعود إلى الأفعال، ومن مجرّد شعارات إلى الواقع.
أهمية توضيح الإصرار الدولي على رفض تقسيم سورية، ودعم وحدتها، دلالة على تحوّل مهمّ في المناخ الدولي، يُفترَض أن يشكّل رافعة سياسية للدولة السورية. لكن في الوقت ذاته، فإن هذا التوجّه الخارجي يجب أن يُقابله عمل داخلي حقيقي يكرّس الوحدة الوطنية، من خلال ردم الفجوات، وفتح الأبواب المغلقة بين الدولة والمجتمع. وإعادة تأكيد الرئيس الشرع هذه الأولويات الداخلية، التي أعلنها في نيويورك، في كلمته في احتفالية إدلب يوم الجمعة الماضي، أمام جمهور محلّي واسع، وتشديده على أن الحفاظ على وحدة سورية يتطلّب عدم الاستسلام لدعاة التقسيم أو المُغرَّر بهم بدعم خارجي، بل مواجهتهم بالحوار، وبالإصرار عليه، واتخاذ خطوات عملية لمحاسبة المتورّطين، في إشارة إلى أن العدالة ليست نقيضاً للحوار، وأن السلطة لا تحمي من المساءلة، بل شرطها الأساس الانضباط وتنفيذ القانون لا القفز عنه، وأنه يجب أن يفتح مجال الحوار للاختلاف السياسي وطرح البدائل، وليس للانقسام والتقسيم. أمّا الجرائم بحقّ السوريين، فلا بد أن توضع تحت قوس العدالة.
في حقيقة الأمر، هناك تحوّل في الخطاب السياسي الرسمي، من منطق “من يحرّر يقرّر” إلى منطق الشراكة الوطنية، وعقلية الدولة، ومن الحماية بالقوة المسلّحة إلى الحماية بالقانون، لكن هذه الالتزامات، مهما بدت عقلانية ومتقدّمة في الخطاب، ستظّل معلّقة ما لم تتحوّل سياساتٍ ملموسة. فالوطن لا يُبنى على النيّات، بل على الأفعال التي يُتوقَّع ألا تتأخّر مثل فتح أبواب حوار وطني شامل، وحكومة تمثّل السوريين كلّهم، وإصلاحات دستورية وقانونية تفتح المجال لحياة سياسية حقيقية، واستعاد كاملة لدور الكفاءات السورية في مؤسّسات الدولة التي يجب أن تنهي مبدأ الولاء وتقاسم المناصب على أساس أنها غنائم.
من هنا كان السؤال: هل خفّفت زيارة الشرع التزاماته أم أثقلتها؟ كل ما حدث في الأسبوع الماضي يمكن اعتباره بمثابة مختبر، أو خريطة طريق على أساسه تختبر المصداقية، بالممارسة وبالقدرة على التنفيذ، وبخاصّة أننا أمام حكومة ليس لديها رِهاب من الدول المؤثّرة في العالم التي دعمت السلطة ووعدت بمساندتها وبكفّ يد التدخّلات الخارجية. فالزيارة إلى نيويورك (كما بدت) ليست عبئاً سياسياً، لكنّها بمثابة تعهّد وطني، يضع الدولة والرئيس، والسوريين كلّهم، في مواجهة مباشرة مع استحقاقات الداخل وتحدّياته.
العربي الجديد
————————————–
========================
تحديث 28 أيلول 2025
——————————–
أبرز نتائج زيارة الشرع إلى نيويورك/ عمر كوش
28 أيلول 2025
شكلت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى نيويورك، للمشاركة في الدورة السنوية الثمانين لاجتماعات الجمعية العامة، حدثا تاريخيا استثنائيا، حمل دلالات ورسائل متعددة، ومثلت محطة فارقة بالنسبة إلى السوريين، ومؤشرا على تحول كبير في مسار سوريا ما بعد نظام الأسد البائد.
وتابعها غالبية السوريين باهتمام بالغ بعد مرحلة صعبة وكارثية عاشوها في ظل نظام الاستبداد، فيما عوّل عليها كثيرون لتحقيق نتائج ومكاسب، يمكنها أن تنعكس على وضعهم المعيشي والاقتصادي، وخاصة رفع العقوبات التي تثقل كاهلهم.
أهمية الزيارة
حظيت الزيارة بأهميتها الخاصة، ليس فقط لأن الشرع أول رئيس سوري يخاطب الجمعية العامة منذ يونيو/حزيران عام 1967، بل لاعتبارات عديدة، أهمها:
1. أحدثت قطيعة مع العزلة الدولية لسوريا التي امتدت عقودا عديدة. يشهد على ذلك سلسلة اللقاءات الحافلة، التي جمعت الشرع مع العديد من رؤساء دول العالم، وفي مقدمتهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
إضافة إلى عقده عدة لقاءات جانبية هامة مع فعاليات مختلفة، ومشاركته في قمة كونكورديا العالمية.
2. شكل حضور الشرع إلى نيويورك مناسبة لإيصال صوت السوريين إلى العالم من على منبر الأمم المتحدة، حيث ألقى خطابا قدم فيه صورة سوريا الجديدة، التي تسعى إلى الاستقرار، وإعادة الإعمار، وبناء دولة القانون.
3. تمكن الشرع من توجيه رسائل مباشرة إلى غالبية زعماء العالم ورؤساء حكوماته، بوصفه زعيما سياسيا براغماتيا، ينصب همه على إعادة إعمار بلاده التي أوصلها نظام الأسد إلى وضع كارثي لا يطاق، وبناء علاقات حوار، وتبادل للمصالح مع دول الجوار والعالم، وطمأنة الجميع بأن سوريا الجديدة، لن تكون مصدر تهديد لأي من جيرانها وسواهم.
4. اكتست الزيارة أهمية من حيث التوقيت، كونها تتزامن مع الحراك العربي والدولي المرحب بالتحول السوري، وباتت حكومات العالم تراقب الخطوات التي تتخذها الإدارة الجديدة على المستويين؛ الداخلي والخارجي.
5. حظيت الزيارة بتغطية إعلامية واسعة، أسهمت في تسليط الضوء على الملف السوري، وإبراز الشرع كشخصية سياسية، تحظى باهتمام دولي، الأمر الذي أعطى الحدث بعدا رمزيا، حيث مثل نقطة تحول في مسيرة العلاقات السورية الدولية.
النتائج
تندرج الزيارة ضمن خطط وبرامج الإدارة الجديدة في رسم سياستها الخارجية، وإسماع العالم صوت السوريين، ورؤية بلادهم لمختلف القضايا العربية والدولية.
وجرى التحضير لها منذ مدة من خلال وضع برنامج غني. وبدأت بلقاء الشرع مع وفد من الجالية السورية في الولايات المتحدة؛ بغية التأكيد على دور الجالية في المشاركة في عملية البناء وإعادة الإعمار، وباعتبار أن السوريين في الخارج جزء لا يتجزأ من مشروع نهضة سوريا، الذي يتطلب توظيف خبراتهم وإمكاناتهم، خاصة فيما يتعلق بدعم مشاريع الاستثمار والتنمية، التي تعود بالفائدة على كل السوريين.
من المبكر معرفة نتائج الزيارة، فضلا عن أنه لم يكن متوقعا أن تحسم بشكل فوري كل الملفات المطروحة. ومع ذلك، يمكن تسجيل النقاط التالية:
أولا: سمع الشرع وعودا أميركية بالمضي في طي صفحة العقوبات، حيث شكلت الزيارة فرصة للقائه بمشرعين أميركيين، الأمر الذي يشي بأن هذا الملف سيشهد تطورات في المرحلة المقبلة.
ثانيا: لم تحسم الزيارة مسألة الاتفاق الأمني مع الطرف الإسرائيلي بالرغم من التقدم الحاصل في هذا الخصوص، وكذلك أيضا محاولات الوسيط الأميركي توم براك الدفع بهذا الاتجاه.
يبدو أن الجانب السوري لم يلبّ كل ما طلبته دولة الاحتلال الإسرائيلي، وخاصة فيما يخص طلب إسرائيل فتح ممر بري إلى السويداء، الذي ترفضه سوريا.
بالمقابل، كشف الشرع أن “المرحلة الأولى من الاتفاق الأمني تهدف إلى إعادة إسرائيل إلى حدود هدنة 1974، بعد توغلها داخل الأراضي السورية. وإذا كانت لديها مخاوف أمنية فيمكن بحثها عبر وسطاء إقليميين ودوليين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة”.
وهذا يتطلب من إسرائيل الانسحاب من الأراضي السورية التي تم الاستيلاء عليها منذ سقوط نظام بشار الأسد، ووقف انتهاكاتها وتوغلاتها في الأراضي السورية. ولا شك أن إسرائيل تماطل كعادتها، وتحاول ابتزاز الطرف السوري.
ثالثا: أظهرت تصريحات المسؤولين الأميركيين والأوروبيين، بعد لقاء الرئيس الشرع ووزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، وجود مؤشرات على انفتاح اقتصادي على سوريا، خاصة فيما يتعلق بقضايا الاستثمار ورفع العقوبات بالكامل عن سوريا، بما فيها قانون “قيصر”.
فقد صرح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أنه ناقش مع الرئيس الشرع الأهداف المشتركة في سوريا، لجعلها مستقرة وذات سيادة، إضافة إلى الجهود المتواصلة لتحقيق الأمن والازدهار لجميع السوريين، وكذلك تنفيذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب التاريخي بشأن رفع العقوبات.
رابعا: اعتبر الشيباني أن تعزيز العلاقات، ورفع العقوبات، والتعافي الاقتصادي، كانت من أهم القضايا التي جرى مناقشتها خلال اللقاءات التي عقدها الرئيس الشرع مع المسؤولين الأميركيين والأوروبيين. ولم يخفِ الشيباني تفاؤله برفع كامل العقوبات عن سوريا، بما فيها قانون “قيصر”.
خامسا: أكد كل من رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، بعد لقاء جمعهما مع الشرع، التزام الاتحاد الأوروبي بزيادة حواره السياسي مع سوريا، وتلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة، بالإضافة إلى دعم الانتعاش الاقتصادي والاجتماعي من أجل إعادة إعمار سوريا.
اقتصاديا
عقد الشرع لقاءات اقتصادية هامة في نيويورك، كان أبرزها لقاءَه على طاولة مستديرة نظمتها غرفة التجارة الأميركية، وضمت ممثلي 39 شركة أميركية وعالمية، كان من بينها غوغل، مايكروسوفت، شيفرون، بكتل، بوينغ، ماستركارد، سيتي، فيزا، موتورولا، أبوت، بيبسيكو، شل، توتال إنرجيز، وأوبر.
وشكل اللقاء مناسبة لمناقشة فرص الاستثمار المتاحة في سوريا، والإمكانات الاقتصادية المتوفرة في مجالات التكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية والصحة.
إضافة إلى مشاركة الشرع الفاعلة بقمة كونكورديا، التي تعقد سنويا بالتزامن مع اجتماعات الجمعية العامة، وضمت كبار المستثمرين والخبراء الاقتصاديين، وتناولت سبل إعادة الإعمار، وتعزيز الشراكات بين القطاعين؛ العام والخاص.
وتوجت فعاليات هذه القمة بالجلسة الحوارية الهامة واللافتة، التي أدارها المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية الأميركية الجنرال المتقاعد ديفيد بتريوس، مع الرئيس الشرع.
يمكن القول إن المشاركة في قمة كونكورديا شكلت منعطفا اقتصاديا كبيرا؛ لأنه جرى تقديم سوريا خلالها كوجهة استثمارية أمام الشركات والمستثمرين الأميركيين، وأتاحت للشركات الأميركية، وتلك العاملة في الولايات المتحدة، فرصة الاطلاع على الفرص الاستثمارية المتاحة في سوريا، إلى جانب فتحها قنوات اتصال مع الحكومة السورية.
لقد ركز الشرع، في إجابته عن سؤال الدور الأميركي في سوريا، على أن “هناك مصالح متطابقة، لا أقول متقاطعة، ما بين سوريا والغرب وأميركا في المرحلة الحالية، وأعتقد إذا أردنا أن نتكلم بلغة المصالح، فهناك أشياء كثيرة يمكن البناء عليها ما بين سوريا والولايات المتحدة والغرب بشكل عام”.
وحاول الشرع طمأنة الجميع حول قضية الأقليات وحقوق الإنسان في سوريا الجديدة، مؤكدا أن كل من ارتكب انتهاكات سيقدم للعدالة، ومجددا التزامه بمحاكمة “كل من لُطخت يداه بالدم”.
الحاصل
معروف أن أي ملف سياسي سيكون له تأثيرات مباشرة على الاقتصاد. إذ عندما تتمكن سوريا من حل قضاياها السياسية، على المستويين؛ الداخلي والخارجي، سينعكس ذلك إيجابا على نموها الاقتصادي، ويجعلها أكثر استقرارا وجذبا للمستثمرين.
ولذلك فإن من المهم التركيز أيضا على ترتيب البيت الداخلي السوري، عبر اتخاذ خطوات ملموسة لإشراك جميع السوريين في الإدارة الجديدة، وبما ينعكس على تقوية المجتمع السوري في مواجهة جميع التحديات.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
كاتب وباحث سوري
الجزيرة
——————————-
الشرع من نيويورك إلى إدلب/ فاطمة ياسين
28 سبتمبر 2025
تحت أضواء قمة كونكورديا في نيويورك، وعلى هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، التقى قبل أيام الرئيسُ السوري، أحمد الشرع، ديفيد بترايوس، الجنرال الذي كان يقود وكالة الاستخبارات الأميركية إبان حرب الغزو الأميركي للعراق. صافح بترايوس الرجل الذي بحث عنه طويلاً، وقد رصدت CIA في عام 2017 مكافأةً قدرها عشرة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عنه، وبدأ لقاءه مع الشرع بعبارة “السلام عليكم سيدي الرئيس”. شكلت هذه التحية إعلاناً احتفالياً بتحوّل الشرع من أبو محمد الجولاني، قائداً لجبهة النصرة، إلى رئيسٍ يلبس بدلةً وربطة عنق، ويتحدّث عن استقرار سورية دولةً مدنية.
استمر اللقاء نحو 40 دقيقة، وحضره جمهور دولي، بدا فيه بترايوس رجلاً ودوداً جداً لا يسعى إلى معرفة أجوبةٍ عن أسئلته، بقدر ما هو مهتم بإعلان المفارقات الكبرى التي يمكن أن تجري في هذا العالم. تختلف ميادين الحرب عن ميادين السياسة. حاول الشرع أن يؤكّد ذلك مظهراً صعوبة مهمته الحالية. سأل بترايوس عن ماضي الشرع في تنظيم القاعدة، وقد ردّ الرئيس السوري بثقة، ليشرح تحوّله من رجل حربٍ إلى رئيسٍ أولويته أن يبني بلداً مدمّراً. غصّت المواقع ومنصّات السوشيال ميديا بالتعليقات عن غرابة المشهد، بعضهم رآها علامةً على تغيير كبير في العلاقة المستقبلية بين أميركا وسورية.
الشرع الذي ولد في جدّة عام 1982، لعائلة من الجولان المحتلّ، ونشأ في أحد أحياء العاصمة دمشق، كان طالباً هادئاً، إلى أن اختفى في بداية العشرينيّات من عمره، وانضم إلى المقاتلين في بغداد ضدّ القوات الأميركية الغازية. اعتُقل، وخرج بعد ست سنوات عائداً إلى سورية التي كانت قد اندلعت فيها ثورة ضدّ الأسد. بنى تنظيماً جهادياً نفّذ مئات العمليات والهجمات العسكرية، ثمّ تحوّل إلى إسلامي واقعي يتواصل مع جهات دولية ويبني تحالفات معها. وظهر ذلك جلياً من خلال هيئة تحرير الشام التي أسّسها وتزعّمها في إدلب، وصرّح من هناك مراراً أن هدفه هو الوصول إلى دمشق وتحريرها من آل الأسد، في وقت كان الجميع ينتظر فيه توافقاً دولياً على حلّ سياسي ينهي مأساة السوريين.
رغم اتهاماتٍ بالتطرّف التي ما زالت تلاحق القوات الحكومية التي أسّسها الشرع، بعد أن أمسك بالسلطة في دمشق، وتورّط بعض عناصرها في حدثين وقعا في الساحل والسويداء، دعا الشرع واشنطن إلى رفع العقوبات التي فُرضت على سورية بسبب جرائم الأسد. وكان الرئيس ترامب، قد التقاه في الرياض (مايو/ أيار الماضي) وأعلن رفع عقوبات أوّلياً، لكن شبح عودة عقوبات قيصر المعلّقة حتى نهاية السنة يؤثّر في تدفّق المستثمرين وبناء الثقة، بالإضافة إلى أن التدخّلات الإسرائيلية في الجنوب، وفي سورية عموماً، تهدّد بإثارة فوضى قال الشرع إنها تضرّ بمصالح العالم.
أنهى الشرع لقاءاته الكثيفة في نيويورك وقد دوّن في أجندته مواعيد لقاءات أخرى عديدة، سيعقدها مع قادة الدول، وعاد إلى دمشق، ومنها مباشرة إلى مدينة إدلب، أرض المقاتلين ونقطة انطلاق معركة التحرير. وهناك، عبر كلمة قصيرة لخّص ما جرى معه في الأمم المتحدة، وأكّد وحدة سورية التي تدعمها دول العالم، وبدا كأنّه يفتح صفحةً جديدةً مليئة بالنظرة الإيجابية للعلاقات مع الدول، ويطوي صفحة شديدة الارتباك معهم، لا بسبب سيرته الشخصية فقط، بل بسبب تاريخ سورية الحديث كلّه، الذي يعجّ بالمواقف المرتابة والمعادية للدول الغربية وفي رأسها الولايات المتحدة.
لم يأتِ الشرع في لقاء إدلب على ذكر الاتفاق المرتقب مع إسرائيل، مع كثرة المعلومات والتسريبات المتضاربة عن بنوده وإمكانية توقيعه، بل أكّد بناء دولة القانون التي تحمي الجميع وتصون الحقوق وتضمن الحريات، وربّما تكون هذه العناوين من أفضل ما يميّز المرحلة الجديدة في سورية المنفتحة على العالم والمتعاونة مع دوله.
العربي الجديد
———————————-
سوريا في نيويورك/ عالية منصور
آخر تحديث 27 سبتمبر 2025
قد يكون حدثا عاديا لو لم يكن سورياً، رئيس البلاد على منبر الأمم المتحدة مخاطبا العالم وقادته حدث متاح كل عام في الاجتماع السنوي للجمعية العمومية للأمم المتحدة، لكن أن يخطب الرئيس السوري من على هذا المنبر فهو حدث تاريخي، وإن كان وصف “تاريخي” يستفز البعض.
الرئيس السوري لأول مرة منذ عام 1967 يخاطب العالم من نيويورك، يومها وقف الرئيس الراحل نور الدين الأتاسي على المنبر وخاطب العالم بعد هزيمة 67، اليوم وبعد 58 عاما وقف الرئيس أحمد الشرع وسوريا منتصرة، منتصرة لا على عدو خارجي بل على من اختطفها واختطف إرادة شعبها لعقود، منتصرة ولكنها منهكة.
أعلن الشرع عودة سوريا إلى المجتمع الدولي، بعدما سبق وأعلن عودتها لمحيطها العربي والأهم عودتها للسوريين، عقد عدة لقاءات مع قادة العالم ومسؤولين رفيعي المستوى، ومع الجالية السورية ومراكز أبحاث وإعلام، وفي كل مرة كان يظهر فيها أكثر وأكثر على أنه رجل واقعي، يعرف ماذا ينتظر العالم منه، وماذا ينتظر هو وسوريا من العالم.
في جلسة حوارية في معهد الشرق الأوسط في نيويورك، قال الشرع إنه “منذ أن تحررت دمشق عاد مليون شخص إلى سوريا وانخفض تصدير الكبتاغون بنسبة 90 في المئة”، مؤكدا أنه “ليس من مصلحة أحد أن تعود سوريا إلى المشهد السابق”، وأن “سوريا تريد أن تكون على مسافة واحدة من الجميع”. هذه ليست أمورا تفصيلية، هذه كانت أبرز مطالب المجتمع الدولي من بشار الأسد لإعادة التطبيع معه، والسماح بعودة السوريين الذين هجّرهم، ووقف تصنيع وتصدير الكبتاغون، وأن تتوقف سوريا عن دعم الميليشيات والتدخل في شؤون دول الجوار.
كلامه عن إسرائيل والاتفاق المنتظر التوصل إليه لم يخلُ أيضا من الواقعية، رغم التوغلات والاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على سوريا منذ الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 لحظة سقوط الأسد وهروبه، يدرك الشرع أن سوريا بحاجة إلى العودة لاتفاق فك الاشتباك لعام 1974، كما يدرك أهمية أن يحظى بالدعم الأميركي للوصول إلى اتفاق مع إسرائيل كما لرفع عقوبات قيصر، فالاستقرار ورفع العقوبات شرطان لازمان لاستقرار سوريا ولبدء مشروع التنمية والنهوض الذي يكرر الحديث عنه الشرع في كل مناسبة كأولوية بالنسبة له.
ولكن ما لا يجب تجاهله أن استقرار سوريا ليس مصلحة سورية فحسب بل هو مصلحة عربية وإقليمية ودولية، كما كان للحرب على السوريين انعكاس وتأثير سلبي على دول الجوار وأبعد، كذلك سيكون للاستقرار والتنمية انعكاس إيجابي على من يلتقط اللحظة بدل الالتهاء بالمكائد السياسية والحسابات الفردية.
النتائج الأولية لزيارة الشرع إلى نيويورك لا يمكن وصفها إلا بالإيجابية، ولكن النتائج الأهم ستظهر تباعا، من ملف العقوبات والتصويت المرتقب على رفع عقوبات “قيصر”، إلى الاتفاق الأمني مع إسرائيل، مرورا باتفاق العاشر من مارس/آذار الذي وقعه الشرع مع مظلوم عبدي القائد العام لـ”قوات سوريا الديمقراطية”، والذي يبدو كذلك أن لقاء الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والتركي رجب طيب أردوغان قد توصل إلى اتفاق أو تفاهم بنفس الخصوص.
—————————
زيارة الشرع إلى نيويورك.. دور كبير للجالية السورية في الولايات المتحدة/ أحمد العكلة
27 سبتمبر 2025
في 24 أيلول/سبتمبر الجاري، خطا الرئيس السوري أحمد الشرع خطوة تاريخية بالمشاركة في الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك، في أول زيارة لرئيس سوري إلى الولايات المتحدة منذ 58 عامًا.
هذه الزيارة، التي جاءت بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، حملت آمالاً كبيرة بإعادة سوريا إلى الساحة الدولية بعد عقود من العزلة والعقوبات. فهل مثلت هذه الزيارة نقطة تحول حقيقية لسوريا سياسيًا واقتصاديًا؟ وما دور الجالية السورية الأميركية في دعم هذا التحول؟
عودة سوريا إلى المحافل الدولية
تعد مشاركة الشرع في الجمعية العامة حدثًا سياسيًا غير مسبوق، إذ يعكس عودة سوريا، الدولة المؤسسة للأمم المتحدة، إلى موقعها الدولي بعد غياب طويل. في خطابه أمام الجمعية العامة، ركز الشرع على رؤيته لـ”سوريا الجديدة”، مشددًا على الاستقرار الأمني، حصر السلاح بيد الدولة، ومكافحة الإرهاب والمخدرات مثل الكبتاغون. كما طرح ملفات حيوية تشمل الأمن مع إسرائيل، المشاركة في مسار السلام الإقليمي، وإعادة دمج سوريا في المنظمات الاقتصادية والسياسية الدولية. هذا الحضور يعكس تحولًا في السياسة الدولية تجاه دمشق، خاصة بعد لقاءات سابقة مع قادة عالميين، بما في ذلك الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الرياض في مايو 2025، حيث أعلن ترامب رفع معظم العقوبات الأميركية عن سوريا.
فاروق بلال، رئيس المجلس السوري الأميركي، يرى أن هذه التطورات تفتح نافذة جديدة لسوريا على المستويين السياسي والاقتصادي. ويؤكد أن الزيارة أعادت سوريا إلى مكانتها الطبيعية، خاصة مع قرار وزارة الخزانة الأميركية برفع الحظر عن تصدير التكنولوجيا إلى سوريا، مما يمهد لعودة الانخراط الأميركي في القطاعات الحيوية مثل التكنولوجيا، التي يعتبرها مدخلًا رئيسيًا للتعاون الاقتصادي.
الدكتورة عزة عبد الحق، عضو التحالف السوري الأميركي، تصف في حديث لموقع الترا سوريا الزيارة بأنها محطة بالغة الأهمية، تعكس اعترافًا دوليًا بشرعية الحكومة السورية الجديدة. وترى أنها تمهد لمرحلة جديدة قد تؤدي إلى رفع العقوبات، إعادة الإعمار، وتعزيز الجهود في مكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى تحييد السلاح وتقليص التهديدات الأمنية التي عانت منها سوريا طوال سنوات الحرب.
العقوبات الأميركية من العزلة إلى الانفتاح
عانت سوريا من عقوبات أمريكية مشددة منذ قانون “محاسبة سوريا” عام 2004، ثم قانون “قيصر” عام 2019، اللذين شلا الاقتصاد السوري من خلال منع الاستثمارات وقطع العلاقات التجارية. لكن اتفاقًا جديدًا في الكونغرس، تم التوصل إليه مؤخرًا، يقضي بوقف العمل بقانون “قيصر” بنهاية 2025، مع شروط واضحة: انضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد “داعش”، حماية الأقليات ومشاركتهم في الحكم، وقف دعم الإرهاب، عدم الاعتداء على إسرائيل، والتحقيق في جرائم الحرب السابقة. هذه الشروط ستخضع لمراقبة لمدة أربع سنوات، وفي حال الالتزام بها، يمكن رفع العقوبات بالكامل.
بلال يرى خلال حديثه لموقع “الترا سوريا” أن هذا الاتفاق يمثل فرصة ذهبية لسوريا، مدعومة بضغوط إقليمية من دول مثل تركيا والسعودية وقطر، التي تسعى إلى تحقيق مصالحها في ملفات الأمن، مكافحة الإرهاب، وإعادة اللاجئين. ترامب، الذي عاد إلى السلطة في 2025، يركز على استقرار الشرق الأوسط لتعزيز شعبيته، مما يعزز فرص سوريا في استغلال هذا التحول السياسي. والشرع، في مقابلاته الأخيرة، دعا إلى رفع العقوبات، مؤكدًا أن سوريا انتقلت من “ساحات الحرب إلى ساحات الحوار”، في محاولة لتقديم نفسه كقائد انتقالي يركز على الإعمار والاستقرار.
العلاقة مع إسرائيل
تشكل العلاقة مع إسرائيل تحديًا معقدًا. يرى بلال أن أي اتفاق سيكون متعدد المراحل، بدءًا من وقف الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية، ثم التفاهم على خطوط منع الاشتباك، وصولًا إلى اتفاقيات أوسع. لكنه يشدد على أن الحديث عن سلام شامل سابق لأوانه، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ سورية والتوترات في غزة.
خلال الزيارة، ناقش الشرع مع مسؤولين أميركيين أهمية العلاقات السورية-الإسرائيلية في تعزيز الأمن الإقليمي، مع احتمال التوصل إلى اتفاق أمني يشمل انسحاب إسرائيل من مناطق احتلتها مؤخرًا.
دور الجالية السورية جسر نحو الإعمار
تضطلع الجالية السورية الأميركية، التي يبلغ عددها حوالي 200 ألف نسمة، بدور محوري في دعم هذا التحول. خلال الزيارة، التقى الشرع بمئات من أبناء الجالية في حفل استقبال نظمه التحالف السوري الأميركي، حيث دعا إلى توحيد الجهود من أجل إعادة بناء سوريا. وأكد أن الجالية تمثل رأس مال بشري كبير، قادر على جذب الاستثمارات ونقل الخبرات الديمقراطية.
عبد الحق تصف الجالية بأنها حلقة وصل حيوية بين سوريا والمجتمع الأميركي، خاصة في ظل تغير السياسات مع كل إدارة جديدة. تعمل الجالية على بناء جسور سياسية من خلال تنظيم زيارات لأعضاء الكونغرس إلى دمشق، وتشجيع الحوار مع الأطراف المختلفة، إلى جانب دورها الاقتصادي في جذب الاستثمارات وفتح قنوات ثقافية وإنسانية.
وعلى صعيد آخر، ساهمت الجالية في عقد عشرات الاجتماعات مع مشرعين أميركيين، مما ساهم في التوصل إلى إجماع حول إعادة النظر في العقوبات. كما شاركت في فعاليات مثل قمة كونكورديا، حيث ناقش رجال أعمال سوريون أميركيون دعم الاقتصاد السوري. الشرع أكد في لقاءاته: “أنتم جزء أساسي من سوريا الجديدة”، مشددًا على أن الوحدة هي مفتاح النهوض. وتواصل الجالية جهودها في الإعلام والأمم المتحدة، مقدمة الدعم المعنوي والمادي، وتعزيز العلاقات السورية-الأميركية حتى مع الأطراف المتحفظة.
الباحث السياسي خزيمة العبدو يقول في حديث لموقع الترا سوريا: “زيارة الرئيس الشرع إلى نيويورك تمثل نقطة انطلاق لسوريا نحو استعادة دورها الإقليمي والدولي. هذه الزيارة، بدعم الجالية السورية الأميركية، قادرة على تحويل الفرص السياسية إلى إنجازات ملموسة في الإعمار والاستقرار، شريطة التزام الحكومة بالإصلاحات الديمقراطية والشروط الأمنية، مما يعزز مكانة سوريا كشريك موثوق في الشرق الأوسط.”
رغم الفرص، تواجه الزيارة تحديات كبيرة. تيارات أميركية ما زالت تعارض رفع العقوبات وتدفع نحو تقسيم سوريا، فيما تبقى التوترات الإقليمية، مثل الوضع في غزة والنفوذ الروسي المتبقي، عقبات حساسة. عبد الحق تؤكد أن الشعب السوري أنهكته الحروب، مما يجعل الأمن أولوية قصوى. وتشير إلى ضرورة العمل تحت إشراف دولي لضمان الالتزام بالاتفاقيات، مع الاستفادة من الخبرات العالمية لتخفيف الحساسيات السياسية وتهيئة الأجواء لاتفاقات عادلة. خلال الزيارة، التقى الشرع بقادة مثل رئيسة وزراء إيطاليا والملك الأردني، مما يعكس دعمًا دوليًا متزايدًا.
يمكن لسوريا أن تتحول من دولة معزولة إلى شريك إقليمي، مدعومة بجاليتها التي تعمل كجسر للإعمار والحوار. لكن النجاح يتطلب التزامًا بالإصلاحات والشفافية، في عالم لا يزال يعاني من التقلبات. الزيارة بداية واعدة، لكن الطريق طويل نحو سوريا مستقرة ومزدهرة.
الترا سوريا
————————————-
الطفلة والمقص في نيويورك.. رسالة تتجاوز المشهد/ محمد إيهاب الشبيب
2025.09.28
لم تكن اللقطات التي خرجت من نيويورك مجرد مشهد عابر على هامش أسبوع دبلوماسي مزدحم، طفلة سورية ورجال يلوّحون بحركة “المقص” في وجه سوريين دروز تجمّعوا أمام مبنى الأمم المتحدة للتعبير عن معارضتهم للرئيس الشرع، قد يراها البعض “مزحة ثقيلة” أو مناوشة بين طرفين، لكنها في حقيقتها علامة إنذار مبكر، فعندما تدخل الإشارات الإقصائية لغة الشارع وتنتقل من أيدي الكبار إلى أيدي الصغار، نكون قد انتقلنا من خلاف سياسي مشروع إلى تحريض هويّاتي خطير، والمشكلة تصبح أعمق حين يشارك الأطفال في هذه المشاهد، لأننا بذلك نعلّمهم أن السخرية والتهديد والإلغاء وسيلة للتعبير.
المقص… رمز الإلغاء لا النقاش
إشارة “المقص” ليست مجرد حركة يد عابرة، في الوعي العام معناها “القطع” أو “الإلغاء”، أي أنها تحوّل الخلاف من نقاش حول موقف أو سياسة إلى استهداف للشخص أو الجماعة، وبذلك تقترب من خطاب الكراهية الذي يزرع الحقد ويُضعف المجتمع.
ويزداد المشهد خطورة عند ربطه بالدروز، فالشارب لدى شريحة واسعة منهم يحمل رمزية خاصة تتصل بالكرامة والمكانة الاجتماعية، لهذا كان حلق الشارب قسراً في بعض الحوادث السابقة فعلاً جارحاً ومهيناً، وعندما تُرفع أمامهم إشارات تحمل معنى “الاستئصال” مثل المقص، فإنها تُستقبل على أرضية حساسة ومؤلمة، هذا مثال واضح يفسر لماذا تبدو الإيماءات أحياناً أخطر من الكلمات لأنها تضرب الكرامة مباشرة وتفتح الباب أمام عداء طويل الأمد.
قد يقول البعض هذه حرية تعبير، صحيح أن الحرية حق للجميع، لكن الفرق كبير بين نقد سياسي واضح، وبين تحريض يقوم على الهوية، فالنقد يواجه القرار والسياسات بالوقائع والحجج، أما التحريض فيستهدف الأصل والانتماء ويعمم الاتهام على جماعة أو طائفة كاملة، وهنا تقع إشارة “المقص” في الجانب الخطأ، لأنها لا تعترض على فكرة أو موقف، بل تعلن أن المشكلة هي في “وجودك”.
من الإشارة إلى العنف
ولذلك لا يجوز أن نمرّ على هذه اللقطات مرور الكرام، فالعنف يبدأ غالباً بإشارة أو كلمة أو صورة قبل أن يتحول إلى اعتداء على الأرض، وحين تتكرر الإهانات الرمزية، تصبح “عادية”، وربما ما هو أخطر.
نصّ الاتفاق الذي أبرمته الحكومة السورية مع واشنطن وعمّان على العمل لمكافحة خطاب الكراهية، وما شهدناه في نيويورك من إيماءات مثل حركة “المقص” يؤكد أن هذه المهمة لم تعد بنداً نظرياً، بل ضرورة عاجلة، فإذا كان خطاب الكراهية قد خرج إلى العلن بهذا الشكل وشارك فيه حتى الأطفال، فإن الإسراع بتجريمه ووضع قواعد سلوك واضحة وملزمة أصبح أمراً لا يحتمل التأجيل، هذه القواعد يجب أن تشمل السوريين في الداخل والخارج معاً، لا تحريض على أساس الهوية، ولا إشارات تحمل معنى التهديد أو الإلغاء، هكذا فقط يمكن أن يظل الخلاف سياسياً مشروعاً، لا مدخلاً إلى تمزيق المجتمع وإعادة إنتاج العنف.
نحو عقد اجتماعي جديد
على الجميع أن يعتذروا عند الخطأ، فالاختلاف حق، لكن الإهانة جريمة أخلاقية، مشكلتنا نحن السوريين ليست في اختلافنا، بل في أسلوب الاختلاف، لدينا قضايا كبرى تحتاج إلى نقاش هادئ ومسؤول، العدالة الانتقالية، الحقوق، شكل الحكم، الموارد، الأمن، وعودة اللاجئين، وهذه الملفات لا يمكن أن تُحلّ بإشارات الإلغاء، بل بمحاسبة تحت سقف القضاء العادل بحجج واضحة وخطط قابلة للتنفيذ، فإذا أردنا عقداً اجتماعياً جديداً يقوم على المساواة والكرامة، فعلينا أن نغيّر لغتنا أولاً، من “المقص” إلى الحوار المسؤول.
لنعد إلى صورة نيويورك، كان يمكن أن تمرّ وتنتهي، لكنها كشفت ما يجب إصلاحه الآن، كيف نتحدث، كيف نختلف، وكيف نحمي كرامة بعضنا، إذا بدأنا من رفض الإشارات الجارحة، واحترام الرموز الحساسة، ومنع الزج بالأطفال في صراعات الكبار، فسوف نكون قد قطعنا أول خطوة صحيحة، خطوة صغيرة في الشكل، لكنها كبيرة في المعنى، عندها فقط تصبح ساحة النقاش أوسع للجميع، وتتحوّل يد الطفل من مقصّ يجرح إلى كفّ تلوّح بالحوار.
————————–
========================
تحديث 27 أيلول 2025
——————————–
فرصة سورية أخرى/ بشير البكر
27 سبتمبر 2025
خطاب الرئيس السوري، أحمد الشرع، في الأمم المتحدة لحظة تاريخية مفصلية تأخّرت طويلاً، وجاءت كي تمهد الطريق لعودة سورية، البلد المنكوب، إلى العالم، وتخرجه من موقع الدولة المنبوذة ذات السجلّ السيئ مصنّفةً في لوائح الإرهاب. وأكثر ما لفت الانتباه الحالة العاطفية التي عاشها السوريون وهم يرون رئيس دولتهم يُستقبَل من رؤساء الدول ومسؤوليها، وعلم بلادهم يرفرف في الأمم المتحدة، وفوق سفارتهم في واشنطن، وفي ذلك ما يتجاوز المضامين والرسائل الرمزية إلى استرجاع سورية موقعها بعد تضحيات كبيرة قدّمها أهلها من أجل الحرية والكرامة. وبالتالي، ليس حضور رئيسها إلى جانب زعماء الأمم بعد غياب طويل هديةً من أحد، بل حصيلة أعوام من الكفاح والتفاني في حماية الذات، والدفاع عن صورة الشعب المعروف باحترام العمل والابتكار والتمسّك بالقيم الإنسانية.
هي فرصة حانت في توقيت صعب وحسّاس، بات فيه البلد مدمّراً وممزّقاً، وقرابة نصف شعبه يعيش بعيداً من أرضه، مشرّداً في المخيّمات أو في الخارج. ولذلك هي ذات حدّين، فمن جهة، باتت الأبواب مفتوحةً أمام سورية كي تستعيد عافيتها بإرادة دولية، ومن جهة أخرى، هي مسؤولية كبيرة على عاتق السوريين كافّة، حكّاماً ومحكومين، وعليهم أن يدركوا أنها ليست فرصةً مفتوحةً بلا حدود أو قيود، ولذا عليهم أن يلتقطوها، ويعملوا على استثمارها وتطويرها، ليحولوها برنامجَ عملٍ يبرهنون من خلاله أنهم قادرون على مواجهة التحدّيات التي تقف في طريق انتشال بلدهم من الحال المزرية، وتقديم نموذج جديد للبناء والحكم يتوقّف عليه نجاح سورية في التقدّم إلى الأمام أو المراوحة في المكان، وربّما الفشل، ويتمثّل ذلك في مدى قدرة الدولة على توظيف الخبرات والكفاءات السورية في عملية البناء.
يجب ألا تغطّي النجاحات، والرصيد الذي حققته القيادة الجديدة خارجياً، قضايا سورية الداخلية، التي يجمع بينها أنها معقّدة ومتشابكة، وتحتاج إلى حلول عاجلة ودائمة، وأولها تعزيز السلم الأهلي، وهو مسألة تتطلّب عملاً دؤوباً، وسياسات جادّة من أعلى مستويات الدولة، ولتكن البداية من حيث وصل الانقسام الداخلي بعد أحداث محافظة السويداء، التي تفجّرت في 13 يوليو/ تموز الماضي. لقد اعترف الرئيس الشرع بأنها فخّ مدبّر، وهو يعني بذلك الدور الذي لعبته إسرائيل في إيهام الدولة بأنها ستقف على الحياد، ما ترك للأجهزة الرسمية والعشائر أن ترتكب تجاوزاتٍ تحتاج معالجة عاجلة لإغلاق الباب أمام الرياح الإسرائيلية التي تهبّ من منطقة الجنوب، وتهدّد بأن تعصف بسورية. وهذا يفرض على الدولة أن تتخذ إجراءات صارمة، تترجم توصيات لجنة التحقيق عندما تنجز عملها، بمحاسبة المسؤولين المتورّطين.
ومهما يكن، لن يتحقّق للبلد الاستقرار وأجزاء منه خارج سلطة الدولة. والمقصود هنا منطقة الجزيرة التي تضمّ ثلاث محافظات (الرقة ودير الزور والحسكة)، وتشكّل ثلث مساحة سورية، وفيها قرابة 40% من ثرواتها. ومع عودة سورية إلى العالم يجب أن تتغيّر المقاربة الخاصّة بإنهاء الوضع الشاذ في هذه المنطقة، الذي يتمثّل في خطف “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد) قرار أهل المنطقة من عربٍ وكرد، ونهب ثرواتهم، وتركهم في وضع بائس، حتى باتت المنطقة تفتقر إلى الماء الصالح للشراب.
وفي هذا كلّه، تحتلّ المفاوضات الجارية مع إسرائيل مكانةً محوريةً، وهي قبل كل شيء لا مفرّ منها، لجهة تأمين البلد من الاعتداءات والتوغّلات الإسرائيلية المتواصلة التي تستبيح السيادة السورية في كل يوم، ولكنّها، في الوقت نفسه، إن لم تتم وفق منطق الحقوق المحمي بالقانون الدولي سوف تكون وبالاً على سورية والمنطقة، فإسرائيل قائمة على الاحتلال والتوسّع والاستيطان والتهجير، وهذا ما تمارسه في فلسطين ولبنان وسورية، وخيراً فعل الشرع عندما وضع هذه النقاط على الحروف.
العربي الجديد
—————————-
الشرع في نيويورك: ماذا بعد “التاريخي”؟/ عمر قدور
السبت 2025/09/27
أكثر كلمة تداولها السوريون لمناسبة وجود الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في نيويورك، لحضور جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة، هي “التاريخي”. بموجب ما تداوله سوريون كثر، وبعض وسائل الإعلام، الحدث تاريخي والزيارة تاريخية والكلمة أمام الجمعية العامة تاريخية… إلخ. الشرع نفسه بدأ كلمته بالقول: “لقد جئتكم من دمشق عاصمة التاريخ ومهد الحضارات.. تلك البلاد الجميلة التي علّمت الدنيا معنى الحضارة”.
من المفهوم أن يركز الإعلام على ما هو أكثر جاذبية، بالإضافة إلى الميل التقليدي للمبالغة، كي يستجرّ عدداً أكبر من المتابعين. وحال السوشيال ميديا لا يختلف، بل إن المبالغة المترافقة مع اصطناع “التريند” هي في صلب ما يستخدمه المؤثّرون. هكذا تبدو سيرة الشرع أكثر جاذبية من التحدث في أمور ذات طابع يخص موقعه العمومي، فسيرة الجهادي الموضوع على لوائح مكافحة الإرهاب وهو يزور نيويورك “ظافراً” سيرةٌ مرغوب فيها من الإعلام، وتستقطب رغم تكرارها رقم مشاهدات كبير جداً. وصورة مجتزأة من لقاء له مع رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني كانت كفيلة بتداول فرضية المرأة الغربية، التي تذوب نظراتها إعجاباً بالبطل، في استكمال ميلودرامي للسيرة، التي لا شكّ في أن فيها ما هو غير مألوف، ويمكن تداوله والنقاش فيه على نحو لا يغوص في الأساطير.
توقف كثر عند كون الشرع أول رئيس يزور مقر الجمعية العامة بعد الرئيس نور الدين الأتاسي، الذي خطب من على منبرها بعد حرب 1967، وأوحى التركيز على هذه النقطة بأن حافظ الأسد ووريثه كانا ممنوعين من الوصول إلى المنبر نفسه. لكن، كما هو معلوم، اختار حافظ الأسد درب الانعزال، إلى جانب علاقات وثيقة مع المعسكر الشرقي. وفي زمن صعوده، كانت النظرة السائدة عموماً معادية للولايات المتحدة. أما إذا أخذنا الوريث؛ فقد كان من المحتمل جداً أن يحظى بحفاوة في نيويورك، لو ذهب في بداية عهده، حين كان يحظى باحتضان دولي واسع، رغبةً من المجتمع الدولي بتجاوز حقبة الأب. على هذا الصعيد، عودة سوريا إلى ما هو طبيعي ليست إنجازاً في حدّ ذاتها، وهناك عشرات الدول الصغيرة الضعيفة المشاركة في نيويورك؛ المحك يكون في القدرة الحقيقية والمستدامة على الانتماء إلى العالم والعصر.
واحد من أهم الاختبارات فيما يخص الانتماء إلى العصر يكون بالنزول من ذلك الإنشاء المتعلّق بالتاريخ، فالتاريخ ذهب وانتهى، ولمعظم شعوب العالم مساهمات فيه، وفيما وصلت إليه البشرية. لم ينتبه السوريون، في حديثهم عن “التاريخي”، إلى أنهم يطربون لنغمة مألوفة جداً ومتكررة. فنظام البعث وفكرُه عزفا طوال الوقت على ما هو “تاريخي”، وعزفا في الوقت نفسه عن ما هو واقعي. هي متلازمة معروفة جداً، وكانت تتفاقم مع كلّ تردٍّ في الأحوال؛ متلازمة المهزومين الذين يعيشون أوهاماً كبرى. الاختبار هنا هو في أن يتخلص السوريون من بعثيتهم وأسديتهم، وأن ينزلوا إلى الواقع بمفرداته المتناسبة معه حقاً.
تستطيع أجيال مخضرمة بين حكم الأب والابن تذكُّر الكثير مما هو تاريخي، فالخطابات التي لا تقول شيئاً واضحاً ومحدَّداً عن الواقع كانت تسوَّق بوصفها خطابات تاريخية، والزمن كان مليئاً بالمنعطفات التاريخية. لقد كانت الفجوة (التي تتسع ولا تضيق) بين الأقوال والأفعال هي الترجمة الواقعية لتغوُّل الإنشاء المنصرف إلى التاريخ، وهكذا لم تعد وظيفة الخطاب إيصال معلومة أو فكرة حقيقيتين؛ صارت وظيفة الكلام أن يكون كلاماً منمّقاً يستجرّ التصفيق، وربما الآهات الشبيهة بتلك التي تصدر عن منتشين بنغمة ألِفوها.
فجوة أسدية أخرى يجب ردمها، هي الفجوة بين الداخل والخارج. إذ لطالما تباهى أسديون بالمكانة الإقليمية التي حققها الأسد الأب لسوريا، وهي في الواقع مكانة لسلطته لا للبلد. ولطالما كانت هذه الإنجازات الخارجية المزعومة مهرباً من الأسئلة عن الإنجازات في الداخل وهي الأهم. من الضروري أيضاً على هذا الصعيد تذكُّر ذلك النفخ في إنجازات داخلية هي في الواقع مما تفعله الحكومات في أصقاع العالم بصمت، والسوريون أنفسهم كانوا يتندّرون مثلاً على اعتبار وصول الكهرباء إلى منطقة ما، أو تخفيض ساعات التقنين، إنجازاً تاريخياً.
جزء أساسي من إسدال الستار على تلك الحقبة أن يتحدث السوريون بلغة العصر، فيكون لكلامهم مدلول مشابه للمدلول المتعارَف عليه عالمياً. الحديث مثلاً عن حوار وطني جامع له مدلول عالمي، فيما يخص البلدان الخارجة من صراعات داخلية، إذ يُفهم على أنه مؤتمر وطني جامع، يشارك فيه ممثّلون حقيقيون للمجتمعات، فلا يختار أي طرف ما يروق له من ممثلين لأطراف أخرى. والحوارات الوطنية في هذه الحالة تستغرق وقتاً لبناء تفاهمات وطنية جامعة، تسير بموجبها المرحلة الانتقالية.
كذلك هو حال الحديث عن حكومة كفاءات، إذ يُفهم على نطاق واسع أنها حكومة تكنوقراط لا حكومة سياسية. بينما تهيمن شخصيات آتية من هيئة تحرير الشام على الوزارات الأساسية في الحكومة الحالية، والأهم ربما أن نواب الوزراء غير المحسوبين على الهيئة هم بمعظمهم من الهيئة، ولم يُعيَّنوا بقرارات من الوزراء. ولا يختلف الأمر في الحديث عن انتخابات لمجلس الشعب، فعندما يسمع الواحد منا عن انتخابات (خارج بلدان المنطقة) يتجه الفهم إلى كونها انتخابات ديموقراطية، يذهب فيها الناخبون إلى صناديق الاقتراع، بينما الآلية المتبعة لاختيار مجلس الشعب لا تقوم على ذلك، لا في الحصة الممنوحة أصلاً للرئيس الانتقالي، ولا في سواها.
تكرارُ العقلية التي سادت في العقود السابقة، والتمايز عنها شكلياً ومناسباتياً، لا يعَدِان بالمضي بعيداً عنها. ومن ذلك الاعتراف بحدوث مجازر، ومن ثم تشكيل لجان تحقيق فيها، والترحيب بتحقيقات أممية، من دون أثر واقعي ملموس لكل ذلك، تحديداً لجهة القبض على المرتكبين المشمولين بلجنة التحقيق الخاصة بالساحل، والتي أنجزت عملها وقدّمت تقريرها منذ مدة.
عبء الاستمرار في العقلية ذاتها لا يقتصر على مجال بعينه، فالدمار السوري الفظيع هو ابنٌ لها بكامل أركانه. أي أنه لم ينعكس فقط على المجال السياسي، بل طاول كافة المجالات، وفي مقدمها المجال المعيشي، وسيكون من الوهم الظنُّ بأن تكرار القديم ممكنٌ مع التملّص من عواقبه الباهظة. السوريون، الذين ملأوا الإعلام والسوشيال ميديا كلاماً عن التاريخي، يلزمهم الكثيرُ من التواضع للنزول إلى مستوى الكارثة التي وصلت إليها سوريا، ومن هنا يبدأ الانخراط الحقيقي في صناعة تاريخ جديد للبلد. عموماً، كان صنّاع التاريخ أكثر تواضعاً من أن ينسبوا الفضل والمجد لأنفسهم، وتركوا للمستقبل أن يقول كلمته.
المدن
————————
الشرع في نيويورك.. نتائج وانعكاسات الزيارة “التاريخية”/ سلطان الإبراهيم
الشرع التقى على هامش الدورية الثمانين للجمعية العامة رؤساء ورؤساء حكومات عدد من الدول وأجرى حواراً مع معهد الشرق الأوسط.
2025-09-27
زار خلال الأسبوع الماضي، الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، الولايات المتحدة الأميركية على رأس وفد حكومي ضم أيضاً وزير الخارجية أسعد الشيباني، وشارك في أعمال الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة وألقى كلمة أمام عشرات الشخصيات بين رئيس ورئيس وزراء ووزير خارجية من حول العالم، وذلك للمرة الأولى منذ إلقاء الرئيس السوري نور الدين الأتاسي كلمة في هذا المكان عام 1967، حيث تخلل هذه المشاركة لقاءات وحوارات عديدة، حاول من خلالها شرح مسار عمل الحكومة الانتقالية، وخطط إعادة بناء الدولة والتحديات الكبيرة التي تواجه ذلك.
تعقيدات داخلية وخارجية
وجاءت الزيارة على وقع تعقيدات وتحديات كبيرة داخلية وخارجية تواجهها سوريا بعد مرور نحو 10 أشهر على سقوط نظام بشار الأسد أواخر العام الماضي، يتصدرها الوضع الأمني في مناطق متعددة والأزمة الاقتصادية الكبيرة التي تعمقها العقوبات الغربية المفروضة على البلاد وعلى رأسها “قانون قيصر” الأميركي، إلى جانب الهجمات والتوغلات الإسرائيلية المتكررة في جنوب غربي البلاد، رغم المفاوضات المستمرة بين الجانبين للتوصل إلى اتفاق أمني يبدد مخاوف تل أبيب ويوقف تدخلاتها.
وعلى هامش أعمال الدورة الثمانين للجمعية العامة، التقى الرئيس السوري الانتقالي بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، وبحث معه المسار السياسي في سوريا والعلاقات السورية الإسرائيلية، وذلك بعد لقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وعدداً من أعضاء الكونغرس، لبحث جملة من القضايا يتصدرها إلغاء “قانون قيصر” المفروض على سوريا، وإفساح المجال أمام عودة التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار وبناء الدولة، حيث يعيق القانون بدء عمليات الاستثمار من قبل الشركات العالمية، إلى جانب لقاءات أخرى عديدة عقدها الشرع مع كل من رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، والعاهل الأردني عبدالله الثاني، وولي عهد دولة الكويت صباح خالد الحمد الصباح، وعدد من القادة والمسؤولين الآخرين، في إطار خطط إعادة دمج البلاد في المجتمع الدولي.
خطاب أمام الجمعية العامة
وقال الشرع في كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، إن “سوريا أصبحت بلداً يمثل فرصة للسلام والازدهار في المنطقة بعد أن كانت بلداً يصدر الأزمات، ووقعت أكثر من 60 عاماً تحت نظام غاشم، استخدم أبشع أدوات التعذيب ضد الشعب وقتل مليون شخص”، مشدداً على أن “إسرائيل تواصل انتهاكاتها في سوريا، التي لا تزال تؤكد تمسكها باتفاقية فض الاشتباك لعام 1974″، ومتعهداً بـ”تقديم كل من تلطخت يداه بالدماء للعدالة، والمضي في انتخابات مجلس الشعب”.
خطوة ديبلوماسية
يقول أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية صلاح قيراطة المقيم في مدريد، إن “زيارة الشرع إلى الولايات المتحدة تمثل خطوة ديبلوماسية، وكلمته أمام الجمعية منحته فرصة لتوضيح رؤية سوريا بشأن القضايا الإقليمية والدولية، بما فيها استعادة الاستقرار ومكافحة الإرهاب ودور سوريا الإقليمي، ومن المتوقع أن تسهم اللقاءات الرسمية هناك، وخاصةً مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في معالجة القضايا العالقة على الصعيد السياسي والاقتصادي”، ويضيف في تصريحات لـ”963+”، أن “انعكاس الزيارة على الوضع الداخلي والخارجي يتمثل في تعزيز شرعية الحكومة الانتقالية على المستوى الدولي، وإرسال رسالة بأن سوريا تسعى للحوار والمشاركة الفاعلة في المنظمات الدولية، ما يمكّن من تعزيز موقفها بأي مفاوضات مستقبلية”.
ويشير قيراطة، إلى أن “الزيارة يمكن أن يكون لها انعكاس مهم على الجانب الاقتصادي في سوريا، خصوصاً فيما يتعلق بمرحلة الاستثمار والتعافي وإعادة الإعمار، وقد تتيح للحكومة فرصة التواصل المباشر مع المستثمرين والشركاء الدوليين، وعرض فرص الاستثمار في مختلف القطاعات، وتوضيح السياسات والتشريعات الجديدة التي تدعم عمليات إعادة الإعمار، لكن لكي تتحقق هذه النتائج، فإنه مطلوب إرساء بيئة واضحة للاستثمار تشمل الاستقرار الأمني وضمان حقوق المستثمرين وتسهيل الإجراءات القانونية والإدارية، والشفافية في المشاريع الكبرى، إلى جانب حاجة الحكومة الانتقالية لإقناع المجتمع الدولي بجدية التزامها بالإصلاحات الاقتصادية”.
ويشدد العضو في تحالف “المواطنة السورية” محمد فاضل فطوم المقيم في دمشق، على أن “سوريا أصبحت في ظل السلطات الجديدة في حال أنسب لسياسات الولايات المتحدة وإسرائيل اللتين حققتا نصراً كبيراً بوصولها إلى السلطة، ولذلك فإن تجميل الحكومة الانتقالية وتأمين نشاطها في الأمم المتحدة هو من الضرورات الحيوية التي تفرضها المواصفات المعروفة عنها، حيث تعهدت واشنطن بتسويق تحولها الجذري وهذا يتطلب تقديمها للعالم بحلة السلطة لإحلال السلم الاجتماعي وإعادة توحيد الدولة”.
ويؤكد فطوم خلال تصريحات لـ”963+”، أن “تسويق السلطة الجديدة يهدف إلى تحويل سوريا إلى دولة ذات علاقات طبيعية مع محيطها العربي والإقليمي والدولي، على اعتبار أن حكومتها تريد توطيد السلام مع جميع جيرانها وأنها ستشارك بفعالية بمحاربة الإرهاب”، معتبراً أن “سوريا التي ازدادت فيها حالات الانقسام وتعرض السلم الاجتماعي للخطر، لن تكون ساحة استثمار مرغوبة، وفي أحسن الأحوال سيعتمد ذلك على مساعدات الأشقاء العرب والولايات المتحدة التي لا تزال تستخدم العصا والجزرة في موضوع العقوبات وشروط رفعها”.
السويداء وإسرائيل
ويمثّل الوضع في جنوبي سوريا وخاصةً محافظة السويداء، والتوغلات والهجمات الإسرائيلية المتكررة وحالة عدم الاستقرار الأمني في تلك المنطقة، من أبرز الملفات المعقدة والمتشابكة في سوريا، والتي كانت حاضرة على جدول أعمال زيارة الشرع إلى نيويورك، رغم استمرار المفاوضات بين دمشق وتل أبيب بشأن اتفاق أمني، وحديث المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك عن “قرب الطرفين من التوصل لاتفاق لخفض التصعيد” يسبق الاتفاق الأمني الشامل.
وحدّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمس الخميس، شروط نجاح المفاوضات مع سوريا بشأن الاتفاق الأمني، وقال مكتب نتنياهو في منشور على منصة “إكس“، إن “هدف المفاوضات مع سوريا هو ضمان مصالح إسرائيل”، مشدداً على أن “نجاحها مشروط بضمان مصالح إسرائيل التي تشمل جملة من الأمور، أبرزها نزع السلاح في جنوب غربي سوريا، والحفاظ على أمن الدروز”، وذلك بعد يومين من تصريحات لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، قال فيها إن “الجيش الإسرائيلي سيبقى في قمة جبل الشيخ جنوب غربي سوريا”.
ويرى قيراطة، أن “الزيارة ليست العامل الوحيد الذي يحدد مسار الملفات الداخلية والإقليمية سواءً على مستوى محافظة السويداء جنوبي البلاد، أو ملف قوات سوريا الديموقراطية (قسد)، حيث تبقى الأولويات مرتبطة بالوضع الأمني والسياسي الداخلي، وبقدرة الحكومة الانتقالية على فرض الاستقرار وتحقيق الحلول الإدارية والأمنية على الأرض”، معتبراً أن الزيارة يمكن أن تكون بمثابة بداية لمرحلة إعادة البناء والإعمار والنمو الاقتصادي، بشرط دعمها بخطوات تنفيذية ملموسة”.
وفيما يتعلق بالعلاقات مع إسرائيل والدور التركي في شمال سوريا، يشدد قيراطة، على أن “هذه الملفات معقدة ومتشابكة وتتأثر بالعوامل الإقليمية والدولية المتعددة، ويمكن أن تساهم الزيارة في توضيح الموقف السوري والتفاوض على بعض الملفات، لكنها لا تعني بالضرورة حلولاً فورية، بل قد تفتح الباب أمام الحوار وتسهيل المسارات الديبلوماسية على المدى المتوسط، أي أن الزيارة تبقى جزء من منظومة أوسع من الخطوات المطلوبة لمعالجة الملفات الداخلية والإقليمية، ولا تحلها بشكل منفصل عن السياسات والإجراءات العملية على الأرض”.
وبالتزامن مع خطاب الشرع بالجمعية العامة، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية، عن تعديل لوائح العقوبات المفروضة على سوريا، وتغيير تسميتها، وقالت في بيان، إن “مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في الوزارة، عدّل تسمية لوائح العقوبات المتعلقة بسوريا، إلى “لوائح العقوبات لتعزيز المساءلة على الأسد واستقرار المنطقة، وبموجب ذلك تم إلغاء العقوبات العامة المفروضة على سوريا، وإنهاء حالة الطوارئ المعلنة فيها منذ عام 2004، والإبقاء على العقوبات ضد مرتكبي جرائم الحرب، ومنتهكي حقوق الإنسان وشبكات تهريب “الكبتاغون”، وإعادة إدراج بعض الأشخاص والكيانات في قوائم العقوبات، إذا ثبت تورطهم في انتهاكات، وإدراج قوانين جديدة مثل قانون قيصر وقانون مكافحة تهريب الكبتاغون، كأساس تشريعي للعقوبات المستقبلية”.
وكان الرئيس السوري الانتقالي، قد أكد يوم الثلاثاء الماضي خلال جلسة حوارية مع معهد “الشرق الأوسط” في نيويورك على هامش أعمال الجمعية العامة، أدارها مدير سوريا بالمعهد تشارلز ليستر، أن “سوريا لن تكون مصدر خطر على أحد، وتقف على مسافة واحدة من الجميع، وأن زيارته إلى نيويورك تمثل عنوان عودة سوريا إلى المجتمع الدولي، وأن نجاح أي اتفاق مع إسرائيل، سيمهّد لاتفاقيات أخرى تسهم في تعميم السلام في منطقة الشرق الأوسط”.
وسبق ذلك، تأكيده على أنه “عرض على قوات سوريا الديموقراطية (قسد) الاندماج في الجيش للاستفادة من خبراتهم، وأنه أكد للجنرال مظلوم عبدي القائد العام لـ”قسد”، أن “حقوق الكرد مصانة في سوريا، وينبغي الوصول إلى حلول سلمية، مشدداً خلال حوار مع الجنرال ديفيد بيتراوس المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية الأميركية (CIA)، أن المرحلة المقبلة تتطلب توحيد الجهود وتجاوز الانقسامات من أجل بناء دولة مستقرة وآمنة، وأن سوريا بحاجة إلى فترة زمنية للوصول إلى الأمان والاستقرار، وأن الحوار الوطني الذي انطلق في الداخل شمل جميع المكونات الشعبية.
وأمس الخميس، شدد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، على أن الولايات المتحدة ملتزمة بمنح سوريا كل فرصة ممكنة لبناء دولة قوية وموحدة، وأكد خلال اجتماع مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، أن “استقرار سوريا سيؤدي إلى استقرار المنطقة، وهناك فرصة تاريخية لتحقيق ذلك، وأن هناك فرصاً نعمل عليها، إحداها مستقبل سوريا، وهي فرصة ربما قبل عامين أو عام ونصف كانت غير قابلة للتصور”.
وأضاف، أن “الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لا يزال ملتزماً بمنح سوريا كل فرصة ممكنة لبناء دولة قوية وموحدة، تحترم تنوعات المجتمع السوري، ليس فقط من منظور أحادي للولايات المتحدة، بل بالشراكة مع العديد من الدول”، مشيراً إلى أن “واشنطن تريد أن تكون سوريا مكاناً مستقراً، وليس قاعدة لعمليات المتطرفين أو الجهات الأجنبية التي تستخدمها لشن هجمات وممارسة أنشطة مزعزعة للاستقرار ضد جيرانها، وأن ترامب اتخذ خطوة جريئة جداً في إيار/ مايو الماضي، برفع العقوبات عن سوريا، وواشنطن تواصل متابعة ذلك والعمل عليه، وملتزمة التزاماً راسخاً بهذا المشروع المهم، وهذه الفرصة المهمة جداً”.
وينظر إلى زيارة الشرع إلى الولايات المتحدة ومشاركته في أعمال الجمعية العامة، أنها جاءت في سياق تحولات سورية وإقليمية ودولية مهمة، ونتائجها ستأتي متسقة مع الأحداث والتحولات السياسية العالمية التي تقودها واشنطن، بما في ذلك مساعي إدارة ترامب لإطلاق عملية سلام شاملة في منطقة الشرق الأوسط بحيث تكون سوريا جزءاً منها، وعليه فإن ذلك ينساق على العلاقات مع إسرائيل والملفات السورية الداخلية، وملف المقاتلين الأجانب في الجيش السوري، ومكافحة الإرهاب والوقوف في وجه المحور الإيراني، إلى جانب مدى قدرة دمشق على موازنة الأدوار والنفوذ للقوى الإقليمية والعربية بما في ذلك روسيا وتركيا.
+963
——————————–
الشرع: وحدة الشعب السوري «واجب لا مفرّ منه»
دمشق: «الشرق الأوسط»
27 سبتمبر 2025 م
قال الرئيس السوري أحمد الشرع، الجمعة، إن وحدة الشعب السوري «واجب لا مفرّ منه»، وهو أساس لإعادة بناء سوريا الجديدة التي يشارك فيها أبناؤها جميعاً دون تفرقة.
وأضاف الشرع، خلال خطاب في إدلب معقباً على مشاركته في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك: «لقد سعينا للبحث مع كل دولة اجتمعنا معها على نقاط التقاء المصالح وربطها بما يصبّ في صالح بلدنا، ولقد رأيت من جميع الدول وبعيداً عن لغة المصالح حباً صادقاً وأمنيات حية بأن تزدهر سوريا وتنمو وتستعيد عافيتها».
وأكّد الرئيس السوري أنه لمس إجماعاً على وحدة سوريا واستقرارها ورفض دعوات التقسيم.
وتابع: «رفع العقوبات ليس غاية بحدّ ذاته، بل وسيلة لخدمة الشعب وجذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد وتطوير البنية التحتية وخلق فرص عمل لإعادة بناء البلد من داخلها».
وأشار الشرع إلى أن سوريا لم تعد معزولة عن العالم، مضيفاً: «فقد أعادت وصل ما انقطع وأثبتت أنها قادرة على تقديم الكثير، وها قد عادت سوريا إلى مكانتها التاريخية الفاعلة بين الأمم».
في خطوة لطيّ عقود من الانقطاع، ألقى الرئيس السوري أحمد الشرع كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأربعاء، مسجلاً بذلك المرة الأولى التي يلقي فيها رئيس سوري كلمة أمامها منذ ما يقرب من 60 عاماً.
وعلى هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثمانين، امتلأ برنامج الرئيس السوري بسلسلة من اللقاءات مع شخصيات دولية، جرى معظمها للمرة الأولى، من بينها اجتماعه برئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، ورئيسة المفوضية الأوروبي
————————————
نجاح أحمد الشرع الدبلوماسي في الأمم المتحدة يعزز صورة سوريا الجديدة
الشرع يشن حملة علاقات عامة تكسبه ثقة من كانوا من أشد منتقديه.
سوريا جديدة ممكنة
الجمعة 2025/09/26
نيويورك – برز خطاب الرئيس السوري أحمد الشرع في الجمعية العامة للأمم المتحدة كحدث دبلوماسي تاريخي على أكثر من صعيد. فالشرع، الذي كان مقاتلا سابقا في تنظيم القاعدة ومحتجزا في معسكر بوكا الأميركي، نجح في قلب سيرته الشخصية المليئة بالتحديات إلى أداة لإعادة تقديم بلاده بشكل إيجابي أمام المجتمع الدولي.
وجاء حضوره أمام الجمعية العامة، وهو الأول لرئيس سوري منذ عام 1967، في ظل استمرار العقوبات الدولية المفروضة على سوريا رغم التخفيف فيها، ما أعطى كلمته قيمة سياسية كبيرة، وأكد رغبة دمشق في إعادة إدماج نفسها في النظام الدولي.
وفي خطابه أعلن الشرع أن سوريا تستعيد مكانتها الصحيحة بين دول العالم، داعيًا إلى رفع جميع العقوبات المتبقية، ومبرزًا التزامه ببدء مرحلة جديدة تتسم بالسلام والتسامح والتعاون مع المجتمع الدولي.
وقد ركّز على أن سوريا تحولت من كونها مصدرًا للأزمات إلى فرصة للسلام، مؤكدًا عزمه على تقديم كل من تثبت مسؤوليته عن سفك الدماء للعدالة، مع الالتزام بالحوار والمصالحة الوطنية.
حملة العلاقات العامة أكسبت الشرع ثقة بعض من كانوا من أشد منتقديه وعكست قدرته على إدارة الصورة العامة لسوريا بذكاء إستراتيجي
ولم تكن هذه الرسائل مجرد كلمات دبلوماسية بل محاولة واضحة لتغيير الصورة النمطية التي ارتبطت بسوريا خلال سنوات الحرب الأهلية الطويلة، لتقديم الدولة كطرف مسؤول قادر على قيادة مرحلة إعادة البناء.
وجاء في تقرير نشرته مجلة “فورين بوليسي” الأميركية أن نجاح الشرع لم يقتصر على كلمته وحدها، بل شمل تحركاته المكثفة قبل وأثناء انعقاد الجمعية العامة. فقد عقد لقاءات مع شخصيات دولية بارزة، أبرزها الجنرال الأميركي المتقاعد ديفيد بترايوس، الذي أشرف على سجنه في العراق.
وأظهرت هذه اللقاءات قدرة الشرع على الانفتاح على شركاء دوليين متباينين، واستخدام تجاربه السابقة في المجال الأمني كقوة سياسية ودبلوماسية لتعزيز موقف سوريا.
وبحسب محللة شؤون الأمم المتحدة مايا أونغار، فإن حملة العلاقات العامة التي شنها الشرع خلال الأسبوع السابق للاجتماع أكسبته ثقة بعض من كانوا من أشد منتقديه، وعكست قدرته على إدارة الصورة العامة لسوريا بذكاء إستراتيجي.
كما لعب حضور الشرع أمام الجالية السورية في نيويورك دورا مهما في تعزيز صورته الإيجابية.
وتجمع المئات من أبناء الجالية قرب حواجز الأمم المتحدة الأمنية لمتابعة الحدث، حيث سادت مشاعر مختلطة من الإثارة والدموع والتفاؤل، وهو ما يعكس مدى تأثير الخطاب على الداخل السوري والشتات على حد السواء.
وبالنسبة إلى الشرع لم يكن الخطاب مجرد فرصة دبلوماسية بل وسيلة لإظهار التزامه تجاه شعبه، وإرسال رسالة تفيد بأن سوريا الجديدة تعطي أهمية للسلام الداخلي والمصالحة الوطنية، وتعيد بناء الثقة بين القيادة والشعب بعد عقود من النزاع الطائفي والدمار الشامل.
ومن الناحية الاقتصادية استثمر الشرع الجمعية العامة لاستقطاب المستثمرين والشركات الأجنبية، مسلطا الضوء على الفرص الجديدة المتاحة في سوريا، من مشاريع إعادة الإعمار إلى القطاعات الحيوية مثل الطاقة والبنية التحتية والزراعة. وأوضح أن مرحلة ما بعد النزاع تمثل فرصة لإعادة بناء الاقتصاد السوري، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
قدرة كبيرة على إدارة الصورة العامة لسوريا حنكة دبلوماسية في التعامل مع المواقف
وهو ما يعكس فهم الشرع العميق للعلاقة بين القوة السياسية والاقتصادية، ومدى أهمية جذب الاستثمارات الخارجية لدعم عملية إعادة الإعمار وتعزيز مصداقية الدولة.
ورغم اللهجة الحادة التي استخدمها الشرع في انتقاده للغارات الجوية الإسرائيلية على سوريا، والتي تشير إلى أن الطريق نحو علاقات مستقرة في المنطقة لا يزال طويلًا، يوضح الخطاب كيف يمكن للدبلوماسية الذكية أن تعزز صورة الدولة وتعيد تقديمها كطرف مسؤول وملتزم بمعايير التعاون الدولي.
وتمثل القدرة على الموازنة بين الموقف الحازم تجاه انتهاكات السيادة وبين الانفتاح على الحوار الدولي نجاحا إستراتيجيا مهما يعكس نضج الشرع السياسي وقدرته على توظيف أدواته السابقة في خدمة سوريا الجديدة.
وعلاوة على ذلك، يمثل نجاح الشرع في الجمعية العامة خطوة مهمة لإعادة رسم خارطة العلاقات السورية على الصعيد الدولي.
وأظهرت هذه الجولة الدبلوماسية أن سوريا قادرة على التعامل مع تحديات العقوبات الدولية، وإعادة بناء الثقة مع الشركاء العالميين، بما يضعها في موقع مؤثر في القرارات الإقليمية والدولية المقبلة.
ولم يكن الخطاب محاولة لتسويق صورة إيجابية لسوريا فقط، بل كان أيضا مؤشرا على تحول حقيقي في السياسة السورية، حيث يركز القادة على السلام والمصالحة ودور سوريا كشريك مسؤول على الساحة الدولية، بعيدا عن الصورة التقليدية المرتبطة بالعنف والنزاع.
وتمثل جولة الشرع في الأمم المتحدة نجاحًا دبلوماسيا استثنائيا يعزز صورة سوريا الجديدة، ويضع الرئيس في موقع قائد جاد قادر على إعادة بلاده إلى الساحة الدولية، مع التأكيد على التزامه بالسلام الداخلي والمصالحة الوطنية والتعاون الدولي.
ويشكل الخطاب وخارطة العلاقات العامة التي رافقته بداية لإعادة صياغة دور سوريا في الشرق الأوسط، ويفتحان الباب أمام فرص اقتصادية واستثمارية جديدة تدعم مشروع إعادة بناء الدولة بعد سنوات طويلة من النزاع المدمر.
————————————-
========================
تحديث 26 أيلول 2025
——————————–
لقاء الشرع/ بيترايوس: ما بعد المفارقة ومكر التاريخ/ صبحي حديدي
26 أيلول 2025
اللقاء بين الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع ومحاوره دافيد بيترايوس، على هامش قمة كونكورديا العالمية في نيويورك، كان (في أكثر من وجهة واحدة حمّالة دلالات) بمثابة متابعة ملحقة، أو متأخرة 22 سنة ونيف، بين «أبو محمد الجولاني» المجاهد في صفوف جهاديين نفروا لقتال الاحتلال الأمريكي في العراق؛ ودافيد بيترايوس، الجنرال في القوات الأمريكية المحتلة خلال الحقبة ذاتها، والآمر بزجّ الجولاني في سجون اليانكي طوال خمس سنوات.
هي مفارقة إذن، صارخة وحافلة بالمغزى في جانب أوّل، خاصة وأنها تنعقد في نيويورك على هامش مؤتمر رفيع للأعمال والاستثمارات الكبرى، وليس في أي مؤتمر سياسي أو عسكري أو أمني؛ الأمر الذي لا يمنع، بل يحرّض بالأحرى، على النظر إليها كواحدة من كبريات التحوّلات التي تعكس مكر التاريخ. فلم يكن تفصيلاً عابراً أن يلجأ بيترايوس (راغباً، أو خاضعاً لبروتوكولات الحوار حسب قمة كونكورديا) إلى استخدام تعبير «السيد الرئيس» في مخاطبة الشرع؛ أو، في التفصيل الآخر الأكثر إثارة ربما، أنّ الجنرال المتقاعد/ مدير المخابرات المركزية الأمريكية لاحقاً، سوف يسأل المجاهد السابق كيف تمكّن عسكرياً من تحقيق ذلك الانتصار الخاطف في حلب، وأكمل الزحف إلى العاصمة دمشق، وصولاً إلى إسقاط نظام خَبِر الجنرال مشاقّ مخاصمته مثل مراضاته.
وليس أوّل أغراض هذه السطور استعراض الحوار بين الرجلين، رغم ما احتوى عليه من نقاط كثيرة متشعبة، لافتة وكاشفة وعالية التحريض على التفكيك التحليلي واستخلاص العِبَر والدروس؛ فلهذا مقامات أخرى، ومناسبات لا ريب في أنها سوف تتعاقب وتتكاثر. الغرض الأبرز، في المقابل، هو تلمّس تحولات بيترايوس نفسه، ليس على صعيد شخصي يخصّ الجنرال المتقاعد فحسب، وإنما في مستويات أهمّ تخصّ تحوّلات (لأنها، أيضاً، تقلبات) موقف الإدارات الأمريكية من ملفات نظام «الحركة التصحيحية» عموماً، وانتفاضة 2011 خصوصاً. وثمة بُعد إضافي جدير بالإشارة في هذا التشابك، هو أنّ نظرة البنتاغون والمخابرات المركزية لم تكن دائماً على تطابق كافٍ مع نظرة البيت الأبيض والدبلوماسية الأمريكية.
فقبل أن يتسلم مهام منصبه الرفيع، على رأس القيادة المركزية للقوات الأمريكية في الشرق الأوسط إضافة إلى الباكستان وأفغانستان، كان بيترايوس قد قضى 15 شهراً على رأس قيادة القوات الأمريكية العراق، اشتهر خلالها بأسلوبه الخاص في إدارة المواجهة مع مختلف الفئات المسلحة التي تناهض الاحتلال. ومنذ احتلال العراق وحتى مغادرة موقعه هناك، كانت تلك المجابهات قد أوقعت خسائر بشرية في صفوف الأمريكيين بلغت 4150 قتيلاً وأكثر من 30 ألف جريح.
أسلوب بيترايوس اعتمد على ما سُمّي بـ «الاندفاعة»، أي الزيادة الملموسة في معدّل العمليات العسكرية المباشرة للقوّات الأمريكية في المواقع الساخنة تحديداً، واستقدام 20 ألف عسكري أمريكي جديد، ونشر خمسة أفواج جديدة في بغداد بشكل خاصّ؛ وهذا ما وافق عليه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن وأعلن عنه في خطاب متلفز مطلع العام 2007. والنجاح الظاهر لتلك العمليات جلب على بترايوس المديح من قادة الحزبين الجمهوري والديمقراطي معاً، فتحدّث بوش والمرشح الجمهوري جون ماكين عن إحراز «انتصار»، وتحدّث باراك أوباما عن «نجاح الاندفاعة بشكل فاق أشدّ أحلامنا جرأة».
لكنّ الجنرال نفسه كان يعرف، ربما أفضل من الجميع، زيف ذلك «الانتصار» وحدود «النجاح» الذي أنجزته عمليات الاندفاعة؛ خاصة حقيقة أنّ العمليات بدأت وسط تهدئة عالية وغير مسبوقة في المواجهات بين الشيعة والسنّة، نجمت أساساً عن خروج الشيعة ظافرين من حرب بغداد، وسيطرتهم على ثلاثة أرباع العاصمة. السبب الثاني كان حرص إيران، القطب الثاني الأقوى في العراق بعد الولايات المتحدة، على التهدئة وإظهار حليفها رئيس الوزراء العراقي يومذاك، نوري المالكي، بمظهر رجل الدولة المسيطر والقابض على زمام الأمور.
ولهذا كان بيترايوس واضحاً في خطبة الوداع، ساعة تسليم المنصب إلى خليفته الجنرال راي أودييرنو، فقال إنّ الحرب هنا «ليست من طراز الصراع الذي يتيح لك أن تستولي على تلّة، فترفع عليها العلم، وتعود إلى الوطن للمشاركة في استعراض النصر… إنها ليست حرباً ذات شعار بسيط». وأضاف أنه حين تولى القيادة، وصف الوضع بأنه «صعب ولكنه ليس بلا أمل»، واليوم يقول إنه «صعب ويدعو إلى الأمل». وكان لافتاً أنّ خليفته ردّ بالقول: «ينبغي أن ندرك أنّ المكاسب التي تحققت ما تزال هشّة وقابلة للانقلاب عكساً».
وهكذا، حين غادر بترايوس، بقي العراق أحد أخطر بلدان العالم، حيث تُخاض على أرضه ثلاث حروب في آن معاً: حرب المجموعات والعشائر السنية ضدّ الاحتلال العسكري الأمريكي، وحرب المجموعات الشيعية (التي كانت تشكل 60٪ من عدد السكان، وتتحالف مع أكراد الشمال) للسيطرة على العراق وانتزاعه من السنّة، والحرب الخفية بين الولايات المتحدة وإيران والتي تخوضها فئات داخلية وأخرى خارجية أيضاً. وفي قلب تلك الحروب اندلعت سلسلة من المواجهات المعقدة المرتبطة بها، والتي تصبّ المزيد من الزيت على النيران المشتعلة أصلاً.
بعد نجاح الاندفاعة الباهر حسب تقديرات أمريكية رسمية، أو فشلها الذريع طبقاً لآراء أخرى مستقلة أمريكية بدورها؛ تورط بيترايوس في الملفّ السوري عبر إشكالية تسليح المعارضة السورية «المعتدلة»، صحبة أمثال هيلاري كلنتون وزيرة الخارجية، وليون بانيتا وزير الدفاع، وبترايوس من موقعه في إدارة مدير المخابرات المركزية. كان ذاك هو البرنامج الذي اعتمده الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما في نيسان (أبريل) 2013، وتمّ تنفيذ بعض مراحله عبر التنسيق مع الأردن وتركيا؛ قبل أن يتراخى تدريجياً، ثمّ يُجمّد عملياً، ويُطوى نهائياً.
وكانت نقاشات حامية قد نشبت داخل إدارة أوباما حول المسألة، بين رافضين للخطوة أو مشككين في جدواها (كانوا أقلية، ولكنّ الرئيس في عدادهم)؛ ومتحمسين لها، دون الارتقاء بها إلى مستوى «ستراتيجية مخرج» تنتهي إلى إسقاط نظام بشار الأسد. ذلك دعا أوباما إلى تكليف المخابرات المركزية بإعداد «مراجعة» لتجارب التسليح السابقة، في جغرافيات أخرى، والإجابة على السؤال الحاسم: هل نجحت، إجمالاً؛ وهل ستنجح في سوريا، بصفة خاصة؟
مقاربة المخابرات المركزية، ومديرها بترايوس نفسه، لم تخرج عن ثنائية تقليدية كسيحة وخاوية الوفاض؛ مفادها حجب السلاح النوعي عن «المعتدلين» في صفوف المعارضة المسلحة، بينما واصل «الراديكاليون» التسلّح بطرق شتى، واجتذبوا المقاتلين بسبب هذا الإغراء الجوهري أوّلاً. كذلك لجأت لجأت واشنطن إلى الإجراء الكلاسيكي، والكاريكاتوري، المتمثل في وضع «جبهة النصرة» على اللائحة الأمريكية للإرهاب، فارتفعت شعبية «النصرة»، وتكشف المزيد من المكوّنات الظلامية في خطابها، واستقوت على سواها.
وسرعان ما افتُضحت التلميحات إلى أنّ أجهزة البنتاغون والمخابرات الأمريكية تتردد في إيصال الأسلحة النوعية خشية وقوعها في أيدي «المتشددين»، واتضح أنّ مضامينها الخافية، الفعلية والحقيقية، تتلخص في خشية أمريكا من إلحاق الأذى بأمن دولة الاحتلال الإسرائيلي. وكان هذا، وحده وفي ذاته، سبباً جيداً كي تتعاطف الجماهير مع «المتشددين»، الأمر الذي انتهى إلى تهميش «المعتدلين»، غنيّ عن القول!
بذلك فإنّ سؤال بيترايوس عن سرعة نجاح الشرع وفصائله في إسقاط النظام عسكرياً، يتجاوز بكثير فضول الجنرال المتقاعد أمام المجاهد السابق؛ مثلما يذهب أبعد من حدود المفارقة ومكر التاريخ؛ ويقترب، استطراداً، من حوافّ الإقرار بفشل ستراتيجية عسكرية/ سياسية أمريكية تجاه سوريا، بدأت مكبّلة بواجبات خدمة دولة الاحتلال، وتواصلت ركيكة خرقاء، لا تنفع معها مراجعة تأخرت 22 سنة!
كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
القدس العربي
—————————-
هل نجحت زيارة الشرع التاريخية إلى نيويورك؟/ محمد المنشاوي
26 أيلول 2025
واشنطن- شكّلت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى نيويورك، للمشاركة في الدورة الـ80 لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حدثا استثنائيا ومؤشرا على تحول كبير في مسار بلاده، كما يرى مراقبون.
وتخللت الزيارة لقاءات مع أبناء الجالية السورية، واجتماعات مع عدد من كبار قادة العالم، وأحاديث مفتوحة في فعاليات بُثت مباشرة، إلى جانب طلبات متزايدة للظهور الإعلامي، وسط ترقب واسع لكلمته أمام الجمعية العامة.
وتمثّل هذه الزيارة محطة فارقة، ليس فقط لكون الشرع أول رئيس سوري يخاطب الجمعية العامة منذ عام 1967، بل أيضا لأنها دشنت نهاية عزلة دولية امتدت لعقود، بعد أن تمكنت قوات المعارضة بقيادته من إسقاط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، رغم خلفيته الجهادية التي أثارت جدلا واسعا.
صورة جديدة لسوريا
ونجح الشرع في إظهار نفسه كسياسي براغماتي يسعى إلى إعادة إعمار سوريا بعد الحرب الطويلة، كما يعد تخفيف العقوبات المتبقية أحد الأهداف الأساسية لزيارته، وهي خطوة رئيسية لإعادة الإعمار، وتحسن الأحوال الاقتصادية.
وتضمن جدول أعمال الشرع في نيويورك اجتماعات مع مسؤولين رفيعي المستوى مثل وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وكثيرين غيرهم، وهو ما يعد دليلا على إعادة الانخراط مع المجتمع الدولي.
في حين قال السفير فريدريك هوف، أول مبعوث أميركي لسوريا بعد الثورة عام 2011، والخبير بالمجلس الأطلسي والأستاذ بجامعة بارد، “يبدو أن انتقال الرئيس الشرع من تنظيم القاعدة إلى زعيم وطني سوري قد اكتمل”، مضيفا في حديث للجزيرة نت “لا أعتقد أن التصنيف الأميركي السابق له أي تأثير على استعداد الدول للانخراط في سوريا دبلوماسيا”.
العلاقة مع إسرائيل
وأُمطر الشرع بأسئلة عديدة حول ما يثار من مفاوضات مع إسرائيل والترتيبات الأمنية في أعقاب احتلالها لأراضٍ سورية بعد سقوط نظام الأسد، إضافة لاحتلالها الطويل لهضبة الجولان.
وخلال لقائه في منتدى “كونكورديا”، حيث حاوره الجنرال ديفيد باتريوس، القائد العسكري السابق في العراق وأفغانستان والمدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية CIA، رد الشرع بدبلوماسية هادئة على أسئلة تتعلق بإسرائيل.
وقال “منذ وصولنا إلى دمشق قامت إسرائيل باعتداءات كثيرة على سوريا، لديها تقريبا نحو ألف غارة، دمرت فيها كثيرا من المؤسسات السورية العسكرية والأمنية والمدنية أيضا”.
ولفت الرئيس السوري إلى أن “إسرائيل توغّلت 400 مرة بريا داخل الأراضي السورية، لذلك نحن لدينا مراحل في الدخول في التفاوض معها”.
وأوضح الشرع أن “المرحلة الأولى من الاتفاق الأمني تهدف إلى إعادة إسرائيل إلى حدود هدنة عام 1974، بعدما أحرزت تقدما داخل الأراضي السورية، وعليها أن تعود إلى ما كانت عليه سابقا، وإذا كانت لديها مخاوف أمنية فيمكن بحثها عبر وسطاء إقليميين ودوليين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة”.
وتعليقا على كلمات الشرع، قال السفير هوف إن ذلك “يعتمد على نجاح الشرع في التفاوض على اتفاق أمني مع إسرائيل إلى حد كبير، والطريقة المنطقية للمضي قدما هي تفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، ثم التفاوض على هدنة ثنائية”.
وأشار إلى أن “هذا يتطلب من إسرائيل الانسحاب من الأراضي السورية التي تم الاستيلاء عليها منذ سقوط نظام بشار الأسد، ولا أعرف ما إذا كانت إسرائيل مستعدة للقيام بذلك”.
ورأى السفير هوف أنه ينظر إلى الولايات المتحدة على نطاق واسع بأنها تدعم الجهود السعودية والتركية لتحقيق الاستقرار في سوريا تحت قيادة الشرع حتى تبدأ إعادة الإعمار “ويمكن استبعاد إيران بشكل دائم”.
وقال “من المرجح أن ينظر إلى هذا الدعم غير المباشر إلى حد كبير على الصعيد الدولي على أنه يضفي الشرعية على الرئيس الشرع”.
وفي حديثه عن العلاقات السورية الإٍسرائيلية، قال الخبير هوف إنه “من الصعب جدا تقييم حالة العلاقات السورية الإسرائيلية، ففي ظاهر الأمر، إسرائيل ترتكب أعمالا فظيعة، حيث قصفت مرارا قواعد عسكرية سورية، وأصدرت تحذيرات للشرع بعدم نشر جيشه جنوب دمشق”.
مستقبل سوريا
وفي رده على سؤال حول الدور الأميركي، قال الشرع في منتدى كونكورديا إن “هناك مصالح متطابقة، لا أقول متقاطعة، ما بين سوريا والغرب وأميركا في مرحلتها الحالية، وأعتقد إذا أردنا أن نتكلم بلغة المصالح، هناك أشياء كثيرة يمكن البناء عليها ما بين سوريا والولايات المتحدة والغرب بشكل عام”.
مخاوف الأقليات
وفي الوقت الذي ركز فيه الكثيرون ممن التقاهم الشرع على قضية الأقليات وحقوق الإنسان في سوريا الجديدة، حاول الشرع طمأنة مستمعيه عن التزامه بمحاكمة “كل من لطخت يداه بالدم”.
وقال جوشوا لانديس، خبير الشأن السوري، ومدير مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة أوكلاهوما، “إن زيارة الرئيس السوري مهمة جدا للمرحلة الجديدة الخاصة ببلاده، إنه تتويج لجهد هائل منه للحصول على الشرعية من القوى الكبرى في العالم، والخروج من قائمة الإرهاب، ورفع العقوبات”.
وأوضح لانديس في حديث للجزيرة نت “بالطبع هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به، إذ لا تزال سوريا منقسمة، وشهر العسل قد انتهى، وبدأ قادة العالم يسألون أنفسهم عما إذا كان حماسهم الأولي لم يكن مستحسنا ومقبولا للغاية”.
وفي ختام حديثه قال لانديس إن “الثقة بين الحكومة التي يهيمن عليها العرب السنة، والأقليات الدينية والعرقية في سوريا في أدنى مستوياتها على الإطلاق”، داعيا السياسيين الغربيين إلى اتخاذ تدابير لبناء الثقة، وأضاف مستدركا “إلا أن الواقع على الأرض والخطاب على وسائل التواصل الاجتماعي يبدو بعيدا عن لغة التسوية والصداقة”.
المصدر: الجزيرة
——————————–
حول الرجل والدولة/ صبا ياسر مدور
الجمعة 2025/09/26
لا يمكن تجاهل ميراث العزلة الطويل، في تقييم تفاعل السوريين مع حضور الرئيس أحمد الشرع فعاليات الدورة 80 للأمم المتحدة في نيويورك. هذا التفاعل الذي تضمن مشاعر غابت عن عدة أجيال، واختلط فيها الفخر بالأمل والشعور بالقوة بعد عقود من القهر، من دون إغفال من كان له رأي آخر، يتعلق بضرورة عدم تكرار ظاهرة تمجيد الزعماء، لتلافي ما عرفناه من قبل في تحولهم إلى قوة مستبدة، ما كان لها أن تتسيد لولا مقولة: الزعيم فوق المؤسسات وقبل الدولة.
في واقع الأمر، لم يشهد غالبية السوريين رئيساً لهم يكون مركزاً للزخم الدولي، كما حصل مع الرئيس الشرع في نيويورك؛ إذ كان الرئيس الراحل نور الدين الأتاسي آخر رئيس سوري يرتقي منصة الأمم المتحدة في العام 1967 بعد نكسة حزيران، وقبل أن تنشغل سوريا بعد ذلك بالصراعات الداخلية وانقلاب حافظ الأسد، وبدء عهد الاستبداد الطويل والعزلة الدولية.
وجد السوريون في وقوف الرئيس الشرع على المنصة الأممية، تقديراً لما قدموه من تضحيات خلال الثورة أو قبلها في مواجهة الاستبداد. كما أنهم وجدوا في الحضور السوري الأول منذ نحو ستة عقود، قدراً مهماً من الثقة في المستقبل، وتفهم المجتمع الدولي لحاجتهم للمساعدة ورفع العقوبات، والتصدي للمحاولات الإسرائيلية بإثارة الفتنة الداخلية، والعمل على نشر الفوضى والتقسيم.
والحقيقة أن الجزء الأهم من التقدير توجه نحو الرئيس الشرع، وجرى التعامل مع الأضواء التي استقطبها، بوصفها محفزاً عند كثيرين لاعتبار أن النجاح في تخطي المرحلة الصعبة الحالية، بات يرتبط به، وبقدرته على إقناع قادة العالم بضرورة مساعدة سوريا.
في واقع الأمر، ذلك صحيح الى حد كبير، فالزعماء يمكن أن يوفروا الكثير من الوقت والجهد، لو نجحوا في تقديم قضايا شعوبهم على نحوٍ صائب وناجح، والعكس صحيح تماماً. لكن في حالة سوريا كما سواها، لن يحصل الزعيم أصلاً على فرصة الحضور العالمي، ما لم يكن هناك تمهيد يجعل منه جديراً وقادراً على هذا الدور.
هذا التمهيد تحقق فعلياً منذ انتصار الثورة، وما زال يمضي ويتراكم. بدأ عندما منح الشعب الفرصة والثقة للقيادة الجديدة لإدارة عملية التعافي، وتجلى في مشاركته لأول مرة في التعبير عن شؤون بلاده الداخلية نقداً، مداولة، قبولاً أو رفضاً. لقد استوعب التحديات، وعظّم النجاحات الصغيرة، وصبر على أخطاء الإدارة متجاوزاً إياها ومنحها الوقت. ولم يتشتت تركيزه عن هدف النجاح، بالرغم من حجم التشويش الهائل الذي دخلت فيه سوريا بعد سقوط الأسد. وكان بعض هذا التشويش كفيلاً بفتح الباب لصراعات داخلية أعمق وأخطر قد تطيح بحلم سوريا.
نجاح الرئيس الشرع في الأمم المتحدة، كان نتيجة واضحة المعالم لنجاح ثورة الشعب السوري في تخطي الوقت الصعب، ولولا ذلك، ما كان لأحد أن يتخيل ما حصل، بل إنه من دون تلك الإرادة الشعبية في الصبر على مقارعة الأسد، ربما ما كان أن يكون لسوريا دور في المحفل الأممي، ولكانت فرصة أخرى مضت، وسط غيابها وعزلتها، كما كان يحصل خلال العقود الماضية.
هذه الحقيقة جزء أصيل من تقييم بحث السوريين عن رمزية وطنية يتجمعون حولها، وفي ذلك، هم ليسوا بعيدين عن تجارب شعوب مرت بمحن الحروب والاحتلال، وبعضها عانت كما عانوا، حينما تحلقت خلف قيادات سارت بهم نحو النصر، وقادتهم بنجاح في لحظات الارتباك وعدم اليقين. هذا ما حصل مع ديغول في فرنسا وتشرشل في بريطانيا وروزفلت في الولايات المتحدة. لكن الفرنسيين أنفسهم دفعوا ديغول للاستقالة في لحظة تالية، وكذلك فعل البريطانيون مع تشرشل الذي لم يعيدوا انتخابه بعد الحرب، لأن الزعيم هو بما يقدم لشعبه في الأوقات الفاصلة، لا بجعله قدراً مطلقاً يؤخذ منه ولا يرد عليه.
وفي اللحظة الراهنة، يتضح أن للرئيس الشرع دوراً تاريخياً متواصلاً تجاه سوريا، وأن ما قدمه في نيويورك لم يكن سوى جزء صغير من هذا الدور. فما زال أمامه الكثير مما يمكن أن ينجزه، وقد وعد بتنفيذه، وفي مقدمته بناء المؤسسات، ترسيخ دولة القانون، إقامة دولة المواطنة والحرية والعدالة، وإعلاء صوت الشعب. وهذه مجتمعة هي التي ستجعل الدولة أهم من الرجل، وتجعل الشعب مصدر السلطات لا تابعاً لها. وهذا بحد ذاته سيكون منجزاً تاريخياً يتجاوز حدود سوريا إلى المنطقة بأسرها، التي ما زالت أسيرة صورة الزعيم ورمزيته، أكثر من أن تكون أسيرة دوره وما يقدّمه، وصولاً إلى تحديد موعد رحيله السلمي في الوقت المناسب.
شعب سوريا، ليس جديداً على ذلك، فقد كان بعد الاستقلال أكثر شعوب المنطقة تفتحاً ووعياً، ومارس تجربة ديمقراطية متقدمة بمقاييس عصرها ومنطقتها، سواء في دستور 1920 الذي قضى عليه الاحتلال الفرنسي، أو التجربة البرلمانية الناضجة بعد الاستقلال في العام 1946، التي لم تستمر بسبب الانقلابات المتكررة، والمراهقة السياسية للمغامرين وطالبي السلطة، وصولاً إلى حكم عائلة الأسد.
مثل هذا الميراث جدير بالاستعادة. وهناك اليوم فرصة عظيمة لذلك. فالشعوب التي تحقق أقدارها بنفسها، ولا تنتظر أحداً من الخارج يحقق لها مرادها، وتستطيع أن تصوغ خياراتها. وهو ما يدركه الرئيس الشرع، ومن المقدر أن يتعامل معه بوصفه حقيقةً تاريخية، تنتظر أيضاً أن يسهم السوريون بها، بجعل الدولة قبل الزعيم أياً كان.
المدن
——————————–
الشرع في الأمم المتحدة/ آرون ي. زيلين
بعد لقائه بالشرع وعودته من رحلة بحثية موسعة في سوريا، يلقي خبير من معهد واشنطن الضوء على خطاب الرئيس في الأمم المتحدة، والخطط القريبة المدى، ووجهات النظر حول الدور الأميركي.
يُمثّل ظهور الرئيس أحمد الشرع في الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الأسبوع عودة بلاده رسميًا إلى المجتمع الدولي. ونظرًا لكونه أول رئيس سوري يُلقي خطابًا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ عام ١٩٦٧، يرى هو وأنصاره في هذه المناسبة فرصةً لإعادة تعريف العالم بسوريا الجديدة. فبالنسبة لهم، تُمثّل سوريا المُتحوّلة نجمًا صاعدًا يحمل إمكاناتٍ هائلة بعد سنواتٍ من الحرب الأهلية. إلا أن تحديات ما بعد الحرب هائلة، وليس كل من في الوطن راضيًا عن المسار الحالي للبلاد – وهو أمرٌ يُدركه الشرع وحكومته، ويناقشه فرانك.
بالنسبة لواشنطن، اكتسب فهم هذه الفروق الدقيقة أهميةً أكبر لأن الحكومة الانتقالية تبنّت موقفًا جيوسياسيًا مُعاديًا لإيران وأكثر انسجامًا مع الولايات المتحدة ونظام تحالفها. يُفضّل الكثيرون النظر إلى الوضع السوري الحالي من منظورٍ مُحدّد، لكن الواقع أكثر تعقيدًا بكثير. استنادًا إلى لقاء الكاتب الشخصي مع الرئيس الشرع الأسبوع الماضي ورحلة بحثية واسعة النطاق إلى سوريا، يهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على المسار الذي تسلكه البلاد بعد قرابة عشرة أشهر من سقوط النظام، بدءًا من محتوى خطاب الشرع التاريخي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وتداعياته على السياسة الأمريكية.
خطاب الشرع
بناءً على محادثاته مع الشرع ومستشاريه وعدد من المسؤولين الحكوميين السوريين، سيتسم معظم خطابه بنظرة مستقبلية، حيث سيناقش الفرص الجديدة مع العالم بدلًا من الخوض في الماضي – ما يعتبرونه اختلافًا جذريًا عن نظام الأسد. تشمل المواضيع الرئيسية:
الاستثمار وإعادة الإعمار. ستكون أهم مواضيع الشرع هي التعافي الاقتصادي بعد الحرب وإعادة إعمار البلاد. ولهذا السبب، التقى هو وفريقه بشخصيات من قطاع الأعمال في قمة كونكورديا للمستثمرين وغرفة التجارة الأمريكية منذ وصولهم إلى نيويورك. ويسعون على وجه الخصوص إلى جذب المزيد من الاستثمارات لتخفيف المعاناة الإنسانية في وطنهم. ومع ذلك، يخشى العديد من السوريين من أن فتح البلاد أمام استثمارات أجنبية واسعة النطاق دون توفير حماية محلية قد يُدمر الشركات المحلية إذا لم تتمكن من منافسة الواردات الأقل سعرًا، مما يُلحق المزيد من الضرر بالطبقة الوسطى المتعثرة أصلًا.
ويأمل الشرع أيضًا أن يُظهر تركيزه الاقتصادي للعالم أن سوريا تتجاوز مجرد العنف الطائفي الذي تصدّر عناوين الصحف خلال الأشهر القليلة الماضية. ويرى أن التركيز فقط على تلك المشاكل يُغفل الصورة الأكبر لما حققته حكومته حتى الآن، ألا وهي: إبرام صفقات بمليارات الدولارات مع شركات وهيئات حكومية في الخليج العربي وتركيا والغرب؛ وطرد عناصر حزب الله والنظام الإيراني من سوريا؛ ومكافحة مهربي الكبتاغون وإرهابيي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)؛ وبدء عملية إعادة بناء المدارس والمرافق الصحية والمصانع.
قضايا العدالة الانتقالية. على الرغم من هذه الإنجازات، إذا حاول الشرع علنًا التقليل من شأن الفظائع التي وقعت في المنطقة الساحلية ومحافظة السويداء هذا العام، فإنه يُخاطر بترسيخ القطيعة بين دائرته والسوريين الذين ما زالوا يُشككون في حكمه في بلدٍ مُدمر اقتصاديًا. وينطبق الأمر نفسه إذا استمر في رفض حتى المقترحات المعقولة لحكمٍ أكثر لامركزية، مُعتبرًا إياها مجرد مشاعر “انفصالية” خطيرة – مع أن البعض في شمال شرق سوريا والسويداء يسعون بالفعل إلى الانفصال.
سيكون حلّ هذه القضايا المُعقدة أمرًا بالغ الأهمية للمضي قدمًا. وللمساعدة في هذه المهمة، من المُرجح أن يُشير خطاب الشرع إلى التقدم الذي أحرزته دمشق في مجال العدالة الانتقالية، بما في ذلك اللجنة التي حقّقت في أحداث العنف في الساحل، ولجنة تقصي الحقائق الجديدة التي سيُعلن عنها قريبًا بشأن أحداث العنف في السويداء، وتشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والهيئة الوطنية للمفقودين. مع ذلك، يجهل الكثير من السوريين خارج الحكومة أن هذا التقدم يُحرز خلف الكواليس، مما يُوحي بافتقار فريق الشرع إلى خطة جادة طويلة المدى للمساءلة بعد الحرب. هذه المجموعة الغريبة من الأمور مُتعمدة – فوفقًا لمسؤولين سوريين مُختلفين، تجنبوا إطلاع الرأي العام على العملية قبل اكتمالها خوفًا من أن يُقوّض ذلك تحقيقاتهم. إلا أن النتيجة غير المقصودة لهذا النهج هي النفور الشعبي والمزيد من العنف، حيث أخذ بعض السوريين على عاتقهم تحقيق العدالة بقتل مسؤولين سابقين في النظام.
دمج الأسلحة والميليشيات. من المُرجّح أن يُغطي خطاب الشرع أهمية احتكار الدولة للسلاح، مما يعني تأكيد موقفه بضرورة دمج قوات سوريا الديمقراطية (SDF) بقيادة الأكراد وقوات “الحرس الوطني” الدرزية المدعومة من رجل الدين حكمت الهاجري في الجيش السوري الجديد. إلا أن الحوادث المذكورة آنفًا على الساحل وفي السويداء جعلت هذا الجهد مهمةً شاقةً للغاية.
الموقف تجاه إسرائيل. لا شك أن الشرع سيذكر الغارات الجوية الإسرائيلية المتواصلة والتوغلات عبر الحدود. وسيشير في هذا السياق على الأرجح إلى أن هذه الإجراءات لم تكن مبررة، وأن حكومته دعت مرارًا وتكرارًا إلى استمرار اتفاقية فك الارتباط لعام ١٩٧٤، وأن دمشق لا تريد سوى أن تُترك وشأنها لتتمكن من إعادة إعمار البلاد. وفي أعقاب ردود الفعل الدولية الواسعة ضد الغارة الجوية الإسرائيلية على قطر، سيكون هناك تعاطف كبير في الجمعية العامة للأمم المتحدة مع تعليقات الشرع حول هذا الموضوع.
التداعيات على السياسة الأمريكية
مع الإقرار بأولويات الشرع السياسية المفهومة، والسعي إلى تعزيز العلاقات الثنائية الناشئة، ينبغي على واشنطن استغلال مناسبة خطابه وزيارته لتأكيد المصالح الأمريكية الرئيسية. ويشمل ذلك تذكير دمشق بأن الضغط الأمريكي – الحقيقي والمُتصوّر – غالبًا ما يرتبط بمخاوف بشأن رفاهية الشعب السوري ومستقبل بلاده الاقتصادي والسياسي. يُذكر أن وزير الخارجية ماركو روبيو والسيناتور جين شاهين (الحزب الديمقراطي عن ولاية نيو هامبشاير) التقيا بالفريق الدبلوماسي السوري أمس، والتقى الرئيس ترامب بالشرع في وقت سابق اليوم، وقد تُعقد اجتماعات ثنائية أخرى في وقت لاحق من هذا الأسبوع.
في الأشهر التي سبقت انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، انصبّ تركيز سياسة إدارة ترامب على سوريا بشكل كبير على رفع العقوبات، والشراكة في القضايا الأمنية (مثل القتال الدائر ضد داعش)، والعثور على الأمريكيين المفقودين (مع الأسف، لا توجد أنباء عن اختفاء الصحفي أوستن تايس رغم استمرار تحقيقات الحكومة السورية)، وتسهيل الاندماج مع قوات سوريا الديمقراطية، ومحاولة تحديث اتفاقية الحدود لعام ١٩٧٤ مع إسرائيل. مع ذلك، لا تزال المسألتان الأخيرتان تحملان مخاطر كبيرة، وهناك مسألة انتقالية ثالثة لم تُعالج بشكل كافٍ:
اتخاذ الخطوات التالية مع قوات سوريا الديمقراطية. مع اقتراب الموعد النهائي لدمج قوات سوريا الديمقراطية مع الجيش الوطني بنهاية العام، لا توجد أي مؤشرات على تحقيق هذا الهدف، ويخشى الكثيرون من أن يتخلى الطرفان عن المحادثات الجوهرية ويحاولا التأهب لمعركة محتملة قادمة. ينبغي على الولايات المتحدة أن تعمل بحكمة لمنع اندلاع مثل هذه الأزمة، ليس فقط لأنها قد تُعرقل العملية الانتقالية في سوريا، ولكن أيضًا لأنها قد تُشعل حربًا بالوكالة بين تركيا وإسرائيل. بعبارة أخرى، تحتاج واشنطن إلى إقناع دمشق وقوات سوريا الديمقراطية بالتنازل عن بعض النقاط حتى يشعرا براحة أكبر تجاه أي اتفاق دون أن يكونا راضيين عنه تمامًا. ينبغي أن يكون الهدف الرئيسي هو اللامركزية الإدارية، وليس اللامركزية السياسية. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي على السلطات الأمريكية السعي لإنشاء غرفة عمليات مشتركة لدمشق وقوات سوريا الديمقراطية في قتالهما المشترك ضد داعش، لتحسين العمليات وبناء التفاهم. ينبغي عليهم أيضًا النظر في اتفاقية مؤقتة مُحدثة لنقل النفط من الأراضي الغنية بالهيدروكربونات التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، مما قد يُساعد في تخفيف التوترات الناجمة عن التجارة غير الرسمية الحالية.
تخفيف الاحتكاك مع إسرائيل. ناقش بعض المسؤولين صياغة اتفاقية مُنقحة “1974+” بين دمشق والقدس، لكن على جميع الأطراف فهم التعقيدات التي ينطوي عليها التوصل إلى مثل هذه الاتفاقية. على الرغم من أن الشرع أبدى استعداده للعمل على هذه القضية في أي وقت، إلا أنه يخشى أيضًا من أن إسرائيل قد لا تلتزم بالاتفاقية حتى في حال توقيعها. وبالتالي، يجب على إدارة ترامب أن تُدرك أنها ستحتاج إلى تكثيف جهودها وأن تكون الضامن لأي اتفاقية من هذا القبيل. على سبيل المثال، يُمكنها نقل بعض الأصول العسكرية الأمريكية المحدودة الموجودة بالفعل في سوريا إلى محافظة درعا الحدودية، الأمر الذي قد يكون له فائدة مزدوجة تتمثل في تهدئة المخاوف الإسرائيلية بشأن تلك الحدود مع وضع حد لعمليات الاغتيال المحلية التي يشنها داعش والتي ازدادت في الأشهر الأخيرة. في الواقع، يُمكن تصنيف هذه الخطوة قانونيًا كجزء من مهمة التحالف الدولي ضد داعش، مما يُبرز طريقةً أخرى يُمكن أن تتطور بها جهود مكافحة الإرهاب الأمريكية الآن بعد أن أقامت واشنطن علاقات عمل مع الحكومة السورية. ومن الناحية المثالية، يُمكن التوصل إلى اتفاق بين إسرائيل وسوريا هذا الأسبوع، مما قد يُحسّن الأوضاع المحلية والإقليمية في ظلّ هذه الظروف المتوترة.
معالجة مشاكل السكن والأراضي والممتلكات. ينبغي على واشنطن بذل المزيد من الجهود لمساعدة الحكومة الجديدة في هذه المشاكل، التي تفاقمت مع عودة المزيد من اللاجئين السوريين إلى بلادهم. على سبيل المثال، صادر نظام الأسد عددًا لا يُحصى من الممتلكات خلال الحرب الأهلية وقبلها، ومن المعروف أن ميليشيا مدعومة من تركيا (الجيش الوطني السوري) تستولي على ممتلكات في المناطق الكردية. في ظل غياب آلية تسمح للأفراد باستعادة منازلهم أو أعمالهم، يلجأ البعض إلى الابتزاز، بينما يُجبر آخرون أشخاصًا عاشوا على تلك الممتلكات لسنوات طويلة (في بعض الحالات تصل إلى أربعة أو خمسة عقود). ردًا على ذلك، ينبغي على واشنطن الاستعانة بالمنظمات الدولية ذات الصلة لمساعدة دمشق في تبسيط حفظ السجلات المتعلقة بقضايا الملكية وتطوير سجل مدني مُحدّث. لن يُسهم هذا الجهد الأخير في تحسين مشكلة السكن والأراضي والممتلكات فحسب، بل سيوفر أيضًا بيانات أكثر دقة للمساعدة في التخطيط للانتخابات الوطنية بنهاية الفترة الانتقالية – وهو أمرٌ صرّح الشرع بأنه يتمناه. على الرغم من أن سوريا تواجه تحديات أخرى كثيرة، إلا أن إحراز تقدم ملموس في هذه القضايا الثلاث قد يُمهّد الطريق لسوريا نحو النجاح مع اقتراب ذكرى الإطاحة ببشار الأسد. ومن المثير للاهتمام أن الشرع يعتقد أن التحديات التي يواجهها اليوم أسهل من تلك التي واجهها عندما كان يحكم معقله المتمرد في إدلب خلال الحرب – ربما لأنه يرى سقوط النظام بمثابة معجزة من نوع ما. وأياً كان السبب، ينبغي على واشنطن أن تعتبر حماسه فرصة نادرة لمساعدة (وتشكيل) سوريا الجديدة على النجاح بعد أن حُرمت لعقود في عهد آل الأسد.
آرون ي. زيلين هو زميل أول في زمالة غلوريا وكين ليفي في معهد واشنطن، ومؤلف كتاب “عصر الجهاد السياسي: دراسة في هيئة تحرير الشام”.
مترجمة عن المقال في الرابط التالي
——————————-
فورين بوليسي: هذا ما جعل خطاب الرئيس الشرع ناجحا
26 أيلول 2025
قالت مجلة فورين بوليسي الأميركية، في تقرير غطى كلمة الرئيس السوري أحمد الشرع أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، إن الحدث كان استثنائيا بكل المقاييس إذ يعد الشرع أول رئيس سوري يخاطب الهيئة الأممية منذ عام 1967.
وأضافت أن ما جعل الحدث مميزا هو أن الشرع كان مقاتلا سابقا في تنظيمات مسلحة، وخاض مواجهات ضد القوات الأميركية في العراق، وكان على قائمة المطلوبين حتى ديسمبر/كانون الأول الماضي مع مكافأة قيمتها 10 ملايين دولار، وها هو الآن يلقي كلمة أمام القادة الذين كانوا يلاحقونه.
وأوضح التقرير -بقلم مراسلَي الموقع ريشي أيينغار وجون هالتيوانغر- أن صعود الشرع إلى الرئاسة بعد الإطاحة بالرئيس المخلوع السابق بشار الأسد كان تحولا جذريا، غير أن كثيرين ما زالوا يشككون في قدرته على قيادة البلاد نحو الاستقرار بعد حرب دامية استمرت 14 عاما وأدت إلى تفكك نسيج المجتمع السوري.
فرصة لتبديد الشكوك
وحسب التقرير، فإن الشرع استغل -بدوره- دقائقه المعدودة أمام قادة العالم ليطمئن المجتمع الدولي بشأن نياته، مشددا على التزامه بفتح صفحة جديدة في تاريخ سوريا قائمة على السلام والتسامح والتعاون، ومحاسبة المتورطين في سفك دماء الشعب.
ونقل التقرير عن الشرع قوله إن “سوريا تحولت مع هذا النصر من بلد يصدر الأزمات إلى فرصة تاريخية لإحلال الاستقرار والسلام والازدهار لسوريا”، داعيا لرفع العقوبات الأممية المتبقية على البلاد.
وأشادت مايا أنغار -محللة شؤون الأمم المتحدة في مجموعة الأزمات الدولية- بأداء الشرع، مؤكدة أن الخطاب كان بمثابة “فرصة مثالية لتلميع صورته أمام العالم”، حسب ما نقله التقرير.
وأكدت أنغار للموقع أن خطاب الشرع الأخير كان يهدف “دون أدنى شك إلى تبديد المخاوف التي تساور المجتمع الدولي بشأن التعامل مع سوريا”، كما صُمم “لجذب مستثمرين وشركات جديدة والتواصل معهم” بهدف إعادة إعمار سوريا.
لحظات تاريخية
ولفتت المحللة إلى أن الشرع لم يدخر جهدا بالتواصل مع جميع الأطراف “حتى مع أكبر منتقديه”، مشيرة إلى أنه جلس لإجراء محادثة مع المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ديفيد بتريوس، الذي أشرف على سجنه سابقا في العراق.
وذكر الموقع أن الشرع لم يغفل مهاجمة إسرائيل بسبب ضرباتها الجوية في سوريا، مما يدل -حسب أنغار- على أن طريق التطبيع لا يزال طويلا، وهو ملف ستراقبه العواصم الدولية عن كثب.
وخلص إلى أن حضور الشرع شكل لحظة تاريخية راقبها كثير من السوريين عن كثب، ومنهم أبناء الجالية السورية في نيويورك الذين احتشدوا قرب حواجز الأمن وأجهش بعضهم بالبكاء، معبّرين عن مزيج من الأمل والدهشة لتمثيل بلادهم على المنصات العالمية.
المصدر: فورين بوليسي
————————
“كيف وصلت من القاعدة لرئاسة سوريا؟” هكذا رد الشرع على سؤال مدير CIA السابق
افتتح المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ديفيد بتريوس، حواره مع أحمد الشرع، في نيويورك الاثنين، بسؤال عن ماضيه عندما كان عضوًا في تنظيم القاعدة قبل أن يصبح رئيسًا لسوريا.
وقال بتريوس، خلال فعاليات قمة كونكورديا المنعقدة على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة: “نحن في مكانين مختلفين، عندما كنت في العراق أنت كنت محبوسًا من قبل القوات الأمريكية على مدار خمس أعوام عندما كنت في الخدمة العسكرية هناك، والآن أنت هناك كرئيس سوريا، وقمت بتحرير سوريا من نظام بشار الأسد وتشترك الآن في أول انعقاد للأمم المتحدة كرئيس لبلدك… اشرح لنا كيف وصلت من القاعدة في العراق منذ 20 عامًا لمكانك الآن كرئيس سوريا على هذه المنصة في مدينة نيويورك”.
وحينها رد الرئيس السوري المؤقت بالقول: “جيد أنه في وقت من الأوقات كنا في ميدان حرب وانتقلنا إلى ميدان حوار الآن، من خاض الحرب هو أكثر الناس الذين يعلمون أهمية السلام، الماضي له أحكام خاصة فيه تتعلق بالأعراف وقوانين تلك المرحلة. التاريخ عندما نريد أن نحاكمه يجب أن نحاكمه بقوانين الماضي وليس بقوانين الحاضر”.
وأشار الشرع إلى ماضيه، قائلا: “كانت لها حقبلة له ظروف خاصة في المنطقة، كان فيه احتلال للعراق… وسوريا كانت مهددة بشكل كبير، حجم المرحلة في ذات الوقت والوعي واندفاع الشباب كلها عوامل كانت تساعد على اختيارات في تلك المرحلة، المهم أنه كانت النوايا سليمة تجاه الدفاع عن الناس وحقوق الناس وإنقاذ النساء والأطفال من الظلم الذي كان حاصل في المنطقة”.
وأضاف الشرع: “ربما تجري بعض الأخطاء في مسيرة أي إنسان، لكن الأهم أن نكون مركزين على حماية الإنسان من المخاطر التي تحيط به أثناء عمليات الاضطرابات التي تحصل في أي منطقة كانت.. التزامنا بهذا الخط هو ما أوصلنا اليوم إلى ما نحن عليه وأن نسمع بعض كأصدقاء”.
وبات رئيس الإدارة السورية الحالية أحمد الشرع أول رئيس للبلاد يشارك في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ عام 1967.
———————————
مدير إدارة الشؤون الأمريكية في وزارة الخارجية السورية، قتيبة إدلبي: الشرع بحث مع ترامب رفع العقوبات
هبة محمد
26 أيلول 2025
أشاد مدير إدارة الشؤون الأمريكية في وزارة الخارجية السورية، قتيبة إدلبي، في لقاء خاص لـ «القدس العربي» بالزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس السوري للمرحلة المؤقتة أحمد الشرع إلى نيويورك، مؤكدا أنها شكلت محطة مهمة في مسيرة عودة سوريا إلى الساحة الدولية.
وبيّن لـ«القدس العربي» أن حضور الشرع وإلقاء كلمته من منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة للمرة الأولى، يمثل رسالة واضحة على استعادة سوريا مكانتها ودورها الطبيعي في المنظومة الدولية، ويعكس اهتمام المجتمع الدولي المتزايد بالتفاعل مع دمشق على أسس من الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
وقال إن الشرع، التقى مع رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، دونالد ترامب، وتضمن الحديث العلاقات الثنائية ورفع العقوبات وعودة سوريا إلى الساحة الدولية وعددا من الملفات أهمها الجوانب الاقتصادية وذلك على هامش زيارة أجراها الشرع، إلى نيويورك، للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ 80.
وجرى لقاء الشرع وترامب، خلال حفل الاستقبال الذي أقامه الرئيس الأمريكي على هامش أعمال الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بحضور عقيلته ميلانيا ترامب، وفقا لما نقلته الرئاسة السورية، أمس الخميس.
وهنا نص الحوار مع إدلبي:
■ كيف تقيمون في وزارة الخارجية نتائج زيارة الشرع إلى نيويورك على صعيد تعزيز مكانة سوريا في المجتمع الدولي؟
□ زيارة الرئيس الشرع إلى نيويورك شكّلت محطة تاريخية في مسيرة عودة سوريا إلى الساحة الدولية، حيث كان حضوره وإلقاؤه كلمة سوريا من منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة للمرة الأولى رسالة واضحة بأن سوريا تستعيد مكانتها ودورها الطبيعي في المنظومة الدولية. كما أن اللقاءات الثنائية والمتعددة التي جرت على هامش الزيارة عكست اهتماما متزايدا من المجتمع الدولي بالانخراط مع سوريا في مسار جديد قائم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
■ هل هناك مؤشرات ملموسة على تحسين العلاقات بين دمشق وواشنطن، خصوصا في الملفات الاقتصادية والسياسية والأمنية وغيرها من الملفات؟
□ الحوار مع الولايات المتحدة يجري بشكل جيد، وهناك إدراك متزايد لدى الجانب الأمريكي بأن التعاون مع سوريا يصب في مصلحة الاستقرار الإقليمي والدولي. شهدنا خلال هذه الزيارة إشارات إيجابية من خلال المداولات الثنائية، حول الرغبة في معالجة عدد من الملفات ذات الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها مكافحة الإرهاب، القضايا الإنسانية، وبعض الجوانب الاقتصادية.
■ ما هي آلية رفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية عن سوريا، وهل جرى بحث آليات تعاون أو تيسير اقتصادي خلال الزيارة؟
□ العقوبات الاقتصادية تشكل عائقا أساسيا أمام تحسين حياة السوريين وتعافي الاقتصاد والسير في عملية إعادة الإعمار. خلال الزيارة، طُرحت بشكل واضح مسألة العقوبات كملف أساسي، وتم التطرق إلى إمكانية اتخاذ خطوات تدريجية لتخفيفها بما يفتح المجال أمام التعاون الاقتصادي والإنساني. نحن نأمل أن تُترجم هذه النقاشات إلى إجراءات عملية في المستقبل القريب.
■ الشرع تحدث عن اتفاق محتمل مع إسرائيل، ما هو نطاق هذا الاتفاق، ماهي بنوده؟ وهل هناك جدول زمني؟
□ ما أشار إليه الرئيس الشرع يتعلق بجهود جارية لإرساء تفاهمات أولية تهدف إلى تثبيت الاستقرار وتفادي التصعيد. أي اتفاق محتمل سيكون قائما على احترام السيادة السورية ووحدة الأراضي، ويتضمن خطوات واضحة لوقف الأعمال العدائية وتهيئة بيئة تسمح بالوصول إلى تسويات أوسع على المدى البعيد.
لا يوجد حتى اللحظة جدول زمني محدد، لكن النقاشات مستمرة عبر قنوات متعددة.
■ ما هو دور الولايات المتحدة والمجتمع الدولي في دعم المصالحة الداخلية واستقرار سوريا؟
□ المصالحة الوطنية في سوريا هي عملية سورية خالصة وأي جهود دولية حول هذا الأمر تصب حول ضرورة حل أي إشكالات لتجنب حصول فراغ والانزلاق إلى الفوضى. في الوقت نفسه، يمكن للمجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة، أن يلعب دوراً مسانداً من خلال دعم جهود إعادة الإعمار، تسهيل عودة اللاجئين، والمساهمة في برامج التنمية، بما يساعد السوريين على تجاوز آثار الحرب وتعزيز الاستقرار.
وكان الشرع، قد ألقى الأربعاء خطابا قصيرا، مؤكدا أن بلاده تعمل على إعادة بناء الدولة وتعزيز مؤسساتها لضمان الحقوق والحريات لجميع المواطنين، مع التركيز على المشاركة السياسية وإرساء مبادئ العدالة الانتقالية. وأكد أنّ سوريا نجحت تدريجياً في رفع معظم العقوبات، داعياً إلى إنهاء جميع العقوبات الاقتصادية المفروضة لدعم الاستثمار وإعادة الإعمار، مع تعديل قوانين الاستثمار لاستقطاب الشركات الإقليمية والدولية وتعزيز التنمية المستدامة.
كما قال خلال جلسة حوارية في معهد الشرق الأوسط في نيويورك، إنّه «يجب الحكم على المرحلة الحالية بظروفها الحالية وليس بناء على ما حدث سابقاً»، مشدداً على أنّ «كل مرحلة لها ظروفها التي تؤدي إليها». وأضاف: «لا نستطيع استيراد أنظمة جاهزة أو أنظمة من التاريخ ونسخها وتطبيقها على سوريا».
وفي حديثه عن الاتفاق مع إسرائيل، قال: إن على إسرائيل أن تعود إلى ما قبل الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، ونحن قلنا لن نكون مصدر خطر لأحد.
القدس العربي
——————————-
=================



