العدالة الانتقالية تحديث 02 تشرين الأول 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي:
المخاطر المترتبة على تغييب آليات العدالة في اتفاقيات السلام/ فضل عبد الغني
2025.09.28
تُمثّل العلاقة بين السلام والعدالة في تسويات ما بعد الصراع أحد أكثر مباحث بناء السلام المعاصر إشكاليةً؛ ففي حين قد يقتضي الوقف الفوري للأعمال العدائية تنازلاتٍ عملية، منها استبعاد آليات المساءلة، تُظهر الأدلة المتنامية أن هذا الإقصاء ينطوي على مخاطر جسيمة تهدد إمكانية ترسيخ سلامٍ مستدام. ويتجلّى التوتر بين تقليص النزاع في الأمد القصير وتحقيق الاستقرار في الأمد الطويل على نحوٍ أوضح عندما تُبرم اتفاقيات السلام من دون تضمينٍ مؤسسيٍّ واضحٍ لآليات العدالة.
إن استبعاد آليات العدالة من اتفاقيات السلام يُضعف بصورة جوهرية البنية المؤسسية اللازمة لاستدامة الحكم في مرحلة ما بعد الصراع. فعندما يُدمَج الجناة في مناصب الدولة من دون مساءلة؛ تتعرض شرعية النظام السياسي لخللٍ بنيوي يتجلى في مستوياتٍ متعددة؛ إذ تنشأ مفارقة يصبح فيها من قوّضوا المنظومة القانونية والسياسية أوصياء عليها. ولا تقف العواقب عند الرمزية، بل يمتد أثرها إلى تكريس انتهاكاتٍ سابقة وانفلاتٍ قانونيٍّ دائم، يحول دون بناء مؤسسات حوكمةٍ ذات مصداقية. ويُعدّ تقويض أسس سيادة القانون من أخطر هذه النتائج؛ فحين تُوحي تسويات السلام بأن القواعد قابلةٌ للتجاوز وأن الفاعلين الأقوياء بمنأى عن المحاسبة، تتشكل بيئة معيارية يُقبل فيها العنف كآليةٍ مشروعةٍ لحلّ النزاعات. ويتجسد هذا التحول عبر تآكل أبعاد العدالة الثلاثة: القانوني، حيث يفقد القانون وظيفته الرادعة وقدرته التنظيمية؛ والإصلاحي، عندما لا يُعتَرَف بحقوق الضحايا ولا يُعوَّضون؛ والتوزيعي، عندما تُترك الاختلالات الهيكلية التي غذّت الصراع من دون معالجة.
الإفلات من العقاب وديناميات العنف المتوارث يُنتج الإفلات من العقاب دوراتِ عنفٍ متوارثةً تجعل فترات وقف الاقتتال مجرد هوامش زمنية بين جولات نزاعٍ جديدة. وتشير بياناتٌ إحصائيةٌ إلى أن لجان الحقيقة، حين تُنشأ فور انتهاء النزاع، تُحقق فعاليةً أعلى بنسبة 75% في منع تجدّد العنف؛ غير أن تغييبها عن اتفاقيات السلام يُفقد العملية هذه الأداة الوقائية المحورية. ويجري تطبيع العنف كوسيلةٍ سياسية عبر تكرار الأنماط وتصعيدها، إذ يُنتج نجاح العنف من دون تبعاتٍ نماذجَ إرشاديةً لفاعلين سياسيين لاحقين. وتفسر هذه الديناميكية إخفاق العفو الشامل المتكرر في تحقيق نتائج السلام المرجوّة، لأن غياب الردع يُبقي السلوك غير القانوني خياراً مُتاحاً بلا كلفة.
عوائق التعافي الاجتماعي وتحديات الشرعية الدولية
إن حرمان الضحايا من حقوقهم عبر استبعاد آليات العدالة يُنتج مظالم موازية يستثمرها مُحرّكو الصراعات لإعادة إشعال العنف؛ فحقوق الضحايا الأساسية في الحقيقة والعدالة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار شروطٌ عملية لإعادة بناء المجتمع. وعندما تتجاهل اتفاقيات السلام هذه الحقوق، فإنها تُعيق تكوين ذاكرة جماعية لازمة للتعافي المجتمعي؛ إذ يفتح غياب السرديات المشتركة حول الماضي الباب أمام التلاعب السياسي بالروايات التاريخية المتنافسة، فتستبقي الجماعاتُ قراءاتٍ متناقضة لأسباب الصراع ومسؤولياته.
إن تعطيل تشكّل الذاكرة الجماعية بفعل غياب عمليات البحث عن الحقيقة يُجهض فرص تشخيص الأسباب الجذرية للنزاع ومتطلبات الإصلاح المؤسسي؛ وتوفّر لجان الحقيقة ونظيراتها منصّاتٍ مُنظّمةً لشهادات الضحايا تسهم في شفاء الأفراد وبناء الاعتراف الجمعي. غير أن تغييبها عن اتفاقيات السلام يُقصي هذه المساحات الحيوية لمعالجة الصدمات الاجتماعية ويحول دون صياغة توصيات للتحول المؤسسي. وعلى المنوال ذاته، فإن عدم إرساء أطرٍ فعّالةٍ للتعويضات يُكرّس تهميش الضحايا وهشاشتهم، ويُبقي قضايا العدالة التوزيعية بلا معالجة، ما يحافظ على الشروط الهيكلية التي غذّت النزاع ابتداءً.
كما يتصاعد خطرُ تآكل الشرعية الدولية في نظامٍ عالميٍّ مترابط تتطلب فيه عمليات السلام دعماً خارجيّاً واسعاً؛ فسياسات الأمم المتحدة المؤسسية المناهضة للعفو تُقيّد تقديم المساعدات التقنية والمالية لعمليات تُكرّس الإفلات من العقاب، في حين يواجه العديد من المانحين الثنائيين قيوداً قانونية تحول دون دعم اتفاقيات تستبعد آليات المساءلة. ويتجاوز هذا البعد الدولي نطاق الدعم المادي ليُرسّخ سوابق معيارية؛ فكل اتفاق سلام يتجاهل العدالة يُسهم في تقويض معايير المساءلة عالمياً ويُشجّع الجناة على مواصلة الانتهاكات عبر الحدود. إن إضعاف قواعد القانون الدولي بفعل التنازلات المتتالية بشأن العدالة يخلق بيئةً مُواتيةً لوقوع انتهاكات مستقبلية، ويُضعف البنية الكاملة للقانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان.
خاتمة
يُظهر تحليل المخاطر الناجمة عن تغييب آليات العدالة في اتفاقيات السلام أن التوتر المُتصوَّر بين السلام والعدالة ينطوي على سوء فهمٍ جوهري لمتطلبات التسوية المستدامة للنزاعات؛ فالأدلة تُبيّن أن الاتفاقيات الخالية من أحكام العدالة لا تُنهي النزاعات على نحوٍ دائم، بل تُفضي إلى أوضاعٍ هشّة تتسم بإبقاء المظالم بلا معالجة، واهتزاز شرعية المؤسسات، وتطبيع العنف السياسي. ويُقدّم معدّلُ تكرار النزاعات البالغ نحو 57% في الاتفاقيات التي تفتقر إلى آليات العدالة، مقارنةً بمعدلاتٍ أدنى بكثير عند تضمين المساءلة، برهاناً عملياً على ترابط السلام والعدالة.
وتكشف المخاطرُ المتعددة الأبعاد، من شرعية الحكم وسيادة القانون إلى حقوق الضحايا وتشكيل الذاكرة الجماعية والدعم الدولي، تكشف أن السلام المستدام يقتضي آلياتِ عدالةٍ هادفةً رغم تعقيدات التفاوض. وتقدّم المقارباتُ الإبداعية التي تُوازن بين متطلبات التهدئة الفورية وضرورات العدالة طويلة الأمد، مثل المساءلة المؤجّلة، والعفو المشروط المقيَّد، والنماذج الهجينة التي تجمع بين العناصر التصالحية والجزاءية، مساراتٍ تتجاوز الثنائية الزائفة بين السلام والعدالة. وتتمثل الفكرة المحورية في أن الوصول إلى سلامٍ حقيقيٍّ مستدام في سوريا وسواها يتطلب اقتران وقف الأعمال العدائية بمعالجة إرث العنف عبر آليات عدالةٍ مُصمَّمةٍ بعناية.
تلفزيون سوريا
——————————
في سوريا: من الاغتصاب إلى التبرّعات… والعدالة غائبة!/ عدي العبدالله
27.09.2025
خطف نساء واغتصابهن وقتلهن في سوريا، جرائم تُنشر تفاصيلها على وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن يختفي صداها من الذاكرة الجمعية بلا محاسبة واضحة، يُستبدل الحقّ القانوني للضحايا بمشهد افتراضي من التعاطف والشفقة و”التبرّعات”، وربما قضيّة الشابّة روان الأسعد، هي المثال الأوضح والأكثر فجاجة على ذلك!
تتكرّر مشاهد العنف ضدّ نساء في سوريا كأنها خبر يومي عابر: خطف واغتصاب وقتل، تُنشر تفاصيلها على وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن يختفي صداها من الذاكرة الجمعية بلا محاسبة واضحة، و أحياناً إنكار لوجود هذه الجرائم بالأصل.
في كلّ مرّة، نرى موجة غضب عاطفي سرعان ما تتحوّل إلى حملات تضامن رمزية أو دعوات للتبرّع، بينما يظلّ الجناة خارج المساءلة. هذا النمط ليس مجرّد تراكم لحوادث فردية، بل أصبح جزءاً من بنية الحياة اليومية في مناطق سيطرة السلطة الانتقالية، حيث يُستبدل الحقّ القانوني للضحايا بمشهد افتراضي من التعاطف والشفقة، وربما قضيّة الشابّة روان الأسعد، هي المثال الأوضح والأكثر فجاجة على الانتهاكات التي تشهدها سوريا وأسلوب التعامل معها.
اغتصاب في وضح النهار… ثم تبرّعات!
في أيلول/ سبتمبر 2025، خرجت الشابّة روان الأسعد (23) عاماً، من مدينة سلحب في ريف حماة، في مقطع فيديو تطالب فيه بالقبض على مغتصبيها. كان الإرهاق والارتباك باديين على وجهها بشكل جليّ، روان أُجبرت على أن تتحوّل من ضحيّة تبحث عن الأمان إلى شاهدة على مأساتها أمام ملايين الغرباء.
وفي فيديو لاحق، أعلنت أنها تلقّت نحو 25 مليون ليرة من متبرّعين، في حملة أثارت جدلاً واسعاً حول شفافية جمع التبرّعات، والجهة التي صوّرت الفيديو ونشرته، وكيف حوّلت قضيّتها من جريمة اغتصاب علنية إلى قصّة إنسانية على وسائل التواصل الاجتماعي.
هذه الحملة لم تُسهم فقط في كشف اسم روان ومكان إقامتها، بل حوّلت قضيّتها إلى مادّة للجدل حول “تبرّعات” و”مساعدات”، بدل التركيز على المطالبة بمحاسبة الجناة.
ناشط سوري نشر مقطع فيديو ذكر فيه أسماء المغتصبين وانتماءاتهم القروية والفصيل الذي يعملون تحت رايته، وشرح كيف تمارس هذه الفصائل سطوة كاملة على القرى التي تسيطر عليها، بحيث ترتكب انتهاكات متكرّرة من دون رادع أو مساءلة، رغم علم الجهات الرسمية بمرتكبي الجريمة وهويّاتهم، أو على الأقلّ امتلاكهم ضبوطاً قدّمها الضحايا.
المشهد يتكرّر: جريمة منظّمة يرتكبها مسلّحون معروفون، تتحوّل إلى صدمة أولى على وسائل التواصل، ثم إلى صور و”هاشتاغات” ودعوات للتبرّع، وبعد أيّام تظهر الضحيّة في فيديو مرتبك تشكر فيه المتبرّعين، فينتهي المشهد. العدالة تختفي، ويظهر بدلاً منها خطاب الشفقة: “انظروا كم هي فقيرة، ساعدوها”. وكأن الجريمة لم تكن فعلاً يستوجب المحاسبة، بل مجرّد مناسبة لفتح حملة دعم.
ويتجلّى هذا النمط بوضوح في تحوّل القضايا سريعاً إلى حملات تبرّع تكشف تفاصيل حياة العائلة، لتصبح مأساة الضحيّة محتوى يستهلكه الجمهور بدلاً من أن تكون دافعاً للمطالبة بالعدالة.
حين تتحوّل المأساة إلى محتوى
ما إن انتشرت قصّة روان التي تعرّضت لاعتداء جنسي مساء الثلاثاء التاسع من أيلول/ سبتمبر الحالي، أثناء عودتها من عملها نحو قريتها حورات عمورين.
حتى تسابق ناشطون على منصّات التواصل إلى تصوير منزل العائلة ونشر تفاصيل حياتهم اليومية: أخ مريض، جدران بلا طلاء، أثاث متهالك، نافذة مكسورة، فالضحيّة هي المعيلة الوحيدة لأمّها وشقيقها بعد وفاة والدها في 2017.
أحد الحسابات كتب في منشور طويل بعد أن أخذ موافقة الأمّ ــ بحسب ما ذكر ــ أنه سيُطلق “أضخم حملة تبرّعات في طرطوس”، داعياً الناس إلى تحويل الأموال عبر شركات الحوالة المحلّية، واضعاً اسمه ورقمه بشكل علني. حساب آخر على إنستغرام، يملك تفاعلاً واسعاً، دخل إلى المنزل وصوّر كلّ التفاصيل الصغيرة، وحوّل حياة روان إلى سلسلة فيديوهات لجلب التعاطف وجمع المزيد من التبرّعات، من دون أن يطالب ــ ولو مرّة ــ بمحاسبة المغتصبين أو الضغط على الجهات المعنيّة.
هذه الحملات، مهما كانت نيّات القائمين عليها صادقة، تكشف مفارقة مؤلمة: هل حلّ قضيّة روان يكون بكشف خصوصية عائلتها وجعل حياتها مادّة عامّة للمشاهدة؟ هل يكفي أن نصلح نافذة بيتها بينما المجرمون أحرار؟ من المؤكّد أن العائلة تحتاج إلى المساعدة، لكن الأَولى أن يُلقى القبض على الجناة ويُقدَّموا للمحاكمة، لأن أي تبرّع لن يمنع جريمة جديدة، وأي حملة إنسانية لن تُعيد شعور روان بالأمان ما دام المعتدون طلقاء.
هذا الاستعراض الممنهج، يسلب الضحيّة هويّتها كمواطِنة لها حقوق. لا تعود امرأة اغتُصبت ويجب أن تُنصف، بل تصبح “قضيّة إنسانية” تستحقّ بعض النقود واللايكات. يُعاد تعريفها ضمن إطار “المحنة الإنسانية” بدل إطار “الجريمة السياسية”. تُحوَّل من شاهدة على عنف ممنهج إلى قصّة عاطفية قابلة للتداول عبر المنصّات.
نمط يتكرّر
قضيّة روان ليست استثناءً بل جزء من موجة الاختطافات والاعتداءات الجنسيّة والعنف المباشر ضدّ نساء وفتيات شهدتها مناطق ساحلية وريفية في سوريا خلال 2025. حيث أظهرت تحقيقات صحافية ارتفاع حالات اختفاء فتيات ونساء وخطفهن، بخاصّة في محافظات طرطوس واللاذقية وحماة، وذكرت حالات تتضمّن مطالبات فدية وعمليّات اختطاف متكرّرة، على سبيل المثال لا الحصر اختفاء عبير سليمان في وضح النهار وتلقّي عائلتها طلب فدية صريح، وخطف زينب غدير البالغة من العمر 17 عاماً وهي في طريقها إلى المدرسة، قبل أن تعود في ظروف غامضة وسط صمت رسمي كامل.
عشرات الحالات الأخرى سُجّلت بعبارات مبهمة مثل “غياب مؤقّت” أو “ظروف غامضة”، لتختفي من التداول بعد أيّام قليلة. تتكرّر القصّة بالطريقة نفسها: صدمة أولى على وسائل التواصل، موجة تعاطف، حملات تبرّع، فيديو شكر، ثم صمت تامّ، من دون إعلان عن أي تحقيق جدّي أو محاسبة واضحة. هذا النمط المتكرّر يجعل من كلّ جريمة جديدة رسالة مضاعفة للضحايا والمجتمع على حدّ سواء: العدالة غائبة بلا أفق، والمجرمون ما زالوا طلقاء.
هذا الواقع لم يعد مجرّد روايات متداولة على وسائل التواصل، بل صار مادّة موثّقة في تقارير دولية، تثبت أن ما يحدث ليس مصادفة ولا حادثة فردية، بل نمط ممنهج من العنف والإفلات من العقاب.
وحول تصاعد عمليّات خطف نساء في المحافظات نفسها، أكّد تقرير لوكالة “رويترز” أن بعض الناجيات اللواتي عدن إلى ذويهن بعد اختطافهن امتنعن عن الحديث عمّا جرى معهن، إمّا خوفاً من الانتقام وإمّا تجنّباً للوصمة الاجتماعية، فيما عبّرت أغلب الأسر التي قابلتها الوكالة عن شعورها بأن الشرطة لم تأخذ بلاغاتها على محمل الجدّ، وأن التحقيقات التي أُجريت كانت سطحية وغير مكتملة.
هذا الصمت الإجباري الذي يلفّ الضحايا وأسرهن، والخوف الذي يبعدهن عن المطالبة بحقوقهن، يتكرّر اليوم في قضيّة روان الأسعد، التي اضطرّت إلى الظهور علناً لتطالب بالقبض على مغتصبيها، في وقت لم يحرّك فيه أحد ساكناً لمحاسبتهم.
صمت حكومي إلا في حال “الترند”
الحكومة السورية لم تصدر أي تعليق رسمي على الوقائع التي أظهرتها تقارير الوكالات العالمية ومنظّمات حقوق الإنسان، بينما اكتفى مسؤولون محلّيون مثل أحمد محمّد خير مدير العلاقات الإعلامية في محافظة طرطوس، بالقول إن معظم حالات اختفاء النساء تعود إلى “نزاعات عائلية أو أسباب شخصية”، دون تقديم أدلّة تدعم هذا الادّعاء، بل وصل الأمر إلى إلقاء اللوم على الضحايا أنفسهن بالقول إنهن “يهربن من البيت لتجنّب الزواج القسري أو لجذب انتباه أهاليهن”.
هذا الخطاب الرسمي لا يكتفي بتبرير الغياب، بل يضعه في إطار اجتماعي يخفّف من خطورته، ما يترك العائلات أمام فراغ عدالة كامل. وتُظهر هذه المواقف الرسمية تكرار النمط ذاته الذي يحيط بقضيّة روان: تقاعس السلطات عن التحقيق الجدّي، لوم مبطّن للضحايا، وغياب أي إرادة سياسية لمحاسبة الجناة، أو وضع حدّ لسطوة الفصائل المسلّحة التي تتحكّم بالقرى وتترك الانتهاكات بلا رادع.
التجاهل الرسمي، الممزوج بخطاب يحمّل الضحايا المسؤولية، لا يقف عند حدود حالة فردية، بل يعكس سياسة صمت أوسع تتواطأ مع استمرار الانتهاكات.
وهنا تساعد التقارير الحقوقية الحديثة في فهم حجم المشكلة؛ إذ تُظهر بيانات “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” وصندوق الأمم المتّحدة للسكّان أن ما جرى مع روان ليس حالة معزولة، بل جزء من واقع أوسع متجذّر في العنف ضدّ نساء وفتيات في سوريا.
ففي تقرير UNFPA الصادر في حزيران/ يونيو 2025، يُبيَّن أن العنف القائم على النوع الاجتماعي تصاعد في ظلّ الأزمات الاقتصادية والنزوح، مع تقييد شديد للوصول إلى الدعم الحماية والخدمات النفسية، وبينما لا توجد أرقام دقيقة مفصّلة عن كلّ محافظة، إلا أن الشبكة وثّقت في آذار/ مارس 2025 مقتل 1,562 شخصاً في جميع أنحاء البلاد، بينهم 99 امرأة، ما يُشير إلى أن النساء لا يُستثنين من دائرة العنف التي تشمل الموت والاختفاء والتدمير المادّي والمعنوي.
عند ربط هذه الإحصائيات بما تعرّضت له روان، من اغتصاب موثّق، وظهور علني، وتبرّعات، نكتشف أن سطوة “الترند” هي ما تحرّك “السلطات”، إذ نشرت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل منشوراً تؤكّد فيه ملاحقة الجناة، كما اتّصلت بالعائلة لطمأنتهم، وقال مدير مديرية الأمن الداخلي في منطقة سهل الغاب خالد مردغاني: “توصّلنا من خلال التحقيقات الأوّلية إلى أنها تعرّضت للخطف من قبل شخصين يستقلّان درّاجة نارية، حيث قاما باقتيادها إلى أرض زراعية لتنفيذ جريمتهما النكراء”.
لكنّ القصّة لم تنتهِ هنا، التحقيقات الجارية تعني أن المشتبه بهم ما زالوا طلقاء، وانتشرت أخبار عن “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، تفيد عن دخول المسلّحين إلى القرية، في محاولة لخطف روان كرهينة للضغط على خاطفي عنصر من وزارة الدفاع لإطلاق سراحه، وسط تهديدات بالتصعيد.
يبدو واضحاً أن هذه الحالة ليست عابرة، بل هي أحد تجلّيات نمط متكرّر من الإفلات من العقاب، حيث تحوّل المأساة إلى مادّة للتعاطف الرمزي دون مساءلة فعلية أو حماية قانونية كافية، وتحوّل نساء إلى “عملة” للتبادل، إثر صراعات فصائيلية ومناطقية، وهذا ما رأيناه بوضوح أثناء مجازر السويداء.
هذا الواقع يفتح الباب لسؤال أكبر حول معنى العدالة في سوريا اليوم، وكيف تحوّلت من حقّ أساسي إلى امتياز نادر، فالاغتصاب لم يعد حادثة معزولة أو جريمة عابرة، بل أصبح مؤشّراً على خلل عميق في منظومة العدالة وعلاقة الدولة بمواطنيها.
كلّ واقعة اعتداء تحمل رسائل غير معلنة: للنساء أن أجسادهن غير محميّة، وللمجتمعات المحلّية أن سلطة السلاح تتفوّق على سلطة القانون، وللجميع أن العدالة ليست حقّاً متاحاً، بل امتياز قد لا يصل إلا لمن يملك القوّة أو النفوذ.
وقضيّة روان لم تكن جريمة فردية فقط، بل مثال مكثّف على هذا الواقع، والمطلوب ليس موجة تعاطف عابرة، بل مساءلة فعلية تطال الفاعلين ومن يوفّر لهم الغطاء. من دون ذلك، ستبقى كلّ جريمة جديدة تذكيراً بأن أجساد النساء ما زالت ساحة صراع، وأن غياب العدالة مستمرّ حتى إشعار آخر.
درج
——————————
العدالة الانتقالية في دير الزور.. مجرمو حرب طلقاء “لعدم توفر الأدلة”/ أحمد طلب الناصر
2025.09.29
“كلما تجاوزنا، أو كدنا أن نتجاوز محنة في هذا البلد، تخرج علينا محنة أكبر وأعقد منها. ومن كثرة الأوجاع التي ألمّت بنا خلال الشهور العشرة الأخيرة، نسينا فرحة النصر وسقوط الأسد… كل ما حولك يكاد يعيدك إلى ما قبل 8 ديسمبر 2024!”.
هكذا يختصر “عدنان” رأيه بالمشهد العام في دير الزور التي صُنّفت من بين أكثر المناطق السورية دماراً على يد النظام المخلوع، ما يجعلها بحاجة إلى 172 مليون دولار “كمبلغ إسعافي” لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الضرورية للعيش، وفق تصريح أدلى به محافظ دير الزور في وقت سابق من هذا الشهر.
الدمار وخراب البنى التحتية الذي يغطي 80 بالمئة من مساحة المدينة، ليس ما دفع عدنان للوصف السالف، وإنما جاء تعليقاً على حالة الاستنكار الواسعة والجدل الذي ساد منصات التواصل الاجتماعي مؤخراً، احتجاجاً على عمليات إطلاق سراح موقوفين يصنفهم ناشطون بأنهم “متورطون بجرائم حرب بحق أبناء الدير خلال حكم النظام المخلوع”.
هؤلاء “المتورطون” كانت السلطات السورية قد أوقفتهم في حملات أمنية خلال الأشهر السابقة، وجاء الإفراج عنهم “بعد تحقيقات أثبتت عدم تورطهم بسفك الدماء”، وفق بيان ردّت فيه قيادة الأمن الداخلي بدير الزور على تساؤلات المحتجين.
وبلغت الاحتجاجات ذروتها في اليومين الأخيرين على خلفية انتشار نبأ يفيد بالإفراج عن دفعة جديدة من الموقوفين، من بينهم المدعو “عمار الأحمد” الملقب بـ “الحصان”، وهو عسكري سابق في صفوف قوات النظام المخلوع، واشتهر في قمع المظاهرات وكتابة التقارير الكيدية والوشاية بعناصر من الجيش الحر وتسليمهم إلى أجهزة المخابرات التي أقدمت على تصفيتهم لاحقاً في سجونها، وفق ما صرّح ناشطون لـ موقع تلفزيون سوريا.
كما شملت الدفعة أيضاً المدعو “محمد غضبان”، ويعرفه غالبية أبناء دير الزور كواحد من عناصر ميليشيا الدفاع الوطني التابعة لنظام الأسد المخلوع، وخدم سابقاً ضمن حامية مطار دير الزور العسكري، وهو عنصر سابق في فرع المخابرات الجوية بالمدينة، وشقيق كلاً من “رائد وحسن الغضبان” المتهمَين بارتكاب انتهاكات أيضاً خلال حقبة نظام الأسد.
“أصوات إطلاق النار المحتفلة بخروجه في قرية الجفرة المحاذية للمطار العسكري بالريف الشرقي، وصلت إلى مسامعنا هنا في قلب مدينة دير الزور!”، يعلّق عدنان معبراً عن الاستياء الشديد الذي ساد المدينة “خاصة وإن إطلاق سراح (غضبان) تزامن مع ذكرى مجزرة الجورة والقصور” المؤلمة والمحفورة عميقاً في ذاكرة ووجدان الديريين.
قبل ذلك بأيام قليلة، أطلق سراح “خالد السرحان”، وهو قيادي في ميليشيا الدفاع الوطني وينحدر من بلدة بقرص شرقي دير الزور. كما أعيدت لـ “السرحان” ممتلكاته التي صودرت خلال اعتقاله، وهو من القياديين الذين أشرفوا على عمليات التهريب التي تتم عبر المعابر النهرية وتجمعه علاقات مميزة مع قياديين من “قوات سوريا الديمقراطية/ قسد”.
بيان “أهالي دير الزور لمحاسبة المجرمين”
حالة الاستنكار التي عبّر عنها أبناء الدير في الداخل والخارج، دفعت بناشطين إلى إطلاق بيان في الـ25 من أيلول الجاري، أطلقوا عليه اسم “بيان أهالي دير الزور لمحاسبة المجرمين”، ووقّع عليه أكاديميون وسياسيون وإعلاميون وناشطون حقوقيون، ومثقفون وأدباء، من بنات وأبناء دير الزور وصل عددهم إلى أكثر من ألف موقًع.
وجاء في البيان الموجّه إلى “السلطات السورية” المعنية بالأمر: “توالت في دير الزور حالات العفو عن قادة وعناصر مما يُسمّى الدفاع الوطني وميليشيات إيرانية وغيرها من الميليشيات التي أوغلت في دماء أهلنا، وشاركت في القتل والاختفاء القسري والتهجير وسلب أرزاق المواطنين وممتلكاتهم”.
وأضاف البيان أنه “بالتزامن مع ذكرى مجزرة الجورة والقصور الأليمة، أطلق الأمن العام سراح المجرم محمد الغضبان أحد قادة الدفاع الوطني، كما تُرك من قبل خالد السرحان وغيرهم من المجرمين”.
وأوضح أن “هذا المسار من العفو المتكرر عن مرتكبي الجرائم يُشكّل جرحاً عميقاً يضاف إلى جراح ذوي الضحايا، ويهدر حقوق ملايين المهجّرين والمخطوفين ومسلوبِي الأرزاق. لن نسمح بتطبيع الإفلات من العقاب، ولا بتطبيع السطو على الحقوق باسم (التسويات)”.
وطالب الموقعون على البيان بـ “فتح تحقيق مستقل وشفاف في كل الجرائم المرتكبة في دير الزور وباقي المناطق، تحت رقابة جهات محلية موثوقة، وبحضور ممثلين عن أهل الضحايا. وإلغاء أي عفو أو تصفية قضائية تستفيد منها عناصر ارتكبت جرائم ضد المدنيين قبل البتّ في قضاياهم وإجراء المحاكمات العادلة”.
كما طالبوا أيضاً بتقديم كل المتورطين في القتل والاختفاء القسري والتهجير وسرقة الممتلكات إلى محاكم عادلة، وتطبيق معايير العدالة الجنائية وحقوق الضحايا، وإعادة المسروقات والأملاك إلى أصحابها أو تعويضهم.
وفي الختام، أكد الموقعون أن “مطلب محاسبة الشبيحة والمجرمين ليس انتقاماً، بل هو مطلبٌ للعدالة، ولأمن المجتمع، ولخلق أساس قابل لبناء دولة تحمي المواطن ولا تغتصب حقوقه”، مشيرين إلى أنهم لا يسعون إلى “زعزعة الثقة بين الشعب والحكومة”، بل يهدفون إلى “خلق بيئة مناسبة للاستقرار في بلد أنهكته الميليشيات الطائفية وعناصر ما يُسمّى الدفاع الوطني، إضافةً إلى تجّار المخدرات والآفات الاجتماعية”.
الأمن الداخلي: معلومات مغلوطة و”دعوات مشبوهة”
رداً على بيان أهالي دير الزور، أصدرت مديرية الأمن الداخلي في المحافظة بياناً قالت فيه إن وسائل التواصل الاجتماعي “تتناقل أسماء بعض الشخصيات التي أفرج عنها مؤخراً، مع انتشار معلومات مغلوطة، تتحدث عن قرار عفو عام للمجرمين، وإننا في قوى الأمن الداخلي نود التأكيد لأهلنا بدير الزور على حرصها الشديد على إنفاذ العدالة الانتقالية وإنزال أشد العقوبات بمن تلطخت أيديهم بدم الشعب السوري كائناً من كان وتقديمهم للمحاكمة لينالوا جزاءهم العادل”.
وأكدت المديرية أن “العدالة الانتقالية هي من أولويات الدولة السورية الجديدة وتلتزم وزارة الداخلية ووزارة العدل بمبدأ المحاسبة لمن يثبت تورطه بالجرائم، وفي هذا الإطار زار سجون دير الزور العديد من اللجان القانونية من الوزارتين واطلعوا على أحوال السجون والمساجين وأشرفوا عليها بشكل مباشر، ولا يزال العديد ممن ثبت تورطهم خلف القضبان”.
وشدّدت على أن “المرجعية القانونية هي الضابط لإجراءاتها، وأن إدانة متهم يكون وفق القانون وأن القضاء هو السلطة العليا، فإن الدولة السورية الجديدة عازمة على عدم تكرار ما قام به النظام البائد في سجونه الأمنية”.
ودعت المديرية أهالي دير الزور إلى المساعدة في جمع المعلومات والأدلة والوثائق التي تثبت تورط مجرمي الحرب وتقديمها للجهات المختصة لتساهم في إنفاذ القانون والعدالة، و”تقصي الحقائق من مصادرها الرسمية وعدم الانجرار وراء الدعوات المشبوهة والمجهولة التي من شأنها زعزعة الثقة بين الشعب وأبنائهم من قوى الأمن الداخلي”.
اتساع دائرة الاستنكار
ما إن نُشر بيان الأمن الداخلي على الصفحة الرسمية لمحافظة دير الزور، حتى انهالت التعليقات المستهجنة بالرغم من توضيح البيان للملابسات المحيطة بآلية الإفراج عن الموقوفين ومرجعيتها القانونية، ودعوته الأهالي للمساعدة عبر تقديم أي دليل أو إثبات يدين المتورطين بجرائم الحرب.
وبمتابعة التعليقات، تبيّن أن غالبيتها جاء كرد فعل على عبارات اعتبرها المعلّقون مستفزة، لما حملته من “اتهامات مباشرة” للموقعين على بيان أهالي دير الزور، من خلال نعتهم بـ “جهات مشبوهة ومجهولة تهدف إلى زعزعة الثقة بين الشعب وقوى الأمن الداخلي”. بالإضافة إلى تعليقات أخرى رافضة لآلية التحقق والإدانة الواردة في بيان الأمن الداخلي.
كتب أحد المعلقين: الكلام المائع وتعويم المسائل مرفوض، و”الحوامة” حول المسألة بعبارات عاطفية مرفوض، اعطوا معلومات واضحة بدون هذا العبث الخطابي ولا تحاولوا أن تعبثوا بنفوس الناس وعقولهم ومعنوياتهم من خلال هذه المغالطات: “دعوات مشبوهة”! “إدانة متهم تكون وفق القانون”! وهل طالب الثوار بشيء غير القانون؟
وقال معلّق ثان: من قال كلمته من أحرار دير الزور ليس من “المجهولين” وليس من أصحاب الدعوات “المشبوهة”، وليس ممن ينجرون خلفها. هذا الاحتجاج على التساهل مع القتلة يُفترض أن يرد عليه بمد جسور الثقة لا بالإجهاز عليها.
وجاء في تعليق ثالث: “للأسف، قدمنا معلومات وإثباتات عن مجرم من قرية بقرص فوقاني خالد السرحان وكان مسجون عندكم وهو شبيح وعميل لقسد سلب ونهب من الناس باسم الفرقة الرابعة ومعروف بكل المحافظة بتشبيحه وتاجر مخدرات وجميع وسائل التواصل تتكلم عنه وعن تشبيحه. بالنهاية للأسف خرج من السجن… هل رجعنا لزمن الواسطات والمحسوبيات؟ بدنا نعرف المجرم بنظركم كيف لازم يكون؟”.
وكتب معلّق آخر: إخواني الكرام في الداخلية، أنتم تريدون أدلة واضحة على أناس معروفة بإجرامها وخدمتها للنظام البائد ويكون دليل فيديو أو صورة له مع جثث أو تعذيب. طيب إذا كان أكثر هؤلاء ليس لديهم صور مع الضحايا فهل يعفى عنهم لعدم اكتمال الأدلة؟ ومن سوف يشهد أنهم قتلوا هذا الشخص إذا مات تحت التعذيب هل يشهد الميت على قاتله؟”.
بيان “مضلل ومستهتر بمشاعر الأهالي”
الناشط والإعلامي سعد السعد، علّق بطريقته على بيان الأمن الداخلي، وذلك عبر منشور مفصّل على حسابه قال فيه: “محاولة استغباء الناس من خلال بيان مضلل وغير مفهوم، يتحدث بالعموميات، وينكر التصرفات غير المسؤولة من إطلاق سراح المجرمين والقتلة والعابثين بحياة السوريين، بحجة عدم كفاية الأدلة أو عدم وجود جهة ادعاء شخصية! مع العلم أن قانون الجرائم الإنسانية لا يطلب حقاً شخصياً، بل هناك جهة ادعاء عام هي حق الشعب”.
وأضاف أن “إطلاق سراح هؤلاء المجرمين تزامن مع ذكرى مجزرة الجورة والقصور، وهذا يدل على أن المسؤولين الأمنيين في دير الزور إما جهلة غير قادرين على تقدير المواقف، أو مستهترين ولا مبالين بمشاعر أهالي دير الزور”.
وأبدى استنكاره إزاء “اتهام كل صوت ينتقد التصرفات والممارسات الخاطئة بأنه جهة مشبوهة تحاول زعزعة الاستقرار وتحارب الدولة”، مؤكداً أن ذلك الاتهام “خاطئ وباطل، لأن النقد جزء أساسي ومهم في عملية بناء الدولة”.
وطالب السعد في ختام منشوره، الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية “بمحاسبة المجرمين وإنصاف الضحايا”.
عدنان، الذي اشترط هو والناشطين الذين استقينا منهم تفاصيل الحدث عدم الإفصاح عن أسمائهم، أعرب بعد قراءته بيان الأمن الداخلي عن امتعاضه إزاء إطلاق سراح “الشبيح ومجرم الحرب، وقائد ميليشيا للدفاع الوطني بدير الزور، مروان الدندل، الذي تعرف كل الدير بأنه قتل الثائر المدني محمد الحسون وتسبب باعتقال أخويه الاثنين اللذين هربا بعد الاعتقال إلى الشمال المحرر، وهناك استشهدا في القصف الذي كان يستهدف المنطقة”.
وبحسب عدنان، فإن هذا الإفراج “جاء نتيجة مقتل جميع أفراد عائلة محمد الحسون، ولم يبق هناك من يتقدّم بشكوى ضد الدندل. وهذا استفز معظم الثوار لأنهم يعتبرون مطلب القصاص من القاتل هو حقهم جميعهاً ولا يتعلق بأهل الضحية فقط”.
وأرسل لنا صورة لمنشور قديم كتبه شقيق مروان الدندل، ويثبت فيه تورطه بقتل الثوار ويصفهم بـ “الإرهابيين”.
وللوقوف بصورة أدقّ على تفاصيل ومقاصد البيان الأخير، تواصل موقع تلفزيون سوريا مع المتحدث باسم قوى الأمن الداخلي بمحافظة دير الزور، محمد العليان، الذي ذُيّل بيان الأمن بتوقيعه.
أجاب العليان على جميع تساؤلاتنا، وقال: “منذ بداية دخولنا إلى دير الزور سعينا إلى بسط الأمن وإعادة الاستقرار. انطلاقاً من ذلك، نفذنا حملات أمنية استهدفت بقايا النظام المخلوع والناشطين بتجارة السلاح والمخدرات، والمسلحين الذين يشكلون تهديداً لأمن وسلامة المحافظة”.
وأوضح أن قوى الأمن تمكنت خلال تلك الحملات من توقيف واعتقال المئات من الأشخاص. وأضاف العليان: “خلال فترات توقيفهم، كانت هناك لجان قضائية مختصة ومحققين ولجان وزارية من الداخلية والعدل، تعمل جميعها على النظر في قضاياهم والادعاءات المقدمة بحقهم، والتحقيق معهم”.
وتابع: “بعد الانتهاء من التحقيقات ودراسة الملفات، صدر أمر قضائي بالإفراج عن كل شخص لم يثبت تورطه بالجرائم المنسوبة إليه، أو من لم تقدم شكوى بحقه، وفقاً لما تنص عليه القوانين. إلا أن بعض الأهالي نظروا إلى ذلك الأمر على أنه عمل ممنهج لإخراج المجرمين، وهذا منافٍ للحقيقة لأن القضاء أفرج عن كل من لم تثبت إدانته”.
وشدد العليان على أن الذين أطلق سراحهم “لا يعني بأنهم سيفلتون من المحاسبة في حال ورود أي دليل أو شكوى بحقهم”.
وبخصوص ما جرى تداوله حول المدعو محمد غضبان والاحتجاجات الرافضة لإطلاق سراحه، قال العليان: “هذا الشخص لم تتوفر بين أيدينا أدلة كافية تدينه، ولسوء الحظ تزامن إخراجه بشكل إداري بعد انتهاء التحقيقات، مع ذكرى مجزرة الجورة والقصور المؤلمة، ولم نتقصد البتة إخراجه في هذا اليوم. وكل ما أثير حول هذا الشخص عبر منصات التواصل كان بسبب قرابته للمجرمَين حسن ورائد الغضبان”.
“مطالب الأهالي المشروعة استغلتها حسابات مشبوهة”
وفي رده حول العبارات المستفزة التي وردت في البيان، قال العليان: “ربما لم نوفق باختيار الكلمات المناسبة، ولكن مقصدنا من تلك العبارات، هو أن مطالب الأهالي واحتجاجاتهم -المشروعة- استغلّتها بعض المعرّفات لتنشط في ترويج مزاعم تستهدف المنظومة الأمنية في دير الزور وتتهمها بالفساد، وافتقارها للمهنية، وربط عملها بالمحسوبيات والعشائرية وغيرها من الاتهامات”.
وأضاف بأن “هذه الادعاءات راحت تنتشر بكثرة عبر صفحات مجهولة وحسابات وهمية، ولذلك أردنا تنبيه الأهالي إلى عدم الانسياق وراء تلك المصادر المشبوهة، وأن يتحققوا من المعلومات عبر حسابات الجهات الرسمية فقط، والتي لم يصدر منها حتى الآن ما يثبت صحة تلك المزاعم… مثال على ذلك انتشار خبر الإفراج عن دعّاس دعاس (رئيس فرع أمن الدولة في زمن النظام المخلوع)، وهذا الادعاء لا أصل له”.
وأوضح بأن الغرض من تلك المنشورات إثارة الناس ضد قوى الأمن والمؤسسة القضائية، بهدف “زعزعة الأمن”. وقال: “ناشطون كثيرون من أبناء الدير، وهم من أصدقائنا، عاتبونا على تلك العبارات وأبلغناهم بأنها ليست موجهة إليهم أو إلى الأهالي”.
وشدد العليان في ختام حديثه على أن قوى الأمن الداخلي تقف إلى جانب الأهالي والناشطين في مطالبهم “الساعية إلى الحق ومعرفة الحقيقة، بدون الإساءة أو التجريح”.
رأيٌ قانوني
ما بين هذا وذاك، لجأنا في آخر المطاف إلى المُحكّم الرئيس في هذه القضية؛ القانون.
توجهنا بالسؤال إلى الحقوقي والخبير القانوني السوري، المحامي محمد زهوة، فأجاب قائلاً:
الجرائم بالعموم تحتاج لأدلة كي يُدان مرتكبوها وينالوا جزاءهم وفق القانون، بما في ذلك جرائم القتل المنسوبة لأولئك المتورطين المفرج عنهم مؤخراً من قبل الأمن الداخلي بعد إجراء التحقيقات.
ويضيف: كما وأن عدم تقديم شكوى بحق الجاني من قِبل “أهالي الضحايا” لا يبيح لأطراف أخرى (غير الأقارب) المطالبة بالتعويض أو تنفيذ العقوبة الجزائية بحق الفاعل. وفي حال أراد أشخاص “من عامة الناس” فرض عقوبة الحق العام على مرتكبي الجرائم، فهذا يستلزم منهم تقديم “إخبار” إلى النيابة العامة بارتكاب الجرم، مع دعم إخبارهم بالأدلة والثبوتيات.
وختم قائلاً: يعني باختصار؛ “الإخبار” الموجه إلى النيابة العامة يكون من عامة الناس، أما “الادّعاء” ضد مرتكب الجرم، وطلب التعويض، فيكون من قبل أهل الضحية. وفي حال انتفاء وجود “إخبار أو ادعاء” فهذا ينفي وجود الجرم أصلاً، إلا في حال اعتراف المذنب بذاته على ارتكابه الجريمة.
———————————
هل تفتح مذكرة التوقيف ضد بشار الأسد الباب أمام ملاحقته دولياً؟
2025.09.28
في خطوة تاريخية، أصدر قاضي التحقيق السابع في وزارة العدل السورية مذكرة توقيف غيابية بحق رئيس النظام المخلوع بشار الأسد، موجِّهاً إليه تهم القتل العمد تمهيداً للجناية، وقتل شخصين أو أكثر قصداً، إضافة إلى ارتكاب أعمال تؤدي إلى إثارة الحرب الأهلية والتعذيب المفضي إلى الموت.
وبموجب المواد 533 و534 و535 و298 من قانون العقوبات السوري، يواجه الأسد أحكاماً قد تصل إلى الإعدام، ما يشكّل إشارة واضحة من السلطات السورية إلى جدّية فتح باب المحاكمة، وربما تمهيد الطريق لتعميم المذكرة عبر الإنتربول الدولي، بما يعزز إمكانية ملاحقته خارج البلاد.
سنوات من الجرائم والانتهاكات في سوريا
عاش السوريون خلال حكم الأسد حقبة مظلمة اتسمت بأبشع أشكال القتل والتعذيب والتجويع، واستخدام الأسلحة المحرّمة دولياً، بما فيها الأسلحة الكيماوية. وعلى مدى أكثر من عقد، سعى النظام لقمع المطالب الشعبية بالحرية والكرامة بشتى الوسائل، إلا أن كل تلك المحاولات فشلت أمام إرادة السوريين في التحرر.
وتؤكد بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن الأسد مسؤول عن مقتل ما لا يقل عن 200 ألف مدني، بينهم 15 ألفاً قضوا تحت التعذيب، وإخفاء 96 ألفاً قسرياً، وتشريد قرابة 13 مليون مواطن. كما أسهمت جرائمه في انهيار البنية التحتية وتدمير نصف مدن البلاد، فضلاً عن التدهور الاقتصادي الحاد.
ورأى سوريون أن صدور المذكرة يمثل خطوة طال انتظارها لتحقيق العدالة بحق من ارتكب جرائم لا تُحصى ضدهم، مؤكدين أنهم يواصلون المطالبة بمحاكمة الأسد وكل من تورط في تلك الانتهاكات، بالتوازي مع مساعيهم لإعادة بناء وطنهم.
الأبعاد القانونية للمذكرة
أوضح الخبير في القانون الدولي، بسام طبلية، أن صدور مذكرة محلية أمر قانوني تماماً، إذ لم يعد بشار الأسد رئيساً، وبالتالي لا يتمتع بأي حصانة، مشيراً إلى أن الجرائم التي ارتكبها تندرج تحت الخيانة العظمى وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ما يتيح نسبها إليه وفق القانون السوري.
وبيّن طبلية في لقاء مع “تلفزيون سوريا” أن هذه الخطوة تعد بداية لمسار قضائي قد يفتح الباب لتعميم المذكرة عبر الإنتربول، بهدف تقييد حركته دولياً.
من جهته، أوضح عضو الهيئة العامة لفرع نقابة المحامين في حلب، عبد العزيز درويش، أن المذكرة جاءت نتيجة دعوى الحق العام استناداً إلى جرائم ارتُكبت في درعا قبل منتصف عام 2011.
وأشار درويش في لقاء مع “تلفزيون سوريا” إلى أن قاضي التحقيق يملك صلاحية إصدار مذكرة توقيف غيابية بعد استنفاد مراحل الاستدعاء والإحضار، مؤكداً أن الجرائم التي ارتكبها النظام منذ عام 2011 حتى نهاية 2024 لن تمر دون محاسبة، وأن ذوي الضحايا لم يتنازلوا عن حقوقهم.
إمكانية التعميم عبر الإنتربول
شدد طبلية على أن المذكرة يمكن أن تُعمم عبر منظمة الإنتربول بعد التأكد من أن دوافعها قضائية وليست سياسية، ما يتيح اعتقال الأسد أينما وُجد. وأكد أن على سوريا أن تبادر بجمع الأدلة وتوثيقها، وإصدار المذكرة، ثم تعميمها عبر النشرة الحمراء.
ولفت إلى وجود مئات الأدلة والوثائق التي جُمعت منذ عام 2012 ووُضعت في بلجيكا بكلفة تجاوزت 8 ملايين دولار، لتشكّل ملفاً متكاملاً لمحاسبة النظام، موضحاً أنه رغم إتلاف النظام كثيراً من الوثائق، فإن تهريب أدلة كافية إلى الخارج يحول دون إفلاته من العقاب.
وأضاف: “بشار الأسد بصفته رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة، كان يجب أن يعلم بما يحدث في سوريا، كما أن وسائل الإعلام نشرت الجرائم، لكنه لم يتخذ أي إجراءات، بل نفى ذلك رسمياً، وهذا دليل على علمه ومسؤوليته القانونية”.
المحاكمة العلنية والملاحقة الدولية
يرى درويش أن القضية يمكن أن تتحول لاحقاً إلى محكمة جنايات علنية في سوريا، وفق القانون السوري الذي يتيح علنية الجلسات إلا في حالات استثنائية. غير أن طبلية أوضح أن وضع بشار الأسد يختلف عن حالة صدام حسين، إذ يحتمي اليوم بروسيا، ولن تسلمه موسكو إلا وفق مقايضات سياسية محتملة، مشدداً على أن أي محاكمة مقبلة يجب أن تكون علنية لإظهار العدالة أمام العالم.
وبشأن الملاحقة الدولية، أشار درويش إلى إمكانية ذلك في دول تتبنى مبدأ الاختصاص الشامل مثل فرنسا وألمانيا، حيث يمكن محاكمة بشار الأسد على الجرائم التي ارتكبها، من القتل العمد والتعذيب وإثارة الحرب الأهلية، كما يمكن لمحكمة الجنايات الدولية النظر في جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها نظامه.
وأكد درويش أن سوريا بحاجة إلى تطوير منظومتها القانونية، بما في ذلك قانون العقوبات لتجريم جرائم الحرب بشكل أوضح. وبحسب الإعلان الدستوري الحالي، لا يملك رئيس الجمهورية صلاحية سن التشريعات، لذا يتعين انتظار انتخاب مجلس شعب جديد لإقرار التعديلات القانونية اللازمة لملاحقة مرتكبي الجرائم الكبرى.
يشار إلى أن مذكرة التوقيف الغيابية بحق بشار الأسد تمثل نقطة تحول بارزة في مسار العدالة السورية، إذ تمنح أملاً جديداً لذوي الضحايا ولملايين السوريين الذين عانوا ويلات الحرب والقتل والتشريد. ومع توافر أدلة دامغة واهتمام دولي متزايد، تبقى مسألة محاسبته رهناً بالتطورات السياسية الإقليمية والدولية، غير أن الخطوة الحالية تشكّل بداية حقيقية لكسر حلقة الإفلات من العقاب وفتح الطريق أمام تحقيق العدالة المنشودة.
——————————–
من التبرعات إلى التحقيقات.. ما وراء عودة رجال أعمال نظام الأسد للمشهد السوري؟/ حنين عمران
2025.09.26
بالتزامن مع حالة الضجيج العامة على وسائل التواصل الاجتماعي تجاه ظهور شخصيات محسوبة على النظام المخلوع ولا سيما من رجال الأعمال والاقتصاديين؛ ولا سيما مع وجود “ترتيبة خاصة” كما يطلق عليها السوريين تهكماً، بالنسبة إلى هذه الشخصيات من أصحاب النفوذ والأموال؛ إذ تتيح لهم هذه “الترتيبة الخاصة” مجالاً للتفاوض وتكسبهم وقتاً للمثول أمام الحكومة الجديد تحت مسمى “التسوية”.
إلا أنَّ هذه “الترتيبة الخاصة” كما يبدو، ليست كما تبدو لعامة الناس أو المراقبين، بل هناك مساراً معيناً تسلكه الحكومة السورية الجديدة ولا سيما “اللجنة الأمنية الاقتصادية” وفق مصادر خاصة لموقع تلفزيون سوريا.
وعلى الرغم من تداول أسماء مثل “محمد حمشو” و”فادي صقر” وغيرهم في الآونة الأخيرة، كشخصيات أجرت تسويات لتعاود تصدر المشهد وتمارس أعمالها الاقتصادية مقابل فرض غرامات كبيرة عليهم، فإنّ ما يجري حقيقةً ليس بهذه “الوردية” الظاهرة أو التي يتخيلها الناس.
حمشو تحت الرقابة
كان لمحمد حمشو النصيب الأكبر في الفترة الأخيرة من الانتقادات وحملات الهجوم على السوشال ميديا ولا سيما مع ظهور اسمه كمتبرع لصندوق التنمية السوري في حفل إطلاقه، من خلال ابنيه أحمد وعمر، بمبلغ مليون دولار أميركي، ليتبعها بتبرع بقيمة مليون و100 ألف دولار أميركي في حملة “ريفنا بيستاهل” من خلال “منتجع يعفور” الذي يملكه، وكانت قناة الإخبارية السورية قد نقلت خبر تبرع المنتجع ضمن الأخبار العاجلة خلال تغطية الحملة.
مصدر من الأمن الداخلي السوري (رفض ذكر اسمه) أوضح لموقع تلفزيون سوريا أن حمشو يعيش حالة أقرب إلى “الإقامة الجبرية” حتى إشعار آخر، وذلك في بيت يملكه في منطقة المالكي وسط دمشق.
وكان حمشو، وفق مصدرنا، قد اعترض في وقت سابق على وضع عناصر من الأمن الداخلي عند منزله ويرافقونه في تنقلاته، مطالباً المسؤول الأمني في المالكي حينئذ بإحضار حراسة من طرفه أو “حراسة خاصة” بدلاً من عناصر الأمن الداخلي، إلا أنّ مقترحه رفض بشكل أو بآخر، إذ سمح له بإحضار عناصر حراسة “خاصة” لكن مع بقاء عنصر من الأمن الداخلي يرافقهم أيضاً.
أما نجليه أحمد وعمر، فقد رافقهما عناصر من الأمن الداخلي، وهو ما يطبق عليهم كما يطبق على والدهم، وذلك خلال وجودهم في حفل إطلاق صندوق التنمية السوري، حينما تبرعا بقيمة مليون دولار.
ومن القصص المتداولة والتي لم نستطع التأكد من صحتها بأنَّ ابنه عمر حمشو كان قد استدعي في عهد نظام الأسد لفرع الخطيب، لدفع إتاوة قدرت آنذاك بمليون دولار أميركي قبيل سقوط النظام.
بينما أفاد مصدر خاص من نقابة المحامين لموقع تلفزيون سوريا أن النظام المخلوع في أشهره الأخيرة اتبع مع محمد حمشو سياسة “قصقصة الأجنحة” كما اتبعها مع أزلامه السابقين مثل وسيم القطان وقبله رامي مخلوف وغيره؛ إذ أسقطت عضوية مجلس الشعب عنه بحجة أنه يحمل الجنسية التركية، كما تمت ملاحقته أمنياً.
سمير حسن رهن الاعتقال
بينما تصدر شخصيات مثل سامر الفوز ويسار إبراهيم ووسيم القطان ومحمد حمشمو، وقبلهم رامي مخلوف.. المشهد الاقتصادي السوري خلال سنوات حكم النظام المخلوع، وكانوا ذائعي الصيت كشخصيات نافذة في الدولة، كان سمير أنيس حسن من أمراء المال في الظل.
وينحدر سمير حسن من حمام القراحلة في اللاذقية، وكان شريكاً لرامي مخلوف في عدة مشروعات اقتصادية من بينها شركة “الشام القابضة”، كما كان مؤسساً لبنك “بيبلوس” سوريا، ووكيلاً حصرياً لشركة “نستله” في سوريا، ومن بعدها وكالة شركة “بيوميل” البلجيكية؛ ما أتاح له احتكار أزمة حليب الأطفال في الفترة التي تضاعفت فيها أسعاره وفُقد من الأسواق السورية.
كما شغل سمير حسن منصب رئيس مجلس الأعمال السوري الروسي، مستغلاً بذلك علاقاته الوطيدة مع روسيا آنذاك.
معلومات حصرية لموقع تلفزيون سوريا أكدت أنه وخلال الأيام الثلاثة الماضية، تحديداً 22 – 23 – 24 من شهر أيلول/ سبتمبر الجاري، داومت دوريات الأمن الداخلي السوري على مراقبة موقع مجمع تجاري تابع لسمير ومؤلف من بناءين كبيرة في منطقة عرنوس وتحديداً خلف قسم شرطة عرنوس القديم.
موقع تلفزيون سوريا تقصى الأمر، واتضح أنه تم اعتقال سمير أنيس حسن، ومديره المالي شريف حاتم وأيضاً سائقه الخاص حسام عيد وأخيه. وذكرت مصادر لموقع تلفزيون سوريا أنّ الأوامر جاءت باستكمال العمل في الشركات التابعة له من دون إغلاقها أو صرف الموظفين وذلك بعد تفتيش المستودعات والخزنات الخاصة به، كما أفادت أن حسن هرب إلى لبنان عقب السقوط مباشرةً قبل أن يعود بمفاوضات ووعود بالتسوية منذ شهر شباط/ فبراير الماضي.
من بينهم الفوز وحمشو.. الإدارة السورية تحقق في إمبراطوريات تجارية مرتبطة بالأسد
حكم قطعي بحق حيدر بهجت سليمان
حصل موقع تلفزيون سوريا على نسخة من الحكم القطعي الصادر بحق حيدرة بهجت سليمان بتاريخ 5 آذار/مارس الماضي، وذلك بحبس لمدة 3 سنوات وغرامة 100 ألف ليرة سورية وذلك بجرم الاحتيال عبر الشبكة والنصب بشيك من دون رصيد.
وبمتابعة موقع تلفزيون سوريا للقضية، تبيّن أن الحكم الصادر ناتج عن دعوى مرفوعة من قبل أصحاب إحدى شركات السفريات في درعا المدينة، وبالتواصل مع صاحب الشركة وابنته (رفضا ذكر اسميهما) اتضح لموقع تلفزيون سوريا أن القضية تعود لعام 2021 حينما احتال حيدرة بهجت سليمان من خلال شركته (غلوبال) الكائنة سابقاً في منطقة المزة فيلات غربية وعن طريق وسيطه ويده اليمنى في عمليات النصب والاحتيال المدعو (مصطفى النمر) على المدعيين الحاليين.
وكانت عملية الاحتيال بقيمة 17 ألف دولار أميركي قبضها حيدرة سليمان بالتهديد والوعيد، وبتسلط من أحد ضباط معبر نصيب على صاحب المكتب المذكور (ر.م)، حتى أن بهجت سليمان اتجه إلى درعا وتحديداً إلى صاحب المكتب مدججاً بالحراسة من أجل تحصيل مبلغ 17 ألف دولار، كما كتب شيك مزور بقيمة 70 مليون ليرة سورية لصاحب المكتب نفسه والذي اكتشف لاحقاً أنه شيك وهمي ومن دون رصيد.
شركة سفريات غلوبال استطاعت الاحتيال على عدد كبير من الشباب وشركات السفر في دمشق ودرعا وغيرها من المحافظات عن طريق تقديم وعود بفيزا سفر وهمية إلى دول أوروبية بينها إيطاليا وبيلاروسيا وغيرها، كما كان يجبر من يوقعون عقود معه على توقيعها بالدولار ليقوم بتهديدهم لاحقاً بتهمة “التعامل بغير الليرة” حتى لا يتمكنوا من إشهار العقد أو تقديم شكوى بحقه.
صاحب شركة السفر في درعا المدينة الذي تواصل معه موقع تلفزيون سوريا، أكد أنه تم استدعاؤه إلى عدة فروع أمنية بقصد “الاستجواب” من بينها فرع أمن الدولة وفرع الأمن العسكري وفرع المخابرات الجوية، وذلك بعد مطالبتهم بحقوقهم من حيدرة بهجت سليمان الذي استغل نفوذه وصلاته في الأفرع الأمنية لتهديد المتعاقدين معه والزبائن.
23 قضية تلاحق حيدرة بهجت سليمان
وأشار المحامي عبد المنعم ماجد دياب، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن أكثر من 23 قضية مرفوعة ضدّ حيدرة سليمان بجرائم تضمنت: النصب والاحتيال، التهديد والابتزاز، الاحتيال عبر الشبكة… وغيرها من التقارير، وتقدر قيمة ما نصب به سليمان عبر شركته غلوبال بقيمة 3 ملايين دولار على الأقل في القضايا المرفوعة عليه.
وكان سليمان قد عمل قبل تأسيسه شركة النصب الخاصة به، بالنصب على ذوي المعتقلين من خلال تقديم وعود بإخراجهم من المعتقلات أو حتى معرفة مصيرهم ومكان اعتقالهم، ثم يهددهم نفسهم أو يكتب تقارير كيدية بهم كونهم “يسألون عن إرهابيين”، وهو ما ذكره لنا المحامي دياب.
ويشرح المحامي عبد المنعم دياب إحدى طرق الاحتيال التي اتبعها حيدرة سليمان مع أحد موكليه، بأن شركة غلوبال أخبرته بإمكانية استلام “فيزا” من لبنان، وبعد أن سافر إلى لبنان وبقي هناك لمدة أسبوع، وحاول التواصل مع الشركة بكل الطرق، اتضح أنه لا يوجد فيزا، وعاد أدراجه إلى سوريا، وحينما طالبهم بحقه أخرج حيدرة سليمان عناصره المسلحين لتهديده وطرده من المكتب.
يٌشار إلى أن حيدرة بهجت سليمان كان حتى سقوط النظام المخلوع مسجوناً في سجن عدرا المركزي، وهرب يوم سقوط النظام، وأفاد مصدر خاص لموقع تلفزيون سوريا أنه مقيم حالياً في منطقة الروشة في لبنان. وكان غسان بلال، وهو مدير مكتب ماهر الأسد، قد سجنه من مبدأ “فركة الأذن” قبل سقوط النظام بأشهر معدودة.
وكانت وزارة الداخلية السورية قد خاطبت بتاريخ 22 آذار/مارس 2025 بكتاب رسمي، السلطات اللبنانية، من أجل إلقاء القبض على حيدرة سليمان وتسليمه إلى السلطات السورية. وذلك وفقاً لمذكرة توقيف غيابية صادرة عن القضاء السوري.
4654
خطاب وزارة الداخلية السورية للسلطات اللبنانية للمطالبة بتسليم حيدرة سليمان (تلفزيون سوريا)
من جانبه، أوضح المحامي عادل خليان لموقع تلفزيون سوريا أن صدور حكم قطعي بحق حيدرة بهجت سليمان هو أمر ضروري وغير كافٍ إذ من المفترض أن تتم ملاحقته عبر الإنتربول الدولي.
يقول خليان “عدا عن كونه شبيح وعاث فساداً وظلماً ضد السوريين، أيضاً كان من كبار النصابين في البلد مستنداً إلى علاقاته ومكانة والده السابقة وإلى عنجهية اكتسبها من تأسيس ما كان يسمى الجيش السوري الإلكتروني، عشرات القضايا المرفوعة بحقه تستوجب الملاحقة من الإنتربول الدولي”.
تلفزيون سوريا
——————————–
وجهاً لوجه.. الأمن الداخلي يوقف ضباطاً من النظام المخلوع ويجمعهم بضحاياهم |فيديو
2025.09.28
أوقفت وزارة الداخلية السورية عدداً من ضباط النظام المخلوع لتورطهم في انتهاكات بحق المدنيين، وجمعتهم بضحاياهم في مواجهة مباشرة بين الضحية والجلاد.
ونشرت الوزارة على معرفاتها الرسمية مقتطفات من فيديو ستعرضه لاحقاً، أظهرت ضباطاً من النظام المخلوع يدلون باعترافاتهم، إلى جانب مدنيين يروون ما تعرضوا له من انتهاكات على أيدي هؤلاء الضباط.
وبحسب التسجيل، نفذ الأمن الداخلي عملية أمنية جديدة أسفرت عن إلقاء القبض على عدد من ضباط النظام المخلوع المتورطين في ارتكاب انتهاكات بحق المدنيين، في حين شددت الوزارة على أن “زمن الإفلات من العقاب قد ولى، وأن القصاص العادل قادم لا محالة”.
معتقلون سابقون يواجهون سجاني صيدنايا
أعلنت وزارة الداخلية السورية، في أواخر شهر آب الماضي، إلقاء القبض على عدد من السجّانين السابقين في سجن صيدنايا، المتورطين في ارتكاب جرائم وانتهاكات جسيمة بحق المعتقلين.
وأدلى بعض الموقوفين باعترافات تفصيلية عن أساليب التعذيب والإعدامات الميدانية داخل السجن. وروى أحدهم تنفيذ أحكام إعدام جماعية بحق مئات المعتقلين، بينما كشف آخر عن طلبه “بنات لاغتصابهن” بتسهيل من مسؤولين داخل السجن، مؤكداً وقوع اعتداءات متكررة على النساء.
وواجه معتقلون سابقون سجّانيهم وجهاً لوجه، مستذكرين أساليب التعذيب التي مورست بحقهم، إلى جانب رفاقهم الذين قضوا في السجن نتيجة الانتهاكات التي ارتكبها الموقوفون.
يُشار إلى أن وزير الداخلية السوري، أنس خطاب، أعاد نشر صورة تجمع الضحية والجلاد في تغريدة على منصة “إكس”، وعلّق قائلاً: “إن هذه الصورة تكفي لإيصال رسالة لكل حرّ مظلوم، مفادها أنه مهما طال ليل الظلم والإجرام، فلا بد لشمس الحرية والكرامة أن تشرق من جديد مهما طال انتظارها”.
وأضاف خطاب أن “يد العدالة ستطال كل ظالمٍ وقاتل مهما حاول الهروب، وأن الحق لا يموت بالتقادم”، مشيراً إلى أن ما جرى يُلخّص حكاية الألم والأمل بين الماضي والمستقبل، مؤكداً أن “لكل ظالم نهاية، طال الزمان أم قصر”.
—————————
تقرير: بين الصمت الطويل والأمل المكسور.. أمهات وأرامل يروين قصص المفقودين في داريا
27 سبتمبر 2025
يُخيّم ملف المفقودين في سوريا على المشهد بعد سقوط نظام بشار الأسد، إذ تُقدَّر أعداد الذين اعتُقلوا خلال سنوات الحرب ولم يُعثر عليهم حتى اليوم بما يتراوح بين 200 و300 ألف شخص. وفي مدن مثل داريا، التي دفعت ثمنًا باهظًا من القمع والحصار والمجازر، تتصدّر الأرامل والأمهات واجهة الحكاية، وهن يسردن للمرة الأولى قصص الأزواج والأبناء الذين ابتلعتهم سجون النظام أو أزهقت أرواحهم تحت التعذيب، وفقًا لصحيفة “لوموند” الفرنسية.
وفقًا للصحيفة الفرنسية، تبدّد نكتة سوداء، تتبعها ضحكات عالية، للحظة واحدة الحزن الذي يملئ عيني سمر بلقصي وضيوفها. فقد دعت أم محمد بعض الجارات وصديقاتها من ورشة الخياطة إلى صالونها الصغير في داريا جنوب غربي دمشق. وأضافت: جلست النسوة على فرش أرضية، ولكل واحدة منهن حكاية عن زوج أو ابن اختفى أو قُتل خلال قمع الدكتاتور المخلوع بشار الأسد للاحتجاجات الشعبية في عام 2011.
“لقد مسّ عائلات كثيرة”
تقول الأرملة هدية دراعل (61 عامًا)، والتي فقدت اثنين من أبنائها خلال الحرب: “الأمر بسيط، 75% من نساء داريا لهن زوج أو ابن إما قُتل أو اعتُقل واختفى. أولادنا كانوا رجالًا متزوجين، لذا فقد مسّ ذلك عائلات كثيرة”.
كان وسيم دراعل في سن الـ24 حين اعتُقل عام 2012، قبل وقت قصير من أول مجزرة ارتكبتها القوات الموالية للأسد في داريا. أخوه حسام (25 عامًا) اعتُقل عام 2013. تقول والدة الشقيقين، وقد بقي لها ابن وبنت: “وصلتنا أخبار عن حسام في الشهرين الأولين، ثم انقطع كل شيء. على مدى ثلاث سنوات، كان معتقلون مفرج عنهم يأتوننا بأخبار عن وسيم، ثم توقف ذلك أيضًا. كان في سجن المخابرات الجوية في المزة. توفي زوجي بأزمة قلبية بعد شهرين من اعتقال حسام”.
تشير “لوموند” إلى أن ساحة الشهداء تشكّل المدخل الرئيسي لداريا. قبل سقوط النظام السابق، كانت لا تزال تحمل اسم “ساحة الشهيد باسل الأسد”. المدينة الثائرة، المظللة بالمطار العسكري في المزة والتلال التي تمركزت فيها الفرقة الرابعة، دفعت ثمنًا باهظًا على يد نظام الأسد.
“هنا قاوم الرجال بشدة، كان الأمر كمسمار في عين بشار الأسد. من لم يُقتل في المعارك والقصف، جاؤوا ليأخذوه”، تتذكر الأرملة بشيرة ربية (45 عامًا) هذه الأحداث في حديثها لـ”لوموند”. بقيت وحيدة منذ أن اعتُقل زوجها عام 2013 عند حاجز للمخابرات الجوية، وأُعلن عن وفاته بعد عام ونصف. كما فُقد اثنان من إخوتها وأحد أبناء إخوتها.
لقد هاجم نظام الأسد وميليشياته، بمساندة مقاتلين أجانب مدعومين من إيران، داريا بلا هوادة. اضطر السكان إلى الفرار خلال المجزرة الكبرى في صيف 2012، ثم مرة أخرى أثناء الحصار الذي فُرض عليهم بين عامي 2013 و2016. وكان قائد الفرقة الرابعة، ماهر الأسد، قد أقسم على تسوية المدينة بالأرض وتحويلها إلى حقل بطاطا. تقول فلك حمودة لـ”لوموند”: ليزرع الله البطاطا في قلبه”.
حرر سقوط سوريا من قبضة عائلة الأسد الألسنة من قيودها. فبعد سنوات من الصمت القسري، سارعت كل واحدة من النساء المجتمعات في صالون أم محمد إلى سرد قصتها. أصواتهن باتت تُسمع أخيرًا، وهن يأملن أن يساعد ذلك في العثور على ذويهن المفقودين. تقول بشيرة ربية: “كان محرمًا في ذلك الوقت أن نقول حتى إن لدينا أقارب مفقودين”. بعضهن حاولن طرق أبواب القضاء العسكري للبحث عنهم، لكنهن أُرسلن من محكمة إلى أخرى دون أي جواب.
“لم يعد أحد”
في هذا العالم المليء بالأرامل واليتيمات، تُعد المحظوظات أولئك اللواتي تمكّن من دفن ذويهن. تقول بلقصي: “أستطيع أن أزور قبر ابني محمود الذي قُتل في المعارك عام 2013 حين كان متطوعًا في الدفاع المدني”. وأضافت “كان عمره 25 عامًا. وأتمنى أن يكون لي قبر أيضًا لابني الآخر محمد وزوجي، اللذين اعتُقلا في العام نفسه. كان محمد في الـ28 وزوجي في الـ48. منذ اعتقالهما، هناك في أعماق قلبي، كما في قلب كل زوجة وأم لمفقود، شعور بأنهم سيعودون”.
عندما فتحت فصائل المعارضة أبواب الجحيم التي مثّلتها سجون آل الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، جابت هؤلاء النساء السجون بحثًا عن ذويهن. تقول بشيرة ربية بحسرة “لقد أملنا كثيرًا، ليس فقط من أجل أقاربنا، بل من أجل كل من اختفى. قيل لنا إننا سنعرف فرحًا عظيمًا بسقوط الأسد، وأننا سنجد الناجين، لكن لم يعد أحد”.
بحسب “لوموند” دائمًا، انطفأت آخر ومضة أمل عند فلك حمودة آنذاك. فقد اعترفت أخيرًا بأن ابنها محمود، الذي تعرفت عليه بين صور الجثث المعذبة التي التُقطت في مشارح النظام السابق على يد “قيصر”، وهو مصور انشق عن نظام الأسد، قد مات فعلًا في السجن. وهي الوحيدة بين النسوة الحاضرات التي لم تعد تتعلق بالشائعات عن سجناء نُقلوا قبل سقوط النظام إلى العراق أو السويداء.
في مقبرة داريا الصغيرة، تشهد مئات القبور والمقابر الجماعية على موجات القمع التي عانت منها المدينة المتمردة. هنا، جاء أعضاء اللجنة الوطنية للمفقودين، برفقة ممثلين عن المجتمع المدني، لإحياء اليوم الدولي للمفقودين في 30 آب/أغسطس، إلى جانب أرامل وأبناء المفقودين. يقول دياب سرية، مؤسس رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا: “من المهم أن نقول للعائلات إن الطريق سيكون طويلًا لاكتشاف ما جرى لأقاربهم. في بلدان أخرى عانت من النزاعات، استغرق الأمر سنوات قبل أن تبدأ عمليات البحث”.
بلا موارد مالية أو تقنية
لم يُحدّد بعد العدد الدقيق للمفقودين في سجون الأسد. التقديرات تتراوح بين 200 ألف و300 ألف شخص. يقول محمد رضا جلخي، رئيس اللجنة الوطنية للمفقودين، لـ”لوموند”: “يجب أن نكون واقعيين في توقعاتنا وأن ندير توقعات العائلات. نحن فريق واحد”. وأضاف: “لا نريد أن نرفع السقف كثيرًا أو نثير آمالًا مبالغًا فيها. في البوسنة، حيث كان هناك أكثر من 40 ألف مفقود، تحتفل اللجنة الوطنية للمفقودين بعيدها الـ40″، مشيرًا إلى أن اللجنة، التي أنشئت في أيار/مايو دون أي موارد مالية أو تقنية، لا تزال في بدايات مهمتها.
ويضيف جلخي: “في أوضاع مشابهة بدول أخرى، أُنشئت لجان بموارد غير محدودة، ومع ذلك استغرق الأمر أكثر من عامين لبدء أعمالها. نحن اليوم بنينا هيكلنا وحددنا رؤيتنا. والآن نبرم شراكات مع منظمات سورية ودولية”. وأعرب عن استعداده للتعاون مع أي منظمة سورية أو دولية يمكن أن تساعد اللجنة على تطوير بنيتها التحتية ومواردها البشرية.
وأعادت “لوموند” التذكير بأنه في 30 آب/أغسطس، وُقّعت اللجنة شراكات مع منظمات من المجتمع المدني كانت نشطة في هذا الملف خلال الحرب، مثل رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا والمركز السوري للإعلام وحرية التعبير الذي أسسه المحامي مازن درويش. يقول درويش إن مركزه سيضع تحت تصرف اللجنة قواعد بيانات تُستخدم في تحديد مواقع المقابر الجماعية ومراكز الاعتقال، إضافة إلى نظام للتعرف على الوجوه استُخدم في إطار ملف “قيصر”. وستضع رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا توثيقاتها في خدمة اللجنة وتشارك منهجيتها في جمع البيانات والتحقيق.
من جانبه، يوضح سرية لـ”لوموند” أن: “هناك إرادة من جانب الحكومة، لكن ينقصها التمويل والوسائل التقنية. الخبرة السورية غير موجودة. سيستغرق الأمر عامين إلى ثلاثة لبناء معرفة وخبرة داخل اللجنة، وعندها يمكننا أن نبدأ بشكل جدي جمع البيانات، والذهاب إلى المقابر الجماعية وإجراء تحقيقات حقيقية، باستخدام الحمض النووي لتحديد هوية الجثث”.
لكن هذه الشروح لا تهدئ عائلات المفقودين. تقول أم محمد: “نحن لا ننتظر شيئًا من أحد، لا من اللجنة ولا من الحكومة ولا من (الرئيس) أحمد الشرع. فقط من الله”. وتضيف بشيرة ربية: “نريد العدالة. نريد رأس بشار الأسد”. وفي انتظار أجوبة ودعم من الدولة، تعلمت أرامل داريا ألا يعتمدن إلا على أنفسهن.
وتختم “لوموند” تقريرها مشيرةً إلى أن معظمهن أصبحن خياطات أو عاملات في الزراعة. ربت أم محمد سبع بنات بمفردها. تقول مازحة: “لم ننجح كثيرًا في تربية بناتنا، فهن يرتكبن الكثير من الحماقات”. وفي إحدى غرف منزلها المليئة بقصاصات التول الوردي، تخيط ملابس. وقد صادَر النظام السابق مزرعة وأرض زوجها، ووصفه بـ”الإرهابي”. وهي تخوض حاليًا، بمساعدة محام، إجراءات لرفع الحجز عن تلك الممتلكات.
————————–
=================



