سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

“الله يلعن أبو هاللقمة”.. صرخة القهر من ريف حماة الغربي/ وائل قيس

30 سبتمبر 2025

 تواصل السلطات المحلية، ممثلة بوزارة الداخلية وجهاز الأمن الداخلي، صمتها على الجريمة الطائفية التي استهدفت أربعة شبان. أربعة شبان، مكررة للضرورة، اغتيلوا أثناء عودتهم من عملهم في منطقة الحولة إلى قرية جدرين بريف حماة الغربي. تفاصيل الحادثة باتت معروفة للرأي العام، لكن القلق لم يعد مختصرًا في طريقة تعامل السلطة معها وما تكشفه من خلل، خاصة في مرحلة الاستقرار الأمني “الهش” الذي تعيشه البلاد. لنكن واقعيين هذا الاستقرار “الهش” الذي يعيشه السوريون منذ أكثر من عقد على المستويين الأمني داخليًا والمجتمعي في دول الشتات.

وللعلم، هذه ليست المرة الأولى التي يُستهدف فيها شبان على أساس طائفي في عموم الخارطة الدموية للبلاد منذ سقوط نظام الأبد أواخر العام الماضي؛ ولا يبدو أنها ستكون الأخيرة كما تشير المعطيات على أرض الواقع، وذلك مرتبط بتعامل السلطة المحلية مع ملف العدالة الانتقالية بتمييع غير مسبوق، بينما ما تزال العائلات تبحث عن أبنائها المخفيين قسرًا، مع تضخم أعداد الضحايا عقب التحوّل في ديناميكية الحرب السورية.

لا توجد تفاصيل رسمية في الإعلام الحكومي عن هذه الحادثة، بينما بعض قرى الريف الحمصي والحموي دخلت مرحلة الإضراب. الروايات المحلية تتفق على أن الشبان الأربعة، بينهم ثلاثة من عائلة واحدة، وجميع الضحايا من الطائفة العلوية، تعرّضوا لهجوم بأسلحة خفيفة نفذه مجهولون يستقلون دراجات نارية عند مدخل القرية أثناء عودتهم من العمل. وبعد حادثة القتل الطائفي، سارع الأمن الداخلي إلى الانتشار على مداخل القرية، كما تُفيد الروايات أيضًا أن الحاجز المتواجد عند المدخل كان قد سُحب قبل أيام.

يُعرف عن جدرين، وهي قرية صغيرة يصل عدد سكانها إلى 1,215 شخصًا وفقًا لتعداد عام 2004 الصادر عن المكتب المركزي للإحصاء السوري، أنها من القرى الزراعية في ريف حماة الغربي، يحيط بها طوق من الحقول والسهول، وتعتمد غالبية أسرها على الزراعة والعمل اليدوي. ورغم موقعها البعيد عن المدن الكبرى، وجدت نفسها في قلب التحولات الطائفية والاقتتال الأهلي، لتتحول من فضاء ريفي هادئ إلى مسرح دموي يعكس مأساة سوريا الأوسع.

لا توجد إحصائيات مثبّتة للمجازر التي تستهدف العلويين في عموم البلاد، أو حتى لعمليات تهجيرهم من ضواحي دمشق في إطار عملية تغيير ديموغرافي تُرسم تحت شعار “عودة الحقوق إلى الملاك الأصليين”. وليس بعيدًا عن ضواحي العاصمة، برزت أزمة الطحين في السويداء عقب المقتلة الدموية التي شهدتها المحافظة على أساس طائفي، لتكون مسرحًا آخر للتطورات على مرمى الخارطة السورية. وما بين غرب البلاد ووسطها وجنوبها، نعيش واقعًا مشوّهًا، وكأننا الجيل المكمل لهزيمة السابع من حزيران/يونيو 1967. وهنا أقتبس من الشاعر عماد الجنيدي (1949 ـ 2017) – لأجد نفسي أمام مقولته – في قصيدة “عرق.. عرق”: “وطنٌ يضيقُ وينغلقُ.. أفقٌ يفيضُ وينطبقُ”.

يرن صوت الأم الثكلى في أذني منذ المشاهدة الأولى لمقطع الفيديو المنتشر. أعترف أنني حاولت تجاهل المقطع أكثر من مرة، لكنه ظل حاضرًا مثل وجه روان (20 عامًا). حاولتُ الفرار من روايتها الرسمية عن حادثة الاغتصاب التي تعرضت لها على يد وحشين بشريين في ريف حماة الشمالي الغربي، وتحديدًا في قرية حورات عمورين بمنطقة سلحب. يرن صوت الأم: “الله يلعن أبو هاللقمة اللي رحتوا كرمالها”. وما بين الصوت واللقطة تتخاطر صور عصابات مسلحة تتجلى في ثوب المجهولين.

من المنبر الأممي، ذاك المنبر الذي فشل في إيقاف مجازر الاحتلال الإسرائيلي في غزة منذ نحو عامين، وعجز عن إدانة العدوان الأعنف على المستويين الدموي والنفسي على لبنان، كما غضّ الطرف عن الاحتلال الصامت لجنوب سوريا، احتفت منافذ الإعلام الغربية بإطلالة الرئيس أحمد الشرع، بصفته أول رئيس سوري يخطب من هذا المنبر منذ عام 1967.

تحدّث الرجل عن “الرحمة والخير وتغليب العفو والتسامح” في معركة “ردع العدوان”. وهو ما كان واضحًا – على ما أعتقد – للمتتبع لما رافق اليومين التاليين للثامن من كانون الأول/ديسمبر الماضي، يوم سقوط الأبد، بعيدًا عن مقاطع التنكيل برموز نظام الأسد. لكن على أرض الواقع، مرة أخرى الاستقرار “الهش”، فاقم من حرارة الشرخ بين السوريين على مختلف “مللهم ونحلهم”، والتسمية الأخيرة مقتبسة من أبي بكر أحمد الشهرستاني. وهنا يظهر الفارق بين خطاب التسامح المتخيَّل والواقع الممزق، حيث يزداد الصدع الاجتماعي بدل أن يلتئم، ويصبح الحديث عن الاستقرار أشبه بمحاولة طمأنة جرحٍ لم يلتئم بعد.

لا تزال السلطة المحلية تتمسك بغياب أي آلية واضحة لمسار العدالة الانتقالية، وتُسرع بين مجزرة وأخرى إلى الترويج لاحتفاليات تمويلية. تتدفق عبرها الملايين الاستثمارية على البلاد، مثل تدفق مذكرات التفاهم التي تُعد ولا تحصى، في مشهد يكشف انفصامًا خطيرًا بين السياسات الاقتصادية الرسمية التي تتحدث عن التعافي والنمو، وبين واقع دموي متصدع يُفرغ تلك الاستثمارات من معناها ويحوّلها إلى ديكور لتلميع الصورة الخارجية.

وعلى ضوء هذه الانتهاكات، على المستوى الشخصي أجهل إن كان وسمها بـ”الانتهاكات” كافيًا، ليس معروفًا أي تعافٍ يمكن أن ينهض في بلد غارق بالدم؟ كيف يمكن للأموال أن تعيد بناء الثقة المهدورة بين أفراد هذا المجتمع المتنوّع فيما الجراح مفتوحة والعدالة غائبة؟ إن سوريا الانتقالية، التي يفترض أن تكون مساحة للأمل، تبدو اليوم رهينة صفقات سياسية ومصالح استثمارية، بينما يظل صوت الأمهات الثكالى أكثر صدقًا من بيانات السلطة. وبين وعود التعافي وواقع المذابح المتنقلة، ينكشف التناقض الفادح. بلاد تعيش حاضرًا ينزف، فيما المستقبل بوصلته المجهول.

وفي النهاية، كشفت شهادات الساحل بعد مجازر آذار/مارس الماضي هشاشة القرى العلوية اقتصاديًا واجتماعيًا. بيوت فقيرة، خدمات شحيحة تكاد معدومة، وشعور عارم بالترك والخذلان. هذه القرى ما تزال تداوي صدمتها من موجة قتلٍ جماعي وصلت إلى أكثر من 1,500 مدني، مع نزوحٍ باتجاه لبنان وسط ضعف الاستجابة الإنسانية، ومطالباتٍ محلية ودولية بالتحقيق والمحاسبة. هكذا تُظهر الوقائع أن بيئاتٍ طال توظيفها أمنيًا ورمزيًا تُركت بلا أمانٍ ولا تعويض، وأن استمرار اللاعقاب يعمّق الفقر ويُعيد إنتاج دوائر الانتقام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى