سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

“جدارية النصر” بلا حافظ الأسد:كوريا الشمالية تبكي في الزاوية/ مصطفى الدباس

الاثنين 2025/09/29

أزالت ورش خدمية آخر صورة لحافظ الأسد من جدارية “حديقة البانوراما” الواقعة عند أوتوستراد حرستا، عند المدخل الشمالي لدمشق، وهي واحدة من أضخم الجداريات السياسية في سوريا.

وأظهرت المقاطع المصورة المنتشرة في وسائل التواصل، إزالة ملامح الوجه تحديداً، مع الإبقاء على بقية الجدارية وطلائها، ضمن عملية ترميم بصرية شاملة للواجهة من دون أن يصدر أي توضيح رسمي من محافظة دمشق أو وزارة الثقافة حول هوية التصميم الجديد أو طبيعة الاستخدام المستقبلي للواجهة.

واحدة من أضخم جداريات العاصمة

الجدارية التي أُزيل منها وجه حافظ الأسد، ليست جزءاً من “متحف بانوراما حرب تشرين” الواقع في العدوي داخل دمشق، بل هي لوحة مستقلة تماماً نُفّذت في التسعينات على مدخل دمشق الشمالي، بطول يصل إلى 35 متراً وارتفاع 11.5 متراً، ونفذت باستخدام أكثر من 1600 قطعة رخامية ملونة، وتحمل عنوان “بانوراما دمشق الأسد”، وصممها ونفذها الفنان السوري ياسر حمود بين العامين 1990 و1993.

وتعد هذه الجدارية إحدى أشهر واجهات العاصمة، حيث تواجه الداخلين إلى دمشق من جهة حرستا، وتشكل جزءاً من المسرح البصري الرسمي الذي خصص لفرض رمزية الأسد على مستوى التخطيط العمراني، لا سيما أن الصورة التي أزيلت كانت تمثّل وجه حافظ الأسد بحجم ضخم يتوسّط كامل التكوين الجداري تقريباً.

شخصنة النصر

ورغم أن اسم الجدارية يحمل إشارة ضمنية إلى حرب تشرين 1973، إلا أن التكوين البصري الذي تصدره من دون أي سياق حربي واضح، لا يعبّر عن تخليد محايد للحرب أو الجنود أو الذاكرة الوطنية، بل يعكس هذا التكوين سياسة ممنهجة رافقت حقبة الأسد الأب، تقوم على شخصنة الفضاء العام، وربط مفاصل الذاكرة الجماعية بصورة الزعيم في كل موقع مركزي أو عبوري في المدن.

وضمن هذا السياق، تحوّلت بوابات المدن الرئيسية إلى مسارح رمزية للهيبة، يمر فيها العابر عبر سلسلة من الطقوس البصرية من تماثيل وجداريات وشعارات سياسية مكررة، في مقدمها وجه الأسد نفسه، كأن على الداخل إلى العاصمة أن يمر أولاً عبر “البوابة الرمزية للسلطة”، لا عبر المدينة.

ووثقت الكاتبة والأكاديمية الأميركية ليزا ويدين هذه الظاهرة في سوريا ضمن كتابها المرجعي “غموض الهيمنة”، مشيرة إلى أن فيض الصور والرموز المرتبطة بالقائد،  يعمل كدعاية وآلية لضبط المجال العام، حيث “يتصرف الناس كما لو أنهم يؤمنون”، تحت وطأة الطقس الجماعي للتبجيل.

نسخة كوريا الشمالية

وتظهر الجدارية نمطاً بصرياً قريباً من الواقعية الاشتراكية، وتحديداً النموذج الكوري الشمالي، الذي استخدم في تصميم تماثيل ولوحات ضخمة للقادة السياسيين في بيونغ يانغ وصُدّر لاحقاً إلى دول عديدة، من بينها سوريا، حيث يعتمد على التركيز البصري المركزي على صورة القائد بأحجام ضخمة، مع غياب أي تعددية سردية أو رمزية. وأُدرج هذا النموذج ضمن خطة بصرية واسعة للنظام السوري في التسعينات، هدفها تعزيز “سردية النصر” في حرب تشرين.

تفكيك الرمز والإبقاء على الجدارية

والحال أن إزالة وجه الأسد من الجدارية مع الحفاظ على بقية اللوحة، يعني عملياً تفكيك رمز شخصي كان يحتل مركز الفضاء العام، من دون هدم الذاكرة العمرانية للمكان، وهي عملية “تحرير” للمشهد البصري من دون شطبه، وإشارة إلى مرحلة جديدة تتجاوز الرموز مع المحافظة على السياق وإعادة توظيفه.

وتأتي هذه الإزالة في سياق أوسع بدأ منذ كانون الأول/ديسمبر 2024، بعد سقوط النظام السابق، حينما أزيلت التماثيل والصور واللافتات والأسماء المرتبطة بعائلة الأسد في أنحاء مختلفة من دمشق ومدن كبرى. وقد أصدرت الحكومة الانتقالية في تموز/يوليو 2025 تعليمات لإزالة كافة الرموز السياسية من المباني العامة، وتطهير الفضاء البصري من آثار النظام البائد.

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى