حزب الله يعدّل المسار مع سوريا والخليج.. وينتظر/ محمد فواز

2025.10.02
اختلفت استراتيجية حزب الله في لبنان بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل في أواخر عام 2024. فقد سلّم الحزب عملياً بالانسحاب العسكري من جنوب الليطاني، ليتحوّل رأسُه باتجاه الداخل اللبناني، محاولاً الحفاظ على سلاحه كفكرة مؤثرة على مستويين: أوّلاً، على البنية الداخلية التنظيمية والقوة الاجتماعية والحضور السياسي اللبناني، وثانياً، على استراتيجيته وربطه بالدور الإيراني الإقليمي والصراع مع إسرائيل.
كان حزب الله يتوقع أن يشكّل هذا الاتفاق نقطة انطلاق لإعادة بناء نفسه داخلياً وخارجياً، مستفيداً من فترة تهدئة طويلة تسمح له بامتصاص الخسائر الواضحة، لكنّ الصفعات لم تتوقف. سقوط الأسد وتحوّل سوريا إلى قيادة جديدة قطع خطّ الإمداد والتعافي الإيراني إلى حزب الله. إسرائيل، من جهتها، لم تخضع للاتفاق مع لبنان، بل تتابع الحضور العسكري والعمليات على امتداد الجغرافيا اللبنانية، ناهيك عن الملاحقات الأمنية والمالية للحزب.
لم يدفع هذا الحزب إلى الاستسلام أو إلى تغيير استراتيجيته كلياً، بل أدخله في “تكيّف مزدوج” يجمع بين التمسّك بالسلاح والمماطلة في التسليم الكامل بالتنازلات. في هذا الإطار، اعتمد على كسب الوقت، ومحاولة ابتكار حلول مرحلية، وتوزيع مخاطره بين الداخل والخارج.
ظل الحزب يراهن على تغيّر إقليمي، محاولاً تلمّس إشارات إليه والدفع باتجاهها ما أمكن. في فترة ما، راهن على عدم استقرار النظام الجديد في سوريا أو على تخلخله. لكن يبدو أنّ قراءة الحزب تغيّرت تدريجياً، ليعتمد خطاباً وأدوات مختلفة تقرّ بأنّ دمشق لن تكون ساحة فوضى مفتوحة كما كان يتوقع، بل إنّ النظام الجديد أثبت تماسكاً أكثر مما توقع الحزب.
التغيّرات الإقليمية جاءت في الاتجاه العكسي: تصعيد إسرائيلي وأميركي مرفق بعمليات مفاجئة، كان على رأسها استهداف فريق حماس التفاوضي في الدوحة، وهي سابقة أدّت إلى إعادة ترتيب الأولويات في طهران وبيروت. في هذا المناخ، انقلبت الاستراتيجية إلى محاولة التقارب الإقليمي في وجه عدو مشترك. مثل هذا التوجّه، من منظور طهران، يمكن أن يفتح آفاقاً أوسع لها، ويخفّف من عزلتها، ويقلّل من احتمالات تجدّد حرب شاملة مع إسرائيل، أو يعزّز أوراقها إذا ما اندلعت مواجهة جديدة. أمّا بالنسبة إلى حزب الله، فالمسألة أكثر اتصالاً بواقعه، إذ يرى أنّ إمكانية الانفتاح على الخليج قد تُسهم في تخفيف حدّة الهجمة على سلاحه، وتساعد في إعادة توسيع قاعدته الشعبية في لبنان، فضلاً عن إمكانية تعزيز مسار الترميم السياسي والعسكري إذا ما توطّدت العلاقة مجدداً مع سوريا، ويحسُن واقعه في حال تعرّض لهجمة إسرائيلية مطروحة في حسابات الحزب.
يدرك الحزب أنّ الآمال في هذا الاتجاه قد لا تكون كبيرة، غير أنّ براغماتية إيران، المعروفة تاريخياً، تلتقي مع ظرف خانق يعيشه الطرفان، وهو ما يدفعهما إلى طرق جميع الأبواب الممكنة تجنّباً لمصير حربي قاسٍ يلوح في الأفق.
الإشارات التي التقطتها طهران ترتبط كذلك بارتفاع سقف المطالب الإسرائيلية في سوريا، سواء فيما يتعلق بالمناطق العازلة، أو بحرية الحركة في الأجواء السورية، أو بالاحتفاظ بمساحات استراتيجية شاسعة من الجنوب السوري، ناهيك عن الوضع الخاص الذي تريده إسرائيل في السويداء وما حولها.
أمّا على صعيد حزب الله، فقد بادر علناً إلى مدّ اليد للمملكة العربية السعودية، حيث أعلن الأمين العام بالوكالة، الشيخ نعيم قاسم، أنّ الحزب مستعدّ لفتح صفحة جديدة مع المملكة، وتجميد الخلافات، وتوحيد الجبهة في مواجهة إسرائيل، مشدّداً على أنّ سلاحه موجّه حصرياً ضد إسرائيل، لا ضدّ العرب. هذه المبادرة، التي صدرت في خطاب علني، مثّلت تعزيزاً لمسار الحزب المستجد.
في المقابل، لوحظت محاولة واضحة من الحزب لتحييد الملف السوري بشكل كامل، في الوقت الذي تشهد فيه العلاقات اللبنانية – السورية مساراً متدرجاً من التحسّن. فقد أفادت مصادر مطلعة لتلفزيون سوريا أنّ الحزب تلقّى ملاحظات وتنبيهات جدّية مفادها أنّ ما قاله الرئيس السوري أحمد الشرع حول الدفع الدولي له لردّ ثأره من حزب الله أمر صحيح، مقابل تمنّع الأخير. وأنّ الشرع يُعتبر اليوم الخيار الأفضل للحزب في سوريا، لما أظهره من عقلانية في التعامل مع الملف اللبناني وملف حزب الله فيه، مع رفض الانصياع للدفع الخارجي نحو شنّ هجمات على مناطق نفوذ الحزب في البقاع اللبناني. بهذا المعنى، قد لا يؤدي توقّع الحزب بتخلخل في القيادة السورية إلى الفوضى التي تسمح له بإعادة العمل والاتصال مع إيران، بل قد يقود إلى تركيز مجموعات مختلفة لنيرانها على حزب الله نفسه.
كما كشفت مصادر لتلفزيون سوريا أنّ خريطة فعاليات الذكرى السنوية الأولى لاغتيال أمين عام حزب الله التاريخي، السيد حسن نصر الله، ومعه خليفته هاشم صفيّ الدين، تعمّدت تحييد أي ذكر لسوريا، واقتصرت على إضاءة صخرة الروشة بالعلم اللبناني وعرض صور القيادة في بيروت، في مؤشر إلى أنّ الحزب يعيد صياغة خطابه الداخلي بعيداً عن تبرير تدخّله في الحرب السورية.
من جهة أخرى، يعتبر الحزب أنّ العنجهية الإسرائيلية والمراعاة الأميركية لهذه الشروط قد تدفع مختلف الأطراف الإقليمية، رغم خلافاتها، إلى الالتفاف حول فكرة المواجهة مع إسرائيل، أو على الأقل هذا ما يأمله ويسعى إلى الدفع به. في هذا السياق أيضاً، تكتسب تصريحات توم باراك أهمية خاصة، إذ أكّد عملياً تسليمه لإسرائيل بفرض شروطها على قاعدة أنّ القوي هو من يفرض شروطه، مشدّداً على أنّ الجيش اللبناني لن يُسلّح لمواجهة إسرائيل. هذه التصريحات، مضافاً إليها توقّع التماهي الأميركي مع الشروط الإسرائيلية القاسية المطروحة في المفاوضات الأمنية الجارية حول سوريا، تدفع الحزب إلى الرهان على خيار التقارب مع العرب.
ومع ذلك، تبقى المعضلة الأساسية في أنّ ما يطرحه حزب الله يتصادم مع تاريخه نفسه، ومع سجل إيران الإقليمي. فالعرب، رغم براغماتية بعض أنظمتهم، لا يثقون بالجانب الإيراني، وسيصعب عليهم التعويل على تحالف مستقرّ معه في ظلّ تمدّد السيطرة الأميركية والإسرائيلية في الشرق الأوسط والعمق الأميركي في استراتيجيته وبنيته. لذلك، وعلى الرغم من أنّ هذه المبادرات تمثّل تحوّلاً مهمّاً وإشارة إيجابية في السياسة الإقليمية، إلا أنّ من غير المتوقع أن تذهب بعيداً. فحتى الآن، لم تستطع الأطراف العربية ولا إيران إعادة صياغة العلاقة بين شعوبها، إذ ما يزال كل طرف ينظر إلى الآخر بعين العداء شبه المطلق، رغم التقاربات الرسمية.



