رافايل أينتهوفن: مُجرم حرب… برداء فيلسوف/ بول مخلوف

ما إن نأتي على ذكر الصحافي الفرنسي و«الفيلسوف» رافاييل أينتهوفن (1975)، حتى تقفز الفضائح تلقائياً إلى الواجهة. يكفي لفظ اسمه لكي ينحرف الحديث نحو النمائم، وأخبار المغامرات الفاسقة، ونحو رجلٍ لا أخلاقي مهما تذرع بالنيتشوية وتلطى وراء «دروس» نيتشه.
سيرة هذا الرجل سيرة فضائح متواصلة إلى حدٍّ أنه غدا فضيحة قائمة بذاتها. رافاييل أينتهوفن الذي كان متزوجاً من جوستين ليفي، ابنة «الفيلسوف» الصهيوني برنار هنري ليفي، يواجه اليوم «شُبهة» تتعلّق بتورطه في العمل لمصلحة الموساد الإسرائيلي.
مدير تحرير «المجلة الفلسفية» (Philosophy Magazine)، ومقدِّم برنامج «العلم الجزل» (مأخوذ من عنوان كتاب نيتشه) على إذاعة France culture، يحتقره أولاً الجمهور الفرنسي الذي يصفه بـ«العقل المريض» لأسبابٍ عدة، من بينها عنصريته المقززة، و«تلاعبه» بالنساء، ودعمه للإبادة الإسرائيلية ودعوته إلى قتل جميع الصحافيين الموجودين في غزة. في 15 آب (أغسطس) الماضي، نشر أينتهوفن تغريدة على إكس كتب فيها: «ليس هناك صحافيون في غزة. مجرد قتلة، ومقاتلين، وخاطفي رهائن برداء صحافي» وقد أرفقها بفيديو يظهر فيه صحافيون فلسطينيون من بينهم الشهيد أنس الشريف.
جاءت تغريدة أينتهوفن في خضمّ حملة تحريض مسعورة شنتها إسرائيل على الصحافيين المتواجدين في غزّة متهمةً إياهم بالعمل لمصلحة «حماس».
واينتهوفن ــــ كما وصفه الزميل رشيد وحتي على تغريدته بأنّه «أحد «الفلاسفة الجدد» الذي ذمَّ بورديو ودولوز انحطاطهما القيمي والمعرفي، وهو ظاهرة يستلهمها أكاديميو ونخبة «السوفت فاست»، أي «الفكر التبسيطي السهل» ـــــ متصهين وأجوف ومتلبرل. اتضح أنه يسبق أصدقاءه «الفلاسفة الجدد» بخطوة. فهو لا يقدِّم تفسيراً فلسفياً يسوّغ فيها الإبادة ويبرّرها «كضرورة» كما يفعلون، بل إنه يهندس الإبادة بدقّة فيثاغورية.
كيف يكون أينتهوفن مشبوهاً؟
تحت عنوان «كيف تقوم الاستخبارات الإسرائيلية بجمع أدلةٍ تدين الصحافيين في غزة يُعتقد أنهم تابعون لـ «حماس»»، نشر موقع France info (تابع لـ«راديو فرانس») تحقيقاً أجرته «راديو فرانس» أتى كتكملةٍ لتحقيقٍ سابق أجرته مجلة «972+». والمجلة الأخيرة تعرّف عن نفسها بأنها «مستقلة»، وهي تتألف من صحافيين فلسطينيين وإسرائيليين، وتعلن أنّ هدفها هو الوصول إلى «العدالة والحرية والمعلومة».
وقد كشفت «972+» عن وجود وحدة سرية تابعة للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية تعرف باسم «خلية إضفاء الشرعية» ومهمّتها «التحقيق مع الصحافيين الفلسطينيين لكشف ما إذا كانت هناك صلات تربطهم بـ «حماس»».
انطلقت «راديو فرانس» من خلاصة ما جاء في تحقيق «972+»، وهو أنّ هناك وحدة سرية تجري مهمات استخباراتية واسمها «خلية إضفاء الشرعية»، ثم شرعت في تحقيقها المستقل.
بعد سلسلة اتصالاتٍ أقامتها «راديو فرانس» مع مسؤولين إسرائيليين، توصلت إلى خلاصتين: الأولى أنّ «الجيش» الإسرائيلي لم ينف وجود هذه «الخلية» والثانية (تتوافق مع تحقيق «972+») تفيد بأن هذه «الخلية» «تخدم آلة الحرب الإسرائيلية، في الحرب الإعلامية التي تحدث في موازاة الحرب العسكرية.
فمعظم المواد والصور وكذلك السردية التي يتبناها الناطقون باسم «الجيش» الإسرائيلي ضد الصحافيين الفلسطينيين مصدرها هذه الخلية التي تبحث عن معلومات لتجريم هؤلاء الصحافيين ونزع الشرعية عن عملهم واتهامهم بالإرهاب». تعمل «خلية إضفاء الشرعية» إذاً على إلصاق التهم بالصحافيين الفلسطينيين. وكما صرّح لوران ريشار المدير التنفيذي لمنظمة «مشروع غزة» (Gaza Project) لـ«راديو فرانس»، فإنّ هذه الخلية تتلاعب بالمعلومات «لإيهام الرأي العام بأنّ جميع الصحافيين في غزة هم عملاء لـ «حماس»».
ووفقاً لما نشرته «972+» استناداً إلى ثلاثة مصادر مختلفة داخل الاستخبارات الإسرائيلية، فإنّ الوثائق التي زعم «جيش» الاحتلال أنها تثبت انتماء الصحافي أنس الشريف إلى «كتائب القسام» مصدرها هذه «الخلية». فبعد نحو أسبوعين من الحملة ضد أنس الشريف، تعرّض للاستهداف والقتل.
وقد عرّج التحقيق الذي أجرته «راديو فرانس» على تغريدة «الفيلسوف» رافاييل أينتهوفن. ادعاء أينتهوفن القائل إنّ جميع الصحافيين في غزة هم مقاتلون، وبالتالي ينتمون إلى «حماس»، قوبل برفض قاطع «من جميع المنظمات الصحافية التي تواصلت معها وحدة التحقيق في «راديو فرانس»، ومنها منظمة «مراسلون بلا حدود» الفرنسية (RSF) و«لجنة حماية الصحافيين في نيويورك (CPJ)».
خيانة الحقيقة
«الفيلسوف» الذي هلّل له الإعلام الفرنسي بعدما تفوّق على «تشات جي. بي. تي» العام الماضي في اختبار الفلسفة الخاص بمرحلة البكالوريا في فرنسا، لا يتلاعب في المعلومة، إنّما يهندس تشويه الحقيقة. علّق أحد الفرنسيين على تغريدة أينتهوفن قائلاً: «الكذب! تزييف الحقائق عندما يكون هناك ضحايا مدنيون… هذا ببساطة مؤسف. لوحة «غيرنيكا» لبيكاسو ليست كاريكاتوراً، ولسببٍ وجيه».
وبينما عتّمت صحف عالمية كثيرة أغلفتها في مطلع الأسبوع الماضي، تعبيراً عن الحداد وتضامناً مع الصحافيين في غزة، وبعد البيان الذي نشرته «جمعية علماء الإبادة» (بيان مخزٍ في كل الأحوال، إذ يبدأ بإدانة عملية السابع من أكتوبر ويعد هجوم «حماس» عملاً إرهابياً)، الذي أكّد أنّ ما يحدث في غزة هو «إبادة جماعية»، تعنّت رافاييل أينتهوفن أكثر وأصر على إكمال مهمته في دلق السّم الذي تجرّعه سقراط. عاد أينتهوفن وكتب تغريدة ثانية في محاولة منه لتبرير تغريدته/ جريمته الأولى: «لمجرد أني قلت إنّه لا صحافيين في غزة، تمت معاملتي على أنني وغد ومستعمر إباديّ، ونازي، وحقير، وشريك في الإبادة الجماعية وتم تهديدي بنورمبرغ جديدة، وطلب من رئيس عملي فصلي من وظيفتي.
الشيء الوحيد الذي لم أحصل عليه هو هوية صحافي حقيقي واحد في غزة يعمل بحرية من دون أن يكون مرتبطاً بـ «حماس» بشكلٍ أو بآخر. بالتالي، أنا متمسك بموقفي. من وجهة نظري، لا صحافيين في غزة، لأنني أرفض صفة الصحافي لأي شخص يعمل لمصلحة منظمة إرهابية. حيازة بطاقة صحافية لا تغيّر من ذلك شيئاً.
الأخطر أنّنا نطلب من هؤلاء الإرهابيين المتخفين في زي صحافيين والذين يكونون تارة مقاتلين وطوراً مضيّفين للرهائن أن يكونوا محايدين في الوصف الذي يقدمونه عن غزة». عدا عن كون الصفات التي ذكرها أينتهوفن ملتصقة التصاقاً حميماً بشخصه، نجد في تغريدته كيف يعيد -كالعادة- «الصهيونيّ اليهوديّ» ذكر نورمبرغ والهولوكست في محاولة منه اللوذ إلى موضع الضحية للتبرؤ من كونه جلاداً.
نقرأ أيضاً كيف ينكر «الفيلسوف» الإبادة وهي حقيقة كامنة في «العالم الخارجي»، ونختبر كيف تكون «الفلسفة» أداة قتل حين تكون ضد نفسها؛ الفلسفة كبوق حرب: في نشر الكذب والزيف وآراء «الفلاسفة الجدد»، مثل أينتهوفن صاحب «العقل المريض».
مقاطعة أينتهوفن
ورغم وفرة الأدلة التي تثبت ما بوسعنا اعتباره بمنزلة جرائم ارتكبها أينتهوفن، إلا أنه لا يزال طليقاً حراً، يكتب في «لوموند» ويقدّم برنامجه الإذاعي، ويعلّم الفلسفة، ويشارك منشورات «الجيش» الإسرائيلي على إكس. المحاكم الفرنسية برّأته من تهم التحرش الجنسي، والمنظمات «التقدمية» لم تسائله حول آرائه الفظة حيال شؤون ارتبط اسمه بها مثل رفضه الصارم لوجود «الواقي الذكري»، ولا لجنة رسمية خاصة بحقوق الإنسان وحرية الصحافة أدانت دعوات القتل الذي نشرها. غير أنّ محتقري أينتهوفن ازدادوا أضعاف ما كانوا عليه.
الرأي العام الذي يحاول أينتهوفن خداعه، بات الآن في معركة شرسة معه وجهاً لوجه. أينتهوفن الذي أصدر أخيراً كتابه الجديد «قطرس» (Albatross)، تمت مقاطعته من مهرجان الأدب والكتاب الذي سيفتح أبوابه في مدينة بيزانسون الفرنسية من 19 حتى 21 أيلول (سبتمبر). أكثر من 200 كاتب سيحضرون هذا المهرجان لمناقشة أعمالهم، وكان يُفترض حضور أينتهوفن لولا تغريدته المريضة. لكن المهرجان المنظّم من قبل الحزب الشيوعي قام استبعاده.
وعلى إثر ذلك، نشر «فيلسوف العقل المريض» تغريدته الثانية التي فاقت تغريدته الأولى فظاعةً، فما كان من الحزب الشيوعي الفرنسي سوى الرد على النحو الآتي: «منح رافاييل أينتهوفن «الجيش» الإسرائيلي بطاقة بيضاء لاغتيال أولئك الذين يعملون في الإعلام ويحاولون كشف الجرائم. يكتفي «فيلسوفنا» بنقل دعاية «الجيش» الإسرائيلي المتهم بتجاهل القانون الدولي بلا خجل».
طرد إذاً رافاييل أينتهوفن من مهرجان الأدب والكتاب المعقود في بيزانسون. الجماهير الفرنسية تطرده بعيداً من مساحاتها كذلك. لم يطرد «فيلسوف العقل المريض» من عمله في الإذاعة، ولو طرد فلديه عمل آخر كما بتنا نعلم. على أنّ هذا الطرد في المحصّلة الأخيرة، مقرون بالمقاومة. وحدها مقاومتنا قادرة على طرده، هو وزملاؤه، من أعمالهم كقتلة، مهما تخفّوا بهوية الفلسفة.
الأخبار



