سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

سوريا الجديدة تكمل شهرها التاسع.. الغموض عنوان المرحلة وتخوفات من ولادة قيصرية؟/ عبد القادر المنلا

 

2025.09.30

يثق كثير من السوريين بقيادتهم الجديدة، يعاديها بعضهم بالمطلق، آخرون متشككون، ومنهم مترددون يريدون أن يثقوا بها، يتمنون لها النجاح لينعكس نجاحها إيجابياً على سوريا، وربما يقعون في الحيرة فيما يتعلق باتخاذ موقف من هذه الإدارة، ما بين دعمها ورفضها، ولا يجدون مساحة للحياد ولا فسحة للصمت ولا للكلام.

فالمشهد السوري ما يزال مفتوحاً على كل الاحتمالات رغم رغبة كل السوريين الوطنيين في الوصول إلى دولة القانون والعدالة والحقوق المتساوية، ولكن دوامة التجاذبات السياسية المحلية والإقليمية والدولية واحتمالية هبوب الرياح الفجائية والعواصف السياسية غير المتوقعة، وبالتالي حصول متغيرات عميقة، هو احتمال وارد في كل لحظة.

ورغم كل الإنجازات التي تحسب للإدارة السورية الحالية على المستوى الخارجي من إعادة العلاقات الدبلوماسية مع الدول العربية والمجتمع الدولي، إلى المشاريع والاستثمارات التي تم الإعلان عنها وصولاً إلى موضوع رفع العقوبات عن سوريا الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وأخيراً فتح الأبواب الأميركية للرئيس الشرع ومجموعته السياسية للمشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة وإلقاء كلمة سوريا فيها، إلاّ أن العنوان العريض الذي يمكن أن يختصر المشهد في سوريا، وخاصة ما يتعلق بالتكهنات حول المستقبل القريب يمكن تحديده بـ”الغموض”، وهو العنوان الذي يمكن قراءته في عيون معظم السوريين المتلهفين لمعرفة المدى الحقيقي لواقعية أحلامهم وإمكانية تنفيذها.

    المشهد برمته يدعو من ناحية للتفاؤل، ولكنه تفاؤل أكثر من حذر، تفاؤل يعيش مخاضاً صعباً كالذي تعيشه ولادة سوريا الجديدة بانتعاش غير مسبوق من ناحية، وتهديد بالاختناق في المهد في نفس الوقت..

من الملاحظ تماماً، ورغم دوران عجلة العلاقات الدولية بسرعة مثالية، أن كل الإنجازات التي حققتها الدبلوماسية السورية على المستوى الخارجي لم تجد صدى حقيقياً في الداخل، ولم يشعر المواطن حتى الآن بانعكاسات عملية على الأرض لكل تلك الإنجازات على حياته وتفاصيل عيشه، ولكنه يعول على الوقت، مسألة الوقت واقعية ولا يمكن نكرانها فليس ثمة عصا سحرية تحول الجحيم السوري الذي تشكل خلال الـ14 سنة الماضية إلى فردوس، لكن منح الوقت الكافي للإدارة الجديدة مطلب حق يصطدم بأسئلة أخرى، أهمها:

المشهد برمته يدعو من ناحية للتفاؤل، ولكنه تفاؤل أكثر من حذر، تفاؤل يعيش مخاضاً صعباً كالذي تعيشه ولادة سوريا الجديدة بانتعاش غير مسبوق من ناحية، وتهديد بالاختناق في المهد في نفس الوقت، ويكاد يكون هذا التفاؤل عسير الولادة، فكل تطور يحمل الشيء ونقيضه في آن واحد، ولا سيما في ظل مجموعة التحديات الكبيرة وربما بشكل أدق مجموعة العُقد التي ما تزال تواجه منشار التقدم وتعرقله وتحد من قدرته على تجاوزها وفكّها، ففي الحد الأدنى لدينا عقدة قسد وعقدة السويداء، الأولى ما تزال تراوح مكانها وتشكل تهديداً جدياً باحتمالات نشوء عمل عسكري لا يتمنى السوريون أن يروه، والثانية تبدو في حالة استعصاء حقيقي، وكلما لاحت في الأفق ملامح حل يمكن أن تبرّد سخونة المشهد، تعود الإشارات الملتهبة لتذكي نار الشك وتوقدها من جديد.

على المستوى السياسي الداخلي إذن، ما تزال لدينا مناطق مترددة ومتشككة “مناطق سيطرة قسد”، رغم الاتفاق الموقّع في آذار الماضي بين الشرع ومظلوم عبدي، وكل المؤشرات توحي باحتمالات نشوء تعقيدات جديدة مما يفتح هوامش القلق، ولدينا كذلك مناطق رافضة تماماً لأي شكل من أشكال التعامل مع الحكومة الحالية “فصائل السويداء”.

ويبدو المشهد في حالة مراوحة قابلة للتصعيد أكثر من قابليتها للحل، هذا إن تجاوزنا عقدة الساحل التي شهدت انفراجاً كبيراً ولكنه قد يكون مؤقتاً بدوره، حيث ما تزال كثير من هوامش الاحتمالات مفتوحة على أي تطور، وكل هذه البؤر السياسية -الساخنة والأقل سخونة- ما تزال تؤثر على تفاؤل السوريين وتهدد ثقتهم بمستقبل سوريا وبإمكانية إحلال السلام والاستقرار الفعلي.

وعلى مستوى السياسة الخارجية، ترخي إسرائيل بظلها الثقيل على أحلام السوريين، وتحاول فرض حلمها الخاص في الاستيلاء على المزيد من المساحات الجغرافية في سوريا وقضم المزيد من الأراضي مستغلة حالة الضعف والإنهاك التي وصلت إليها سوريا.

ويلعب التفوق العسكري والتكنولوجي الذي تمتلكه “تل أبيب” دوراً كبيراً في إضعاف ثقة السوريين بمستقبل بلدهم، فذلك التفوق يمكن أن يهدّد الدول المستقرة والقوية فما بالك بسوريا، فضلاً عن عدم وضوح إسرائيل أيضاً في تفاصيل موقفها من سوريا، رغم محاولات القيادة السورية الحالية امتصاص كل الصدمات والمحافظة على موقف مرن تجاه “تل أبيب”، وإعلانها على لسان الرئيس الشرع نفسه أنها لا تضمر عداء لجيرانها، ولكن كل ذلك لم يسهم في اتخاذ خطوات واضحة من قبل الجانب الإسرائيلي لإعلان موقف يمكن التأسيس عليه في تخفيف حالة الغموض المفروضة على السوريين، الأمر الذي يزيد الغموض غموضاً.

وعلى المستوى الاقتصادي والخدمي ليس ثمة تجسيد فعلي وحيّ لحالة التفاؤل التي يبديها كثيرون، فليس هناك ما يطمئن المواطن رغم كل الوعود والتصريحات والإنجازات الخارجية للقيادة السورية، بسبب غياب عوامل الطمأنينة الحقيقية وعدم صرف التصريحات في بنك الواقع وتحويلها لرصيد قوي، لحقيقة ملموسة، يشعر المواطن من خلالها بالارتياح التدريجي من خلال زيادة الدخل وتوفير فرص العمل وتحريك سوق العمل بما يتناسب مع الاحتياجات، وتشكيل بديل عن الصعوبات التي تواجه المواطن وتدفعه للتعامل مع الوعود والتصريحات على أنها أكبر من الوقائع سواء فيما يتعلق بالدخل أو في الخدمات.

ما يزيد الشك “بلة”، هو أن كثيراً من التفاصيل الصغيرة التي تستطيع الحكومة إنجازها دون الاصطدام بالعقد الكبيرة سالفة الذكر، ما تزال غير منجزة، بل ربما يتم التعامل معها بشكل معاكس لطموح السوريين، مثل المناصب التي توزع بشكل غير احترافي، أو الأخطاء التي يرتكبها بعض المسؤولين ولا يتم الاستجابة لصوت الشعب حينما يرتفع معترضاً، وكل ذلك بيد الحكومة وليس ثمة ما يمنع من إجراء تغييرات تعزز ثقة المواطن بالقيادة، ولا يمنع من استجابة سريعة للتفاصيل الملحة والتي تبدو الحكومة متباطئة في اتخاذها أو حتى مهملة في ذلك.

بالإضافة إلى ذلك كله يجد السوريون أنفسهم اليوم في مواجهة السؤال الأهم الذي يولّد لديهم الشك الأكبر وهو السؤال المتعلق بشكل الدولة والخط السياسي والاجتماعي الذي ستتبعه، وتأثير ذلك على الحريات الفردية حيث تسيطر حالة من الغموض أيضاً على شكل الدولة المرتقب، وهو ما يسعى السوريون لحل شيفرته لمعرفة الاتجاه الذي تنوي الحكومة اتباعه، وخاصة ما يتعلق بفكر الدولة: هل ستذهب الدولة بالاتجاه الإسلامي؟

هناك مؤشرات كثيرة على ذلك، ولكن التوجه الرسمي لا يدعمه حتى الآن ولا ينفيه، ولكنه يفسح في المجال لتصرفات يتم وصفها بالفردية، تصرفات لا تتبناها الدولة ولا تمنعها مما ينشر المزيد من الغموض لدى السوريين، وخاصة المستثمرين ورجال الأعمال الذين يمكن لمساهماتهم أن تشكل العمود الفقري لنهضة الدولة، وكذلك أصحاب المهن التي سيؤثر عليها بشكل مباشر التوجه الرسمي للدولة كالمهن الفنية على سبيل المثال مثل الدراما والموسيقا وفنون المسرح والرقص، وأيضاً السياحة، وكل ذلك يحتاج إلى بيئة واضحة تشجع على البدء بضخ أموال الاستثمارات.

وبالإضافة إلى ذلك كله، ثمة تيارات معارضة كثيرة، وذلك أمر مطلوب بالطبع، ولكن كثيراً من المعارضين شكّلوا تيارات معادية بشكل مباشر تنشط في الغرب وتعمل ليل نهار ضد الإدارة الحالية مركزة على الخلفية الجهادية لها وتعمل على نشر أخبار منها ما هو صحيح وكثير منها شائعات لا صحة لها وبعضها ملفق ومختلق ومصنّع على مقاس حالة العداء، وهو ما يجد صدى واسعاً عند الرأي العام الدولي ويخلق تشويشاً كبيراً حتى على مستوى الداخل، كما أنه يحدث شرخاً واسعاً بين مناصري الحكومة ومعارضيها وبين الفئة المترددة التي لم تستطع حتى الآن حسم موقفها رغم رغبتها الكبيرة في استقرار سوريا.

ربما تكون مرحلة ما بعد زيارة الشرع إلى الولايات المتحدة نقطة بداية جديدة ومخبَراً يمكن من خلاله بحث عينات من الأمراض السياسية التي أنهكت سوريا والسوريين في انتظار نتائج حاسمة.

قاربت سوريا الجديدة من إكمال شهرها التاسع، عانت خلاله من مخاض عسير على أمل أن يكتمل نمو الجنين السوري في انتظار لحظة الولادة، وسط تلهف الشعب السوري لاستقبال وليد مكتمل النمو وقلقهم العميق وتخوفاتهم من تشوه ذاك الجنين أو ولادة قيصرية أو موته في أثناء الولادة.

ستكون مرحلة ما بعد زيارة الرئيس الشرع للولايات المتحدة الأميركية حاسمة فيما يتعلق بتوضيح شكل الدولة وكل التفاصيل الأخرى الخاصة بشعور المواطنين بتحسن حقيقي على المستوى الاقتصادي، وتطور لافت فيما يتعلق بالعدالة ومحاسبة المنتهكين، وإعادة النظر بكل الأخطاء السابقة، هي فرصة وحيدة متبقية لتحويل الوعود والتصريحات إلى واقع عملي، ومن دون ذلك ستبقى سوريا معلقة على حبال الاحتمالات، وربما تصطدم بالسيناريوهات الأسوأ وهذا ما لا يريد السوريون أن يحدث بعد المأساة التي عاشوها ما يقارب عقداً ونصف.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى