شارل أزنافور…”بالأمس فقط” كنتَ معنا مهجوساً بسنّ العشرين/ نورما عبد الكريم

الأربعاء 2025/10/01
“بالأمس فقط كنت في العشرين من عمري، داعبتُ الزمن ولعبتُ بالحياة… أبدد الوقت وأعتقد أنني أملك كل الزمن … بالأمس فقط كنت في العشرين من عمري أضعت الوقت ظناً أنني أستطيع إيقافه”… لطالما تملّك هاجس مرور الزمن، أسطورة الغناء الفرنسي شارل أزنافور، الذي تصادف الذكرى السابعة لرحيله في 1 تشرين الأول، والذي كان متعدد المواهب؛ إذ جمع بين الغناء والتمثيل والكتابة والتلحين، حتى بات سفيراً للأغنية الفرنسية في العالم، وسفيراً لقضايا أرمينيا التي تتحدر منها عائلته في الأصل.
صوت فريد مفعم بالعواطف الإنسانية يحمل على الدوام نفحة من مشاعر الحنين والشجن إلى حد أنه يوصل عند أدائه أغنيةHier encore.
“بالأمس فقط”، التي تعد من أجمل أغانيه وأوسعها انتشاراً؛ إذ جابت العالم بلغات عديدة، تبث إحساساً بأن صوت أزنافور يجسّد الندم فعلاً، ويحمل في طياته ثقل السنين وخيبات الأمل والاستسلام أمام انقضاء أجمل سنوات العمر في لمح البصر، وهي مشاعر غالباً ما وردت في أهم المقطوعات الأدبية أو حتى في كلاسيكيات الأخوين الرحباني وفيروز مثل “يا سنين اللي رِحْتِ ارْجَعيلي” أو تحفة البيتلز “يسترداي” (الأمس). فما قصة هذه الأغنية الخالدة التي كتبها أزنافور وهو في الأربعين من عمره؟
في العام 1964، أصدر أزنافور هذه الأغنية من ألحان جورج غارفارينتس، وتروي قصة رجل يسترجع بمرارة ذكريات حياته، والفرص الضائعة، والشباب الذي ولّى إلى غير رجعة، مراجعة للذات، ولحياة أُهدرت على طيش الشباب، وأمور سطحية وأوهام، قبل أن يستدرك أنه لا يمكن إعادة عقارب الساعة الى الوراء، أو تحقيق الأحلام، أو استرجاع علاقات إنسانية لم يعرها الاهتمام الكافي. في هذه العزلة الاجتماعية وأجواء الأغنية التي توحي باقتراب نهاية الحياة، لا يكتفي أزنافور برواية قصة هذا الرجل؛ إنما يحمله مسؤولية ما آلت اليه أحواله: “بسبب تصرفاتي، خلقت فراغاً حولي، وأهدرت حياتي وشبابي”، قبل أن يختم بشجن كئيب يذيب الحجر، بأنه لا يمكن إصلاح الماضي، ويقر بأن الأوان قد فات، ويقبل مصيره باستسلام.
“Yesterday When I Was Young”
بعد خمسة أعوام من صدور الأغنية، وفي العام 1969، أصدر أزنافور النسخة الانكليزية من الأغنية تحت عنوان “بالأمس حين كنت شاباً”، بالتعاون مع هربرت كريتزمر الذي تمكن من اقتباس النبض العاطفي للأغنية، وإيصاله إلى عالم الناطقين بالإنكليزية، في حين كان أزنافور يرغب في الانفتاح على أسواق العالم الأنغلوساكسوني، خصوصاً بريطانيا والولايات المتحدة، إدراكاً منه بأن موضوع الأغنية الذي يتناول الشباب والتقدم في السن والفرص الضائعة، يلقى صدىً عالمياً، وأن هذه الرسالة الكونية قادرة على تجاوز حواجز اللغة والحدود، كونها تلامس الوجدان الإنساني المحض.
النسخة الانكليزية التي ألفها كريتزمر، الصحافي والكاتب البريطاني المتحدّر من جنوب أفريقيا، والذي اقتبس إلى الانكليزية المسرحية الموسيقية الفرنسية الشهيرة “البؤساء”، ونال جوائز عالمية عديدة، لم تكن ترجمة مباشرة للأغنية التي كتبها أزنافور؛ إنما عدّلها على نحوٍ يأسر الروح، بمفردات إنكليزية تصل أسرع الى المستمعين الأنغلوساكسون. هكذا، أصبح القسم الأول من الأغنية: “بالأمس حين كنت شاباً، كان طعم الحياة حلوًا.. كنتُ أسخر من الحياة كما لو كانت لعبةً سخيفة، كما قد يداعب نسيم المساء شعلة شمعة”. تختتم النسخة الفرنسية بمشاعر الأسى والندم حين يقول أزنافور “بسبب تصرفاتي، خلقت فراغاً حولي وأهدرت حياتي وشبابي”، في حين تختتم النسخة الانكليزية على نحوٍ أكثر دراماتيكية بالقول “في داخلي الكثير من الأغاني التي لن تُغنى، أشعر بمرارة الدموع، لقد حان الوقت لأدفع ثمن الأمس حين كنت شاباً”.
أما بوابة العبور إلى الولايات المتحدة، فكانت من خلال الاقتباس الذي قام به مغني الكانتري الأميركي روي كلارك في العام 1969، حيث حققت الأغنية نجاحاً باهراً، قبل أن يتوالى نقلها الى لغات عديدة في العالم مثل الإيطالية والإسبانية واليونانية والتشيكية والفنلندية والدنماركية. وفي الوقت الذي تتفاوت فيه الآراء بالنسبة لتقييم أفضل نسخة في العالم لهذه الأغنية المفعمة بالمشاعر، فإن الكثير من النقاد أثنوا على أداء المغنية البريطانية شيرلي باسي التي أصدرت هذه الأغنية في العام 1970، لا سيما قدرتها على نقل المستمع إلى صلب القصة بأسلوب متطور في الغناء، وقد وُصف أداؤها بأنه “نسخة فريدة”، لأنه أظهر قدراتها الصوتية بأسلوب يحاكي رواية القصص، وهذا ما لمستُه شخصياً أثناء حضوري حفلتها الموسيقية في بيروت في العام 1997؛ إذ كان أداء صاحبة “غولدفينغر” و”لا باسيوني” استثنائياً لا يمحى من الذاكرة.
أزنافور تطرق إلى جوهر هذه الأغنية في مقابلة مع مجلة “فوغ” الفرنسية في العام 2017، قائلاً إن أغانيه تتناول مواضيع “مرور الوقت، وإدراك واقع تتالي الأيام، والأعوام العشرين التي لن تعود والصباحات الأقل إشراقاً”، مضيفاً: “منذ طفولتي كانت هذه المسألة تؤرقني. حتى سن الخامسة عشرة، كنت أخاف الموت. من الصعب تقبّل فكرة أن الحياة، التي مرت، لا يمكن استعادتها”.
La Bohème
طبيعة الزمن الفائت غير القابل للتعويض، أو مفهوم تسرّب الوقت كقوة تؤثر في الحياة والعواطف، تظهر في العديد من أغاني أزنافور، لا سيما “لا بويم” (البوهيمية) الصادرة في العام 1965، التي تعد أشهر أغانيه وأكثرها شعبية، وقد قال عنها في إحدى المقابلات إنها “أجمل نص أدّاه”، وأن المؤلف “جاك بلانت كتب لي أجمل نص في سجلّي الموسيقي”. هنا، تترافق رؤيته عن مرور الزمن، بمشاعر النوستالجيا والحنين إلى الماضي في منطقة مونمارتر، محور الحياة الفنية الحرة الباريسية، والزاخرة تاريخياً بالفنانين والكتّاب، غالبيتهم بوهيميون يعتمدون أسلوب حياة يتميز بالحرية والتفلّت من النظم والتوقعات الاجتماعية التقليدية، لعيش حياة بسيطة يملؤها الإبداع والحب والنّهل من المُتع اليومية. في هذه الأغنية التي لحنها أزنافور، يتحدث كأنه يروي سيرته الذاتية، مصوراً رجلاً يتذكر شبابه حين كان يعيش هذا النمط من الحياة برفقة حبيبته، ويستذكر لذّة عيش الحلم الشبابي بالرغم من صعوبة الحياة.
هنا أيضاً يعود إلى سن العشرين، كأنها محطة فارقة في حياته، مشددًا على التناقض بين حقبتين، ما قبل سن العشرين وما بعدها، ويبدأ هذه الأغنية بالتمييز بين جيلين قائلاً: “أتحدث إليكم عن زمن لا يعرفه من هم دون العشرين”، هكذا يستعيد بالذاكرة حقبة ماضية، لكنه يتحدث عنها بالحاضر، ملاحظًا أن الزمن تغيّر والمكان تغيّر، ليعود إلى نقطة البداية، وهي أن مرور الزمن يلقي بثقله على كل شيء، ولا عودة الى الوراء.
“Le Temps”
في العام 1964، صدرت أيضاً أغنية “لوتان” (الزمن)، ووضع فيها أزنافور مجدداً كل مشاعره عن تلاشي الذكريات والتجارب تحت وطأة التقدّم في العمر، وتحدث فيها عن الزمن بأشكاله كافة، الحاضر والماضي، الفرح والحزن والحنين والمتغيرات، ومجدداً: “الزمن الذي يمر والزمن الذي يهدر”.
“Je n’ai pas vu le temps passer”
في إنتاج لاحق، أصدر أزنافور أيضا أغنية “لم أرَ الزمن يمرّ” في العام 1977، مستعيدًا هاجس مرور الوقت الذي أرّقه منذ الطفولة، ليواجه مسألة التقدم في السن، لكن بهدوء وسلام أكبر هذه المرة، عنوان الأغنية يوحي كيف تمر الحياة بسرعة، لكنه يعبّر فيها عن الرضا لعيش كل التجارب من الفن الى الأبوة، ويختمها بتفاؤل وإيجابية على عكس أغنية “بالأمس حين كنت شاباً”، فيقول: “لم أرَ الزمن يمرّ، لكن ما زال أمامي وقت، وما زالت لديّ أحلام”.
أحلام حققها حتى النهاية مختتماً في حفلة أخيرة أحياها في اليابان في أيلول 2018، قبيل وفاته عن 94 عاماً، مسيرة استمرت 70 عاماً، جعلته أيقونة للأغنية الفرنسية، وتخللتها مشقات كثيرة كما أظهر الفيلم الذي يروي سيرة حياته “السيد أزنافور”، الذي خرج إلى الصالات في العام 2024، وعرض بالتفصيل الصعوبات التي واجهت بداياته: من الفقر، إلى أصوله ونشأته في كنف عائلة مهاجرين، وصولاً الى شكله، وسلط الضوء على الدور الذي لعبته أسطورة الغناء الفرنسي إديت بياف في حياته المهنية، وكيف تحدى الجميع الذين راهنوا على عدم نجاحه.
“الشعراء في فرنسا لا يموتون”، هكذا رثاه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في تشرين الأول 2018، خلال الجنازة الوطنية التي أقيمت له في باريس، بحضور رئيس الوزراء الأرمني آنذاك نيكول باشينيان، الذي قال “أنحني أمامك – أيها الفرنسي العظيم والأرميني العظيم”، الذي غيّر أخيرا وجهته، وغادر مع البحارة “سماء الشمال” الرمادية كما أراد “بلا أمتعة”، قبل أن ينقل النعش على وقع أغنيته الشهيرة Emmenez-moi (خذوني بعيداً).
المدن



