لا ذوبان ولا قطيعة مع السلطة.. تيار ثالث لـ”مجتمع الثورة”/ بهاء دبوس

2025.09.29
خلال معركة “ردع العدوان” ومع التقدم الميداني المتسارع، كانت سكرة حلم إسقاط نظام الأسد قد أخذت بعقول السوريين -المعارضين والراغبين بالخلاص- كيف لا وهو المراد الذي كان مرجوا تحقيقه في السنوات الأولى، وما لبث أن تحول إلى حلم بعيد المنال في السنوات الأخيرة، مع انسداد الأفق الميداني والسياسي.
عظمة هذا الحدث كانت كفيلة، بكل تأكيد، للتغطية على مخاوف ما بعد إسقاطه، حتى عند المتحفظين على أن تكون “هيئة تحرير الشام” رأس حربة المعركة، والتي شكلت فيما بعد نواة السلطة الجديدة، فسادت في أجوائهم مقولة “اليوم خمر وغدا أمر”، للانتشاء بلذة اللحظة التاريخية.
مخاوف واصطفافات جديدة
اللحظة المنشودة هذه، على عظمتها، سرعان ما اصطدمت بتحديات المرحلة المقبلة، وهو ما كان متوقعا، فأبدى بعضهم منذ اللحظات الأولى، وما قبلها حتى، مخاوفهم المشروعة، لأن إرث نظام الأسد، في المجتمع السوري كان أعمق من أن ينتهي بمجرد اقتلاع رأسه أو حتى جسم النظام كاملا، عوضا عن تركيبة مجتمعاتنا التي أنهكتها قرون من الحروب والاستبدادات، والاحتلالات، والكهنوتيات الدينية الوصائية، والأهم نهج السلطة الجديدة، التي أجرت تغييرا تدريجيا في نهجها الراديكالي على مدى سنوات، إلا أنها لم تبد مؤشرات إيجابية بما فيه الكفاية تجاه القضايا التأسيسية المتعلقة بهيكلية الدولة الجديدة، مثل العدالة الانتقالية والسلم الأهلي والحوار الوطني والاعتماد على الكفاءات لا الولاءات في التعيينات، والشفافية الكاملة في تحركاتها الداخلية والخارجية.
المخاوف هذه انعكست على الأرض جرائم طائفية بدأت فردية وتحولت إلى ممارسات جماعية انتهت بمجازر، بعد احتقان واستقطاب حاد غذّاه الأسد على مدى 14 عاما، وتجاهلت أو لم تتنبه السلطة الجديدة إلى خطورته ببدء مسار العدالة الانتقالية، الأمر الذي خلّف انفجارا مجتمعيا وضع جماعات كاملة على حافة الانفصال.
ولأن مرحلة ما بعد الأسد خلقت أوضاعا جديدة كليا في البلاد، كان لزاما أن تُخلق اصطفافات جديدة وإن لم تأخذ شكلها النهائي حتى الآن، لأن السلطة نفسها ما تزال في طور التشكيل القابل للتغيير، إلا أن الأحداث المكثّفة خلال الأشهر الماضية، خاصة المتعلقة بالخروقات والانتهاكات والتجاوزات وضعت “مجتمع الثورة” من مثقفين وفاعلين وناشطين وغيرهم أمام حالة جديدة عليهم، فمن كانوا في صفهم بالأمس، وإن لم يكن بشكل تام، أصبحوا اليوم هم النظام الجديد، وذهب من كانوا يعارضونه إلى غير عودة، عوضا عن انخراط عدد لا بأس به منهم في السلطة الجديدة بمراتب متفاوتة، فكيف يكون شكل العلاقة الجديدة المعقدة هذه؟
قبل الإجابة عن هذا التساؤل، يلزم بالضرورة العودة إلى جذور الثورة التي حرّكتها الرغبة بالخلاص من الاستبداد والفساد في البدايات، وأشعلتها الدماء والحل الأمني لاحقا، فأمكن القول إن أسباب الخروج على النظام كانت تحظى بشبه إجماع، وما اختُلف عليه ظهر لاحقا وإن كان بشكل مبكّر عند الحديث عن مرحلة ما بعد الأسد، وهو ما بدا جليا في الاختلاف على شكل الدولة بين مدنية وإسلامية، الأمر الذي انعكس على حالة المناطق المحررة حينها وطرق إدارتها والصراعات العسكرية بين الفصائل بمختلف تدرجاتها الأيديولوجية.
انقسامات “مجتمع الثورة” بعد سقوط الأسد
وبعد سقوط نظام الأسد يعود الانقسام هذا إلى الواجهة من جديد، ومع عودته تأخذ الانقسامات القديمة التي نُحيّت جانبا لسنوات طويلة خلال الثورة طريقها إلى الصدارة، فاعتبر البعض من “مجتمع الثورة” أن الثورة قد انتهت فعلا مع سقوط نظام الأسد، اقتداء بتوجه السلطة نفسها التي أعلنت ذلك على لسان رأسها الشرع في عدة مناسبات، تحت عنوان “انتهاء عهد الثورة وابتداء عهد بناء الدولة”، ما انعكس على مواقفهم نفسها لاحقا، ففُهم انتهاء الثورة عند بعضهم انتهاء لكل معانيها في الاعتراض على الخطأ والدفع باتجاه الأفضل دائما، مع الاكتفاء بالوقوف على أطلال سنوات النضال ضد الأسد، مستحضرين ذاك العهد عند أي قضية تتطلّب إبداء مواقف ناقدة للسلطة، لتبدو وكأنها تغطية على السكوت الحالي، سواء عن قصد أو غير قصد، وسواء عن قناعة تامة أو تحقيقا لمصالح شخصية، أو الاثنين معا، من دون إغفال وجود أعداد كبيرة ممن نشؤوا في المجتمعات المناهضة للأسد، بعد الثورة، فكانت الثورة بالنسبة لهم اصطفافا مجتمعيا وربما طائفيا، أكثر من كونها خيارا أخلاقيا، كما كانت عليه لكثير من فاعليها في بداياتها.
وعلى النقيض هناك من أعلن موقفه الجذري من السلطة، غالبا لدوافع أيديولوجية، سواء كان ذلك منذ اللحظة الأولى أو تدريجيا مع تقدم الأحداث، معلنا القطيعة التامة معها، وضرورة استبدالها حتى؛ مع الاكتفاء بإبداء المواقف في غالب الأحيان بعيدا عما يتطلبه التغيير من عمل سياسي على الأرض، مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف الشخصية التي فرضتها السنوات الثِقال التي لا تساعد بعد على أي تحرّك أو تنظّم سياسي على الأرض، والتوجّس أصلا من ردة فعل السلطة المحتملة من أي حراك مماثل.
وما بين الفريق الأول والثاني يظهر من يريد الوقوف إلى جانب الدولة بصفتها وطنا لا سلطة، مع التفريق بين الدولة والسلطة، متجاوزا إلى حد ما تاريخ “هيئة تحرير الشام” وغير متناسٍ في الوقت ذاته، بدافع تحصيل الأهم؛ ألا وهو وضع أسس متينة للدولة السورية الجديدة، مع عدم غض الطرف في الوقت ذاته عما تشهده البلاد بشكل مستمر، إيجابا أو سلبا، فما كان مُستنكرا في عهد النظام المخلوع يبقى مُستنكرا في العهد الجديد عند أي تكرار له، وما يستحق الإشادة، لا تمنعه خصومة واختلاف، مؤمنا أيضا ولأجل تحقيق الغاية الأهم، بضرورة التنظيم السياسي الذي حُرم منهم السوريون 61 عاما، وهو ما سيكون اختبار السلطة الأهم لإثبات القطيعة التامة مع مرحلة الأبد.
تلفزيون سوريا



