مقالات تناولت شخصية “توماس باراك”

“لورنس العصر الأميركي الجديد”.. توماس باراك أكثر من مجرد مبعوث دبلوماسي في سوريا ولبنان، وهكذا ينظر إليه مسؤولو البلدين
عربي بوست
2025/09/27
في الأول من مايو/أيار 2025 تم تعيين الدبلوماسي والمستثمر العقاري توماس باراك سفيراً لواشنطن في أنقرة، ولم تمض سوى أيام حتى وجد الرجل نفسه يرفع علم بلاده في السفارة الأمريكية في دمشق لأول مرة منذ 2012، وبعدها بأسابيع سيلتقي كبار المسؤولين في لبنان، فهو أصبح بذلك المبعوث الأمريكي للبنان وسوريا.
ومنذ أن وطأت قدما المبعوث الأميركي توماس باراك الأراضي اللبنانية والسورية، تغيّر إيقاع النقاش السياسي في البلدين، إذ لم يعد مجرد اسم دبلوماسي يطلّ بين حين وآخر في الأخبار، بل تحوّل إلى لاعب يومي يفرض حضوره في الاجتماعات الرسمية، ويثير السجال داخل الأوساط السياسية والشعبية.
حتى بدا وكأن باراك بات جزءاً من معادلة صنع القرار في بيروت ودمشق، وبدا شريكاً في صناعة التحالفات السياسية ورسم التفاهمات الأمنية وحل العقد، وأحياناً إطلاق التهديدات، إلى درجة أن مرجعاً لبنانياً من الصف الأول وصفه بأنه “لورنس العصر الأميركي الجديد”.
فما الذي يجعل دور المبعوث الأمريكي للبنان وسوريا توماس باراك مختلفاً هذه المرة عن سابقيه؟ وكيف يُنظر إليه من قبل المسؤولين في العواصم المعنية؟ وهل فعلاً تمكن من تحقيق تقدم في الملفات الشائكة، خاصة تلك المرتبطة بعلاقات البلدين مع إسرائيل؟
“مستثمر عقاري” بقبعة دبلوماسية
لا يستقيم الحديث عن توماس باراك ودوره الحالي في لبنان وسوريا دون العودة إلى جذوره وخلفياته السياسية، وكيف تحوّل هذا الدبلوماسي الذي كان في الأصل رجل أعمال أميركي من أصول لبنانية، في ربيع 2025 إلى واحد من أبرز الوجوه في الدبلوماسية الأميركية بعد تعيينه سفيراً في أنقرة ومبعوثاً خاصاً إلى سوريا.
باراك، المعروف في عالم الاستثمار العقاري عبر تأسيسه شركة “Colony Capital” وصلاته الوثيقة بدوائر المال والسياسة في واشنطن والخليج، دخل إلى الحقل الدبلوماسي من باب غير تقليدي، مستنداً إلى شبكة علاقات اقتصادية واسعة وخلفية عائلية مشرقية تعزز فهمه لمجتمعات المنطقة.
منذ توليه منصبه، رفع العلم الأميركي مجدداً فوق مقر السفارة في دمشق بعد أكثر من عقد على إغلاقها، وشارك في مفاوضات حساسة أفضت إلى وقف إطلاق نار سوري–إسرائيلي في الجنوب، فيما ينشط في لبنان على خط ملف سلاح حزب الله وخطط دمج الاستقرار الأمني بالمسار الاقتصادي.
ورغم أن هذه الأدوار منحت واشنطن حضوراً مباشراً في ملفات شديدة التعقيد، إلا أن شخصية توماس باراك أثارت جدلاً واسعاً، فغياب الخبرة الدبلوماسية التقليدية، إلى جانب سجله القانوني السابق وتصريحات مثيرة للجدل خلال زياراته لبيروت، جعلته عرضة لانتقادات داخلية وخارجية.
ومع ذلك، تراهن الإدارة الأميركية على موقعه المزدوج بين أنقرة ودمشق وقدرته على توظيف الاستثمارات في خدمة السياسة، في محاولة لصياغة مقاربة جديدة تجاه سوريا ولبنان تجمع بين الاقتصاد والدبلوماسية.
قضى توماس باراك سنوات طويلة في ملفات العقوبات، مكافحة التهريب، وإدارة الموارد الاقتصادية المرتبطة بالنزاعات، هذا المزيج من الأمني والاقتصادي شكّل ملامحه كـ”مدير عمليات” يعرف كيف يضغط ويقدّم حوافز في آن واحد، أكثر من كونه وسيطاً يعتمد لغة المساومات الهادئة.
واشنطن أرادت شخصية تحمل أكثر من قبعة: جزء منها يعود إلى وزارة الخارجية، وجزء آخر مرتبط بمجلس الأمن القومي والخزانة الأميركية. بهذه الطريقة، لا يكتفي بنقل الرسائل، بل يُشرف عملياً على صياغة رزم ضغوط وحوافز، ما جعله بالنسبة لخصومه “المفاوض–الشرطي” في آن واحد.
مقاربة أمنية بغطاء اقتصادي في سوريا ولبنان
يرى مهند الحاج علي، نائب مديرة مركز “كارنيغي” للأبحاث، أن نهج توماس باراك في سوريا ولبنان يقوم على مقاربة “براغماتية–أمنية” بواجهة اقتصادية وسياسية.
ففي سوريا يسعى المبعوث الأميركي إلى الجمع بين خطاب التهدئة والترتيبات الحدودية وملفات المعتقلين وبرامج التعافي المبكر، مقابل التزام واضح بالخطوط الحمراء التي تتقاطع مع مصالح واشنطن وتل أبيب وأنقرة.
ويشير الحاج علي لـ”عربي بوست” إلى أن باراك يميل إلى استخدام الحوافز الاقتصادية لكسب الوقت السياسي، لكن تشابك العقوبات وتعقيدات ملف قسد وتوترات السويداء تجعل أي مكسب عرضة للتآكل بسرعة.
أما في لبنان، فيدمج توماس باراك قضية سلاح حزب الله في سلّة أوسع تشمل ضبط الحدود الجنوبية، وتفاهمات أمنية مدعومة بحوافز اقتصادية للمناطق الطرفية، إضافة إلى دعم محدود لمؤسسات الدولة والجيش، مع ربط أي تمويل بجدول زمني لـ”حصر السلاح”.
وبرأي الباحث اللبناني، تبدو هذه المقاربة كصفقة استقرار زهيدة الكُلفة، لكنها محفوفة بمخاطر تبدّل موازين القوى داخلياً وانعدام الثقة الشعبية بالإشراف الخارجي.
ويضيف الحاج علي أن توماس باراك يعتمد ما يسميه “دبلوماسية الدائرة الضيقة”، إذ يركّز على القادة السياسيين والأمنيين ورجال الأعمال، مع قنوات مفتوحة للعواصم العربية، لكنه يتجاهل الأطراف الاجتماعية والمدنية، ما يثير حساسيات حول الطابع “الوصائي” لمهمته.
وفي المحصلة، يُحسب له فتح نوافذ تهدئة وتعافٍ موضعي، لكن يُؤخذ عليه تكريس معادلة “الأمن أولاً” على حساب مسار سياسي وعدالة غائبة، ليظهر كوسيط منفّذ يفضّل الصفقات السريعة على التسويات الشاملة، ينجح حين تتوافر له شبكة مساندة عربية وحوافز قابلة للصرف، ويتعثّر حين يتحوّل الأمن إلى غاية بحد ذاته.
انطباعات لبنانية: ابتسامات دون نتائج
يقول مصدر حكومي لبناني رفيع إن تعامل القادة مع المبعوث الأميركي توماس باراك لا يخلو من التناقضات. فمن جهة، يقدّم نفسه بوجه ودود ومرن، يتحدث بلهجة هادئة ويُظهر نفسه على مسافة من الخطاب المتشدد الذي اشتهرت به المبعوثة السابقة مورغان أورتاغوس، بل يكرر أمام من يلتقيهم أنه لا يحبذ أسلوبها ويعتبر نفسه أكثر قرباً و”فريندلي” كما يصفه البعض.
هذه الصورة تمنحه قبولاً أولياً لدى كثير من السياسيين اللبنانيين الذين اعتادوا على خشونة في تعامل بعض الموفدين الأميركيين.
لكن خلف هذه المرونة، تكمن خيبة عميقة؛ إذ إن باراك تراجع أكثر من مرة عن وعود قطعها بالضغط على إسرائيل للالتزام بمعادلة “خطوة مقابل خطوة”، ما جعل عودته من تل أبيب أو واشنطن دائماً بلا نتائج ملموسة.
هذا التراجع أضعف موقف الدولة اللبنانية في محاولتها دفع قرارات 5 و7 أغسطس/آب 2025 إلى التنفيذ، كما أضعف النقاش حول خطة الجيش اللبناني التي كان يُفترض أن تكون أكثر براغماتية وأقل حدّة.
ومع غياب الغطاء الدولي الكافي، وجد القادة اللبنانيون أنفسهم أمام مبعوث يوزّع الابتسامات والوعود، لكنه يعجز عن تحويلها إلى أوراق تفاوضية تساند مؤسسات الدولة.
لذلك، تبدو مقاربة توماس باراك للبنان بحسب المصدر محدودة التأثير، ودية في الشكل، لكنها مثقلة بالخيبات في المضمون، وهو ما ينعكس على ثقة النخب السياسية بقدرته على التأثير في مسار صنع القرار المحلي.
حول سؤال تأثير باراك على الديناميكيات السياسية في لبنان، يشير المصدر إلى أنه ظل محدوداً وملتبساً. فالمبعوث أضعف من خلال تراجعه المتكرر عن وعوده بالضغط على إسرائيل، وهو بتردده أجبر حكومة نواف سلام على البحث عن مقاربات أكثر براغماتية وأقل حدّة في خطة الجيش اللبناني، بعدما تبيّن أن الغطاء الأميركي غير مضمون.
عملياً، أدّى ذلك إلى إعادة رسم أولويات داخل مجلس الوزراء وبين القوى السياسية، إذ تزايدت أصوات تدعو إلى إدارة الملف بحذر أكبر تفادياً لانفجار داخلي.
من جهة أخرى، أسلوب باراك الودود وابتعاده عن لغة المواجهة التي تبنّتها مورغان أورتاغوس، جعلاه مقبولاً من قبل بعض الأطراف، لكنه في الوقت نفسه قلّل من وزنه التفاوضي لأن غياب النتائج أظهره كوسيط عاجز عن تحويل وعوده إلى نفوذ حقيقي.
النتيجة أن حضور توماس باراك في لبنان أعاد خلط الأوراق السياسية، لكنه لم يتمكن من إحداث تغيير جوهري في معادلة صنع القرار، بل عزّز الميل نحو التهدئة الداخلية على حساب القرارات الجريئة.
في سوريا.. إدارة للأزمة دون حلول حقيقية
أما في دمشق، فالصورة تبدو أكثر تعقيداً، فبحسب مصدر دبلوماسي سوري لـ”عربي بوست”، يرى المسؤولون في دمشق أن توماس باراك صادق في رغبته بدعم استقرار بلادهم، وأنه يحاول استخدام موقعه داخل الإدارة الأميركية للدفع نحو خطوات تخفف من وطأة العقوبات وتفتح الباب أمام بعض المشاريع الاقتصادية والإنسانية.
بل إن باراك، بحسب المصدر نفسه، لا يتردّد في لعب دور “الناصح” للسلطات السورية في ملفات معينة، وهو ما يعزز صورة رجل يريد أن يكون أكثر من مجرد وسيط شكلي.
هذا الأمر منح تعاطيه بعض القبول، خاصة في ظل عجز القنوات الأخرى عن إحداث خرق مشابه. لكن هذه النظرة الإيجابية تراجعت بشكل ملحوظ بعد الضربة الإسرائيلية الأخيرة على دمشق، والتي تركت أثراً سلبياً بالغاً داخل الدولة السورية.
فقد شعر القادة في دمشق أن باراك، رغم كل وعوده، لم يستطع فعل شيء لوقف الاعتداءات، بل إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أبلغه بصراحة أنه “يقصف أينما يشاء وكيفما يشاء ومتى شاء”. هذه العبارة، التي ترددت في الكواليس، كانت بمثابة إعلان محدودية الدور الأميركي وقدرة مبعوثه على ضبط إيقاع إسرائيل.
ومع ذلك، ما زال المسؤولون السوريون يتعاملون مع باراك كقناة ضرورية لتخفيف الضغط ومحاولة فتح ثغرات في جدار العقوبات والعزلة، لكنهم في الوقت نفسه باتوا أكثر اقتناعاً بأنه يواجه “مجموعات ضغط” تحاول “فرملة” الاندفاعة التي يحظى بغطاء من الرئيس الأميركي في ممارستها، وأنه بات مديراً للأزمة ويساهم في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة من دون أن يملك مفاتيح الحل الحقيقي، والتي تسعى حكومة نتنياهو لامتلاكها، والتي يحذر باراك المسؤولين السوريين من تحركات مجموعاتها في واشنطن.
تصريحات حادة ونظرة قاتمة
توماس باراك لم يترك وراءه في بيروت سوى أثر كلامٍ حادّ أثار استنفاراً سياسياً واسعاً، وفي المشهد العام، لم يتجاوز لبنان مجرد عاصفة كلام فحسب.
فبينما يغرق المواطنون والسياسيون في قراءة خلفيات التصريحات وتداعياتها، تتبلور خلاصة واحدة، وهي أن إسرائيل تتقدم على أرض الواقع وتعمل على تثبيت وقائع جديدة في المنطقة، فيما تتراجع واشنطن عن بعض بنود اتفاقاتها السابقة.
كما أن كلام باراك وفق المصدر الحكومي اللبناني، أعاد تأكيد هذه الحقيقة، فقد بدا أنه تخلّى عن مضمون ورقته التي لم تحظَ بموافقة إسرائيل أصلاً، مخترقاً بذلك بنود اتفاق 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، ومسهماً عملياً في إضعاف أي قاعدة تفاوضية سابقة.
وتجاوز باراك المنحى الدبلوماسي حين أعلن بصراحة أن الولايات المتحدة لن تسلّح الجيش اللبناني ليواجه إسرائيل، وأن القوات الأميركية لن تعود إلى الشواطئ اللبنانية، وأن واشنطن لن تطرق أبواب المواطنين الشيعة لسحب السلاح، لأن هذه “مهمة لبنانية” يجب أن يقوم بها الجيش.
عبارة كهذه لم تُحرج فقط النخب السياسية، بل شكلت عنصر ضغط جديداً على الدولة، لأنها ترسّخ فكرة أن الضمانات الدولية غير متاحة وأن المطلوب محلياً تحمّل كلفة قرار حساس وشائك.
الأهم من ذلك، أن مقولة باراك بأن “السلام مجرد وهم” أعادت إلى الواجهة قراءة قاتمة لمسارات التسوية، فوفق المصدر فإن من منظوره -أي باراك- تبدو إسرائيل الطرف الأقوى القادر على فرض معطيات جديدة، من سوريا إلى لبنان، عبر تجاوز الاتفاقات السابقة والعمل على ترتيبات أمنية تصبّ في مصلحتها.
وفي ضوء هذا الكلام، بدا أن تصريحات الموفد الأميركي توماس باراك تمنح لإسرائيل غطاءً سياسياً لخيارات قد تثمر توسيعاً عسكرياً أو توغلات برّية تهدف إلى فرض واقع مفاوضاتي جديد، فيما يُترك لبيروت عبء التعامل مع تبعات هذا التحول في الداخل.
فعالية توماس باراك ومستقبل الوساطات
في المحصلة، يظهر أن تأثير المبعوث الأميركي توماس باراك على القادة السياسيين والعسكريين في سوريا ولبنان ظل محكوماً بمعادلة مزدوجة، قدرة على إثارة النقاش وفتح مساحات محدودة للحوار، يقابلها عجز عن فرض تحولات استراتيجية كبرى.
هذا الواقع انعكس على المؤسسة العسكرية نفسها التي باتت محور الخطاب الأميركي، إذ حُمّلت مسؤولية إدارة ملف يتجاوز إمكاناتها التقنية والسياسية، ما أضعف زخم خطة الجيش وأدخلها في دائرة الحذر والانتظار.
أما في سوريا، فقد استفاد باراك من موقعه لمدّ قنوات مع القيادة السياسية والعسكرية، مقدِّماً نفسه كوسيط يمكن أن يفتح ثغرات في جدار العقوبات ويدفع نحو مشاريع إنسانية أو اقتصادية محدودة، لكنه اصطدم بحدود قدرته على كبح اليد الإسرائيلية الطولى، وهو ما جعل تأثيره في القرارات الاستراتيجية بدمشق محصوراً في الهوامش لا في صلب المعادلة.
وعليه، فإن باراك لعب دوراً مهماً في تشكيل توجهات آنية وفي ممارسة ضغط نفسي وسياسي على الحكومات المعنية، لكنه لم ينجح بعد في بلورة مسار يغيّر قواعد اللعبة أو يعيد رسم الموازين الإقليمية.
بالنسبة لواشنطن، وفرت مهمته حضوراً ميدانياً مباشراً ورسائل ضغط على الخصوم، لكنها لم تحقق اختراقات جوهرية في الملفات الكبرى، لا في حصر السلاح بلبنان، ولا في دفع تسوية سياسية شاملة بسوريا.
وبهذا، تبقى فعالية جهوده الدبلوماسية محدودة، أشبه بإدارة للأزمة وتأجيل لانفجاراتها، أكثر منها صناعة لتسويات أو ترسيخ لاستقرار دائم يخدم الأهداف الأميركية بعيدة المدى في المنطقة.
————————————–
نصيحة ــ بهدلة لتوم برّاك/ أرنست خوري
01 أكتوبر 2025
مذهلٌ أن يُملي جاهل الدروس والأوامر على حكومة لبنانية تضمّ من بين وزرائها اثنين يكاد وزن عقليهما ومؤلفاتهما وشهاداتهما وإسهاماتهما في دنيا الدبلوماسية والأكاديميا يفوق وزن جسد توم برّاك، موضوع هذه الأسطر. محبطٌ أن نعيش في كوكب يثرثر فيه متعجرف مثله عمّا لا يفقه على مسامع حكومة نواف سلام التي تضمّ طارق متري وغسّان سلامة، فبؤس القدر أن تكون صفة توم برّاك وسيطاً ودبلوماسياً، هي صفة طارق متري وغسّان سلامة نفسها وسيطين سابقين ودبلوماسيين في أصعب الأمكنة، كليبيا والعراق وميانمار. هذان مثل هذا؟ فعلاً؟ وما الذي أوصل توم برّاك إلى منصبه عن عمر 78 عاماً سفيراً للولايات المتحدة لدى تركيا ثم وسيطاً خاصّاً بسورية وبلبنان، غير علاقة الشراكة والمصالح المالية التي تجمعه مع معلمه دونالد ترامب؟ ما هي مؤهلاته غير العقارية التي تبرّر تسلّمه مسؤوليات دبلوماسية حساسة كهذه، وهو مالك شركة كان اسمها Colony Capital وصار بعد سجنه في 2021، digital bridge group للتطوير العقاري، المهنة التي تشعر في زمن ترامب وأنت تلفظها أنها تنتمي إلى عائلة مهن “صانع المحتوى” و”المؤثر” و”الناشط”، مثيرة للريبة في أقل تقدير؟
السيرة المهنية على الموقع الإلكتروني للسفارة الأميركية في تركيا لهذا السجين بتهم فساد تتفاخر بأنه “تمكّن من خلال أعماله العقارية أن ينسج علاقاته السياسية في الشرق الأوسط”. كيف لا والفساد مفخرة في زمن ترامب. كذلك لا يخجل كاتب النبذة من شرح كيف أن الخبرة العقارية لصاحب وصف سلوك الصحافيين اللبنانيين بالحيواني “تسمح له بإدارة شؤونٍ معقّدةٍ في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا”. أوليست السياسة فنّاً من فنون البزنس في عصر أسوأ من أنجبت أميركا؟ أرفع منصب رسمي تسلمه برّاك، المحامي السابق لشركات مالية، كان عام 1982، نائباً لوكيل وزارة الداخلية في عهد رونالد ريغان، وثاني منصب عام 2016 رئيساً للجنة تنصيب ترامب رئيساً في ولايته الأولى، أي مدير مسرح تقريباً. طبعاً لا تذكر سيرته الرسمية أنه سُجن عام 2021 بتهم فساد (ممارسة الضغط lobbying غير المشروع لمصلحة الحكومة الإماراتية من أجل تغيير المواقف السياسية الخارجية لحملة ترامب الأولى وإدارته)، وأنه لم يخرج من السجن إلا بعفو من معلمه، ولكنها في المقابل تصرّ على إخبارنا بأنه كاثوليكي.
طلب المعذرة واجب من القرّاء، فالمرء يكون في وارد الكتابة عن تصريحات توم برّاك الكاذبة والجاهلة بالتاريخ والمحمّلة بادّعاءات أكبر من أن يفهم الرجل معناها وأبعادها، فيجد نفسه تلقائياً في صدد مناقشة من يكون هذا الإنسان وماضيه وانعدام كفاءته، حاله كحال جميع أركان إدارةٍ أميركية وجودها قد يكون دليلاً على أن نهاية الكوكب اقتربت. أما وأننا محكومون بوجود توم برّاك، فإنّنا مضطرّون أيضاً إلى أن نسمع تخريفاته وأن نتذوّق شوربة تصريحاته واختياره كلمات كبيرة لا يعرف معناها ويملأ فيها نقصاً عميقاً في معارفه وفي شخصيته. وإلا كيف يُفهم قوله إن منطقة الشرق الأوسط تتكون حصراً من قبائل وقرى وإنها لم تشهد سلاماً منذ مئة عام، لذلك فهو لا يثق بأحد في الشرق الأوسط، بما في ذلك إسرائيل؟ لماذا يعود موسمياً إلى نغمة “سايكس بيكو” والاستعمار، وهو على الأرجح لا يعرف معنى سايكس بيكو ولا ما كان قبله، ثم يختلق أرقاماً توحي بأنه فهيم، مثل استحالة “توحيد 27 دولة مختلفة في المنطقة، تضم 110 مجموعات عرقية”، فما هي هذه الدول الـ27 ومن أين أتى بالمجموعات الـ110 تحديداً، وأي 27 وقفاً لإطلاق النار لم ينجح أي منها في المنطقة؟
خيراً حصل أن أتت النصيحة ــ البهدلة لهذا الجاهل من غسّان سلامة في مقابلة على تلفزيون العربي وأخرى على قناة الجديد المحلية: ملخّص التقريع الدبلوماسي: قلّل من التصريحات، لأنّك كلما تحدثت “تخبّص”، ثم لا تجزم بمعرفتك في التاريخ، لأنك لا تعرفه. توقف عن الكلام عن لبنان والمنطقة قبل أن تأخذ ثلاث أو أربع ساعات دروس في التاريخ.
العربي الجديد
————————–
عهد ترامب للرئاسة العقارية/ لمى قنوت ورهام قنوت رفاعي
29 أيلول 2025
يحوك ترامب وبعض ممثلي إدارته مفاهيم التطوير العقاري في نسيج دبلوماسية الولايات المتحدة الأمريكية وأطر سياستها الخارجية، ليصدروا خطابًا عن الحدود والسيادة والهيمنة والشرعية أقرب إلى لغة المعاملات التجارية وإدارة الشركات العابرة للحدود من اللغة المهنية للدبلوماسية التقليدية، فتتحول الولايات المتحدة في الخطاب من كيان دولة إلى شركة استثمار عقاري عابرة للحدود، في انعكاس لرؤية ترامب لذاته، كمطور عقاري، ونوعية الأشخاص الذين اختارهم ليكونوا جزءًا من إدارته.
معجم إدارة ترامب للدبلوماسية
لعل أبرز الرمزيات اللغوية لقطيعة إدارة ترامب مع إرث عقود من الاستراتيجيات الدبلوماسية والمجاز السياسي وصناعة الرأي العام، تتجلى في إعادة تسمية وزارة الدفاع بوزارة الحرب، التي، وإن كانت أصدق في تمثيل طبيعة الولايات المتحدة كدولة حرب، إلا أنها تصعيد خطابي لافت.
تطغى في المعجم الجديد كلمات مثل: ”شراء“، و”امتلاك“، و”إعادة تطوير“، و”مشروع“، و”موقع“، و”استثمار“، مقابل مفردات العلاقات والقانون الدولي، وتظهر ألقاب متل “رب العمل أو السيد” (boss) بدل من رئيس دولة، و”مرتزقة أو عامل مأجور” (mercenary) بدل “دبلوماسي”، وتتم الإشارة إلى مناطق جغرافية وأراضي شعوب ودول أخرى بـ”منطقة استثمار“ أو ”أرض شاغرة“ أو “مُدمرة غير آهلة”، وتوصَمُ شعوب وحكومات وأطراف دولية وجهات فاعلة على الأرض بالحوكمة الفاشلة والفوضوية والعجز، في مقابل وصف جهود إدارة ترامب بالمُنتِجة والمثمرة والعقلانية والواقعية.
يتشابك خطاب سوق العقارات النيوليبرالي الصريح مع الخطاب الأمني لعقلنة مسار إدارة ترامب في إطار الهيمنة النيوكولونيالية، وتسويق نشاط مجمعها الصناعي العسكري على أنه دعم للحلفاء وليس بتدخلات عسكرية مباشرة (boots on the ground)، ويتبنى الخطاب معادلات أيديولوجية مثل أن “التنمية الاقتصادية تساوي السلام”، و”رأس المال الخاص يعني الكفاءة”، و”الأمن والاستقرار يتطلبان الاستثمار والازدهار الاقتصادي”، وهي معادلات يتبناها خطاب السلطات والأطراف السياسية الصاعدة والمستقرة في منطقة جنوب غرب آسيا اليوم.
الهيمنة والشرعية
في انعكاس لأولويات الولايات المتحدة في الهيمنة وإرثها الكولونيالي المستمر، لا يتعامل ترامب، المهووس بالخرائط، مع حدود الدول كمساحات نفوذ جيوسياسي ثابت، بل كمناطق توسع يمكن تشييئها وتسليعها وامتلاكها، وإعادة تسويقها كالعلامات التجارية، لتبرز إعادة تسمية المناطق ورسم الخرائط كعمل مرادف لادعاء ملكيتها والاستحواذ عليها (To Name is to Claim)، مثل تصريحات ترامب حول إمكانية تحويل كندا إلى الولاية الـ51 الأمريكية عبر صفقة ما، وتغيير وزارة الداخلية الأمريكية اسم “خليج المكسيك”، المسطح المائي الذي تتشارك فيه ثلاث دول منها الولايات المتحدة وكوبا والمكسيك، إلى “خليج أمريكا”، علمًا أن “خليج المكسيك” هو الاسم المعترف به دوليًا كمرجع ملاحي بحري منذ مئات السنين. بالإضافة إلى محاولات استحواذ أخرى لترامب في التعامل مع الحدود والمناطق والدول كمساحة عقارية قابلة للاستثمار، من استعادة قناة بنما، والهيمنة على قطاع غزة بوصفه “مشروعًا سياحيًا”، إلى امتلاك غرينلاند.
إقليميًا، وفي سياق منطقة جنوب غرب آسيا، فقد تحدث ترامب عن “صِغر مساحة إسرائيل على الخارطة، ولطالما فكر بتوسيعها”، وقد سبق لمسؤول كبير في إدارة ترامب بأن شبه “الحدود الحديثة لإسرائيل” في عام 1926 و1948 و1976 و1973 بأنها رُسمت على أسس وهمية، مثيرًا الشكوك حول بقاء بعض الدول القومية في الشرق الأوسط، منتقدًا “اليد القبيحة للغرب” في تقسيم الدولة العثمانية والتي أشاد في نموذج حكمها.
وفي ذات الإطار، أوضح المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم براك، في حواره مع هادلي غامبل، رؤية إدارة ترامب للنزاعات ودول المنطقة ومآلات المرحلة قائلًا: “لم يكن هناك سلام من قبل، وربما لن يكون هناك سلام في المستقبل، لأن الجميع يقاتل من أجل الشرعية (…) الحدود هي مجرد عملة تفاوض، النتيجة النهائية هي أن طرفًا يريد الهيمنة، وهذا يعني، أن طرفًا آخر يجب أن يخضع”، والخضوع غير وارد عند العرب، وطرح بأن الازدهار الاقتصادي هو الحل الوحيد، وأبدى براك خلال اللقاء استغرابه من عدم استقبال العرب، مثل مصر والسعودية، للفلسطينيين، رغم ما يحدث لهم منذ أوائل القرن الـ20، واعتبره لغزًا حقيقيًا، في المقابل، أجابته غامبل بكل بساطة: “لأنهم يريدون البقاء على أرضهم”، فكان رده بأن الأمر لا علاقة له بالأرض، بل بالشرعية والمعنى والصلة بالهوية.
يتجلى في هذه الأمثلة قصور هذه العقلية في فهم شعوب المنطقة، والتأطير الكولونيالي والنيوليبرالي للأرض كمكان حيادي لا معنى له بحد ذاته، بل سلعة، تُحدد المصالح الاقتصادية والسياسية سعرها، وتأتي الشرعية من القوة والسلطة المهيمنة، ويُرَحل السكان ويتم نقلهم كما تنقل البضائع والأصول، بينما، في الموروث الثقافي الجمعي في منطقتنا، الأرض هي الشرف والجذر وأصل الهوية والانتماء، والتمسك بها في وجه احتلال أو استعمار مقرون بالكرامة والاستمرار عبر الأجيال والوجود.
عنب بدي
—————————–
الشرق والقبائل… بين فريدمان وبراك/ سامح المحاريق
27 أيلول 2025
مع تصاعد الأحداث في الثورة الليبية في مارس 2011 كتب الصحافي الأمريكي توماس فريدمان مقالته، «قبائل لها أعلام»، ليستثني من بين دول الشرق الأوسط فقط مصر وإيران وتونس والمغرب ليمنحها توصيف الدول الحقيقية، وفي المقابل يضع الدول «المصنوعة ذات الحدود على شكل خطوط مستقيمة حادة رسمتها أقلام القوى الاستعمارية، وحصرت داخلها أعدادا هائلة من القبائل والطوائف التي لم تختر العيش معا، ولم تنصهر بالكامل ضمن أسرة موحدة من الموطنين»، ويضع في هذا التصنيف ليبيا والعراق والأردن والسعودية وسوريا والبحرين واليمن والكويت وقطر والإمارات العربية.
ومع أن فريدمان مخطئ في حالتي قطر والبحرين لوجود واقع جغرافي محدد، وفي حالة سوريا لأن الخلاف ليس على وجود أمة سورية، ولكن على حدودها وامتدادها، وفي حالة السعودية التي أتت لتتجاوز واقعا مفرطا في ممارسته القبلية، إلا أنه في النهاية يعكس الرؤية الغربية للشرق الأوسط، ولطبيعة الحياة الاجتماعية والأطر السياسية التي تعبر عنه.
لا ينفي ذلك بطبيعة الحال وجود الواقع القبلي والطائفي في الدول التي صنفها بالمصنوعة، وحتى بقاءه محددا رئيسيا لجوانب الحياة فيها، ولكن بعضها كانت تتحصن بالجغرافيا، أو تحاول السباحة عكس تيارها، لتضع أساس مبررها الوجودي، ولا ينفي ذلك في المقابل وجود القبائل والطوائف في مصر وإيران والمغرب، ولكنها متوارية أمام تحصن جغرافي، أو عمق تاريخي يجعل من الضروري أن يضبط التنوع بأدوات خشنة وناعمة متعددة، لتصبح واحدية الشخصية الوطنية عبئاً على المجتمع لا ميزة يمكن على أساسها إطلاقه إلى أفق جديد.
يعيد المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم براك إلى إنتاج هذه الرؤية ليقول: «أنه لا يوجد شرق أوسط.. هناك قبائل وقرى، والدولة الوطنية اختلقها البريطانيون والفرنسيون في 1916 مع سايكس – بيكو»، ليبدي مزيدا من التعالي في نظرته للمنطقة، التي أتت في لقائه مع صحيفة إماراتية وحديثه عن عدم ثقته في أي أحد بالمنطقة، مضيفا بما في ذلك إسرائيل. توم براك ليس رجلا أبيض، أو من الفئة التي توصف بأصحاب الرقاب الحمراء، ولا هو من ورثة المركزية الأوروبية مثل صموئيل هنتنغتون، ولكنه ينتمي إلى أسرة لبنانية هاجرت من زحلة إلى الولايات المتحدة الأمريكية في مطلع القرن العشرين، ليولد بعد نهاية الحرب العالمية الثانية منتميا إلى جيل الطفرة، الذي يعتنق الحلم الأمريكي بوصفه أحد مقدساته، ويصعب أن يرى العالم خارجه، وهو الجيل نفسه الذي ينتمي له ترامب الذي يحمل ضمنيا الرؤية نفسها تجاه الشرق الأوسط ودوله، ولكن تعوزه القدرة على الحديث بطريقة تبدو ذكيةً أو لامعة مثل براك، مع أنهما قدما معا من عالم التطوير العقاري. ما هو خطير في حديث براك، النسخة المحسنة من تفكير ترامب، هو أن الشرق الأوسط في حالته الراهنة قابل للتفكيك وإعادة التركيب ليخدم المصالح الأمريكية بصورة أفضل، لأنهما يريان أن الشرق حافل بالعنف، وعدم الاستقرار نتيجة توزع الدول، التي حملت بذور الصراع الطائفي والقبلي داخلها، وأن تهدئتها لتكون ممرا يتأتى من خلال دول جديدة أكثر اتساقا من الناحية المجتمعية، مثل دولة للدروز في الجنوب السوري، وفصل دولة مارونية بتخلي الدولة اللبنانية عن مناطق سنية لسوريا، وتحركات مشابهة، وفي هذه الحالة يمكن التفاهم مع دول ضعيفة ومجهرية لتؤدي أدوارا وظيفية داخل منظومة تسعى إلى تأسيس عالم الممرات الكبرى التي تصل الغرب بآسيا.
الحل الآخر هو وضع قوة مهيمنة وقمعية تسحق المجتمعات وتنوعها، ليصبح رجال مثل صدام حسين وحافظ الأسد والقذافي مطلوبين من جديد، على أن يبقى الجميع تحت هيمنة الضبط الإسرائيلية، والخلاف في الإدارة الأمريكية ليس حول تمكين الدول في الشرق الأوسط من أجل أن تحقق نموذجا عصريا، ولكن لوضعها في منظومة تخدم المصالح الأمريكية والغربية، وتبقى مصلحة الفرد في المنطقة العربية، وسلامة المجتمع، وغيرها من المستلزمات لدولة حقيقية آخر اهتمامات الأمريكيين وحلفائهم، من الذين أسسوا لمنظومة طبقية الدول في العالم، كثمرة لعصر الاستعمار المباشر والنهب المنظم. يمكن تقديم براك بوصفه نموذجا كلاسيكيا لعبيد الحقل، نظرا لأنه يتفلسف ويتفذلك بناء على انتمائه الأسري القديم للمنطقة، ليظهر وكأنه يفهمها بطريقة تعوز بقية زملائه في الإدارة الأمريكية وشركائه في مشروعات ترامب، وتصوراته التي تحاول أن تستعيد الحلم الأمريكي لجيل الطفرة، ولكنه يتناسى أن الغرب نفسه كثيرا ما كان يوظف أدواته من أجل عرقلة أي مشروع يتخطى واقع التشظي القبلي والطائفي في المنطقة، وأنه بقي يتلاعب طويلا بأدواته الاستخباراتية والمالية ليقلب طموحات مشروعة إلى واقع كارثي، كما حدث مع تجربة إبراهيم الحمدي في اليمن، وهذه التجربة سقطت في كواليس إقليمية ودولية، وكان الواقع القبلي في اليمن غير ناضج للمحافظة عليها، من غير أن يكون هو سبب إسقاطها وتقويضها.
لم تنشأ الدول العربية بصورة طبيعية، وباستثناء مصر وعمان وتونس، فهي كانت نتيجة تفاعلات كثيرة ومعقدة، ولكنها في الوقت نفسه لم تترك لأن تخوض خياراتها الكاملة في مرحلة التأسيس، فالحق الذي أطلقه الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون أفرغته بريطانيا وفرنسا من معناه بالكامل، وكان الصراع على تركة الإمبراطورية العثمانية، والتحالفات داخل الجزيرة العربية، هي التي تؤسس دولا جديدة كان يفترض أن تمضي في طريق الاستقلال، إلا أنه بقي يتعثر بصورة دائمة أمام التدخلات الغربية، وفقا لمصالحها ورؤيتها ومشاريعها المختلفة، واليوم، يعود براك، القادم من المنطقة نفسها، ليطرح أسئلة الوجود ويضع الجميع أمام تهديدات فعلية للعودة إلى المربع الأول.
لماذا يستثني الجميع تركيا عند حديثهم عن التفكيك والتركيب، مع أنها دولة مصنوعة هي الأخرى، بل وكثير من أساسيات وجودها مختلقة ذهنيا، وخضعت لخطاب سلطوي وأبوي هندسه مصطفى كمال أتاتورك، الأمر ببساطة ربما يتعلق بأن أتاتورك لم يكن له أبناء، وأن شعوره بالأبوة كان عموميا للأتراك جميعا، أو من تصور أنهم شعب تركي يمكن أن يبقى على حواف لغة مشتركة وثقافة متشابهة، ولذلك لم يكن للرجل قبيلة بالمعنى المتعارف عليه أو أي معنى آخر، وفي المقابل، يأتي نموذج صدام حسين الذي كان واعدا في بدايته، ويحب الشخصية العراقية التي يسعى لتأسيسها، وحتى قابلا لتنوعها وتعددها، ولكنه لم يشعر بأنه يحب أي شيء أكثر من أسرته وقبيلته، فأخذ يشحنهم بإمكانياتهم المتواضعة لمقدمة مواقع التأثير والقرار في العراق. القبيلة ليست المشكلة في حد ذاتها، ولكن فكرة القبيلة التي تخاف من القبائل الأخرى، وفشل الدولة في أن تكون المظلة الحقيقية للجميع، وهو ما يرتبط بهندسة خبيثة في كواليس المنطقة في صياغة التحالفات ووعود التحالفات، التي كثيرا ما انكشف أنها غواية فارغة، والدول في الشرق لم تتمكن من الحصول على فرصة لأن تنفض عن ظهرها الاستعمار الجديد ووكلائه في أي مرحلة، والمشكلة أن الاستعمار يستغرب من وضعها القائم ويحاول أن يحاكمها بمنطق قديم يعود لقرن مضى من الزمن.
يحاول براك أن يظهر كمثقف ومنظر، وهو في الحقيقة ليس أكثر من مقاول لديه تصورات عامة، وما أكثر المقاولين الذين يحاولون الظهور كأذكياء ومفكرين، وبعضهم للأسف يمتلك سلطة استثنائية.
كاتب أردني
القدس العربي
—————————
=======================



