سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

مقالين تناولا أزمة الهتافات ضد مصر في دمشق

مصر وسوريا.. روابط التاريخ أقوى من حملات التحريض/ عماد عنان

2 أكتوبر 2025

قبل أيام وأمام الجامع الأموي بقلب العاصمة السورية دمشق، رفع متظاهرون خلال وقفة تضامنية مع غزة، شابًا سوريًا يلوّح بعلم فلسطين، ويقود هتافًا داعمًا لحقوق الشعب الفلسطيني، تضمن هجومًا على مصر، مرددًا “الشعب المصري فين”، كما تهجم على الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

وأثارت الحادثة ردود فعل واسعة في وسائل الإعلام المصرية، التي تعاملت مع تصرف الشاب السوري باعتباره “أزمة دبلوماسية” تتجاوز الحدود وتستدعي موقفًا حازمًا. وفي خضم هذه التغطية، وجدت الجالية السورية في مصر نفسها مجددًا في دائرة الاتهام، لتكون – كما يرى مراقبون – الطرف الذي يُحمَّل تبعات الحادثة.

وفي غضون ساعات قليلة تحولت الفضائيات المصرية ومنصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات عريضة للتعبير عن الرفض لما حدث، حيث الغضب من “التطاول على مصر وقيادتها السياسية”، بحسب الإعلام المصري، ليختلط الوطني بالتحريضي، حيث تهم الخيانة والتآمر التي خرجت على لسان بعض الإعلاميين تجاه السوريين بصفة عامة، والتي وصلت إلى حد المطالبة بترحيلهم.

الخارجية السورية تعتذر

على الفور قدمت وزارة الخارجية والمغتربين السورية اعتذارًا واضحًا للقاهرة عما من إساءة خلال مظاهرات في دمشق، مؤكدة في بيان لها أن مثل هذه التصرفات المستنكرة لا تعكس على الإطلاق مشاعر الشعب السوري تجاه جمهورية مصر العربية الشقيقة قيادةً وشعبًا، ولا تمثل إلا من قام بها.

دمشق وعلى لسان وزارة خارجيتها أعربت عن أسفها لقيام البعض باستغلال هذا الحادث المعزول، في محاولة لتعكير صفو العلاقات الأخوية العميقة والراسخة بين سوريا ومصر، والتي شهدت تطورًا لافتًا خلال الآونة الأخيرة.

وجددت وزارة الخارجية السورية تقديرها الكبير واحترامها لمصر الشقيقة وشعبها الكريم، الذي احتضن مئات آلاف السوريين خلال السنوات الماضية، وشددت على حرص الجمهورية العربية السورية على تعزيز أواصر العلاقات السورية المصرية والتمسك بها، ورفضها القاطع لأي محاولة للإساءة إليها.

وعلى المستوى الشعبي، فقد انتقد حسين الشرع والد الرئيس السوري أحمد الشرع، ما وصفها “ببعض الأصوات السورية التي تحاول الإساءة إلى مصر”، مؤكدًا أن أي “إساءة لمصر هي إساءة لبلاد الشام باعتبار أن الدولة المصرية الأخ الأكبر لكل البلاد العربية تاريخيًا وحاضرًا ومستقبلًا”.

وأكد والد الرئيس السوري في تدوينة له عبر حسابه الشخصي على منصة “فيسبوك”، أن “الشام ومصر صنوان لا تفريق بينهما، وأن من يسيء لمصر كأنما يسيء لأمة العرب والمسلمين”، مشيرًا إلى أن “مصر لها دور وتاريخ وهذا لا يجوز المساس به، وبقدر ما تكون مصر قوية وقادرة بقدر ما يكون للعرب قوة وقدرة”، مضيفًا “سوريا ومصر، بل بلاد الشام كانت على الدوام وحدة واحدة في الآلام والكوارث وفي الرخاء والنعيم”.

حملة إعلامية ضد السوريين

رغم اعتذار الخارجية السورية عن الواقعة التي وصفتها بالفردية وأنها لا تعبر سوى عمن قام بها، إلا أن هذا الاعتذار لم يكن كافيًا من وجهة نظر بعض وسائل الإعلام المصري التي تعاملت مع ما حدث بغضب شديد وفقدان واضح للمهنية الإعلامية.

وفجأة، تصاعدت حدة الخطاب الإعلامي في بعض القنوات المصرية تجاه السوريين المقيمين في البلاد، حيث تبنّى عدد من الإعلاميين خطابًا وصفه البعض بـ”التحريضي”. فعلى سبيل المثال، دعا الإعلامي أحمد موسى في برنامجه على قناة “صدى البلد” إلى “طرد السوريين خلال 60 يومًا” على غرار ما قام به الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع المهاجرين، معتبرًا أن مثل هذه الخطوة “ضرورية للغاية”.

فيما ذهب الإعلامي نشأت الديهي أبعد من ذلك، حيث استثمر في الواقعة، عازفًا على وتر المزاج الجماهيري بخطاب شعبوي بامتياز، واصفًا “حذاء الرئيس السيسي بالقداسة والطاهرة”، داعيًا الجمهور إلى “الالتفاف حوله بصفته الرمزية في الدفاع عن كرامة الدولة”، على حد وصفه.

أما عضو مجلس النواب المصري مصطفى بكري فكتب في تدوينة له على منصة “إكس”، قائلًا  “إن هذه المظاهرة تمت بتحريض من أصحاب القرار وحكام سوريا”،  وأردف أن المتظاهرين كان عليهم أن يتظاهروا ضد ما وصفه “بالتفريط في الحقوق الوطنية السورية واحتلال إسرائيل لمساحات شاسعة من الأراضي السورية أو ضد تدمير القدرات العسكرية”، على حد تعبيره.

وفي ذات السياق أعرب عدد من البرلمانيين والسياسيين عن استيائهم الشديد إزاء الحادث، واعتبروه خطوة مثيرة للشبهات تقف خلفها “جهات مأجورة” تهدف – على حد وصفهم – إلى النيل من صورة مصر وتقليص حضورها الإقليمي.

كما شدّد نواب في البرلمان على أن هذه التظاهرة لا تمثل الشعب السوري، بل جاءت بفعل “مجموعات محدودة تعمل لخدمة أجندات خارجية وتسعى للإضرار بالعلاقات بين البلدين”، لافتين إلى أن مثل هذه التصرفات تأتي في مرحلة بالغة الدقة، تشهد إعادة ترتيب لأولويات المنطقة، لا سيما مع تفاقم الأوضاع في فلسطين وتصاعد التحديات الإقليمية.

ليست المرة الأولى

لم تكن تلك المرة الأولى التي يواجه فيها السوريون مثل هذا النوع من الاتهامات، ففي حزيران/ يونيو 2019، تقدّم المحامي المصري المثير للجدل سمير صبري بمذكرة للنيابة العامة طالب فيها بالتحقيق في أموال السوريين بمصر، وفرض رقابة ضريبية على أنشطتهم، والتأكد من آليات تحويل الأرباح للخارج.

المذكرة حينها جاءت، بحسب مراقبين، في سياق الابتزاز والجدل الإعلامي لا أكثر، لاسيما وأنها مقدمة من شخص له باع طويل في مواقفه المُريبة، حيث لم تصدر النيابة المصرية وقتها أي تعليق بشأنها، ليُسدل الستار عنها سريعًا.

وبعيدًا عن التوتر والقلق الذي خيم على أجواء العلاقات بين القاهرة ودمشق بعد تولي الإدارة السورية الجديدة إلا أن الأمور تسير نحو التحسن التدريجي، حيث زار الرئيس السوري أحمد الشرع الأراضي المصرية بعد نحو 4 أشهر من توليه الحكم، حيث التقى السيسي في لقاء ثنائي على هامش “القمة العربية الطارئة” بالقاهرة في آذار/ مارس الماضي، استجابة لدعوة الرئيس المصري له لحضور القمة.

جدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي التأكيد على الموقف المصري الثابت تجاه الأزمة السورية، والمتمثل في “الحفاظ على وحدة سوريا وسلامة أراضيها، ودعم مؤسسات الدولة الوطنية بما يضمن استعادة سيادتها الكاملة وصون مقدرات الشعب السوري”. جاء ذلك خلال لقائه نظيره السوري أسعد الشيباني على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك قبل أيام، مضيفًا أن المسار السياسي الشامل، بمشاركة جميع مكونات الشعب السوري، يشكّل الركيزة الأساسية لتحقيق الاستقرار المستدام.

ما هكذا يكون رد الجميل

أعرب سوريون مقيمون في مصر عن استهجانهم للتطاول على الدولة المصرية، معتبرين أن ذلك أمرًا مرفوضًا ولا يعبر عن الشعب السوري بصفة عامة والجالية السورية في مصر على وجه الخصوص.

وأكدوا خلال حديثهم مع “الترا صوت” أن الدولة المصرية من أوائل الدول التي فتحت أبوابها للسوريين الفارين من ويلات الحرب، وأنها تعاملت معهم كمواطنين مصريين في معظم الحقوق والواجبات مقارنة بغيرها من البلدان المجاورة.

يقول رجل الأعمال السوري طارق صهيب ( 50 عامًا) إنه منذ قدومه للقاهرة في 2016 لم يشعر يومًا أنه غريب في مصر، فالأجواء أقرب ما تكون لدمشق من حيث العراقة والتاريخ، علاوة على معاملة المصريين له وأسرته، والتي لا تقل أبدًا عن تلك التي كان يتعامل بها مع جيرانه في حلب.

ويضيف في حديثه مع “الترا صوت” أنه وغالبية الجالية السورية في مصر ملتزمون تمامًا بالقانون واللوائح المصرية، وأنه لا خروج عن النص مطلقًا، مؤكدًا على احترام السياسات المصرية وخصوصية الدولة، مشددًا على أن إقامتهم في الأراضي المصرية محصورة في مجال العمل والعلاقات الاجتماعية وفقط دون أي اهتمامات سياسية أخرى.

وفي المقابل يرى رجل الأعمال السوري أن هناك مبالغة واضحة في الحملة التي يتعرض لها السوريون بين الحين والأخر من قبل بعض المنتسبين للإعلام المصري، وأن هناك تجنيًا غير موضوعيًا على أبناء الجالية، معربًا عن تفهمه لدوافعها والتي تأت في مقدمتها قلق بعض رجال الأعمال المصريين من النجاح الذي حققه السوريون في مصر اقتصاديًا، حيث قدموا تجربة فريدة من نوعها أسوة بالجاليات العربية والأجنبية الأخرى.

وأكد صهيب أن “العلاقة بين القاهرة ودمشق علاقة متجذرة في أعماق التاريخ، فالإرث الحضاري والثقافي لكلا البلدين حائط صد قوي أمام أي محاولات لتشويه تلك العلاقة مهما كانت حجم الخلافات السياسية بين الحين والأخر”.

تجربة استثنائية

منذ قديم الزمان، كانت مصر أرضًا تحتضن القادمين من كل صوب، لكن ربما لم يترك أحد بصمة واضحة كالتي تركها السوريون في العقد الأخير، ففي أقل من عشر سنوات، استطاع أبناء الشام أن يجدوا لأنفسهم مكانًا متينًا في قلب المشهد المصري، اقتصاديًا واجتماعيًا، حتى صاروا جزءًا لا يتجزأ من نسيج الحياة اليومية، وصوتهم مسموع في الأسواق كما في البيوت.

من يمر بسيارته في شوارع الجيزة، من الهرم إلى فيصل، أو يواصل طريقه إلى ميدان الحصري بمدينة السادس من أكتوبر، لن تخطئ عينه لافتات المطاعم والمتاجر السورية التي تضيء واجهات المحلات، هناك، تخال نفسك في أحد أحياء دمشق أو حلب، بينما أنت في قلب بلد يتجاوز سكانه المئة مليون.

جاء السوريون إلى مصر مثقلين بذاكرة الحرب ومرارة اللجوء، بعضهم لم يكن يملك حتى ثمن تذكرة الوصول، ومع ذلك استطاعوا خلال سنوات قليلة أن يعيدوا بناء حياتهم من جديد، كثير منهم بدأ من الصفر، واليوم صاروا أصحاب مشروعات ومطاعم ومتاجر، يوفّرون فرص عمل لآلاف السوريين والمصريين على السواء.

ولعل أجمل ما في الحكاية أن الاندماج لم يكن اقتصاديًا فقط، بل اجتماعيًا وإنسانيًا أيضًا، تزاوجت العائلات، وتداخلت العلاقات، حتى صارت قصص السوريين والمصريين تروى كأنها حكاية بيت واحد.

بيت العيلة

في حي صغير بمدينة السادس من أكتوبر، يعيش السوريون بكثافة لافتة، حتى بات عددهم يفوق أعداد المصريين هناك بثلاثة أضعاف، أطلق البعض على المكان لقب “بيت العائلة السوري”، لأنه أشبه بجزء من دمشق نُقل إلى أرض مصر.

السبب في اختيار هذه المنطقة لم يكن عشوائيًا؛ فالإيجارات مناسبة، والخدمات متاحة، والأهم أن الدفء الإنساني حاضر، يقول أبو تمام (60 عامًا) الذي يدير مطعمه الصغير هناك، إنه جاء إلى مصر عام 2014 بعد رحلة شاقة شملت عددًا من البلدان، لكنه في النهاية اختار القاهرة كونها الأقرب لقلب السوريين، ولأن بها العديد من الأقارب والجيران.

ويضيف بابتسامة تحمل الحنين: “هنا نمارس طقوسنا اليومية التي كنا نمارسها في دمشق، نجتمع في الحدائق والمتنزهات، نتبادل الحديث ونُلقي بهمومنا على أكتاف بعضنا البعض، يحاول كل منا أن يعين الأخر” وتابع ” لم أشعر يومًا في مصر بالغربة”.

أما رفيدة، الشابة التي كانت تبلغ من العمر 16 عامًا حين قدمت إلى مصر قبل نحو عشر سنوات، فتقول: “اليوم أصبحتُ مصرية ـسورية خالصة، بعدما تزوجتُ من شاب مصري، وأصبح لديَّ ولد وبنت يحملان الجنسية المصرية. لم أشعر في مصر بالغربة يومًا واحدًا، على عكس ما اختبرته في بلدان أخرى”.

وتضيف في حديثها لـ “الترا صوت” : “بإجماع السوريين لم يجدوا دفئًا ولا اندماجا مع أي من شعوب العالم كما وجدوه مع المصريين، فهم شعب مضياف يحب ضيوفه بشكل غير متوقع، من الصعب أن تجد شعبًا يعاملك بصفتك مواطن وليس مهاجرًا ولا لاجئًا كما يفعل المصريون”.

نجح السوريون خلال العشرية الأخيرة في الاندماج بين الشعب المصري بشكل لم يعرفوه في أي دولة أخرى، وذلك عبر طرق عدة، إما عبر العمل والمشروعات المشتركة بين مصريين وسوريين أو من خلال المصاهرة والتزاوج المتبادل، هذا بجانب التعليم الذي كان جسرًا إضافيًا للتواصل، حيث فتحت مصر أبواب مدارسها أمام الطلاب السوريين، إما مجانًا أو برسوم رمزية، مما مكّن آلاف الأطفال من متابعة دراستهم، رغم الفوارق الكبيرة بين مناهج مصر وسوريا.

نجاح اقتصادي لافت

لم يكن السوريون عبئًا على الدولة المصرية كما يردد بعض الإعلاميين، بل كانوا رقمًا مهمًا في خارطة الاقتصاد المصري، وأحد اللاعبين المؤثرين في المشهد، حيث أسهمت استثماراتهم في إنعاش الساحة الاقتصادية المصرية بحسب البيانات الرسمية الصادرة عن الحكومة المصرية.

وتشير إحصائيات وزارة الاستثمار المصرية إلى أن حجم الحضور الاقتصادي لرجال الأعمال السوريين في السوق المصرية آخذ في التوسع منذ بداية وجودهم عام 2012، فخلال عامهم الأول أسسوا 565 شركة برأسمال بلغ 164 مليون دولار، قبل أن يتضاعف النشاط في العام التالي ليصل إلى 1254 شركة بإجمالي رأس مال 201 مليون دولار، وهو ما يعكس سرعة اندماجهم في بيئة الأعمال المصرية وقدرتهم على استغلال الفرص المتاحة.

غير أن الأرقام الرسمية لا تعكس الصورة كاملة؛ إذ تكشف تقديرات رجال الأعمال السوريين أنفسهم – وعلى رأسهم رئيس رابطة رجال الأعمال السوريين في مصر، خلدون الموقع، أن حجم الاستثمارات الفعلية يفوق بكثير ما يظهر في البيانات الحكومية، ليصل إلى نحو 23 مليار دولار،  فيما يتجاوز عدد رجال الأعمال السوريين العاملين في السوق المصري حاجز الـ 30 ألفًا.

وتُظهر هذه الفجوة بين التقديرات الرسمية وغير الرسمية أن جزءًا كبيرًا من الاستثمارات يتم توجيهه عبر قنوات غير مسجلة رسميًا، أو من خلال مشروعات فردية صغيرة ومتوسطة الحجم يصعب حصرها إحصائيًا.

وتتوزع هذه الاستثمارات على قطاعات متنوعة، فلم تقتصر على الأنشطة التقليدية مثل المطاعم والتجارة، بل امتدت إلى مجالات إنتاجية وصناعية حيوية، مثل صناعة الإسفنج والورق والبلاستيك والمنتجات الغذائية.

ويعكس هذا التنوع إدراك رجال الأعمال السوريين لأهمية الانخراط في قطاعات صناعية توفر قيمة مضافة للاقتصاد المصري، وتفتح المجال لتشغيل المزيد من العمالة المحلية.

إضافة إلى ذلك، يشير رئيس رابطة رجال الأعمال السوريين في مصر إلى خطط مستقبلية لضخ مزيد من الاستثمارات خلال السنوات المقبلة، وهو ما يعني أن الوجود السوري في مصر تجاوز البعد المؤقت المرتبط باللجوء، ليأخذ طابعًا استراتيجيًا طويل الأمد.

علاقة أكبر من المزايدات الوقتية

تكشف هذه الواقعة وما تبعها من جدل إعلامي وسياسي أن العلاقة بين القاهرة ودمشق تتجاوز بكثير حادثًا فرديًا أو هتافًا عابرًا في ساحة مظاهرة، فالتاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة تجعل من الصعب اختزالها في خطاب إعلامي متشنج أو مزايدات سياسية وقتية.

صحيح أن الجالية السورية في مصر تجد نفسها أحيانًا في قلب العاصفة، تدفع ثمن حساسيات إقليمية أو توترات ظرفية، إلا أن حضورها الاقتصادي والاجتماعي والإنساني يثبت يومًا بعد يوم أنها أصبحت ركيزة من ركائز النسيج المصري، وليست مجرد ضيف عابر.

وإذا كان الإعلام قد بالغ في ردود فعله، فإن الواقع العملي على الأرض يُظهر أن السوريين في مصر لم يكونوا عبئًا على الدولة، بل قيمة مضافة أسهمت في تحريك عجلة الاقتصاد، وتوسيع قاعدة الإنتاج، وخلق فرص عمل لآلاف المصريين والسوريين على حد سواء، كما أن اندماجهم الاجتماعي والعائلي والإنساني رسّخ روابط يصعب تفكيكها بخطابات تحريضية أو حملات ظرفية.

من هنا، فإن مستقبل العلاقات السورية المصرية مرهون بقدرة الطرفين على تحييد الأصوات المتطرفة، والرهان بدلًا من ذلك على الإرث التاريخي الذي جمعهما، وعلى المصالح المتبادلة التي تفرضها التحديات الراهنة في فلسطين والمنطقة عمومًا، فمصر وسوريا، بحكم موقعهما ودورهما، ليستا مجرد بلدين متجاورين، بل ركنان أساسيان في معادلة الاستقرار العربي.

الترا صوت

——————————

من القاهرة إلى دمشق: هنا صوت الإعلام المضلّل/ إيمان عادل

01.10.2025

وجدت وسائل إعلام مصرية في فيديوهات الجامع الأموي رأس مال عاطفيًا تُوجّه عبره غضب الشارع نحو فئة مهاجرة أو لاجئة تُرى أنها “تأخذ فرصًا وظروفًا أفضل” أو تُشكل “عبئًا” على موارد الدولة. الإعلام يستثمر هذا المزاج الشعبي، إما بنشر تحليلات مُبالغ فيها عن السوريين، أو بإلهاء المصريين عن أسباب معاناتهم الاقتصادية الحقيقية.

أمام الجامع الأموي في دمشق، رفع المتظاهرون على الأعناق شابًا سوريًا يحمل علم فلسطين، ليهتف المئات ويرددون وراءه بصوت واحد: “الشعب المصري فين”، احتجاجًا على التجويع الذي يعيشه الفلسطينيون في قطاع غزة. وربما دفعت الحماسة والارتجال والسجع العفوي الذي يرافق التظاهرات، الشاب إلى سبّ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. وما إن نزل الشاب عن الأكتاف، حتى بدأت أكبر أزمة تصعيد إعلامي مصري ضد السوريين لم تشهدها الساحة منذ عام 2013.

عالجت البرامج التلفزيونية المصرية هتافات الشاب السوري بصورة عاجلة، تصعيدية وغاضبة، ومع هذا الغضب ضاعت المهنية. انساق الإعلاميون المصريون كما ينساق المارة في الشوارع وراء شجار مع بلطجي في حارة شعبية؛ شجار بلا فهم ولا ترفع، يعلو فيه الصراخ، التهديدات، التخوين، وما هو أسوأ.

لا رقابة على التحريض!

الغريب أن الميكروفونات فُتحت أمام إعلاميين كُثر بلا ضوابط، ولم تتدخل الرقابة، وكأن السيناريو والضوء الأخضر للثأر من السوري وشعبه قد مُنحا بلا خطوط حمراء. أو كأن السياسة التحريرية لبعض وسائل الإعلام الرسمية باتت تألف الصياح والتخوين والتهديد بالعقوبات، كما اعتادت أن تفعل مع معارضين مصريين.

واحترامًا لعدم إعادة تداول المهزلة، ليس من الضروري عرض هذه التصريحات في هذا التقرير، بل تحليل مضمونها وخطورتها. الإعلامي أحمد موسى مثلًا جلس أمام الكاميرا واعتبر أن سلطته وكلمته قادرتان على تغيير السياسات الدولية بالتحريض، مستشهدًا بترامب كمثال ينبغي أن تحتذي به مصر، في إمهال السوريين المقيمين ستين يومًا لمغادرة البلاد ووقف استضافتهم كلاجئين. أما الإعلامي نشأت الديهي فكان أكثر تملقًا، إذ اعتبر نفسه محاميًا لحذاء الرئيس السيسي، مشيرًا إلى “حذائه الطاهر”، محيطًا إياه بهالة من العصمة والقدسية، وداعيًا المصريين إلى أن يحذوا حذوه في حماية كرامة رئيسهم و”حذائه الطاهر”.

لكن المصريين في شجار آخر ومعركة أشد وطيسًا؛ معركة تفصلهم عن الإعلاميين مسافات ضوئية. يظن الإعلاميون أنهم يجيّشون المصريين بخطاب الكراهية، لكن المصريين الغارقين في هموم الغلاء لن يثير انتباههم سوى صوت قنبلة نووية بدويّ مفزع، حينها فقط قد يشعرون بالخلاص.

الخارجية السورية تردّ…

بيان الخارجية السورية قدّم اعتذارًا عن الهتافات التي صدرت من أحد المتظاهرين، موضحًا أن ما حصل كان حادثًا معزولًا لا يمثل الشعب السوري. الاعتذار لم يكن موجهًا للرئيس السيسي بالاسم، بل لمصر قيادةً وشعبًا. لكن المشكلة الآن أن الإعلام المصري ارتكب جريمة إعلامية علنية أيضًا، فهل سيعتذر؟

بغض النظر عن تظاهرات الجامع الأموي وهتافاتها، هناك أسئلة لا يمكن تجاوزها، سواء انتهت الأزمة أم بقيت لها ظلال: كيف يمكن أن تتورط وسائل الإعلام المصرية في التحريض والتخوين ضد شعب بكامله بسبب موقف فردي لشاب سوري متحمس وسط الحشود؟

كيف يمكن أن يعتبر الإعلام الرسمي الإساءة إلى السيسي، وهو فرد مصري حتى لو كان رئيسًا للبلاد، فرصة لتجييش المصريين في معركة وهمية بمزاعم “المهمة الوطنية”، عبر تخوين شعب كان شريكًا في السعي إلى الرزق وشريكًا في أزماتنا الداخلية؟ وكيف أصبح المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام مجرد متفرج كسول أمام الشاشة؟

لا يخفى خطاب التعالي الفج الذي مارسه إعلاميون في مصر ضد السوريين. وهذا ليس جديدًا ولا غريبًا، إذ لدى مصر تاريخ طويل من الخطاب الإعلامي المركزي الذي يؤكد مفاهيم الهوية الوطنية، الحذر من الأجنبي، وربط الاستقرار السياسي بالأمن الداخلي.

الإعلام الرسمي غالبًا ما يعمل كرافعة للدولة في نقد المعارضين أو تصويرهم كتهديد. والسوري – كلاجئ سياسي من بلد مزقته الحرب وتسيطر عليه جماعة إسلامية الآن – يصبح هدفًا يسهل ربطه بالمصطلحات الأمنية الراهنة.

إعلام مصري مرآة للمصالح الرسمية

مصر، كدولة، مرّت بفترات توتر وعزلة مع النظام السوري، ثم فترات تقارب، تبعًا للمصالح الإقليمية. هذه المراحل انعكست في الإعلام: حين تكون العلاقات الرسمية جيدة، يتراجع الخطاب العدائي؛ وحين تسوء العلاقات أو تتشابك الرهانات السياسية، يُستخدم الإعلام لتغذية الخطاب المتوتر ضد “الآخر السوري”. وربما يُستعمل كأداة للتبرير المسبق. فلماذا نستبعد أن يكون الإعلام المصري مستَخدمًا لتبرير مواقف حكومية في ملف اللاجئين، مثل التشديد في منح الإقامات والتصاريح الأمنية للسوريين في مصر، كخيار ضاغط إذا امتنعوا عن العودة الى بلادهم؟

وجدت وسائل إعلام مصرية في فيديوهات الجامع الأموي رأس مال عاطفيًا تُوجّه عبره غضب الشارع نحو فئة مهاجرة أو لاجئة تُرى أنها “تأخذ فرصًا وظروفًا أفضل” أو تُشكل “عبئًا” على موارد الدولة. الإعلام يستثمر هذا المزاج الشعبي، إما بنشر تحليلات مُبالغ فيها عن السوريين، أو بإلهاء المصريين عن أسباب معاناتهم الاقتصادية الحقيقية.

ولم ينسَ الإعلام التذكير بخطاب الكراهية القديم، إذ بعد فض اعتصام رابعة في آب/ أغسطس 2013، ربط إعلاميون وسياسيون بين بعض اللاجئين السوريين وجماعة الإخوان المسلمين. وعلى رغم أن المشاركة السورية في الاعتصام لم تكن تنظيمية ولا تمثل الجالية السورية ككل، إلا أن وجود بعض الأفراد استُخدم ذريعة لتأليب الرأي العام ضد اللاجئين. ما فتح الباب أمام حملات تشويه ومضايقات يومية بحقهم.

بعد تموز/ يوليو 2013، فرضت السلطات قيودًا جديدة على دخول السوريين، مثل اشتراط الحصول على تأشيرات أمنية مسبقة. وقد أشارت هيومن رايتس ووتش بوضوح إلى أن هذه القيود زادت معاناة السوريين وحوّلت وجودهم في مصر إلى تجربة محفوفة بعدم الأمان.

السوريون قوة اقتصادية في مصر

الإعلامي نشأت الديهي بالغ في تعاليه، متحدثًا وكأن المصريين “آووا السوريين” الذين يعيشون في خيام ويتلقون معونات، متجاهلًا أنهم أصحاب صنعة وتجربة ناجحة في التجارة أنعشت الاقتصاد المصري. بل وسخر متسائلًا: “كيف تُنعش الشاورما اقتصاد مصر؟”

والحقيقة أن “الشاورما” كمجاز عن العمل السوري أنعشت بالفعل الاقتصاد. فوفق تقرير مشترك لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة العمل الدولية وبرنامج الأغذية العالمي، ضخّت المشاريع التي أسسها لاجئون سوريون نحو 800 مليون دولار في الاقتصاد المصري منذ عام 2011.

هذه الحركة الاقتصادية لم تكن خالية من العواقب، ونجاحها أشبه بالمعجزة، وكان يمكن أن تكون أكثر فائدة لو أزيلت بعض الحواجز القانونية والبيروقراطية، وسُهّل تسجيل الشركات، والاعتراف بالمؤهلات، وتقديم تسهيلات القروض والضمانات، وتوزيع الفرص في مناطق غير مركزية.

المشاريع السورية أسست وظائف، سواء لسوريين أو مصريين، ما خفف من البطالة وسمح بتداول الدخل محليًا، وحفّز الإنفاق على قطاعات عدة: المواصلات، الطعام، الخدمات… إلخ. كما أن اللاجئين السوريين يستهلكون ويحتاجون إلى خدمات: السكن، التعليم، الصحة، المعيشة اليومية، ما يزيد الطلب على السلع والخدمات، وبالتالي يُنعش الأسواق التي تخدم هذه الاحتياجات.

تظاهرات الجامع الأموي عرّت ازدواجية الإعلام المصري، الذي اختار شيطنة السوريين في الداخل بدلًا من التخفيف عنهم. ما حدث في الجامع الأموي وضع مرآة أمام المصريين ليروا كيف تُفتعل قضايا جانبية على ألسنة المذيعين لإلهائهم، وكيف ينعش هذا كله أمل إسرائيل، التي تجد في المشهد ما يُطيب خاطرها، إذ ترى العرب منشغلين ببعضهم بدلًا من مواجهة عدوانها على غزة وإبادة أهلها.

– صحافية مصرية

درج

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى