موقف المثقفين بين “الصمت” و”الصخب”/ سوسن جميل حسن

26 سبتمبر 2025
في مفهوم الصمت
ليس الحديث هنا عن الصمت من وجهة نظر الفيزياء التي تقول بغياب الموجات الصوتية، ولا من ناحية فيزيولوجيا الأعضاء التي تقول بتعطل الأعضاء المخولة بالتقاط هذه الموجات. لكن هذه الفكرة “الصمت” قابلة لتقييمات عاطفية متنوعة، وأحياناً متناقضة، تلفتنا إلى أننا نتعامل هنا مع شيء ليس مجرد موضوع تفكير، وليس مجرد تحديد منطقي بحت يشبه أن نعرّف الراحة على أنها غياب الحركة، بل هو أكثر تعقيداً.
ليس من اليسير الحديث عن الصمت، لكونه يمثل “أكثر أنواع النفي تطرفاً” كما يقول بعضهم، إنما يستثير أسئلة كثيرة: فهل هو مؤشر على العدم؟ هل هو الامتناع عن القيام بأي شيء، وتعليق أي نشاط؟ تجلٍ خالص للغياب؟ هل يمثل الفراغ؟ أم انتظار متوتر لجواب لا يأتي؟ يبدو أن حوض الاحتمالات واسع جداً، حتى يمكن القول إنه لا يوجد صمت “واحد”، بل هنالك مروحة واسعة من “الصموت”، ومنها “صمت المثقف”.
صمت المثقف
إذا ما تأملنا في الواقع الحالي لبعض بلداننا التي شهدت، وتشهد، تحولات كبيرة، وإذا ما اتخذنا من سورية مثالاً يبدو مناسباً جداً لمناقشة هذا المفهوم، أو هذه الحالة، يمكننا القول إن الصمت هنا قد يكون حقاً غياباً للإشارات والمعاني، بكل بساطة، لكنه قد يكون أيضاً وجوداً للإشارات والمعاني أيضاً. الإشارات والمعاني التي ترسم موقف المثقف مما يجري، كما مما جرى قبل سقوط النظام البائد، وخلال سنوات الحرب، أو الثورة، وما يمكن أن يطلق عليها من أسماء وتوصيفات.
لا يمكن أن تظهر دولة قوية ومتحررة من دون تفكير نقدي قوي موجه نحو تحوّل الحقائق الاجتماعية والسياسية. إن انخراط المثقفين، بعيداً عن كونه خياراً بسيطاً، هو ضرورة لتشكيل سورية أكثر عدلاً وديمقراطية ووفاءً لقيمها الإنسانية. يفترض أن يكون هذا الهدف جامعاً لتطلعات السوريين.
هنالك معضلات أخلاقية، واجتماعية، واقتصادية، ومعرفية، ويمكن عدّ كثير غيرها، في مجتمع متغير، كالمجتمع السوري المثقل بالمعضلات التي تركتها العقود الماضية، وعلى الأخص العقد ونصف العقد الماضيين، مما يجعل توقعات المجتمع، وفي مقدمته المثقفون، غالباً متناقضة: هل يجب أن نكون “منارات”، أم نحافظ على حيادنا لنظل مستقلين؟ يصبح الصمت، إذن، موقفاً غامضاً، يتأرجح بين الحذر والتواطؤ. عندما يختار المثقفون الصمت تجاه الظلم، فإنهم يساهمون، حتى وإن كان ذلك من دون قصد، في إعادة إنتاج الفوارق التي ينبغي عليهم محاربتها.
الالتزام النقدي ليس مجرد خيار أخلاقي
من خلال خطابه، أو صمته الاستراتيجي، يمكن للمثقف العضوي أن يساهم في شرعية الأنظمة السائدة، غالباً على حساب حركات الاحتجاج. هل يمكن أن يدعي هذا الصمت، على الرغم من اختبائه غالباً وراء عقلانية مؤسسية شرعية في بيئة تبقى فيها العدالة الاجتماعية مطلباً ملحاً؟ يميز غرامشي، في “دفاتر السجن” بين المثقف التقليدي المرتبط بموقف تجريدي، والمثقف العضوي، الذي يعمل داخل طبقة اجتماعية من أجل تحريرها، أو الحفاظ على هيمنتها. يلعب المثقف العضوي دوراً حاسماً في استقرار أو تحول الهياكل الاجتماعية، اعتماداً على ما إذا كان يخدم المصالح المسيطرة، أو مصالح المضطهدين.
هل يقتصر المفكرون والمثقفون عموماً على كتابات، أو خطابات مجردة؛ أم مطلوب منهم أن يكونوا فاعلين أساسيين في النضالات من أجل كرامة واستقلال شعوبهم؟
يتبنى بعض المثقفين، بدافع من الحرص على الحفاظ على الحيادية، أو الحرص على المؤسسات، موقفاً أكثر تحفظاً. على الرغم من أن هذا يُفهم كحذر “استراتيجي”، فإن هذا السلوك يثير تساؤلات حول دور المثقف في مجتمع يسعى إلى العدالة والتحول. إذا كانت أسماء حفظها التاريخ، خاصة الحديث، قد فتحت ثغرات في بنية وهياكل القمع، فإن التردد اليوم قد يبدو أحياناً بمنزلة تأييد ضمني لما هو قائم. هل يمكن عدّ التردد، أو الصمت، اليوم، شكلاً من التواطؤ الضمني، كما كان الصمت، أو التردد، أو حتى ما وُصف بالرمادية، في أثناء ممارسات النظام البائد؟
بعد سقوط النظام، جرى في سوريا حوار وطني تعرّض لنقد شديد بسبب سرعته.
يوجد فريق من المثقفين، في كل عصر، أو مرحلة، لن يتردد في الاقتراب من السلطة عند الحاجة. في المقابل، هنالك أنظمة “شمولية”، أو قائمة على أيديولوجيا ما، أو عقيدة ما، تحطّ من شأن المثقفين بربطهم بعقيدتها، أو أيديولوجيتها، أو جعلهم أسرى أفكارها، والقرن الماضي حافل بحالات من هذا النوع، كما النازية والفاشية، وحتى يومنا هذا لدى بعض الأنظمة القمعية، أو الأيديولوجية. وهم، بالتالي، يرسمون لهم دوراً داخل شبكة سياسية وفكرية. بل يمكن القول إنه لا يوجد نظام، تقريباً، يفتقر إلى مثقفين من هذا النمط في عصرنا، يحيطون بالرؤساء، أو الحكومات، ويروّجون لفكرهم، ومن خلالهم تمر الأفكار الرئيسية لعصر ما، وإليهم تتجه الشخصيات السياسية رسماً وتكريساً لهوية هم في حاجة إليها، وإلى ترويجها.
توزع المثقفون في الحالة السورية منذ بداية الحراك الشعبي في 2011 إلى اليوم على حالات عدة، فمنهم من يمكن وصف موقفه كحالة من ضبابية التعبير، إما لجعل شيء ما يُفهم بشكل أفضل مما لو قيل بشكل مباشر، أو للتعبير عن تردد يقول أكثر من الكلمات، أحياناً يمكن أن تكون لغياب الكلمات دلالة قوية، “معبّرة”، مثل الفيضانات اللفظية. ومنهم من “لزم” الصمت الذي يعدّ في ظروف معينة، اعترافاً، أو تشجيعاً، أو موافقة وفقًا لمقولة (من لا يتكلم يوافق)، أو بالعبارة الشائعة “السكوت علامة الرضا”..
المثقف في فضاء عام متعدد الأشكال
بماذا يمكن وصف العالم في لحظته الراهنة، وأمام مستقبل يهرول باتجاهنا فيغرقنا قبل أن نستوعب لحظتنا في عصر الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي والوسائط المتعددة؟ ليست سورية استثناء بالتأكيد، وليس المثقف منعزلاً، أو يعيش في برج، أو صومعة. أصبح الآن في قلب دوامة الإعلام فائقة اللف والدوران، إعلام لا يستطيع إلا تبسيط المعرفة أو اختزالها منساقاً للقوانين الفيزيائية لهذه الحركة السريعة، وفيضانات الأحداث. ووقوع المثقف في مصيدة الإعلام، وتوفر المنصات، الاجتماعية منها تحديداً، أصبح في إمكان المثقف الآن تمرير أفكاره عبر عدد مذهل من الشبكات والصيغ. اليوم، يمكنه الدخول في حوار مع جمهوره على الإنترنت من خلال المدونات، والمقالات، ومقاطع الفيديو، والمقابلات المسجلة، والمنشورات القصيرة والمركزة.
وفي حالة كالحالة السورية الراهنة، بعد أن صمتت الحرب، وتكشف الواقع عن كمّ هائل من التشظي، وتهتك النسيج المجتمعي، وارتفاع صوت الطائفية والعنصرية لدى مكونات الشعب، بعضها ضد بعض، وارتفاع حرارة الأنفس، ما جعل العواطف في حالة اتقاد دائم، على حساب العقل، وشلّ قدراته على تفعيل طاقاته المكنونة لدى قسم كبير من المجتمع، وتخوف كثيرين من احتمال أن تكون البلاد ماشية إلى الهاوية، يُطرح سؤال قلق:
ما هي مكانة ومسؤولية المثقف في مجتمعاتنا؟
هل يقتصر المفكرون والمثقفون على كتابات، أو خطابات مجردة، أم مطلوب منهم أن يكونوا فاعلين أساسيين في النضالات من أجل كرامة وتحرّر الشعب من سيطرة كل الأفكار المعيقة للتقدم، ومن الارتهان لأجندات خارجية، وتوجيه حركة المجتمعات في اتجاه القيم والأهداف التي دفع ثمنها الشعب السوري فواتير باهظة؟ وحتى يكون المثقفون هكذا، أليس الأولى بهم أن يتحرروا، هم أنفسهم، من سطوة الأفكار الرائجة، وأن يفلتوا من الاستقطاب السياسي؟
في مجتمع متغير كالمجتمع السوري في لحظته الراهنة، بل وعالم متغير بسرعة مخيفة، تبرز المعضلات “الأخلاقية” وتفعل فعلها المدمّر لضمير يريد أن يبقى صاحياً، تتفاقم هذه المعضلات بفعل الديناميكيات القمعية والضغوط الاقتصادية التي يواجهها العديد من المثقفين في سياقات استبدادية متنوعة، ويجدون صعوبة في تحمل مسؤوليتهم تجاه الشعب، وتجاه ضمائرهم أيضاً. وفي ظل هذه الأزمات المتعددة: اقتصادية، اجتماعية، أمنية، سياسية،… إلخ، وهذا القلق “الوجودي” العام والخاص، يلقى على عاتق المثقف دور أثقل وأوسع من مجرد الملاحظة، أو أن يكون شاهداً، يطلب منه أن يكون وسيطاً، مكلفاً بتعليم وتحفيز تفكير نقدي قادر على تحدي الهياكل القائمة، وبعضها ضارب جذوره في التاريخ. إن الأمر لا يتعلق بتبني موقف معارض بشكل منهجي، بل بتجنب التهاون. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الانخراط المجتمعي والتعاون مع المجتمع المدني يمثلان نُهجاً يبنى عليها لتقويم واستعادة التطلعات الشعبية. لا يمكن أن تظهر دولة قوية ومتحررة من دون تفكير نقدي قوي يسهل الوصول إليه، وموجه نحو تحويل الحقائق الاجتماعية والسياسية. إن انخراط المثقفين، بعيداً عن كونه خياراً بسيطاً، هو ضرورة لتشكيل سورية أكثر عدلاً وديمقراطية ووفاءً لقيمها الإنسانية.
الصمت أم طرح الأسئلة؟
لو كان الأمر يقتصر على طرح الأفكار، أو أنها تفي بالغرض، فإن جميع أفراد الشعب لديهم أفكار، وسبل طرحها متاحة بتوافر المنصات ومواقع التواصل. لكنْ، هل جميعنا يعرف كيف تُطرح الأسئلة؟ قلة هم من يستطيعون القيام بذلك، فمجتمعات تربت أجيالها على الامتثالية، والتفكير الأحادي، والتلقي من فوق، جعلت “ملكة” السؤال شبه ميتة لديهم. لذلك، فإن المهم في الأمر هو طرح السؤال، ويصبح الأمر المهم: ماذا نقبل، وماذا لا نقبل، ولماذا؟ هذه أسئلة مهمة بعدما استطاعت السياسة تفريق الناس، بعضهم عن بعض، وبعد أن اشتعلت حرب شرسة في جسد الشعب السوري، لنصحو على واقع يبرهن لنا أننا كنّا أشدّ “أعدائنا”؟ وما زال قسم كبير منا يرى أن الحرب وكسر الإرادات هي الوسيلة الأجدى لتحقيق السلام، بدلاً من أن يكون السلام غاية تؤدي إلى القضاء على الحرب التي دمرتنا وانتهكت كرامتنا الإنسانية.
من خلال خطابه، أو صمته الاستراتيجي، يمكن للمثقف أن يساهم في شرعية الأنظمة السائدة، سياسية كانت أم اجتماعية، غالباً على حساب حركات الاحتجاج. هل يمكن أن يدعي هذا الصمت، على الرغم من أنه يتستر بعقلانية ووطنية، شرعية في بيئة تبقى فيها العدالة الاجتماعية مطلباً ملحاً، ولا يبدو إلا شبحها، أو التنظيرات الفارغة حولها؟ بعيداً من التشكيك في الهياكل القائمة، يمكن أن تؤدي هذه المقاربة إلى تجسيد عدم المساواة، وإسكات نداءات التغيير.
لو اجتمع المثقفون على أهداف واضحة، بعيداً من السياسة وألاعيبها وأجنداتها، لما ظهر “مؤتمر الحوار الوطني” بالطريقة التي أنجز فيها، فكان مثيراً للإعجاب لدى بعضهم، مضحكاً حدّ البكاء لدى بعضهم الآخر، وكان عتبة خارطة طريق مستقبلية. خلال ست ساعات حضر المدعوون، وعبّروا عن وجهات نظرهم، واقترحوا مستقبلاً لسورية بتشكيل نموذج الدولة الجديدة. لقد أحدث ذلك سيمفونية صاخبة غطت على أصوات المثقفين التي بددها الصخب، وأصوات كثير من المثقفين لا يزال مختنقاً تحت وطأة الضوضاء الواسعة “الحلوة” التي يعرف السياسيون كيف ينتجونها بمهارة كبيرة.
في الواقع، لا ينقصنا مثقفون في سورية، هم موجودون، صامتين، أو أصحاب صوت وخطاب، لكن ما ينقصنا هو “المعنى”، المعنى القادر على ملء الفراغ، على تحويل الغياب إلى حضور، المعنى الذي يُنظم الحياة، ويغذي التفكير، ويضع أسس مجتمع أكثر ارتباطاً بالقيم التي صرخ بها بنشوة، ويجب أن يصرخ بها مرة أخرى، وبشغف أكبر، لأنها في خطر انطلاقًا من “مسؤولية” المثقف التي شغلت الشعوب على مرّ التاريخ، المسؤولية الأخلاقية التي تجعلهم، كأشخاص صالحين، قادرين على استخدام امتيازاتهم ومكانتهم للارتقاء بقضايا الحرية، والعدالة، والرحمة، والسلام، وغيرها من القضايا الإنسانية.
ضفة ثالثة



