هل يستوعب قانون 107 مطالب اللامركزية؟/ سميرة المسالمة

الثلاثاء 2025/09/30
كان من المقدر لقانون الإدارة المحلية (رقم 107 لعام 2011) أن يشكل نقلة نوعية في شكل وطريقة حكم سوريا بعد عقود من المركزية الشديدة التي طبعت الحياة السياسية والإدارية والمالية في عهد الأسديين، والتي غلّت يد “المواطنين” عن إدارة شؤونهم المحلية طوال ذلك العهد الطويل، أي منذ عام 1971 وفقاً للقانون الذي سبقه (رقم 15).
وكان من المفترض أن يسهم ذلك القانون في إتاحة تطبيق نظام يقوم على لامركزية السلطات والمسؤوليات، وتشكيل وحدات إدارية تتولى عمليات التخطيط والتنفيذ للتنمية المستدامة للمجتمع المحلي، للنهوض به وتسهيل تأمين الخدمات له. بيد إن الواقع أظهر أن نظام الأسد الذي أصدره هو الذي أعاق تنفيذه على نحو ما أعلن عنه، ما أضر بسلاسة القانون، ولاحقاً عطلت السلطة كثير من بنوده، نظراً لما يسببه لرموز الفساد آنذاك من خسائر، وفقدان امتيازات مالية وإدارية وسلطوية.
هذا القانون، وعلى الرغم من أنه يملك مواد إصلاحية كبيرة تحرر العمل بنظام المركزية الشديدة، أثبتت التجربة المتعثرة له، في حيز الممارسة، ضرورة إعادة النظر به، كنص قابل للتنفيذ من جهة، وكنص يحتاج إلى إرادة سلطوية واسعة الصدر، أو مرنة، لتقبل خروج السلطات المحلية من بين يديها، من جهة ثانية.
بيد إن ما حدث منذ صدور ذلك القانون من حرب سلطة الأسد على الشعب السوري، ومحاولتها الدائمة الإبقاء على كل إمكانيات البلد تحت هيمنتها، خلال الحرب الطويلة التي استمرت لنحو يعادل عمر القانون ويزيد، جعل من الضرورة التساؤل حول إمكانية إعادة النظر به في ظل التحولات العميقة التي شهدتها البلاد بعد عام 2011، والبداية التأسيسية الجديدة لسوريا بعد تحريرها من نظام بشار الأسد، في 8 كانون أول/ديسمبر من العام الماضي، والمطالب المتزايدة من مكونات أساسية كالأكراد والدروز والعلويين بمنح صلاحيات أوسع لمجتمعاتهم المحلية.
والسؤال هنا كيف يمكن تطوير القانون 107 ليكون أداة فاعلة لحكم لا مركزي عادل وشامل، ويحقق معادلة تمسك السلطة بسيادتها على كامل الأراضي السورية من جهة، ومنح الصلاحيات التي تطالب بها المكونات السورية كنوع من استقلالية غير انفصالية من جهة مقابلة؟
أول الخطوات تبدأ من الاعتراف أن القانون الحالي بحاجة لإعادة تعريف للعلاقة بين السلطة المركزية والوحدات الإدارية، فكما نعلم فهو يحتفظ للوزارات المركزية بسلطة إشرافية وتوجيهية تمنع المجالس المحلية من العمل باستقلالية حقيقية. مثلاً، المحافظ المعين هو الممثل المباشر للسلطة المركزية، يملك صلاحيات واسعة تجعله في كثير من الأحيان سلطة عليا فوق المجالس المنتخبة، وما تريده المكونات هو رفع يد المركز عن تعيينات السلطة التنفيذية المحلية المنبثقة عن إرادة السكان، وأن يتم انتخاب المحافظ أو تعيينه من بين أعضاء المجلس المحلي، لا أن يُفرض من المركز.
أيضاً، الصلاحيات الإدارية للمجالس المحلية الموجودة حالياً، تحتاج إلى تعديلات ملموسة وممكنة، تجعلها سلطة حقيقية قادرة على إدارة ملفات الحياة اليومية التي تمس تفاصيل المعيشة في قطاعات رئيسية كالصحة والتعليم والتخطيط العمراني والخدمات العامة والثقافة، وتحصيل بعض الضرائب المحلية، وإدارة مواردها والتصرف بموازنتها، دون المرور بكل المستويات البيروقراطية، ودون أن يمس ذلك بعدالة توزيع الثروات الباطنية وتأمين التكافل الاقتصادي بين المحافظات.
كل ذلك يتطلب المرونة من جهة السلطة، والالتزام بقوانين الدولة من جهة الإدارات المحلية، على أن يرافق أي تحرر من المركزية آليات شفافة للمساءلة والرقابة، بما يمنع الانتقال من الفساد المركزي إلى الفساد المحلي. ضمن هذه المفاهيم، فإن تطوير وتحسين فرص استيعاب القانون 107 لمطالب التحرر من المركزية لا يعني الانفصال أو التقسيم، بل هو استجابة واقعية لمطالب طالما أُهملت، ويمكن تلبيتها ضمن إطار وطني جامع لا يخص المجموعات العرقية أو المذهبية وإنما كل السوريين في محافظاتهم.
المدن



