أبو أحمد زكور من قيادي جهادي إلى معاون للرئيس.. دور مرتقب أم مجرد مصالحة؟

1 أكتوبر 2025
في خطوة أثارت جدلًا واسعًا داخل الدوائر السورية والإقليمية، أعلن عن تعيين جهاد عيسى الشيخ، المعروف بلقب أبو أحمد زكور، معاونًا لرئيس الجمهورية العربية السورية لشؤون العشائر. يأتي هذا الإعلان بعد أشهر من سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، وفي سياق محاولات بقيادة أحمد الشرع لتوحيد الصفوف القبلية والعشائرية في الشمال السوري. يُرى التعيين كجسر بين الماضي الجهادي والحاضر السياسي، لكنه يعيد إلى السطح ملفات شائكة من تاريخ زكور داخل هيئة تحرير الشام، الجماعة التي قادت الهجوم الذي أطاح بالنظام.
ولد جهاد عيسى الشيخ في الثمانينيات من في حي الميسر في مدينة حلب، من عشيرة البوعاصي التابعة لقبيلة البكارة الهاشمية، التي تتمتع بنفوذ تقليدي واسع في مناطق الشمال. نشأ في بيئة قبلية محافظة، حيث تلقى تعليمًا دينيًا إسلاميًا سلفيًا، مما شكل شخصيته الدعوية المبكرة. قبل اندلاع الثورة السورية في 2011، انخرط في تسهيل مرور مقاتلين أجانب إلى العراق للقتال ضد الاحتلال الأميركي، عبر علاقات قبلية مع خال زكريا عفاش. أدى ذلك إلى اعتقاله من قبل النظام في 2006، ونقله إلى سجن صيدنايا السيئ السمعة، حيث قضى سنوات حتى إطلاق سراحه عام 2012 مع موجة العفو العامة التي أصدرها الأسد لمواجهة الاحتجاجات الأولى. مع اندلاع الثورة، انضم زكور فورًا إلى جبهة النصرة، الفرع السوري لتنظيم القاعدة، مستفيدًا من خلفيته الدينية والقبلية. بدأ كنائب أمير حلب، ثم أصبح أمير القطاع الكامل بين 2012 و2017، حيث أشرف على عمليات عسكرية واسعة ضد قوات النظام في ريف حلب.
كان زكور الرجل الثالث في الهيكل القيادي للجبهة، ووصف بأنه “الصندوق الأسود” لأبو محمد الجولاني، حيث لعب دورًا حاسمًا في تشجيعه على التمرد ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) عام 2013، وإعادة البيعة لأيمن الظواهري. مع تكوين هيئة تحرير الشام في يناير 2017 من دمج فصائل جهادية، أصبح زكور عضوًا في مجلس الشورى، وأميرًا لقطاع حلب، بالإضافة إلى إدارة الاستثمارات المالية خارج سوريا منذ 2019، ومسؤول الأمن العام في 2022.
تجنب الصراعات البينية
وفي حديث لـ “التراسوريا”، قال مصدر مقرب من القيادي أبو أحمد زكور: “في عام 2017، قرر أبو أحمد زكور الاستقالة من جبهة النصرة، رافضًا القتال الداخلي بين صفوف الثوار، مؤكدًا التزامه بوحدة الثورة وتجنب الصراعات البينية التي تضعفها”. وأضاف: “في عام 2018، أسس زكور جيش حلب، وقاد التخطيط لعملية تحرير المدينة، بهدف استعادة السيطرة عليها من قوات النظام، مع التركيز على تنظيم الجهود العسكرية بطريقة منسقة”. وتابع: “عمل زكور على إنهاء حالة العداوة والقتال بين فصائل الجيش الوطني شمال حلب وهيئة تحرير الشام في إدلب، من خلال جهود تنسيق دبلوماسية ساهمت في تقليل التوترات وتعزيز التعاون بين الفصائل”. وأردف: “نجح زكور في تحييد لواء الباقر ومعظم التشكيلات الرديفة للنظام البائد في حلب، مما حال دون وقوع قتال داخل المدينة، وحافظ على استقرارها خلال مراحل التحرير”. واختتم المصدر حديثه بالقول: “حرص زكور على حماية الشيعة في نبل والزهراء، وعمل على تأمين المراكز الدينية الشيعية، مثل مزار السيدة زينب، لضمان احترام التنوع الديني وتجنب أي استهداف طائفي”.
لم يقتصر دور زكور على الجانب العسكري؛ بل امتد إلى الدبلوماسية الداخلية والخارجية، مما جعله “بوابة الجولاني للعلاقات العامة”. أدار اتصالات الهيئة مع الجيش الوطني السوري المدعوم تركيًا، خاصة في ريف حلب الشمالي، وساهم في تفكيك الفيلق الثالث عام 2019، وتشكيل هيئة “ثائرون” كأداة لشق صفوف الفصائل المعارضة. في آب/ أغسطس 2021، رعى إنشاء مجلس شورى قبيلة البكارة في إدلب، مما عزز نفوذه القبلي. هذه النشاطات جعلته هدفًا للعقوبات الدولية؛ ففي أيار/ مايو 2023، فرضت الولايات المتحدة وتركيا حظرًا عليه كميسر مالي لـ “جماعات إرهابية”، مرتبطًا بشركة قوبلاي ساري في إسطنبول لتحويل الأموال إلى HTSوكتيبة التوحيد الجهادية. نفى زكور الاتهامات، مؤكدًا عدم امتلاكه أصولًا خارجية.
خلافات زكور مع الشرع
في كانون الأول/ ديسمبر 2023، شهدت العلاقة بين زكور وأحمد الشرع توترات تنظيمية وسياسية، نتيجة اختلافات حول إدارة الموارد والاستراتيجيات العسكرية في ريف حلب. أعلن زكور انشقاقه عن هيئة تحرير الشام، مشيرًا إلى تباين في الرؤى حول تعزيز التنسيق مع فصائل الجيش الوطني وضرورة تجنب الهيمنة على المناطق المحررة. ردت الهيئة بقرار عزله من مناصبه، متهمة إياه بإساءة استخدام الموارد، فيما تدخلت جهات تركية وأمنية لاحتواء الخلاف.
مع سقوط الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، عاد زكور إلى الواجهة. في شباط/ فبراير 2025 ظهر برفقة الشرع في دمشق.
وحسب مراقبين، جاء التعيين الأخير ليستغل نفوذه القبلي لتوحيد العشائر في حلب والشمال، وتسهيل الاندماج في الحكومة الانتقالية. ويُرى زكور كوسيط حيوي للاستقرار، لكنه يحمل ملفات حساسة قد تهز التوازنات، خاصة مع عقوبات أميركية مستمرة.
يعكس تعيين زكور في منصب معاون رئيس الجمهورية لشؤون العشائر التحديات التي تواجهها الحكومة الانتقالية في بناء دولة مدنية في سوريا ما بعد الأسد. ففي ظل هيكلية سياسية هشة ومجتمع منقسم بفعل سنوات الحرب، تسعى الحكومة إلى دمج قادة ميدانيين وقبليين سابقين في إطار مؤسسي، لكن ذلك يثير تساؤلات حول قدرة النظام الجديد على التحول من مرحلة الفصائل إلى مرحلة بناء الدولة، وكيف يمكن لهذه الحكومة أن توازن بين استيعاب الخبرات الثورية وضمان الشفافية والاستقلالية في توزيع المناصب.
يقول د. محمد العلي، الخبير السياسي المتخصص في الشأن السوري، إن”آليات تعيين المناصب في الحكومة الانتقالية تعتمد على مزيج من التوازنات القبلية والسياسية والعسكرية، مع محاولة دمج قادة الفصائل السابقين في هيكلية مدنية. اختيار شخصيات مثل زكور يعكس استراتيجية براغماتية لاستيعاب النفوذ القبلي والجهادي السابق، لضمان الاستقرار في مناطق حساسة كالشمال السوري. لكن هذا النهج يثير تساؤلات حول مدى قدرة الحكومة على بناء مؤسسات مستقلة بعيدة عن تأثير الأفراد”.
ويضيف: “بناء المؤسسات في سوريا الجديدة يواجه تحديات هيكلية. هل ستتمكن الحكومة من إنشاء إطار مؤسسي يتجاوز ولاءات الفصائل، أم أن الاعتماد على قادة ميدانيين سابقين سيؤدي إلى إعادة إنتاج النفوذ الفصائلي بقالب جديد. الإعلان الدستوري يمنح مرونة كبيرة للحكومة الانتقالية، لكنه يفتقر إلى آليات واضحة لضمان الشفافية في توزيع المناصب”.
ويشير العلي إلى أن “نجاح هذه المرحلة يعتمد على إيجاد توازن بين استيعاب النخب العسكرية وبناء مؤسسات تخدم الشعب السوري ككل. السؤال الأبرز: هل ستتمكن الحكومة من تحويل الخبرات العسكرية والقبلية إلى رأسمال سياسي دون المساس بمبدأ الدولة المدنية؟ هذا التحدي سيحدد مستقبل سوريا”. الترا سوريا



