التغريبة السورية: “الداخل مفقود والخارج مولود”/سمر شمة

29 سبتمبر 2025
في التغريبة السورية التي عاشها الشعب السوري لعقود، كان العنوان الأبرز لحياته، ولا سيما بعد انطلاق الثورة السورية عام 2011، وعلى مدى أربعة عشر عامًا متواصلة: “الداخل مفقود والخارج مولود” من سجون الأسد ومعتقلاته وزنازينه التي ما زالت رائحة الموت ووحشية الجلادين الدموية مرسومة على جدرانها الرطبة العفنة، وفي كل بقعة مظلمة وقاسية فيها حتى الآن، وبعد أشهر من سقوط النظام وهروبه.
وفي التغريبة السورية لم يكن البحر رحيمًا بالسوريين المهاجرين، وكانت قوارب الموت فيه تحصد أرواح الآلاف الهاربين من الجحيم عبر البحر الأبيض المتوسط الذي غرق في مياهه وأمواجه الصاخبة أطفال يحلمون باللعب والنوم بلا خوف من صواريخ المجرمين وحلفائهم، وبالحدائق التي تزدان بالأشجار وياسمين الشام، ولا تخفي تحت أرضها وركامها مقابر جماعية وجثثًا للشهداء. وغرق فيه أيضًا آباء وأمهات وشباب وشابات وكبار في السن كانوا يبحثون عن طوق نجاة وفرص جديدة للحياة الآمنة الكريمة بعد أن عاشوا مأساة الدمار والتعذيب والاعتقال واستباحة القرى والمدن وأجساد الناس وأرواحهم.
وقد جسّدت السينما السورية في أفلام تسجيلية ووثائقية ودرامية في دمشق في الفترة (15 ـ 19 سبتمبر/ أيلول 2025) مآسي السوريين وأوجاعهم تحت عنوان “أفلام الثورة السورية”، في تظاهرة سينمائية هي الأولى بعد سقوط النظام البائد، ومنها:
“التغريبة السورية”
فيلم وثائقي طويل قام بتوثيق أحداث الثورة منذ بداياتها، ومحاولة تلمّس آثارها الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية، وتابع معاناة الأطفال الكبيرة في رحلة اللجوء عبر بلدان عدة وصولًا إلى أوروبا، كاشفًا آثار الحرب على جيل كامل فقد الأمان والحاضر، ويبحث بإرادة قوية عن المستقبل. قدم الفيلم الذي أخرجه نزار الحصان لقاءات مع 12 طفلًا رافقتهم الكاميرا من سورية إلى تركيا، ثم اليونان، وصربيا، وهنغاريا، وصولًا إلى النمسا، يروون فيها تجاربهم الشخصية في الحرب السورية، وصعوبات رحلة اللجوء، والخوف والذكريات والأحلام المؤجلة، وأصوات القصف التي تلاحقهم أينما كانوا. ترافق ذلك مع رسوم الأطفال أنفسهم، التي جاء معظمها باللونين الأحمر والأسود، تعبيرًا عن آثار ما تعرضوا له على روحهم وذاكرتهم. ضم الفيلم أيضًا شهادات من شخصيات مؤثرة في الحراك الثوري ومعروفة، مثل: عبد العزيز الخيّر ـ رزان زيتونة ـ مي سكاف، والأب باولو، وغيرهم، الذين سردوا أحداث الثورة من زوايا إنسانية كشفت عمق الألم والصراع الحاد في سورية آنذاك. وضم العمل أيضًا لوحات تشكيلية مميزة لفنانين سوريين وعالميين تناولوا موضوعات الحرب والخوف والدمار لتلتقي مع الصور الحقيقية التي وثقّت أحداث الثورة واللجوء، مثل: لؤي كيالي ـ إسماعيل شموط ـ فرانشيسكو غويا ـ وبابلو بيكاسو، وعرض الفيلم مشاهد حقيقة للمظاهرات السلمية وشعاراتها وقمعها من قبل النظام السابق، ودمار المنازل، ورحلة اللجوء عبر البرّ والبحر، والمخاطر النفسية والجسدية على الأطفال الذين عاشوا هذه التجارب القاهرة.
استخدم المخرج نزار الحصان في هذا الفيلم تقنيات بصرية مبتكرة، منها تحريك رسومات الأطفال عبر أسلوب (الأنيميشن)، مما جعلها تتحول إلى مشاهد بصرية مؤثرة نقلت إحساس صانعيها بكل وضوح ودقة، وكل ذلك مدعومًا بمؤثرات صوتية وموسيقى خلفية معبرة.
لقد جمع الفيلم بين الوثائقي والفن التشكيلي والأنيميشن في صيغة جديدة في السينما العربية، وقدم مشاهد بصرية بجماليات عالية، وحوّل الألم إلى فن ولوحات. ما يميز الفيلم أيضًا أن الأطفال فيه ليسوا ممثلين، بل رواة تجاربهم الحية، وهذا ما منحه المصداقية والخصوصية، وأعاد للطفولة صوتها وسط الخطابات الرنانة، وأصوات القصف ورائحة الموت.
“العودة إلى حمص”
فيلم تسجيلي طويل ووثيقة بصرية هامة، صُوّر على مدى ثلاثة أعوام من عمر الثورة السورية موثقًا الحياة اليومية للاعب كرة القدم وحارس “الكرامة” الشهيد عبد الباسط الساروت، الذي كان قائدًا للمظاهرات السلمية في حمص، ثم تحول إلى قائد عسكري نتيجة استخدام النظام للحل الأمني العسكرية ضد الثوار والمدنيين. وموثقًا لحياة الناشط الإعلامي السلمي أسامة الهبالي (أسامة الحمصي في الفيلم)، وهو من إنتاج تلفزيون سوريا، ومن سيناريو وإخراج طلال ديركي. عُرض في أكثر من 80 مهرجانًا في العالم، وأُطلق في الصالات في كل من بريطانيا، والولايات المتحدة، ليكون الفيلم السوري الأول الذي يتمّ توزيعه تجاريًا في أميركا، والأول الذي يُباع على منصات إلكترونية، وقد حصد أكثر من ثلاثين جائزة أبرزها جائزة ساندانس الكبرى لأفضل فيلم تسجيلي عالمي.
وثّق تجربة الثورة السلمية في حمص، وتحولها إلى العسكرة، وعرض جانبًا من حياة الناشطين الشباب والثوار، وركزّ على المظاهرات السلمية وهتافاتها وأناشيدها، والقصف المتواصل والخراب الذي لحق بالمدينة ووُصف بـ”جحيم حمص”. روى فيه عبد الباسط الساروت حكاية الثورة بانكساراتها وانتصاراتها، بآلامها وأفراحها، بتحولاتها وتناقضاتها التي تشبه إلى حد كبير سيرورة حياته وحكايته الشخصية، وتحدث خلاله عن نضال وطني عنيد تكلل بالانتصار بعد استشهاده بسنوات، وعن قصته الإنسانية والنضالية مع رفيقه الهبالي الذي اعتقله النظام على الحدود اللبنانية، واختفى أثره بعد ذلك.
رصد الفيلم بلغة تسجيلية وقائع الحصار المرير الذي أطبق على المدينة بكاملها، وخروج مقاتلي الجيش الحر منها عام 2014، ووقائع الجوع والمرض والخوف الذي عاشه الجميع في حمص بعد أن مُنع عنهم الطعام والدواء والماء والكهرباء وكل مقومات الحياة. وقدّم الفيلم أيضًا مشاهد نادرة من أرشيف الثورة، وتتبّع الترتيب الزمني التصاعدي للأحداث، وعودة الثوار إلى المدينة المحاصرة، وقدم مشاهد مفرطة بالعنف لشباب أصيبوا بالرصاص والقذائف بشكل مباشر أمام المشاهد، وبعضهم لفظ أنفاسه الأخيرة أمام الكاميرا وحوله جثث مرمية على خطوط التماس. ومشاهد للشهيد الساروت وهو مصاب إصابات خطيرة، يغني ويبكي ويتألم ويتحدث عن الخذلان من الجميع، والفقد الذي عاشه باستشهاد أخوته جميعًا، وبعض أقاربه وأصدقائه ورفاق دربه، ورغم ذلك كان يقول: “خسرنا أرواحنا. وخسرنا بيوتنا. وخسرنا ذكريات. لكن لن نخسر مطلبنا وهو الحرية”. ظهر الساروت في الفيلم على حقيقته، وتحدث بصدق عن أسباب حمله للسلاح، وتشكيله لكتيبة عسكرية وقيادتها لقتال الأسد وحلفائه بلا هوادة. وقال في فيديو له بأنه لم يبايع أي فصيل، وهدفه هو إسقاط النظام، وبأنه لم يبايع داعش، وعلاقاته معها جاءت بسبب الخذلان والحصار الخانق، وحاجة الناس للطعام والسلاح للدفاع عن أولادهم وأرضهم ومنازلهم. جاء العرض بمثابة تكريم للشهيد عبد الباسط، ورافقته موسيقى تصويرية للمؤلفة كاترينا هولبيرغ، التي عبرت عن الأحداث، ورافقت لحظات إنسانية ونضالية مفصلية.
“العودة إلى حمص” أحيا في مشاهديه ذاكرة حمص العدّية. تخرج منه وأنت تسمع صوت الساروت يصدح في سماء دمشق: “جنة جنة جنة. سورية يا وطنّا. يا وطن يا حبيّب. يا بو تراب الطيب. حتى نارك جنة “، ولا يغيب أبدًا.
“هذا البحر لي”
فيلم وثائقي تسجيلي يستعيد فيه الشهود التجربة المرّة وذكريات الوطن والأرض وذاكرة الحرب بصورها الدموية وأهوالها، ودرب اللجوء التي قطعوا فيها بلدانًا عدة، وعاشوا بحزن معنى أن يكون الإنسان بلا أرض تحميه أو تحمله، ومعنى المغامرة في البحر، حيث النهايات محتومة: الوصول، أو الموت غرقًا. يروي الفيلم قصة ستة ناجين سوريين خاضوا رحلة الهجرة المحفوفة بالمخاطر، يتحدث كل منهم عن تجربته المريرة منذ لحظة اتخاذ القرار باللجوء هربًا من القتل والاعتقال الذي عصف ببلادهم، ويصور الفيلم كيف تمكن بعضهم من الوصول إلى المنفى، بينما فقد آخرون عائلاتهم وأحباءهم. تجارب مريرة يرويها الشهود تصل إلى أعماق الذكريات والوطن والمنازل والمدن والقرى التي عاشوا فيها، والشوارع التي ساروا فيها وهم أطفال، والمتنزهات والحدائق التي لعب بها أولادهم، ويتذكرون وقائع الحرب الدموية التي ترافقهم ليلًا نهارًا، والتي تحولت إلى حافز للوصول إلى أرض جديدة.
يقدم الفيلم نظرة عميقة ومؤثرة عن تجارب اللاجئين، مسلطًا الضوء على بقاء الإنسان على قيد الأمل، رغم اليأس وأهوال الرحلة، وعلى عذابات السوريين بعد قيام ثورتهم.
الفيلم سيناريو وإخراج محمود حسن، ونال جائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان “كوتكا” لحقوق الانسان 2024 في فنلندا، وعُرض في إسطنبول، وفي مهرجان الوثائقيات السورية في كوبنهاغن.
قدم المخرج فيه جماليات بصرية هامة، رغم المشاهد الحقيقية وصور الدمار والقصف والقتل والنزوح وسيطرة اللون الأحمر الدامي وألوان قوس قزح على الأبنية التي تنهار أمام المشاهد وسط غارات جوية عنيفة ومخيفة، ورغم بكاء الأطفال أيضًا وغضب البحر واضطراب “البلم” وغرقه بمن فيه، وخوف الناس وإصرارهم على متابعة الطريق في محاولة لاستعادة الذاكرة وتوثيقها بالصورة.
صرح أحد شهود الفيلم بعد متابعته له في دار الأوبرا بدمشق قائلًا: “لم أكن أحلم يومًا بمشاهدة هذه الفاجعة هنا في بلدي”. في حين قال مخرجه محمود حسن في تسجيل له: “كان الفيلم تحديًا كبيرًا، لأن مفردات العمل والرحلة والحكاية متشابهة، كان الموضوع مرتبطًا بالحكاية الشخصية، وأهم ما في الفيلم أنه لم يأسر المتلقي بنهاية معينة. لقد تركنا الباب مفتوحًا أمامه”.
“الداخل مفقود والخارج مولود”
فيلم وثائقي قصير يروي تجربة وائل السجين السياسي الذي تعرض للحبس الانفرادي التعسفي فقط لأنه من معضمية الشام، المدينة الثائرة التي وقفت ضد نظام الأسد، ونالها كثير من القصف والدمار والنهب والاعتقالات، إضافة إلى مجزرة الكيماوي الشهيرة. يأخذنا المعتقل إلى تفاصيل الزنزانة وقسوتها وظلامها الحالك ماديًا ومعنويًا، وإلى مختلف أنواع التعذيب الذي تعرض له، ويضعنا أمام جرح عميق ومفتوح في ذاكرة السوريين، لا سيما وأن بعضهم الآن، وبعد سقوط المجرم، ما زال يبحث عن مصير معتقليه، وما زالت الأمهات يبحثن عن بقايا عظام أبنائهن وبناتهن المنتشرة في المقابر الجماعية التي لم يتم اكتشافها كلها حتى الآن. الفيلم إخراج وليد المدني، وهو صانع أفلام وثائقية وفنان بصري صوتي. اعتمد المخرج على الصورة القاتمة في فيلمه، ونجح في تكثيف تجربة التعذيب والعزلة من خلال الصور السوداء القاتمة التي تهز الوجدان وتجعل المشاهد يشعر بالاختناق الحقيقي. كما اعتمد على أدوات حسية وأصوات معبرة من خلال: صدى خطوات السجان ـ الأنفاس المتقطعة ـ أصوات السياط وأبواب الزنازين وإيقاع الظل والضوء.
الفيلم تجربة سمعية بصرية تجعل المشاهد يشعر وكأنه داخل زنزانة، وعنوانه ليس شعريًا، أو شعبيًا فقط، بل هو اختزال لعقود من القمع والاستبداد التي لم يعرف العصر الحديث لها مثيلًا في عهد الأسدين الأب والابن. وصورة مختصرة لمصير مئات آلاف المعتقلين والمغيبين قسريًا في عهد النظام البائد، وبينهم أطفال ونساء وكبار في السن. والآلاف منهم لم يُعرف مصيرهم حتى الآن.
ضفة ثالثة



