الصحافة السورية.. الصندوق الأسود لتاريخ الصراع بين الطموح والاستبداد/ فاتح كلثوم

30 سبتمبر 2025
إذا أخذنا بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر مؤشّراً زمنياً لعصر الصحافة الورقية السورية، فمن نافل القول إن تلك البدايات تزامنت مع النواة الأولى لتشكل الهوية السورية ضمن بقعة جغرافية محدّدة مليئة بالتناقضات الموزّعة على تيارات تقودها نُخب متعدّدة المشارب والأهواء والطموحات. كان المولود الجديد مُطالب بإخراج تلك “التناقضات – المشاريع” من الغرف الضيقة إلى الساحات العامة، ما دفع تلك النخب السياسية والثقافية المتعاقبة إلى الأخذ بالصحافة على أنها فرس الرهان الذي جعل منها الصندوق الأسود لتاريخ الصراع بين الطموح والاستبداد عبر المراحل المتعاقبة على الجغرافيا السورية:
– المرحلة الأولى: يؤرّخ العام 1851 لإصدار الدورية الأولى “فوائد” من ولاية بيروت الشامية باللغة العربية. المجلة الثانية والأهم من سابقتها هي “أعمال الجمعية السورية”، كونها أسست لدخول أقلام مثقفين شاميين، أمثال محرّرها بطرس البستاني والشيخ ناصيف اليازجي، وساهمت بنشر العلوم والفنون الحديثة في الديار الشامية من خلال الحثّ على الاحتكاك بالثقافة الغربية. أما الشاب الحلبي رزق الله حسّون فيؤرخ في 1855 لدخول “مرآة الأحوال” أول صحيفة سورية صادرة من عاصمة دولة الخلافة.
كانت الصحيفة الأخرى “حديقة الأخبار” الأسبوعية، الصادرة في بيروت، في غرّة يناير/ كانون الثاني 1858، على يد مؤسسها خليل الخوري. وتعتبر الصحيفة الأولى في الديار الشامية، الحاصلة على ترخيص رسمي بموجب قانون الصحافة في السلطنة العثمانية. وإذا أخذنا بالحدود الجغرافية، كما عرفناها بعد الاستقلال، فإن النواة الأولى مرتبطة بإصدار صحيفة “سورية” الاسبوعية في 19 نوفمبر/ تشرين الثاني 1865 بعناية والي دمشق أحمد أسعد باشا، وكانت موضوعاتها مختصة بنشر أوامر السلطة القائمة، والحوادث الرسمية في الولاية السورية، ولم تكن زميلتها “الفرات” الصادرة في 1867 بعناية والي حلب جودت باشا على خلافٍ معها من حيث المضمون، بفارق أن الأخيرة في العدد 50 أضافت اللغة الأرمنية، ثم عادت إلى الاقتصار على اللغتين العربية والتركية، المعمول بهما رسمياً في الصحيفتين. أما الصحف والمجلات الأهلية التي عرفتها سورية فكانت صحيفة “الشهباء” التي أصدرها في العاشر من مايو/ أيار 1877 الحاج هاشم العطار، وتولى تحريرها عبد الرحمن الكواكبي. وفي 1879 صدرت من حلب مجلة “الشذور” تحت رعاية صاحبها عبد المسيح الأنطاكي، وتزامن إصدارها مع صحيفة “الاعتدال” بديلةً لسابقتها “الشهباء”، لكنها أغلقت أيضاً لأن الكواكبي تطلّع إلى الحرية القومية، ونادى بأفكار غريبة عن الخط الرسمي لحكومة القسطنطينية. وصدرت في 1886 في دمشق مجلة “مرآة الأخلاق” النصف شهرية، لصاحبيها سليم عنجوري وحنا عنجوري. أما أطول مدة عاشتها صحيفة سورية في تلك الفترة فهي “دمشق السلام” (1879-1896) لصاحبها أحمد عزت باشا العابد، تلتها في 1900 مجلة “الشمس” النصف شهرية، لصاحبيها جورج متى وجورج سمعان.
وكانت صحف أهلية تُطبع وتوزّع سرّاً، منها صحيفة المنبر التي أصدرها في حمص الشيخ عبد الحميد الزهراوي. ومع أن موضوعات معظم صحف تلك المرحلة ومجلاتها اقتصرت على نشر أخبار السلطنة الرسمية، والعلوم الدينية والتراثية المشحونة بطموحات الوعي القومي العربي المناهض للخلافة العثمانية، كأيديولوجيا – هويةٍ لا بد من الإيمان بجدواها لمقاومة الاستبداد، ما جعلها رهينة أزمات وانتهاكات متعاقبة، بدأت بسن قانون الصحافة العثمانية الصادر في أغسطس/ آب من العام 1865. ولن تنتهي بالوثيقة التي أصدرها علي باشا رئيس وزراء السلطان عام 1867، والتي تخوّل الباب العالي حق التصرّف بشأن الصحف السورية، في حال اتخذ أيٌّ من موضوعاتها طريقاً مخالفاً لسياسة السلطنة الأم.
وسوف يتراجع منسوب الصدامية بين الطموح والاستبداد مع الانقلاب العثماني (1908 – 1911)، حيث ارتفع الخط البياني للإصدارات، ليصل إلى قرابة 70 صحيفة ومجلة موزّعة ما بين دمشق وحلب وحمص وحماه والقنيطرة. وسنرى أن هذا الكم سيبدأ بالتراجع ليصل إلى حدود 17 ما بين 1912-1917، بسبب سياسة “الاتحاديين” التعسّفية. ومن حيث الأهمية، تصدّرت القائمة مجلة “القبس” الشهرية لصاحبها محمد كرد علي، بسبب انفتاح موضوعاتها على الثقافتين الغربية والعربية معاً. أما مجلة “الناشئة” فقد كان تميزها راجعاً إلى اهتمام مباحثها بشؤون الجيل الشاب، وكان يحرّرها طلاب المدرسة العلمية بدمشق. وأضافت مجلة العروس أبواباً جديدة تعنى بشؤون الأسرة والطفولة والفكاهة. وتأتي الأهمية الأخرى للعروس من تألق صاحبتها ومحرّرة موادّها ماري العجمي، أول امرأة سورية تتبوأ هذه المكانة. وستنتهي هذه المرحلة بإصدار العدد الأول من صحيفة حلب في التاسع من ديسمبر/ كانون الأول سنة 1918 برعاية الحاكم العسكري لولاية حلب شكري باشا الأيوبي.
– المرحلة الثانية: تبدأ بإصدار صحيفة “العاصمة” الرسمية من دمشق، بأمر من الأمير فيصل بعد دخول القوات العربية البلاد، وسيرى عددها الأول النور في 17 فبراير/ شباط 1919، ترافقها في تلك المرحلة مجموعة من الصحف والمجلات في المدن السورية الأخرى، زاد عددها عن الـ30، أهمها مجلة التربية والتعليم الصادرة عن إدارة المعارف العامة بدمشق، وهي أول دورية عربية مخصّصة لموضوعات التربية والتعليم، وستشهد تلك المرحلة انفراجاً لم تكن لتحصل عليه لولا توافق موضوعاتها مع الهوية السورية مشروعاً قومياً عربياً كان يرتضيه الملك فيصل ويسعى إلى تحقيقه.
– المرحلة الثالثة: تبدأ من 21 يوليو/ تموز 1920 بدخول القوات الفرنسية دمشق، وتشهد تلك المرحلة اختفاء معظم الصحف والمجلات السابقة، وستعاني المواليد الجديدة من تبدّل القرارات بحسب مزاج “المندوب السامي الفرنسي” الحاكم في كل فترة من فترات الانتداب. وبخصوص المباحث والموضوعات، فقد جمعت بين خطاب السلطة السياسية والخيط الثقافي الموزّع بين الأدب والفلسفة والتاريخ والتربية والقانون الذي استفاد من الانفتاح على الثقافة الغربية، برؤى مختلفة، منها ما كان يعتمد على نشر النص المترجم إلى العربية من دون أي تعديل، كـ”مجلة اللطائف”، ومنها ما هو مختصٌّ بقضايا المرأة العربية السورية، وتحسين الحياة العائلية، مثل مجلة “المرأة الجديدة”، ومنها ما كانت مباحثها محصورة بنشر مكارم الأخلاق الإسلامية، ونبذ الخرافات والبدع كمجلة “الوحي” الصادرة من حماه. ويسجّل عهد المفوض السامي الفرنسي هنري بونسو 1926-1933 فترة ذهبية للحريات الصحافية، وتميّزاً بدخول خريطة الصحافة صحف ومجلات برؤى جديدة، منها: مجلة “مارج” الصادرة في القنيطرة بثلاث لغات، الشركسية والعربية والفرنسية، وهدفها النهوض بالشعب الشركسي المقيم في سورية، ومجلة “الإنسانية” الثقافية، في دمشق، وهي المجلة الأولى والأخيرة التي تعلن صراحة عن انتمائها للماسونية. وسجّلت حماه بادرة جديدة بتصدّر أول امرأة في المدينة رئاسة تحرير دورية تعنى بشؤون الأسرة المسلمة، تحت عنوان “المرأة”، لصاحبتها نديمة المنقاري الصابونجي.
اللافت في تلك الفترة أن عدد المجلات فاق عدد الصحف (39 مجلة مقابل 26 صحيفة)، بينما كانت النسبة في العهود السابقة تميل إلى عدد الصحف، إلا أن هذا الانفراج سيبدأ بالتلاشي اعتباراً من تاريخ تكليف كونت دومارتيل مندوباً سامياً (فرنسياً) في 13 أكتوبر/ تشرين الأول 1933، وبروز الأزمة الاقتصادية حجّة دامغة للحدّ من حجم صفحات المطبوعات، بسبب ارتفاع أسعار الورق، مضافاً إليها مواد المرسوم التشريعي (رقم 10- تاريخ 13 أغسطس/ آب 1939)، القاضية بوقف إصدار الصحف والمجلات المرخصة، ومطالبة أصحابها بالتقدم بطلبات جديدة إلى الحكومة في حال رغب أصحابها بإعادة إصدارها من جديد، تلاه القرار (94 تاريخ 30 آب 1939) القاضي بإخضاع الصحف والمجلات لرقابة مسبقة، تلاه القرار رقم (111- تاريخ 17 أيار 1941) الذي تجاوز القرار، إلى سجن صاحبها وتغريمه مالياً في حال نشرت أخبار لم يصرح بنشرها المندوب السامي، وسينتهي هذا العهد بدخول الجيوش الفرنسية والإنكليزية الموالية للجنرال ديغول البلاد، في منتصف يوليو/ تموز 1941، ليحظى عالم الصحافة بقسطٍ لا بأس به من الحرّية، إلى أن يجري استحداث وزارة الشباب المخوّلة بحق الإشراف (التعسّفي) على الصحف ومراقبتها وتعطيلها، بانتظار إصدار القرار رقم 214 في 14 فبراير/ شباط 1946 الذي أعطى للصحافيين التسهيلات الكافية للقيام بعملهم ضمن ما أتاحت لهم موادّه من حرّيات لا تخلو من خطوط حمراء لا يمكن الاقتراب من حدودها. ومن حيث الموضوعات والمباحث المطروحة إبّان مرحلة الانتداب، بدأت تتضح طموحات الهوية السورية بطابعها الحزبي المتعدّد المشارب، وبأهداف متنوّعة، تجمعها الرغبة بالاستقلال عن الغرب المستعمر مع الإصرار على الاستفادة من منجزاته الأدبية والفلسفية والسياسية لبناء الوطن الجديد.
– المرحلة الرابعة: تبدأ مع الاستقلال التام عن فرنسا في 1946، حيث أصدرت الكتلة الوطنية القرار رقم 225 تاريخ 28 مايو/ أيار 1946، الذي يلغي بموجبه القرارات السابقة بشأن تحديد عدد الصفحات المطبوعة، والسماح لها بأن تصدر بعدد الصفحات التي سبقت القرار 111 لسنة 1940، وأعطى المرسوم التشريعي رقم 50 الصادر في 17/10/1946 الحقّ لوزير الداخلية بمنح التراخيص، كما أعطاه الحقّ بتعطيل عمل أي صحيفة أو مجلة تتعرّض للجيش، أو لجهاز الدولة أو لشخص الرئيس. وتسجل لنا هذه المرحلة أيضاً سابقة أتى بها المرسوم بعدم السماح بأكثر من صحيفة لكل 50 ألف نسمة في المدينة الواحدة. أما الصحف التي صدرت في عهد الكتلة الوطنية فهي: في دمشق: العلم، العرب، دمشق، البعث، العالم الحضارة، المفيد الحقوق السياسية، الشعب، الوحدة العربية، عصا الجنة، صوت الشعب، الفيحاء، النجم الجديد. وفي حلب: التربية، الجهاد العربي، الجمهورية، النجم الجديد، الشرق، صوت التقدّم، الأنباء. وفي حمص: الرأي العام، الفجر. ولا بد من الإشارة إلى أن القسم الأكبر من هذه الصحف كان حزبياً بمرجعياتٍ تتوزّع بين القومي العربي، الإسلامي، الليبرالي، والاشتراكي. وقد نمت، إلى جانب هذه الصحف، مجلات أهلية متعدّدة الاهتمامات، تصدُر عن أجهزة الدولة ومؤسّسات رسمية غير ربحية، تتوزّع اهتماماتها بحسب الاختصاص المشهور تحت عنوانها العريض، مثل: مجلة المعرفة الصادرة عن هيئة التعليم، ومجلة المعلم العربي الشهرية الصادرة عن وزارة المعارف، مجلة الإحسان التي كانت تحذو جنباً إلى جنب مع أهداف الجمعية الإسلامية التي امتلكت امتيازها وأشرفت على إصدارها.
– المرحلة الخامسة: بدأت مع إطاحة حسني الزعيم الكتلة الوطنية في 30 مارس/ آذار 1949، وإصدار المرسوم التشريعي رقم 2 في 2/4/1949 الذي خوّل بموجبه قيادة الجيش حقّ إلغاء امتياز أي صحيفة أو مجلة لا تخدم صفحاتها التوجّه العام للسلطة القائمة، ثم تتالت أوامر الإلغاء ومراسيمه، لتنال معظم الصحف التي صدرت في عهد الكتلة الوطنية. وجدير بالذكر أن الصحف والدوريات التي لم يطاولها الإلغاء مثل صحف الشعب والقبس والأيام، كان يطاولها التوقيف فترة محدّدة. وفي عهد الانقلاب الثاني، عهد سامي الحناوي، جرى إلغاء المادة 3 من المرسوم السابق المتضمّنة وقف منح التراخيص، وتم الإفراج عن صحف البعث، النذير، السوري الجديد. وكان القانون رقم 35 الصادر في الثامن من أكتوبر/ تشرين الأول 1949 الذي منح حرّيات للصحافة بشكلٍ يتناسب مع ما أقرّه الدستور. وبات هذا القانون سارياً إلى عهد الانقلاب الثالث الذي قاده أديب الشيشكلي في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 1951، وإصدار المرسوم التشريعي رقم 8 في 6/9/1952 الذي أعطى لرئيس الدولة، بناء على قرار مجلس الوزراء، الحقّ في إلغاء ترخيص أي مطبوعة تمسّ هيبة رئيس الدولة، ومؤسّساتها العسكرية والأمنية. أما أخطر ما حمله المرسوم فهو ملاحقة صاحب المطبوعة والمسؤولين عنها عند أي مخالفةٍ تطاول موادّه، ما أوقع عالم الصحافة في مأزق، سيتم التخلص منه إبّان الفترة البرلمانية التي شهدتها البلاد بعد إطاحة الشيشكلي وتشكيل حكومة ائتلافية بقيادة صبري العسلي في 1954، تلتها في العام نفسه حكومة غير حزبية برئاسة سعيد الغزّي، ثم برئاسة فارس الخوري، إلى أن تولّى شكري القوتلي في الخامس من سبتمبر/ أيلول 1955 مهامّه الرسمية رئيساً منتخباً للبلاد. وستعمل الوزارات المتعاقبة على تخفيف الأعباء التي وقعت على الصحافة بإلغاء القانون 134، وأعادت العمل بقانون المطبوعات رقم 35 مع تعديلاتٍ طفيفةٍ، كان من شأنها إعطاء هامش من الحرية للصحافة، مع الإبقاء على الخطوط الحمراء التي تمسّ السلطة السياسية والعسكرية والدستور. والأهم في تلك الفترة ما جاء به المرسوم 1485، تاريخ 31/7/1954، الذي قسّم المحرّرين إلى فئات، بحسب المهام الموكلة لكل منهم، وخوّلهم لأول مرة بحمل بطاقة تثبت صفتهم الصحافية، تمنحها المديرية العامة للدعاية والأنباء.
ومن حيث التقييم لما حل بعالم الصحافة من سلبيات في هذه المرحلة فنحيله إلى ما جاء به الجزء الثالث ص69 من مذكرات “خالد العظم”، الشخصية الوطنية الأبرز من بين رجالات السياسة في مراحل مختلفة: (.. مرت على الصحافة السورية في السنين الخمس التي سبقت الوحدة أسوأ فترة في تاريخها، إذ هبطت سويتها إلى الحضيض، بعد أن أضاءت شعلتها الوطنية طريق النضال ضد الفرنسيين، وبعد أن أسهم قدامى أرباب القلم في المعارك العديدة ضد الأجنبي، فسجن من سجن، وأغلقت جريدته مراراً وتكراراً، لكنه ظل رافع الرأس، حاملاً الرسالة، لا يغريه مغر، ولا يحيد به عن الطريق المستقيم تهديد ووعيد، وبالغ سوء الحال – أي في الخمس سنوات التي سبقت الوحدة – أن أمسى أصحاب الجرائد يقبضون المال من الحكومة المحلية، ومن عميل أو أكثر من العملاء الأجانب، ومن الشركات الكبرى، ومن المصارف، ومن الأحزاب، ومن كل من سولت له نفسه مهاجمة خصم سياسي أو شخصي، فكنت ترى الحملات يتردد صداها بين جريدة وجريدة، وكان بين بعضها اتفاق وانسجام كالآلات الموسيقية في فرقة يديرها قائد ماهر.. وكانت الأخبار المختلفة تروى بدون حياء، والمقالات المسمومة تنم عن المقاصد السيئة التي يحملها كتابها والموزعون ستار الغيرة على الوطن ومصالحه)!!
ـ المرحلة السادسة: تبدأ مع الأمر العسكري رقم 35- تاريخ 12 آب سنة 1958، الصادر عن حكومة (الوحدة بين سورية ومصر) الذي أجهز على الحياة السياسية في البلاد لصالح خطاب الاستبداد المختبئ خلف شعارات النضال القومي العربي، ومع أن هذا الخطاب اعتُمد سابقاً ولاحقاً كهوية – بشحنات مختلفة – في عالم الصحافة السورية، وساهم بشكل مباشر في الوصول إلى مشروع الوحدة، إلّا أن هذا التماهي لم يكن رادعاً لسلطة الوحدة التي أجبرت أصحاب 36 مجلة وصحيفة على التنازل (كيفياً!)عن تراخيصهم مقابل تعويض مالي بناء على ما جاء به القرار 195 تاريخ 23 أكتوبر/ تشرين الأول عام 1958، تلاه القرار 21 تاريخ 11 يناير/ كانون الثاني من العام 1959 الذي ألغى امتياز 22 صحيفة ومجلة بذرائع متفرقة، باستثناء ما كان يصدر عن الدولة والمؤسسات التابعة لها، تلاه القرار 156 تاريخ 24 مايو/ أيار 1960 القاضي بمراقبة خطاب ما تبقى من مجلات القطاع الخاص، وإعطاء “الاتحاد القومي” صلاحية منح امتيازات جديدة، ضمن شروط “التدجين” التي عملت على تطبيقها مباحث عبد الحميد السرّاج سيئة الصيت، وستبقى تلك القرارات سارية المفعول إلى تاريخ العمل بالمرسوم التشريعي رقم 16 في 5/6/1962 الصادر عن “حكومة الانفصال” المتضمّن إعادة تراخيص الصحف الملغاة: ومتابعة إصدارها حتى الثلث الأول من 1963. وبخصوص المباحث والموضوعات في تلك المرحلة، فقد أضافت إلى هويتها (العربية النضالية) السابقة القضية الفلسطينية محوراً أساسيّاً للتحرّر.
المرحلة السابعة: تبدأ مع وصول حزب البعث إلى السلطة في 8 مارس/ آذار 1963، وإصدار البلاغ رقم 4، القاضي بوقف إصدار الصحف والمجلات، اعتباراً من 28/3/1963، باستثناء صحف الوحدة، البعث، بردى. بعد انقلاب نوفمبر 1970 سيقتصر عالم الصحافة في عهد حافظ الأسد على صحف النظام الرسمية (الثورة، البعث، تشرين، الفداء، العروبة، الفرات)، إضافة إلى مجلات تصدر عن الأحزاب و الوزارات والهيئات والجمعيات والنقابات التابعة للسلطة، والتي بدورها تستمد شرعية خطابها من الانحياز للمعسكر الاشتراكي (بلكنة بعثية) على امتداد أعوام الحرب الباردة بين القطبين العالميين، وتعويم القضية الفلسطينية محوراً رئيساً للنضال ضد “قوى الشر العالمية والعربية!”، ليغدو هذا الخطاب المدجّن ممثلاً رسمياً “للهوية السورية!”، بأقلام طيف واسع من صحفيين انتهازيين، تحت إشراف مباشر من اتحاد الكتاب العرب، ووزارة الإعلام، ورجالات الأمن.
سوف يستمر هذا الخطاب إلى ما بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وتوريث بشّار الأسد السلطة، مع تعديلات لازمة في كل فترة لضروريات إضفاء الشرعية لنظام الديكتاتور الفرد. ولم يكن قانون المطبوعات الجديد رقم 50 الصادر في العام 2001 الذي أتاح للقطاع الخاص إصدار عدد كبير من المطبوعات، سوى عنوان مراوغ يحمل، في ظاهره، السماح للحرّيات الصحفية بأن تأخذ دورها في مشروع “التحديث السياسي والاقتصادي!”. وفي باطنه مزيد من التدجين والاستبداد، وأبرز مثال على ذلك إيقاف صحيفة الدومري، لصاحبها الفنان على فرزات في 2003، بذريعة التطاول على القيادة السياسية، بعد نشر ملفٍ بعنوان”الإيمان بالإصلاح”. أما بخصوص صحافة المعارضة، فقد اقتصرت خلال نصف قرن على منشورات تصدرها الأحزاب الرافضة للتدجين ضمن إطار الجبهة التقدّمية الاشتراكية، وتوزع سرّاً بين أعضاء الحزب الملاحقين من الجهات الأمنية، وكانت هناك محاولات قصيرة الأمد ومن خارج الحدود، منها صحيفة الإحياء العربي، التي سرعان ما توقفت مع اغتيال صلاح الدين البيطار في مكتبه في باريس في 1980. وفي باريس أيضاً، صدرت عن لجنة دعم العمل الديمقراطي السورية المعارضة مجلة الاختيار الوطني الديمقراطي. وبعد انطلاق الثورة في 2011 إلى سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، بدأت الصحافة الورقية الرسمية بالتلاشي لصالح مواقع إلكترونية، تشرف على خطابها سلطة قمعية مزهوّة بالانتصارات المفرغة من المضمون. وفي المناطق الواقعة خارج سيطرة النظام وداخل حدود الدول الداعمة للثورة، صدرت صحف ومجلات متنوعة في خطابها المعارض، منها “صدى الشام” في تركيا، إضافة إلى مواقع تعمل لصالح خطاب الثورة، منها زمان الوصل، وسوريا نت، والسوري اليوم. ومدونات خاصة لا تحصى على السوشيال ميديا تعتمد، بالدرجة الأولى، على أقلام صحفيين سوريين مقيمين خارج جغرافية النظام، ساهمت جمعيها بوضع “الهوية السورية” على المحكّ، بعد أن كان كثيرون يعتقدون، قبل قيام الثورة، بأنها دجّنت إلى درجة التماهي ضمن خطاب النظام القائم على الاحتماء خلف حزب البعث وشركائه من الأحزاب الموالية بشكل مطلق لخطاب “المقاومة والممانعة”، واعتبار أي خروج عنه، حتى لو كان معتدلاً أو حيادياً، ما هو سوى مشاركة علنية بالمؤامرة الكونية على سورية.
محطات:
ـ 1851 إصدار أول دورية من ولاية بيروت الشامية باللغة العربية باسم “فوائد”.
ـ 1865 بعناية والي دمشق أحمد أسعد باشا، صدرت جريدة “سورية” وكانت موضوعاتها مختصة بنشر أوامر السلطة القائمة، والحوادث الرسمية في الولاية.
ـ بين عامي 1908 و1912 صدرت 70 صحيفة ومجلة موزّعة ما بين دمشق وحلب وحمص وحماه والقنيطرة.
ـ 1926-1933 فترة ذهبية للحريات الصحافية في عهد المفوض السامي الفرنسي هنري بونسو وشهد صدور صحف بالشركسية والأرمنية.
ـ بعد انقلاب البعث 1963 صار كل شيء متشابهاً وقاتماً حتى اللحظة.
العربي الجديد



