إشتباكات السويداءالأحداث التي جرت في الساحل السوريالاتفاق بين الحكومة السورية و"قسد"سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

اللامركزية في سوريا الثورة والتحرير/ حسام جزماتي

2025.09.29

أتاح طول سنوات الثورة السورية المجال لتداول النقاش في مسائل عديدة عن مستقبل البلاد في المرحلة بعدها، وكتابة الأبحاث وإنجاز استطلاعات الرأي. ومن تلك القضايا احتلت اللامركزية موقعاً مهماً، بدءاً من صيغتها الإدارية البسيطة التي تجلت في تجارب المجالس المحلية في المناطق التي خرجت عن سيطرة الأسد، وصولاً إلى شكلها السياسي الأقصى، الفيدرالية التي لقيت شعبية بين الكُرد منذ ما قبل تأسيس «الإدارة الذاتية» أصلاً.

وفي حين لم يمتد الإعجاب بالفيدرالية، وقتئذ، إلى مكوّنات سكانية أخرى، ولا إلى ما هو أبعد من شمال شرقي سوريا؛ فإن استطلاعات الرأي، من بين مؤشرات عدة، كانت تدل على شعبية واسعة للامركزية الإدارية. فهي، من جهة أولى، نظام أحدث على مستوى العالم، ومن طرف آخر بدا أنها نوع من الخروج من العباءة الخانقة لمركزية حافظ الأسد في السياسة والاقتصاد والإدارات، والتي ورثها ابنه دون تطوير جاد.

ولذلك كان التوجه اللامركزي أكثر رواجاً في المناطق المحررة عنه في مناطق سيطرة النظام، وفق مصطلحات تلك الأيام والتي كانت تشير إلى موقع المستبيَن من الجغرافيا السياسية والقوى الحاكمة، من بين محددات كثيرة. ولهذا الرواج أسباب عديدة ربما كان أولها الشعور بواقع الحرية التي تتيح أشكالاً غير صارمة من إدارة المناطق، كالمجالس المحلية التي سبقت الإشارة إليها والتي عُدّت تمريناً على ما ينبغي أن يصبح عليه الحال في «سوريا الحرة» من مشاركة الأهالي في صنع القرار وصياغة مخططاتهم المناطقية في مسائل خدمية واقتصادية لا تتعارض مع وحدة أنظمة البلاد. كما أن انفتاح سكّان المناطق المحررة على تدريبات وورشات المنظمات الدولية والغربية عن الحوكمة، واطّلاع مهجريها ومهاجريها على نجاح اللامركزية في أوروبا وبعض دول الجوار، كتجربة البلديات؛ جعلت جمهور الثورة من محبذي اللامركزية الإدارية وكأنها خيار بدهي.

في حين كان المجيبون في مناطق النظام أقل حماساً، من دون أن يرفضوا شكلاً من تخفيف سيطرة المركز أي العاصمة. مع رفض قطعي لأي توسع قد يوحي بأن السلطات المحلية تلعب دوراً أكثر مما ينبغي، ربما يهدد وحدة البلاد واستقرارها. ولذا كانت حظوظ الفيدرالية ضعيفة جداً هناك. وحيثما أمكنت معرفة الانتماءات الطائفية تبيّن أن العلويين، والدروز، والشيعة، كانوا الأشد رفضا لأي احتمالات قد تثير القلق على طبيعة النظام بمعنى الـSystem لا الـRegime.

وبقدر ما بدت نتائج الاستبيانات والأبحاث معبّرة عن «توجهات السوريين» في ذلك الزمن الذي لم يمض على انتهائه عام واحد؛ بقدر ما انقلبت المؤشرات خلال عام على سقوط النظام، منذ الأسابيع الأولى وبشكل متسارع بعدها. مما يطرح أسئلة جادة عن جدوى الجهد الاستطلاعي في مجتمعات متخبطة لم تتبلور فيها المفاهيم ولا نمت فرديات أبنائها إلى مستويات معتبرة من الخيار الخاص.

فمنذ أن بانت للإدارة الجديدة للبلاد تصريحات إدارية، بدا أنها تعتمد المركزية، في المرحلة الحالية على الأقل، من دون شك. إلى درجة أن هذا التوجه ظهر كأنه مستثنى من البراغماتية التي وُصفت بها، فقد أصرّت عليه في كل محفل محلي أو لقاء دولي، مبررة ذلك بأن أي درجة من اللامركزية، الآن وهنا، قد تفتت البلاد الهشة وتغذي النزعات الانفصالية.

والحال أن هذا اشتغل مثل نبوءة ذاتية التحقق. فتحول الحذر العلوي إلى طموحات فيدرالية أو استقلالية مضطربة وتائهة بعد التعرض لسلسلة مستمرة من «التجاوزات الفردية» كانت ذروتها مجازر آذار. وتدرّج الدروز في السويداء من كون عدم الثقة بالحكومة هاجساً لدى أحد تياراتهم، وبقفزة دموية أيضاً مع انتهاكات تموز، إلى نزعة انفصالية عامة عنيدة.

وذلك في حين انقلب رأي أغلبية ساحقة من العرب السنّة، وفي مركزهم العريض حاضنة الثورة وامتداداتها في دول اللجوء، من اللامركزية إلى عكسها. ومنذ أن بدا أنهم سيطروا على الحكم، بواو الجماعة الجمعية، لم يوفروا فرصة دون رفع راية «الدولة»، في خلط قديم متجدد بينها وبين السلطة، والدعوة إلى منحها كل الشرعية والصلاحيات والهيبة والتبجيل في وجه كل من يعاندها فيصبح، في هذه الحال، متمرداً أو عصابات خارجة عن القانون. وهو بالضبط ما كانت تصفهم به الأجهزة الإعلامية لنظام الأسد، وتحاكمهم عليه منظومته القضائية، حين كان يحتل الشرعية ويمسك الختم.

وفي حين أن الإيمان الثابت باللامركزية، أو حتى المركزية، ظل من سمات فئة قليلة من النخب السياسية أو الفكرية فقد تأكد مجدداً أننا، في العموم، نتصرف كجماعات ووفق مقتضى الحال وبما تيسّر. فعندما نكون «نحن الدولة ولاك» نريد لها أن تقوى فتضرب بيد من حديد أو من براميل أو من سكاكين أو حتى من مقصّات، وحين نرفض الانصياع لحكم المركز نطالب لمناطقنا وإداراتنا وفصائلنا بالاعتراف بوصفها الشرعية الثورية التي تقاوم الطغيان.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى