مقالات تخص انتخابات مجلس الشعب المزمع اجرائها في سورية تحديث 03 تشرين الأول 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي:
انتخاب أم اصطفاء في سورية؟/ أحمد طعمة
02 أكتوبر 2025
عكست صيغة مرسوم إجراء انتخابات برلمانية وتشكيل لجنة لذلك، والتحضيرات وخطوات اللجنة العملية في طرق تنفيذ هذا الاستحقاق المصيري، وجود خطّة مضمرة لإخراج برلمان وفق شروط السلطة ومعاييرها، وتصوّراتها لطبيعة النظام السياسي المنشود. ولعلّ أول ما يلحظه المرء عندما ينظر في القرارات والإجراءات المتعلّقة بالعملية الانتخابية لمجلس الشعب في سورية أنها عملية اصطفاء وليست انتخاباً، تعاني خللاً بنيوياً عميقاً، ولا تحقّق الحدّ الأدنى من المعايير الدولية لمشاركة سياسية، تبدأ بالسماح بتشكيل الأحزاب والمنظّمات المدنية والأهلية العاملة بحرية في الهمّ السياسي والشأن العام، مقدّمةً برامجها المتنوعة لتشكيل الرأي العام، وهذا ما يضمن طرح الآراء النقدية بفاعلية، ويجعل الشعب يتعرّف إلى الكفاءات وأصحاب الآراء الحكيمة، ثمّ ينتخبها لتكون ممثّلة له في مجلس نيابي يعبّر عن تنوّع الشعب السوري وغناه بالطاقات الكبيرة التي حُبست ستين عاماً ونيّفاً من حكم غشوم ظلوم، أفقد الحياة معناها لدى السوريين… هذا كلّه لن تحقّقه الانتخابات المزمع إجراؤها في الخامس من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري.
بدأ الاصطفاء منذ اللحظة التي اختيرت فيها اللجنة العليا للانتخابات، فأكثر أعضاء اللجنة ليست لديهم خبرة في إدارة عملية انتخابية، ومعظمهم موالون للسلطة سمّاعون لها ولا يعصون لها أمراً. وإذا أضفنا إلى ذلك احتمال انضمامهم إلى عضوية مجلس الشعب ضمن قائمة الثلث المُعيَّن من الرئيس، كما تفيد تلميحات، ما يثير أسئلة بشأن حياديَّتهم، وهذا ما يتعارض مع مبدأ نزاهة الانتخابات. اصطفت هذه اللجنة العليا أعضاءَ اللجان الفرعية بناءً على ترشيحات من المحافظين وقادة الشرطة والهيئات السياسية الموالية للسلطة في المحافظات السورية، وقليل لا يُذكر من ترشيحاتٍ جاءت من شخصيات اعتبارية في المجتمع، ولكنّ أحداً منهم لم يتولَّ رئاسةَ لجنة فرعية في أيّ منطقة، صغرت أو كبرت، في أرجاء الوطن، وهذا خلل خطير شاب العملية برمّتها.
بعد اصطفاء اللجان الفرعية من اللجنة العليا، تسلّمت هذه اللجان طلبات الترشيح من المواطنين الذين ظنّوا أن لديهم فرصةً كي يكونوا أعضاءً في مجلس الشعب، وكذلك طلبات الترشيح المُقدّمة من السلطات في المحافظات، ثمّ تخيّرت اللجان الفرعية منهم مُصطفَين لملء مقاعد أعضاء الهيئة الناخبة بمعدّل 50 اسماً لكل مقعد نيابي، وبشروط تمنع من الناحية العملية أيَّ مُعارِض أو شخص لا ترغب السلطة في وصوله إلى الهيئة الناخبة، لا بل إن مُرشَّحين كثيرين قدّموا شهادات جامعية في فئة الكفاءات لم تُعادَل وفق الشروط المتعارف عليها في سورية تاريخياً، وهي ليست شروطاً سهلةً، إذ لم تكن تقبل أيّ شهادة جامعية ما لم تكن رسمية من إحدى جامعات البلاد أو شهادة جامعية أجنبية خضعت لفحص المعادلة. وما حصل أن شهادات قُدِّمت ما أنزل الله بها من سلطان، وهذا خللٌ آخر في العملية الانتخابية. ثمّ، ما الضمانات ألا يُوجّه كثير من أعضاء الهيئة الناخبة باتجاه التصويت لأشخاص بأعيانهم كي يفوزوا بعضوية مجلس الشعب؟ وهذا خللٌ خطيرٌ آخر يشوب العملية برمّتها. ثمّ لماذا تقتصر الدعاية والحملة الانتخابية ضمن أعضاء الهيئة الناخبة؟ لقد منع التداول العام للبرامج السياسية ما يحرم المجتمع المتعطّش إلى السياسة من النقاش الحرّ حول المُرشَّحين، والضغط على أعضاء الهيئة الناخبة لاختيار الأفضل، فتصبح الانتخابات “كولسةً” تشبه التي كانت تجري في انتخابات الائتلاف الوطني لقوى المعارضة. كما أن الاشتراط بإلزام المُرشَّح بالتصويت لثلاثة أسماء عن كل مقعد نيابي سيؤدّي إلى شطب كثيرين أسماء مُرشَّحين أقوياء، خشية المنافسة، ما يؤدّي إلى خسارتهم أصواتاً كثيرة يمكن أن تكون لهم لو أن التصويت لخمسة مثلاً.
ستفجّر الانتخابات بهذه الطريقة مشكلةً بين شيوخ القبائل والعشائر بعد ظهور نتائج العملية الاصطفائية، إذ ينظُر شيوخ القبائل والعشائر إلى اختيار شيخ بعينه مكان شيخ على أنه تفضيل له غير مقبول في العرف العشائري، وقد كانت لنا تجربة مرّة في أثناء تشكيل مجلس القبائل والعشائر الخاص بالثورة السورية عام 2018، إذ رفض معظم الشيوخ الذين لم يجر اختيارهم في القيادة تسمية قيادة المجلس باسم مجلس الشيوخ، لقناعتهم أن اختيار ممثّل عنهم، من دون أن يكون شيخهم فعلاً، يعني تفضيله وترسيخه شيخاً أبدياً عليهم، وهذا ما لا يرضونه، وإذا أضيفت إمكانية أن يكون لأصحاب النفوذ وشيوخ المال حظوظٌ أكبر من شيوخ القبائل والعشائر في الوصول إلى المجلس فسيزداد الطين بلّة. كم نحن في غنىً عن مثل هذا الذي يزيد من الانقسامات العمودية والأفقية التي يعانيها مجتمعنا!
تمثيل المرأة المتدنّي والمهجّرين وذوي الإعاقات والناجين والناجيات من الاعتقال، صيغ بعبارة “ما أمكن”، وبطريقة إرشادية يجعله غير ملزم، وكلّنا يعرف أنه من دون الإلزام في قضايا كهذه لا تحبّذ مجتمعاتنا إعطاءهم شيئاً. تذكّر هذه الانتخابات بانتخابات إيران، حيث يجبر الراغبون في الترشّح لمجلس الشورى الإسلامي على تقديم طلبات ترشيحهم إلى مجمّع تشخيص مصلحة النظام، المُرسِّخ للثيوقراطية، وهذا المُجمَّع يصطفي منهم من يرونه من الأخيار. وقد أُبعدت شخصيات إيرانية بارزة من هذا المجمّع لمجرّد أنها لم تحظَ بمباركة مرشد الثورة الإسلامية، بل إن كثيرين من كبار القوم من المفكّرين الإيرانيين، المُوجِّهين للرأي العام، لم يتقدّموا أصلاً بطلبات ترشيح، لقناعتهم بأن لا أمل لهم في الوصول إلى مجلس الشورى. وهذا ما يحصل حالياً في سورية، إذ إن متقدّمين كثيرين استُبعدوا من القوائم النهائية للترشيح لعضوية الهيئة الناخبة من دون الإفصاح عن المعايير التي استُبعدوا على أساسها، وهذا يمسّ مبدأ الشفافية، فضلاً عن أن عدداً معتبراً من زعماء سورية الحقيقيين لم يتقدّموا بطلبات ترشيحهم، لقناعتهم أن وصولهم إلى مجلس الشعب دونه خرط القتاد.
أمام خيبة الأمل التي سيصاب بها كثيرون بعد صدور النتائج النهائية، كاشفةً أن معظم أعضاء مجلس الشعب ممَّن اصطُفوا، قال بعضهم: ربّما كان الأقلّ ضرراً أن يُعيّن جميع الأعضاء تعييناً من الرئيس، وعلى الوجه الأبيض، أسوة بالأنظمة الملكية، ومن دون هذه الإجراءات المسبّبةِ ما لا تُحمد عقباه، التي ستكون نتيجتها عدم وجود حتى ما تُسمّى “الجبهة الوطنية التقدّمية” ولو ديكوراً. إذا أضفنا إلى ما سبق حقّ الرئيس وفق الإعلان الدستوري بتعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب، ما يعطيه صلاحيات قانونية فوق صلاحياته التنفيذية، تجعله ذا تأثير مباشر في تشكيل المجلس، فما بالكم بإعطائه صلاحية تسمية بدلاء من أيّ نائب يخسر مقعده بسبب الوفاة أو الاستقالة أو إسقاط العضوية، وربّما يضاف إلى ذلك تسميته النواب الذين يفترض أن يمثّلوا محافظات لن تجري فيها انتخابات مثل السويداء والحسكة والرقة، فعندها ستتشكّل أغلبية نيابية كبرى يضمن ولاءهم، وهذا عين ما يسمّى اللون الواحد، مُقوِّضاً مبدأ التعدّدية.
هنا لا بد من طرح السؤال الجوهري: ألا تعبر هذه الصيغة من الإجراءات، والطريقة التي شُكّلت بها لجنة الانتخابات واللجان الفرعية عن طبيعة العقد الاجتماعي الذي تنوي السلطة السورية تثبيته في البلاد، وإسقاطه على المجتمع، بما في ذلك شكل (وطبيعة) النظام السياسي الذي يعكس توجّهاتها لترسيخ واقع سياسي ومؤسّسي في البلاد لا يتّسم بالتشاركية والتعدّدية؟… تريد السلطة أن تحدّد من يحكم ومن يُقصى ومن يُقرَّب، وأن تكون هي من يخطّط ومن يملك التصوّر الأوحد ومن يقرّر كيف تتخذ القرارات وكيف توزّع الموارد، وأن تكون هي من يصدر المراسيم من دون اعتداد بالمجتمع وقواه السياسية، ومن دون التفاتٍ إلى اعتراضات بعض مكوّناته ونخبه السياسية… وسيؤدّي هذا كلّه إلى انعدام الثقة بين السلطة ومكوّنات وقوى سياسية سورية وازنة، ويجعل قرارات السلطة موضع شكّ مسبق، ما سينعكس سلباً على البنية السياسية فتصبح هشّة، ويجعل العقد الاجتماعي منقوصاً. ألم يكن الأولى اتخاذ طريق غير الذي سُلك لبناء المؤسّسات، ومنها المؤسّسة التشريعية، باعتبار أن المؤسّسات ليست قوالب جاهزة أو مسبقة الصنع، إنها أجسامٌ حيّةٌ ومتحرّكة ومتفاعلة مع فعّالية المجتمع ودوره، تعبّر عن مكانته وحيويته وتوازن القوى داخله، واحتياجاته. من هنا، ألم يكن الأمثل البدء بانتخابات البلدية لتدريب الناس على الديمقراطية والعمل على تحسين واقعهم المحلّي أولاً، والمشاركة الفاعلة في المؤسّسات، لتكون المؤسّسات شاملةً تمنح المواطن العادي الثقة والاطمئنان، وتدفعه إلى المشاركة في الشأن العام، وهذا أساس الاستقرار والازدهار، قبل الذهاب إلى انتخاباتٍ برلمانيةٍ تسبّب إضاعة البوصلة عند المواطن وتفقده معرفة أولوياته.
تقوم مؤسّسات ما بعد الحروب والصراعات، خصوصاً الكبرى منها، عادة على تسوية سياسية، وتحقيق الاستقرار والاستمرارية، مرهونان بطبيعة هذه التسوية ومدى شمولها، وهو ما لم يحصل في سورية الجديدة، إذ لم تتم أيّ تسوية سياسية حقيقية، بل ما كان أقرب إلى تسوية زبائنية هشّة، تركّز السلطة في يد نخبة ضيقة، وهو ما عكسته القرارات والمراسيم، بدءاً بقرارات مؤتمر النصر، مروراً بمؤتمر الحوار الوطني والإعلان الدستوري والتعيينات في المؤسّسات الإدارية والأمنية والاقتصادية، وصولاً إلى مرسوم تشكيل لجنة للانتخابات الاصطفائية، وكلّها تقوم على الولاءات الشخصية أكثر من اعتمادها على المهنية والكفاءة، فكيف نذهب إلى انتخابات مجلس الشعب قبل إنجاز تسوية عادلة يقبلها الشعب السوري بالرضا؟
نجدّد المطالبة بإعادة النظر في الإعلان الدستوري المُؤسِّس لهذا العقد الاجتماعي، فهو الذي شرعن انتخاباتٍ كهذه، ونصّ على إجراءاتها. كما أن هذا الإعلان هو الذي نصّ على تسمية المجلس باسم مجلس الشعب، وما تخلّفه هذه التسمية من مرارة في النفس، لأنها تذكّرنا بإرث نظام جبّار عتيد لم يكن يعترف يوماً بشيء اسمه الشعب. حقيقةً، نستغرب كيف أبقت السلطة على التسمية رغم إرثها البغيض، بحجّة المحافظة على تقاليد الدولة، رغم أنها تستطيع فعل ذلك، وقد فعلت في حالات أخرى. الأولى تسميته بالمجلس النيابي أو مجلس النواب لكي يكون تعبيراً عن تمثيل حقيقي للشعب، أو المجلس التشريعي، أو أيّ تسمية أخرى غير مجلس الشعب احتراماً للثورة التي قامت ضدّ مجلس الدمى وقائدهم “الخالد”. كما أننا لا نحبّذ تسميته بمجلس الشورى أسوة بمجلس إدلب، كي لا ندخل مرّة أخرى بالجدل الفقهي حول أن الشورى ملزمة أم معلّمة، بل نريد أن يكون المجلس مجلساً تشريعياً تُسنّ فيه القوانين التي تخدم الشعب وتنمّيه سياسياً ليحمل المسؤولية تجاه شعب عظيم أسقط واحداً من أطغى الطغاة.
قامت الثورة السورية المباركة من أجل أن نخلي بين الناس وبين إرادتهم الحرّة الواعية لتحقيق أهدافهم في الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية، والسلطة ملزمة بتربية الشعب ليجيد حكم نفسه مستعينةً بالمفكّرين وأصحاب الروح الرسالية، لا أن تُقصيهم، وتترك المجلس خلواً من الشخصيات الكبيرة القادرة على التأثير ورسم الدرب. السلطة النجيبة هي من تسعى إلى أن تبني دولةً برلمانها منبثق حقيقةً من الشعب، وحكومةً تعمل ليل نهار لخدمة المواطن، بدلاً من الخيار اللجامي الذي يقيّد الشعب ولا يجعله ينظر إلا في اتجاه واحد لا يحيد عنه يَمنة أو يَسرة. لا يمكن تحقيق انتخابات حرّة ونزيهة يصل بموجبها أصحاب الكفاءات إلى قبّة البرلمان إلا من خلال تنافس قائم على حياة حزبية ديمقراطية حقيقية تُعرض فيها الآراء على الناس فيتخيّرون أفضل البرامج ويصوّتون عليها على مبدأ “أنا أقول، وأنت تقول، وللناس عقول”. ليس صحيحاً أن يقال إن الأجواء غير مناسبة، ولا تزال أجزاء من الوطن لم تحرّر، وإن الشعب غير جاهز لتبنّي الديمقراطية، فالشعب من دون خوض التجربة والتعلّم منها لن يتعلّم، وعدم تعليمه ترسيخ للدكتاتورية لا نريد لبلدنا العظيم أن يقع تحت رحمتها مرّة أخرى.
إذا كان الاصطفاء النهائي في المجلس سيكون على أساس الولاء من دون الكفاءة، فإن الأعضاء لن يستطيعوا القيام بواجبهم في تعديل القوانين الجائرة التي خلّفها نظام الإبادة، ولا اقتراح أفكار إبداعية تحسّن من الواقع السياسي في البلاد، إلا إذا كان المطلوب منهم أن يبصموا كما بصم السابقون، ونحن نربأ بإخوتنا في السلطة أن يفعلوا ذلك، والأوْلى بهم أن يأتوا بالخبراء والعقلاء حقّاً، حتى لو عارضوا، وصولاً إلى تسويات داخلية يمكن الوصول إليها. المهمّ ألا نعود إلى الدكتاتورية التي تلوّعنا بها من قبل، وكل بديل عنها، ولو كان متعباً، خير منها.
نحن شديدو الحرص على الجمع بين المظهر والجوهر. ومن هنا حرصنا على سلامة الإجراءات ليكون المظهر سليماً، وشديدو الحرص على المضمون الديمقراطي سلامةً للجوهر، فنحظى ببرلمان يفخر أعضاؤه بأنهم كانوا الجيل التشريعي الأول بعد التحرير.
العربي الجديد
————————-
لماذا يجب إلغاء انتخابات سوريا التشريعية فوراً؟/ ميشال شماس
الأربعاء 2025/10/01
بعد أيام ستجرى في سوريا عملية يُفترض أنها انتخابية لتشكيل مجلس تشريعي جديد. لكن المؤشرات تُثير شكوكاً جوهرية حول طبيعة العملية ومآلاتها. إذ لا تنبئ بعملية انتخابية تمثيلية، بل تعيد إنتاج منطق التعيين المقنّع غير المؤهل. ففي ظل غياب بيئة آمنة، وانهيار مؤسسات الدولة، وتفكك الهوية الوطنية، يصبح الحديث عن انتخابات حرة ونزيهة أقرب إلى التزييف منه إلى التأسيس. وما يُحضَّر له ليس انتقالاً ديمقراطياً، بل تكريس الولاء وإعادة تدوير بعض أدوات النظام السابق بأسماء جديدة. ومع اقتراب الموعد، تتكشف يومًا بعد يوم ممارسات تفضح جوهر العملية: طعون بلا بيّنات، انسحابات جماعية، وتعيينات مشبوهة، ما يستدعي وقفة وطنية جادة لوقف هذه المهزلة قبل أن تُكرّس كأمر واقع.
الأخطر من ذلك، أن الطعون الانتخابية تحوّلت إلى أداة تصفية سياسية. كشفت شهادات موثقة أن لجان الطعون قبلت استبعاد مرشحين بناءً على شهادة شاهدين فقط، من دون أي بيّنة قانونية، مما أدى إلى إزاحتهم مباشرة من القوائم. هذا الخلل استُغل من قبل بعض المرشحين لإقصاء منافسيهم، كما حدث في درعا والقنيطرة، حيث تم استبعاد ناصر الحريري من دون منحه حق الطعن أو الاطلاع على ملفه. والأخطر أن المرشحين لم يُمنحوا حق معرفة هوية مقدّمي الطعون، ما يكشف عن منظومة قضائية عاجزة عن حماية الحقوق.
في محافظة القنيطرة، لم يكن التهميش مجرد شعور، بل تحوّل إلى موقف جماعي معلن. انسحب حتى الآن سبعة أعضاء من الهيئة الناخبة، بينهم د.خديجة هايل المحمد، ود.مروة عثمان، بيان شنوان، وآخرون، احتجاجاً على ما وصفوه بـ”تزوير الإرادة” و”تهميش الثوار”. فقد كتبت د.خديجة في بيانها: “لن أكون كومبارس في مسرحية تم تأليفها بركاكة مهينة لإرادة السوريين… لسنا طلاب مناصب، إنما نحن جنود في عملية التغيير نحو مستقبل مشرق لوطننا، وأبسط ما ننتظر أن يُبنى عليه هو احترام إرادة الناس وكراماتهم”. وأشارت مصادر محلية إلى أن أغلب المنسحبين هم من أعمدة الثورة وقياداتها البارزة.
وفي محافظة حمص، لم يكن الجدل أقل حدة، لكنه اتخذ طابعاً أكثر تعقيداً. الناشطة المعروفة سليفا كورية كتبت شهادة علنية على صفحتها، أوضحت فيها أنها تقدمت بستة طعون، ثلاثة منها كانت مدعّمة بأدلة قوية وتم قبولها، بينما لم تكن الوثائق المتوفرة للبقية كافية. وفي الوقت نفسه، أشارت إلى أن فترة الثلاثة أيام لم تكن كافية لجمع الأدلة، وأن بعض الأسماء المقبولة يفتقرون للكفاءة ومعروفين بالانتهازية والفساد، وأن مسؤولية استبعادها تقع على من لم يقدّم ما يكفي من إثباتات. هذه الشهادة لا تكتفي بالنقد، بل تدعو إلى بناء تحالفات داخل الهيئة الناخبة لإيصال المرشح الكفء النظيف، القادر على تمثيل حمص كما يليق بتضحيات أهلها. وتضيف أن الآلية المتبعة، رغم تحفظاتها عليها، لا تستدعي المقاطعة بل تستوجب العمل على إنجاح من يستحق.
وفي ريف دمشق – مدينة سقبا، تم التلاعب في تشكيل الهيئة الناخبة نفسها، حيث أقدمت اللجنة الانتخابية على إزالة اسمين من الهيئة من دون مبرر قانوني واضح، واستبدالهما بشخص وابن أخته، في خطوة أثارت غضب الهيئة الناخبة، التي هدّدت بالانسحاب الجماعي ما لم يُعاد العضوان المستبعدان. هذه الواقعة لا تثير فقط شبهة المحاباة، بل تكشف عن منطق التعيين العائلي، الذي يُفرغ الهيئة الناخبة من استقلاليتها، ويحوّلها إلى أداة ولاء لا تمثيل. إن إدخال علاقات القرابة المباشرة في بنية التمثيل يُعيد إنتاج شبكات النفوذ داخل المؤسسات، ويُضعف الثقة في العملية برمتها.
لم تقتصر ردود الفعل على الانسحابات والطعون، بل امتدت إلى وسائل التواصل الاجتماعي، على شكل ردود من مختلف المحافظات مصحوبة بتعلقيات ساخرة تعكس حجم الاستياء من الطريقة التي تُدار بها العملية. فقد كتب المحامي فراس عابدين منشوراً ساخراً يقول فيه: “الطريقة التي تُدار فيها انتخابات مجلس الشعب هي من أسوأ الطرق في العالم، بل فريدة من نوعها على هذا الكوكب. اختيار الهيئات الناخبة تم عن طريق المحسوبيات والواسطات، واختيار المرشحين يتم عن طريق مشايخ السلطة والهيئات السياسية في المحافظات، والمال السياسي يلعب دوراً كبيرأ في هذا الأمر. وبالطريقة ذاتها تماماً سيتم تعيين 70% من النواب، وهي حصة رئاسة الجمهورية. ويختم منشوره بقوله: “الانتخابات والديمقراطية بمنتهى الشفافية!” هذا النوع من الخطاب، رغم نبرته الساخرة، يعكس شعوراً واسعاً بأن ما يجري لا يمتّ بصلة إلى التمثيل الحقيقي، بل يُعيد إنتاج منطق التعيين والولاء، ويُفرغ العملية من معناها التأسيسي.
هذه الوقائع تكشف أن ما يجري ليس خللاً عابراً، بل أزمة بنيوية في آلية التمثيل نفسها. لذلك، فإن الدعوة الآن إلى وقف هذه العملية الانتخابية لا تنبع من رفض مبدئي لفكرة التمثيل، بل من إدراك عميق لخطورة إعادة إنتاج الإقصاء تحت غطاء شكلي. وإذا كانت الأزمة البنيوية في آلية التمثيل قد باتت واضحة، فإن جانباً آخر لا يقل خطورة يتعلّق بسوء الفهم العام لوظيفة المجلس التشريعي نفسه. إذ يتعامل كثر من المرشحين مع الترشح للمجلس كمدخل لتقديم خدمات محلية، ما يعكس تصوراً مشوّهاً لطبيعة الدور الدستوري للمجلس. فالمجلس ليس جهة تنفيذية، بل سلطة تشريعية ورقابية، مهمتها سنّ القوانين وتعديلها أو الغائها ومراقبة الحكومة، لا إطلاق الوعود الخدمية.
في مواجهة هذا الانسداد، في آلية التمثيل وفي فهم وظيفته، لا يكفي أن نكتفي بالنقد أو نراهن على إصلاح جزئي. بل من الحاجة، في هذه الظروف التي يتعذر فيها إجراء انتخابات عامة نزيهة وشاملة، إلى ضمان وصول أشخاص قادرين فعلاً على أداء وظيفة المجلس التشريعي بما يليق بثقل المرحلة. أشخاص يمتلكون مؤهلات حقيقية في التشريع، القانون، الاقتصاد، الإدارة العامة، وعلم الاجتماع، ويستطيعون تحويل المجلس من منصة شكلية إلى سلطة تأسيسية فاعلة.
هذه المقاربة لا تتجاوز الإرادة الشعبية، بل تحاول حمايتها عبر اعتماد آلية تعيين تستند إلى الكفاءة والخبرة والاختصاص، هذا الخيار، وإن بدا استثنائياً، هو محاولة لتفادي إخفاقات سابقة، أبرزها مؤتمر الحوار الوطني، الذي اختزل إرادة السوريين بساعتين، وخرج بمخرجات لا تليق بتضحياتهم. وإن إعادة إنتاج التمثيل المصطنع لا تؤدي إلا إلى مزيد من الانقسام وفقدان الثقة، وتعيد إنتاج منطق الوصاية الذي ثار السوريون ضده. لذلك فإن إلغاء هذه العملية من أساسها، والبدء بتأسيس مجلس مؤقت عبر آلية تأسيسية نزيهة، هو ليس فقط خياراً عقلانياً، بل ضرورة وطنية وأخلاقية.
إن الدعوة إلى تأسيس مجلس مؤقت عبر آلية نزيهة لا تمثّل انسحابًا من المجال العام، بل محاولة جادة لإعادة بناء أدوات التمثيل على أسس تليق بتضحيات السوريين. وتُخرجهم من موقع المتفرج إلى موقع الفاعل. فإما أن نعيد بناء أدوات التمثيل على أسس جديدة، أو نعيد إنتاج الإقصاء بأسماء مختلفة. والاختبار الحقيقي ليس في الشكل، بل في القدرة على تأسيس شرعية تستند إلى الكفاءة، وتحترم الإرادة، وتُبنى على الجرأة الأخلاقية لا المكاسب والمناصب.
—————————
انتخابات أول مجلس نيابي بسوريا: ماذا عن برامج المرشحين؟/ منصور حسين
الجمعة 2025/10/03
يقترب السوريون من موعد الاستحقاق الانتخابي لتأسيس أول مجلس نيابي منذ الإطاحة بنظام المخلوع بشار الأسد، الذي تقرر اجراءه وفق قانون استثنائي معتمد على تصويت الهيئات الناخبة، إذ بدأ المرشحون للبرلمان طرح برامجهم الانتخابية أمام المجتمع المحلي.
وأعلنت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، تحديد يوم الخامس من تشرين الأول/أكتوبر الحالي، موعداً لاختيار أعضاء الدوائر الانتخابية المعتمدة في المحافظات، وفق قانون الانتخابات المؤقت، الذي حدد آليات توزيع الدوائر واللجان والهيئات الناخبة وإجراء انتخابات الترشح والاقتراع، وصولاً لعقد أولى جلسات المجلس.
وبلغ عدد المرشحين وفق القائمة النهائية الصادرة عن اللجنة العليا للانتخابات 1578 مرشحاً، تشكل نسبة النساء فيها نحو 14 في المئة، يتنافسون على 140 مقعداً موزعة على 60 منطقة انتخابية، بينما يحتفظ رئيس الجمهورية بتسمية الثلث الأخير (70) عضواً، وفق آلية اختيار الأعضاء المزدوجة الذي نص عليها قرار تشكيل مجلس الشعب استناداً للإعلان الدستوري.
حملات عبر وسائل التواصل الاجتماعي
ومع ضيق وقت الإعلان الانتخابي للدورة الاستثنائية، بدأ المتنافسون حملاتهم الدعائية المكثفة، لجذب أصوات الهيئات الناخبة، بالاعتماد على مواقع ووسائل التواصل الاجتماعي بشكل خاص، باعتبارها طريقة الوصول الأسرع والأشمل بين السوريين اليوم.
ومن خلال متابعة “المدن” لبرامج طيف واسع من المرشحين، بدا واضحاً توجه غالبية الحملات نحو القطاع الاقتصادي وآليات تطويره، إلى جانب ملفات المسائلة القانونية والعدالة الانتقالية ومحاسبة مرتكبي الجرائم، إضافة إلى تركيز مرشحين على الشأن المحلي والخدمي وبرامج تطوير المؤسسات السورية، بينما فضل آخرون تبني القضايا والقوانين السياسية وشكل الحكم في سوريا المستقبل.
ويعتبر المرشح لعضوية مجلس الشعب عقيل حسين، أن وجود دورة تشريعية ضرورة ملحة خلال الفترة الانتقالية التي تعيشها البلاد، والتأسيس لدولة حديثة ومتطورة، وهو ما يركز عليه في برنامجه الانتخابي، إلى جانب الملف الاقتصادي والضمان الاجتماعي وبناء المؤسسات والحريات السياسية وسلطة الإعلام.
ويوضح أن طبيعة الانتخابات وظروفها الاستثنائية، من خلال حصر التصويت بالمجمعات والهيئات الناخبة، ساهمت في ركون جميع المرشحين إلى وسائل التواصل الاجتماعي لترويج برامجهم الانتخابية، مع ضيق الوقت الذي نفى الحاجة للدعاية والحملات الانتخابية التقليدية.
وعود رهينة الاستقرار
ويضيف حسين: “هذه الفترة التي تعيشها سوريا، تمثل أساس بناء الدولة الجديدة، ومنها كان اهتمامي بضرورة تفعيل المؤسسات المعنية بحماية السكان وصون عيشهم الكريم، من خلال التركيز على النهوض وتطوير مؤسسات الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي للمواطن وتشريع قوانين فاعلة لرفع كفاءة برامج العمل الحكومي، إضافة إلى رؤيا تخص تطوير الاقتصادي الوطني والاستثمار، إلى جانب تفعيل سلطة الإعلام وضمان حقوق الصحفيين خلال فترة عملهم وبعد تقاعدهم”.
من جهته، اختار المرشح عبد الغني شوبك، التركيز على الملفات التشريعية والعدالة الانتقالية ومحاسبة مجرمي الحرب والتطوير العمراني، مع تبنيه التوجه نحو نظام اللامركزية الإدارية وتفعيل دور المجتمع المحلي في الحكم والمشاركة في القرار.
ويقول: “بالنسبة للحملة الانتخابية نقوم بنشرها عبر وسائل التواصل، إلى جانب المناظرات الميدانية، بهدف استغلال الوقت، وما تفرضه الظروف الاستثنائية من غياب الاستقرار السياسي والانتخابات العامة والأحزاب والتكتلات”.
ويشير إلى أن غياب الانتخابات العامة والمباشرة وحصرها بالهيئات الناخبة، بسبب وضع البلاد، ساعد على تجاوز عامل الوقت، حيث أصبحت البرامج تخاطب الهيئات التي تمثل السوريين لكسب أصواتهم، خاصة وأنها وعود تعبر عن مطالب المجتمع.
عوامل مؤثرة في التصويت
بدورها، تشاركت مصادر داخل الهيئات الناخبة في حديثها لـ”المدن” الإشارة إلى أن عملية التصويت تعتمد على العديد من النقاط التي تساهم في تشكيل سلوكهم الصوتي، وفي مقدمتها المشاركة الثورية الفاعلة وثقل المرشح ضمن دائرته الانتخابية، وبرنامجه الانتخابي.
وتقول المصادر إن “العلاقات الشخصية بين المتنافسين وأعضاء اللجان الناخبة لها دور كبير في منح الأصوات، إضافة إلى فاعلية حضور المرشحين وتأثيرهم، ما يزيد فرص نجاح شخصيات على حساب أخرى.
ومع ذلك، تؤكد على أهمية البرنامج الانتخابي وقدرة المرشح على جذب الانتباه وتبني قضايا المصوتين، من خلال نقاط تخص اختياره ملفات من صلب دوره تحت قبة البرلمان، وقدرته في مساعدة الهيئة على التعاطي مع أفكاره وجديته في المنافسة والتمثيل.
وتنص المادة 30 من الإعلان الدستوري، على أن صلاحيات مجلس الشعب تشمل “اقتراح القوانين وإقرارها، وتعديل أو إلغاء القوانين السابقة، والمصادقة على المعاهدات الدولية، وإقرار الموازنة العامة للدولة، وإقرار العفو العام”. كما تضمنت أيضاً صلاحيات قبول أو رفض استقالة الأعضاء، ورفع الحصانة عنهم وفقاً للنظام الداخلي، إضافة إلى عقد جلسات استماع للوزراء.
برامج تكشف الضعف السياسي
لكن الكاتب السياسي درويش خليفة، يرى “أن عدداً كبيراً من المرشحين يخلط بين مهامه التشريعية وحدود صلاحياته، إذ يجهل كثيرون مضمون الإعلان الدستوري الناظم للعملية السياسية الحالية، حيث ضمت معظم البرامج ملفات خدمية أو قضايا العدالة الانتقالية ومحاسبة مسؤولي النظام السابق، وهي خارج نطاق الدور التشريعي المباشر”.
ويعتبر أن هذا الخلط “نتاج المستجدات التي فرضت على المرشحين تقديم برامجهم الانتخابية بصفة فردية، في ظل تغييب الأحزاب والقوى السياسية عن المشهد العام، وذلك في أول استحقاق فعلي تواجهه الدولة أمام شعبها وقواها السياسية والاجتماعية”.
رغم ما حملته البرامج الانتخابية من مناخ إيجابي وصحي، بنظر كثير من السوريين الذين اعتبروها خطوة مهمة على طريق الديمقراطية، يؤكد آخرون أنها تعكس أيضاً، حقيقة الترشيح والتعريف بطبيعة المواجهات السياسية، وقدرة المرشح على اختيار الملفات المهمة وإدارتها واستعداده للممارسة السياسية.
———————————
قراءة في انتخابات مجلس الشعب الانتقالي/ د. عبد المنعم حلبي
2025.10.02
مع انطلاق مسار الانتخابات غير المباشرة لمجلس الشعب الانتقالي في سوريا، عجّـت وسائل التواصل الاجتماعي بالبرامج الانتخابية للمرشحين، والتي غَلَب عليها الكثافة في الأهداف، أو طُرِّزت بالوعود العامة التي لا تحمل خطط عمل واقعية، أو معايير للمتابعة والمحاسبة الشعبية. كما ظهر أغلبها مُفتقراً للرؤية والهوية السياسية، أو الاقتصادية، أو الثقافية، الواضحة، أو أي طرح قابل للعمل الجماعي المستقبلي الذي تتطلبه الحدود الدنيا من العمل النيابي السليم سياسياً.
وفي ظل غياب الأحزاب السياسية، ووجود طريقة انتخابية غير مباشرة، تحوّل المشهد إلى تنافس بين أفراد يقدّم كل منهم نفسه عبر قائمة مطوّلة من الأهداف التي لا يملك أصلاً الوسائل لتحقيقها، ويغيب عن كثير منها احتياجات المواطن السوري الأساسية، المواطن الذي تأكد عدم اهتمامه بالخطب الطويلة ولا بالوعود الشاملة، بقدر ما يحتاج إليه من وضوح صريح بالارتباط بواقعه الصعب معيشياً، هذا المواطن الذي قد لا يجد وازعاً أو وقتاً في قراءة صحيفة منمقة، أشبه ببروشور تسويقي لسلعة ذات استخدامات لا تخصه.
وعلى ما يبدو، فإن قلة قليلة من المرشحين وعَوا أن الاقتصار على هدف أو هدفين فقط لا يعني التبسيط المُخلِّ بإرادة الإنجاز، بل يعني التركيز والواقعية والارتباط بأولوية يراها ضرورية لبيئته ومجتمعه وبلده. فمن يَعِد بتحقيق العدالة الانتقالية، ومحاربة الفساد، وتحسين الكهرباء، والتعليم، والصحة، والاستثمار، والأمن الاجتماعي، في آن واحد، إنما يقدّم نفسه كحكومة مصغرة أو حزب طامح بتشكيلها، لا كنائب، في حين أن النائب الناجح هو من يعرف حدوده، ويحدد ملفاً أو ملفين يخوض فيهما معركة انتخابية، ثم تشريعية ورقابية حقيقية. هذا الملف يمكن أن يكون إصلاح التعليم الأساسي حيث تشير الأرقام إلى أن نحو مليون ونصف مليون طفل خارج مقاعد الدراسة، أو ملف الكهرباء حيث ما زال المواطن يعاني من انقطاعات تصل إلى عشرين ساعة يومياً، أو ملف الشفافية المالية في بلد خسر وقد يخسر عشرات المليارات من الليرات، وربما بالدولار، في عقود غير مُحكَّمة. مثل هذه الأهداف الواقعية تجعل من السهل على الناخب في الهيئة الناخبة، أو المواطن، أن يسائل ممثله لاحقاً: ماذا فعلت في هذا الملف؟ وما الذي أنجزته؟
إضافة إلى ذلك، فإن غياب الأحزاب يجعل المرشح الفرد، مهما كانت نواياه وقدراته، عرضة للعزلة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى التفكير في أشكال للعمل الجماعي العابر للمناطقية أو التنسيق المصلحي، حيث يجتمع مرشحون، والنواب فيما بعد، من دوائر مختلفة حول قضايا مشتركة، كالدفع نحو قانون وطني للشفافية المالية، أو تشجيع الاستثمار المحلي لتخفيف معدل البطالة الذي يزيد عن ربع القوة العاملة، أو تطوير تشريعات الطاقات المتجددة لتأمين حاجة البلاد المتزايدة للكهرباء. مثل هذه التكتلات الانتخابية والنيابية لاحقاً، وإن لم تكن أحزاباً، يمكن أن تؤدي وظيفة بديلة وتعيد بعض الروح السياسية إلى الانتخابات والمجلس.
ومع ذلك، يظل هذا التعويض مؤقتاً. فلا حياة سياسية صحية من دون أحزاب حقيقية، قادرة على صياغة برامج عميقة تتجاوز الأفراد والدورات الانتخابية. الأحزاب هي ضامن أساسي لانتقال السياسة من الشخصنة إلى المؤسساتية، ومن الوعود الفردية إلى الرؤى الجماعية، من خلال دورها الجوهري في ترشيح من تراه مؤهلاً للعمل في الإدارات العامة وتحمل المسؤولية السياسية والاجتماعية، وربما القانونية، عن ذلك الترشيح. فمن دون عودة الأحزاب وفق قانون عصري يتيح التعددية والمنافسة، ستبقى التجربة الانتخابية ناقصة، مهما حَسُنت نيات الأفراد وتنوعت مهاراتهم.
الشفافية هنا تشكل ركناً أساسياً أيضاً. فلن يكون مجلس الشعب قادراً على استعادة الثقة من دون أن يفتح أبوابه للرأي العام، بدايةً عبر نشر جلسات العملية الانتخابية، ثم محاضر جلساته، وجداول أعماله، وكيفية تناول العقود الكبرى، وميزانيات المؤسسات العامة بلا استثناء. والإعلام بدوره يجب أن يتجاوز دور التغطية الاحتفالية إلى الرقابة الحقيقية، فيتابع العملية الانتخابية ثم النيابية من جميع زواياها، ويُسلِّط الأضواء على أداء النواب، ويمنح المواطن فرصة لمساءلتهم علناً. فالصحافة الحرة والإعلام المسؤول شرط من شروط سلامة وشرعية العملية برمتها وليست عبئاً عليها.
وإذا وضعنا هذا كله في السياق السوري الراهن، بعد عشرة شهور على سقوط النظام السابق وتشكّل الحكومة الانتقالية، ندرك أن البلاد تمر بلحظة اختبار حقيقية. فملفات العدالة الانتقالية لم تُحسم طريقة معالجتها بعد، ولا تزال القضايا الخلافية حول اللامركزية والعلاقة مع القوى المحلية عالقة، وفي مثل هذا الظرف يصبح مجلس الشعب المقبل أكثر من مجرد مؤسسة تشريعية؛ إنه امتحان لقدرة السوريين على صياغة عقد اجتماعي جديد. فإذا فشل النواب في تحويل وعودهم إلى أهداف محددة وعمل جماعي منظم، فلن ينظر المجتمع إليهم إلا كنسخة معدلة من مؤسسات الماضي.
إن الطريق إلى مجلس الشعب فعّال ليس عبر التضخيم الإنشائي ولا عبر الشعارات العامة، بل عبر التركيز على أهداف واقعية محددة، وبناء تكتلات جماعية تعوّض غياب الأحزاب، والعمل في الوقت نفسه على استعادة حياة سياسية طبيعية تقوم على التعددية الحزبية والشفافية والإعلام المسؤول. هكذا فقط يمكن للمجتمع السوري أن يجد في الانتخابات خطوة جادة نحو المستقبل، لا مجرد باعث جديد لخيبات الأمس، مجلس شعب نُصفق له، وليس مجلس مصفقين.
————————
الحاجة لالتئام شمل العمل السياسي قبل الانتخابات وبعدها/ نزار السهلي
2025.10.02
إزاء انتكاس آمال البعض برؤية استقرار الوضع السياسي والأمني في سوريا ما بعد الأسد، يستعد السوريون لممارسة أول حق دستوري من دون رقابة أمنية، ومن دون سلطة قمعية كان لها الدور الكئيب في تاريخ سوريا لأكثر من نصف قرن، وتُوِّجت بماراثون طويل من المذابح والأحزان التي خلّفت آلاماً هائلة لدى معظم المجتمع السوري.
صحيح أن حقبة الأسد انتهت رسمياً في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، وتبوأت مقاليد الحكم سلطة الرئيس أحمد الشرع لفترة انتقالية، وتم التوافق على صياغة دستور جديد، ثم تعيين موعد انتخابات لمجلس النواب ليكون صوت الشعب وعينه وضميره، لكن السؤال الذي ما زال يشغل السوريين يتمحور حول قضية واحدة بعد كل هذا الذي جرى: هل زال الخطر حقيقة عن مجتمع يئن تحت أزمات التشظي والتهجير وآثار الدمار الواسع؟ ومن هذا السؤال تبرز مجموعة ضخمة من الهواجس: هل انتهى الأسوأ سورياً فعلاً عند حد إسقاط نظام الأسد وفراره؟ هل تحصّن المجتمع السوري حقاً من جرثومة “الطائفية” ومخاطر الانزلاق نحو حرب أهلية؟ وهل تكفي عملية اقتراع نواب الشعب لضمان تبديد هواجس كثيرة أم أنها محاولة لترقيع الثوب الذي اهترأت قماشته؟ وما العمل في حال عدم صحة طرح هكذا أسئلة؟
الأسئلة كثيرة، وكلها تعكس حالة مضنية من القلق والخوف من المستقبل. ومما زاد من حدّة هذه المشاعر أن الطريقة التي يُسدل بها الستار على عيوب كثيرة من أداء السلطة الحالية، في مواجهة تحديات وأحداث داخلية وخارجية، تقوم على تهميش البعد السياسي والاجتماعي الذي تمثله افتراضاً قوى وأحزاب سياسية ومدنية.
وبذلك يُحرم السوريون من فرصة استخلاص العِبر من المحرقة التي خاضوها مع الاستبداد الأسدي، وبالتالي الاستفادة من دروسها المرعبة لضمان عدم تكرارها في المستقبل. فما فعلته السلطة الجديدة أنها تحاول لفلفة كل ملفات حقبة النظام المخلوع وما استجد بعدها بطريقة “عفا الله عمّا سلف”.
وإذا كان الخطاب الرسمي السوري لم يجرؤ على التصدّي لواجب تصفية المرحلة السابقة، بمعنى زوال القهر الكلي والظلم، وإرساء حرية التعبير، وتمكين العمل السياسي لقوى سورية مختلفة على أرض الواقع، فإن العديد من المفكرين السوريين امتلكوا من الشجاعة ما مكّنهم من القيام بمحاولات للخوض في هذه المهمة العسيرة. بعضهم كان موضوعياً، وآخرون حاولوا ونجحوا جزئياً، في حين لم يُوفَّق آخرون وفشلوا بسبب طروحات شوفينية انفصالية وتحريضية وطائفية تميل إلى تضخيم دور السلطة الحالية في تحمّل مسؤولية خطايا وكوارث الحقبة الأسدية.
بالطبع لن ندافع هنا عن أخطاء ارتكبتها السلطة الجديدة في دمشق واعترفت بمسؤوليتها، بل ربما لن نستطيع في هذه العجالة الرد على تنظيرات جديدة تحاول تقديم نسخة منقّحة من تاريخ حقبة نظام الأسدين. فقط سنحاول استخلاص بعض أبرز الدروس التي يتوجب على السوريين الانتباه إليها وقراءتها والتأكد مما إذا كانوا قد استفادوا منها، سواء من هم في السلطة أو من يعارضها:
الدرس الأول يتعلق بأهمية الدور الذي لعبه المجتمع السوري في نضاله المرير ضد الاستبداد والفساد والظلم والقهر. وهنا نشير إلى أن كل محاولات الحقبة الأسدية نزع صفة الأهلية والمواطنة بعدم قدرة السوريين على قيادة مجتمعهم ووطنهم بطريقة ديمقراطية وفعّالة قد انتهت. ويجب الاقتناع بذلك من خلال خوض المعركة السياسية لأحزاب وشخصيات وطنية سورية للوصول إلى برلمان يمثّل الشعب ومصالحه بشكل حقيقي، عبر تقديم أحزاب سياسية برامجها العملية للشعب، وفي الوقت نفسه استجابتها للتركيبة الاجتماعية والسياسية للسوريين ولمّ شملها بالمعنى الحقيقي. لأن حقبة التهريج والتصفيق وتأليه الحاكم وتنزيه سلوكه قد انتهت، وحان دور المراقبة والمحاسبة لأداء السلطة.
الدرس الثاني يتعلق بعلاقة السلطة بتشريع دستور يستند إلى المواطنة والديمقراطية والعدالة، وأن تكون وظيفة مجلس الشعب أو نوابه القيام بمهمة تاريخية في البحث عن أفضل الوسائل لمنع الاستبداد، وإشاعة حرية عمل الأحزاب السياسية، ودفن الطائفية باعتبارها مقتل الديمقراطية والمواطنة، التي تُفقد المجتمع السوري طبيعته المتميزة وعلاقته الداخلية ومع محيطه. ومن المؤكد أن النظام السابق أراد لسوريا أن تظل في الموقع السلبي إلى درجة اللامبالاة والسخرية والتهميش للمسألة الديمقراطية والمحاسبة والمواطنة والحريات. فمسألة مجلس نواب الشعب وعمله الجديد يُفترض أن تعاملا الشعب السوري كمصدر للسيادة، من خلال ممارسته لها بحرية الاختيار والتعبير وحرية الوصول إلى المعلومات، لتصبح الحرية الاجتماعية والسياسية معرفة بمجموعة حقوق.
الدرس الأخير ينبثق من سابقه، ويتلخّص في أن مشكلات السوريين مرتبطة بوضعهم الداخلي والإقليمي. وسوريا لا تستطيع الهرب من جغرافيتها، فهي مجبرة على التكيف معها. لكن ذلك لا يُحل فقط بإجراء انتخابات لمجلس النواب، بل بالحاجة الضرورية والملحّة لالتئام شمل العمل السياسي والاجتماعي في سوريا من دون منطق الأكثرية والأقلية، بل عبر أنظمة وقوانين تنطلق من مبادئ عامة تحتكم إلى دستور يخضع له الطرفان معاً، بحيث تكون لدى كلٍّ منهما القدرة على وضع حدود للآخر.
وعندها تصبح المساءلة والمحاسبة ممكنتين. فالتئام شمل العمل السياسي في سوريا يسهم في التئام كثير من الجراح، ولانتخاب حقيقي لنواب كل الشعب على الأسس المذكورة، لأن السوريين في النهاية ينظرون إلى البرلمان المنتظر بوصفه فرصة لتمثيل قيم تنصف كل فئاتهم الشعبية والاجتماعية وإشراكهم في الحكم وصناعة القرار. ومن خلال تعزيز هذه الممارسة تترسخ فكرة ما بعد التحرر من الاستبداد لتأسيس عدالة وحرية وديمقراطية وتعددية حزبية وسياسية، وبصفة كل ذلك مكوناً أساسياً من مكونات البناء الديمقراطي، وهي التي يجب أن يتمتع بها ممثلو شعب يقر بجاهزية السوريين لمحاسبة أي سلطة ومراقبتها، ولتداول السلطة بشكل سلمي، والجاهزية للانتقال الديمقراطي والإصلاح ولمبدأ المحاسبة والشفافية كحالة تشارك وتعايش وتوازن تحفظ مكتسبات الخلاص من الطاغية، وتؤسس لسوريا المواطنة والعدالة والديمقراطية والحرية لكل أبنائها المنتظرين لمّ شمل مع مواطنتهم.
تلفزيون سوريا
————————-
كيف يُتوقع أن تسير أول انتخابات سورية منذ الإطاحة بالأسد؟
يتألف مجلس الشعب من 210 مقاعد… يُنتخب ثلثاها الأحد والثلث الآخر بالتعيين
بيروت – لندن: «الشرق الأوسط»
2 أكتوبر 2025 م
تُجري سوريا انتخابات برلمانية يوم الأحد المقبل، وذلك لأول مرة منذ سقوط الرئيس السوري بشار الأسد الذي أطاح به هجوم شنته المعارضة في ديسمبر (كانون الأول).
وخلال حكم آل الأسد الذي دام 50 عاماً جرت انتخابات دورية شارك فيها جميع المواطنين السوريين. لكن عملياً، هيمن حزب البعث بقيادة الأسد على البرلمان دائماً، واعتُبرت هذه الانتخابات على نطاق واسع انتخابات صورية.
مع ذلك، لن تكون الانتخابات التي ستُجرى الأحد عملية ديمقراطية بالكامل، بل سيتم التصويت على معظم مقاعد مجلس الشعب من خلال هيئات انتخابية في كل دائرة، في حين سيتم تعيين ثلث المقاعد مباشرةً من قِبل الرئيس أحمد الشرع.
يقول تقرير لوكالة «أسوشييتد برس»، إنه بالرغم من أن هذه الانتخابات ليست تصويتاً شعبياً، فمن المرجح أن تؤخذ نتائجها مقياساً لمدى جدية السلطات في التعامل مع قضية الشمول، وخاصة فيما يتصل بالنساء والأقليات.
كيف تسير الانتخابات؟
يتألف مجلس الشعب من 210 مقاعد، سيتم انتخاب ثلثَيها يوم الأحد، والثلث الآخر بالتعيين. ويتم التصويت من قبل هيئات انتخابية في جميع أنحاء البلاد، مع توزيع عدد مقاعد كل منطقة حسب عدد السكان.
صحافيون يلتقطون صوراً داخل قاعة مجلس الشعب في دمشق قبيل انتخابات أعضاء مجلس الشعب في الخامس من أكتوبر الجاري (أ.ف.ب)
صحافيون يلتقطون صوراً داخل قاعة مجلس الشعب في دمشق قبيل انتخابات أعضاء مجلس الشعب في الخامس من أكتوبر الجاري (أ.ف.ب)
نظرياً، ينبغي أن يصوت ما مجموعه 7000 عضو من أعضاء الهيئة الانتخابية في 60 منطقة – جرى اختيارهم من بين مجموعة من المتقدمين في كل منطقة من قبل لجان معينة لهذا الغرض – على 140 مقعداً.
ومع ذلك، فقد تم تأجيل الانتخابات في محافظة السويداء وفي المناطق الشمالية الشرقية التي تسيطر عليها «قوات سوريا الديمقراطية» بقيادة «الإدارة الذاتية» الكردية، إلى أجل غير مسمى بسبب التوترات بين السلطات المحلية في تلك المناطق والحكومة المركزية في دمشق، مما يعني أن تلك المقاعد ستبقى شاغرة.
من الناحية العملية، سيصوت نحو 6000 عضو من أعضاء الهيئة الانتخابية في 50 منطقة لنحو 120 مقعداً. وأكبر دائرة انتخابية هي تلك التي تضم مدينة حلب، حيث سيصوت 700 عضو من أعضاء الهيئة الانتخابية لشغل 14 مقعداً، تليها مدينة دمشق، حيث سيصوت 500 عضو لشغل 10 مقاعد. وجميع المرشحين من أعضاء الهيئات الانتخابية.
بعد الإطاحة بالأسد، حلت السلطات المؤقتة جميع الأحزاب السياسية القائمة، والتي كان معظمها مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بحكومة الأسد، ولم تضع بعد نظاماً لتسجيل الأحزاب الجديدة؛ لذا يترشح جميع المرشحين كأفراد.
لماذا لا يوجد تصويت شعبي؟
تقول السلطات السورية إنه سيكون من المستحيل إنشاء سجل دقيق للناخبين وإجراء تصويت شعبي في هذه المرحلة؛ نظراً لأن ملايين السوريين نزحوا داخلياً أو خارجياً بسبب الحرب الأهلية التي استمرت قرابة 14 عاماً في البلاد، وفقد الكثير منهم وثائقهم الشخصية. وستكون مدة ولاية هذا البرلمان 30 شهراً، ومن المفترض أن تُمهّد الحكومة خلالها الطريق لإجراء تصويت شعبي في الانتخابات المقبلة. وقد أثار غياب التصويت الشعبي الانتقادات لكونه غير ديمقراطي، لكن بعض المحللين يقولون إن أسباب الحكومة مشروعة. من هؤلاء بنيامين فيف، كبير محللي الأبحاث في شركة «كرم شعار» الاستشارية التي تركز على سوريا؛ إذ يقول: «لا نعرف حتى عدد السوريين في سوريا اليوم» بسبب العدد الكبير من النازحين. وأضاف: «سيكون من الصعب حقاً وضع قوائم انتخابية اليوم في سوريا»، أو ترتيب اللوجستيات اللازمة للسوريين في الشتات للتصويت في بلدان إقامتهم.
وقال حايد حايد، الباحث البارز في «مبادرة الإصلاح العربي» ومركز «تشاتام هاوس للأبحاث»، إن أكثر القضايا إثارة للقلق هي عدم وجود معايير واضحة لاختيار الناخبين. وأضاف: «خاصةً عندما يتعلق الأمر باختيار اللجان الفرعية والهيئات الانتخابية، لا توجد رقابة. والعملية برمتها معرضة للتلاعب». وكانت هناك اعتراضات واسعة النطاق بعد أن «حذفت السلطات الانتخابية أسماءً من القوائم الأولية التي نُشرت، ولم تقدم معلومات مفصلة عن سبب حذف تلك الأسماء»، كما قال.
أسئلة حول الشمولية
لا توجد حصة محددة لتمثيل المرأة والأقليات الدينية أو العرقية في البرلمان. وكان مطلوباً أن تشكل النساء نسبة 20 في المائة من أعضاء الهيئة الانتخابية، لكن هذا لا يضمن أن يشكلن نسبة مماثلة من المرشحين أو المنتخبين.
وكانت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، قد نقلت عن رئيس اللجنة الوطنية للانتخابات، محمد طه الأحمد، أن النساء شكلن 14 في المائة من أصل 1578 مرشحاً وصلوا إلى القوائم النهائية. وفي بعض الدوائر الانتخابية تشكل النساء 30 أو 40 في المائة من إجمالي المرشحين، في حين أنه في دوائر أخرى لا توجد مرشحات.
في غضون ذلك، أثار استبعاد محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية، والمناطق التي يسيطر عليها الأكراد في الشمال الشرقي، بالإضافة إلى عدم وجود حصص محددة للأقليات، تساؤلات حول تمثيل المجتمعات التي لا تُشكل جزءاً من الأغلبية القومية العربية السنية.
وتُعد هذه القضية حساسة بشكل خاص بعد اندلاع أعمال العنف الطائفي في الأشهر الأخيرة، والتي قُتل فيها مئات المدنيين من الأقليتين العلوية والدرزية، وكثير منهم على يد مقاتلين تابعين للحكومة.
لكن فيف أشار إلى أن الدوائر الانتخابية قد رُسمت بطريقة تُنشئ دوائر انتخابية للأقلية والأغلبية. وقال: «كان بإمكان الحكومة فعله لو أرادت الحد من عدد الأقليات؛ بدمج هذه الدوائر أو هذه المناطق مع الدوائر ذات الأغلبية السنية»، و«كان بإمكانهم في الأساس إغراق الأقليات، وهو ما لم يفعلوه».
وأشار المسؤولون أيضاً إلى أن ثلث أعضاء البرلمان سيعيّنه الشرع مباشرةً كآلية لـ«ضمان تحسين شمولية الهيئة التشريعية»، كما قال حايد الذي أضاف أن الفكرة هي أنه إذا انتخبت الهيئات الانتخابية عدداً قليلاً من النساء أو الأقليات، فسيُدرج الرئيس نسبة أعلى في اختياراته.
وتابع حايد أن نقص تمثيل السويداء والشمال الشرقي لا يزال يُمثل مشكلة، حتى لو عيّن الشرع أعضاءً من تلك المناطق، وأضاف: «الخلاصة هي أنه بغض النظر عن عدد الأشخاص الذين سيتم تعيينهم من تلك المناطق، فإن الخلاف بين سلطات الأمر الواقع ودمشق حول مشاركتهم في العملية السياسية سيظل قضية رئيسية».
الشرق الأوسط
————————-
سوريا تؤسس برلماناً جديداً. ديمقراطية حقيقية أم فرض الهيمنة؟
كاثرين شير
02 تشرين الأول 2025
بعد عقود من الديكتاتورية والحرب الأهلية، تُجري سوريا أول انتخابات لها هذا الشهر. لكن لن يُصوّت جميع السوريين، ولن تكون هناك أحزاب سياسية أو حملات انتخابية. فكيف ستُجرى هذه الانتخابات التاريخية؟ وما أهميتها لمستقبل سوريا.
تُجري في سوريا أول انتخابات نهاية هذا الشهر، بعد أكثر من أربعة عقود من الديكتاتورية، وعقد من الحرب الأهلية. لكن عملية انتخاب برلمان سوري جديد ليست بالبسيطة، ويُثار الكثير من الجدل حولها.
عملية معقدة
لن يذهب كل السوريين إلى صناديق الاقتراع، ولن تكون هناك أحزاب سياسية أو ملصقات انتخابية. عوض ذلك، ستُدلي مُختلف اللجان بأصواتها، ولهذا السبب تُوصف أول انتخابات في البلاد بعد الديكتاتورية بأنها “غير مباشرة”.
في بيانٍ لها نهاية يونيو/حزيران، أوضحت الحكومة السورية المؤقتة أن “الواقع في سوريا لا يسمح بإجراء انتخابات تقليدية، نظرًا لوجود ملايين النازحين داخليا وخارجيا، وفي ظل غياب الوثائق الرسمية، وهشاشة البنية القانونية”. ولهذا السبب، ستُجرى عملية انتخاب مجلس الشعب الجديد على عدة مراحل.
عيّنت الحكومة السورية المؤقتة لجنة عليا لانتخابات مجلس الشعب، مؤلفة من 11 عضوا، للإشراف على الانتخابات منذ يونيو/حزيران.
وبدورها، عيّنت اللجنة العليا ما يُعرف باللجان الفرعية للانتخابات في الدوائر الانتخابية الـ 62 في سوريا. يُفترض أن تُوزّع الدوائر حسب عدد السكان، ولذلك يضم بعضها أكثر من مقعد واحد.
في الخطوة التالية، تُعيّن اللجان الفرعية في الدوائر المختلفة ما بين 30 و50 شخصا بشكل مباشر لتمثيل كل مقعد في دائرتها. سيشكل هؤلاء الأشخاص “هيئة انتخابية”، أي مجموعة من الناخبين المكلفين باختيار أعضاء البرلمان.
عند تعيين هؤلاء الأفراد، يُفترض أن تراعي اللجان الفرعية خصائص مختلفة، بما في ذلك المؤهلات مثل الشهادات الجامعية والمهن، و”النفوذ الاجتماعي”، أي الأشخاص النشطين والمعروفين في مجتمعاتهم، كما سيراعى التنوع، بالإضافة إلى ضمان أن تشمل المجموعة النازحين وذوي الإعاقة والسجناء السابقين.
إلى جانب صفات أخرى مثل السن والجنسية، يجب ألا يكون أعضاء الهيئة الانتخابية منتمين للنظام السابق، إلا إذا انشقوا خلال الحرب الأهلية، وألا يكونوا في قوات الأمن، أو لديهم سجل جنائي. يجب أن تكون نسبة 20% من أعضاء الهيئة الانتخابية من النساء.
بمجرد اختيارهم، من المفترض أن يبلغ عدد أعضاء الهيئة الانتخابية بأكملها، في جميع أنحاء سوريا، ما بين 6000 و7000 شخص.
مخاوف بشأن هيمنة السلطة الرئاسية
بحسب وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، نُشرت القوائم النهائية للمرشحين في 18 سبتمبر/أيلول. وأمام أي فرد من الجمهور الآن ثلاثة أيام للطعن في أي من المرشحين الذين لا يرى ضرورة لتواجدهم.
بعد فحص ملفات أعضاء الهيئة الانتخابية، سيخوض البعض منهم حملات انتخابية لمقاعد مجلس الشعب. لا توجد أحزاب سياسية، والحملات الانتخابية غير علنية، إذ من المفترض أن تستغرق أسبوعا وتجري فقط بين أعضاء الهيئة الانتخابية.
وفي يوم الانتخابات، ستصوت الهيئة الانتخابية بأكملها لاختيار 121 عضوا في البرلمان السوري الجديد من بين أعضائها. وقد تم تأجيل العملية الانتخابية بالفعل، حيث أوضح المسؤولون أن عددا كبيرا من المرشحين كانوا حريصين على الانضمام إلى الهيئة الانتخابية، لكنهم يقولون إن عملية التصويت من المقرر أن تكتمل بحلول نهاية سبتمبر/أيلول.
في البداية، كان هناك 140 مقعدا مطروحا للانتخابات، لكن التصويت أُجّل في عدة مناطق من سوريا مثل محافظة السويداء، التي تهيمن عليها الأقلية الدرزية، وفي أجزاء من الرقة والحسكة، التي تسيطر عليها الأقلية الكردية. هذا يعني أن حوالي 19 مقعدا، لن يتم التصويت عليها هذا الشهر.
أعلنت الحكومة الانتقالية السورية تأجيل الانتخابات في تلك المناطق لأسباب أمنية، ففي الأشهر الأخيرة، شهدت هذه المناطق عنفا طائفيا بين الطوائف، قُتل خلاله المئات، حسب منظمات حقوقية. لكن في الواقع، أُجّلت الانتخابات لأن الحكومة السورية لا تسيطر فعليا على تلك المناطق، الدروز والأكراد هم من يسيطرون عليها.
بعد انتهاء العملية الانتخابية، سيُضاف 70 مقعدا آخر إلى البرلمان الجديد. لكن هؤلاء البرلمانيين سيُنتخبون مباشرة من قِبل الرئيس الانتقالي للبلاد، أحمد الشرع، وهو قائد ميليشيات إسلاموية سابق تولى المنصب بعد أن قادت ميليشياته، هيئة تحرير الشام ، حملة الإطاحة بالديكتاتور بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول الماضي.
الخلافات والصراعات
هناك جوانب إيجابية للعملية الانتخابية، كما كتب المحلل السوري حايد حايد، الذي أشار إلى أن “العملية الانتخابية تُدخل تحسينات متواضعة لكنها ذات مغزى، فمن خلال مراحل تشاورية متعددة، وآليات للاستئناف، وخطوات لزيادة مشاركة المرأة”. كما دُعي مراقبون دوليون لمراقبة العملية.
وأضاف حايد أن اللجنة العليا أكثر تنوعا من المبادرات الأخرى، ولا تخضع لسيطرة أعضاء هيئة تحرير الشام. لكن العملية أيضا “يطغى عليها غموض هيكلي وتساؤلات عالقة”، حسب المتحدث الذي يرى أن هذا قد يؤدي إلى فقدان ثقة المجتمع.
وتشير التقارير الإعلامية من داخل سوريا إلى أن العديد من السوريين يُقرون باستحالة إجراء انتخابات مباشرة في الوقت الحالي. وأظهر استطلاع رأي حديث أجراه المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، ومقره قطر، بين منتصف يوليو ومنتصف أغسطس، أن 57% من حوالي 4000 سوري شملهم الاستطلاع يرون أن الوضع السياسي إيجابي.
لكن سوريين آخرين كانوا أكثر انتقادا للأوضاع، قائلين إن العملية المُدارة بشكل مكثف هي مجرد “مسرحية” سطحية، ووسيلة لإضفاء الشرعية على الحكومة الانتقالية دون السعي إلى توافق حقيقي أو ديمقراطية حقيقية.
وكان من أشد منتقدي هذه الانتخابات أفراد من الأقليات السورية. ففي الأسابيع الأخيرة، نشر ممثلون عن مختلف الأقليات رسائل أو بيانات تنتقد العملية، واصفين إياها بغير الشرعية.
وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، نشرت 14 منظمة مجتمع مدني سورية مختلفة ورقة موقف توصي بإجراء تغييرات على العملية، بحجة أن جوانب مختلفة من الانتخابات تمنح الرئيس الشرع سيطرة مفرطة على كل من العملية الانتخابية ومجلس الشعب الناتج عنها.
بموجب الدستور السوري المؤقت، لا يمكن نقض المراسيم الرئاسية إلا بأغلبية الثلثين في مجلس الشعب. ولهذا السبب، يكتسب المسؤولون السبعون المنتخبون الذين اختارهم الشرع مباشرة أهمية بالغة، فإذا كانوا يمثلون مصالحه فقط، فسيكون من الصعب جدا الحصول على أغلبية الثلثين للتحرك ضده في البرلمان.
وُجهت انتقادات أيضا لدور مجلس الشعب الجديد عند انتخابه، الذي ستكون مهمته الرئيسية إصلاح مجموعة من القوانين القديمة، وإصدار قوانين جديدة، وصياغة دستور جديد، بالإضافة إلى التحضير لانتخابات مباشرة خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة.
ترجمته للعربية: ماجدة بوعزة
تحرير: عبده جميل المخلافي
—————————————–
الانتخابات في سوريا: خطوة نحو التغيير أم إعادة إنتاج الواقع؟
بعد إسقاط نظام الأسد تستعد سوريا لجولة جديدة من الانتخابات البرلمانية وسط أجواء يطغى عليها الجدل السياسي والاجتماعي. وهناك من يراها فرصة لإعادة تنشيط الحياة السياسية، ومن يشكك بجدواها في ظل الأوضاع الراهنة.
أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع في 13 يونيو/ حزيران الماضي المرسوم رقم (66) الذي شكل اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب برئاسة محمد طه الأحمد. ونص على تشكيل المجلس الجديد خلال 60 إلى 90 يوما، باعتماد نظام انتخابي مؤقت وغير مباشر، وتم تحديد تاريخ 5 أكتوبر المقبل لإجراء انتخاب أعضاء مجلس الشعب في الدوائر الانتخابية المقررة في المحافظات السورية.
ويتكون المجلس من 210 أعضاء، يُعين ثلثهم مباشرة من قبل الرئيس، بينما يُنتخب الباقون عبر هيئات ناخبة تشكلها اللجان الفرعية، علماً أن المجلس خلال هذه الولاية يتولى مهمات تشريعية واسعة تشمل اقتراح القوانين وتعديلها، المصادقة على المعاهدات الدولية وإقرار الموازنة العامة والعفو العام وغيرها.
تحضيرات العملية الانتخابية
الدكتور نوار نجمة عضو اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب والمتحدث الإعلامي يقول لـ DW عربية: “نقوم بتحضيرات مهمة للعملية الانتخابية في مراكز الاقتراع في كل مناطق سوريا، إضافة لاستعدادات أمنية لضمان الأمن بشكل جيد لجميع الناخبين، إلى جانب تحضيرات لإجراء مناظرات انتخابية بين المرشحين”.
ويؤكد نجمة على حفظ سجلات الناخبين بشكل آمن وخضوعها بدقة لسيطرة اللجان الفرعية واللجنة العليا للانتخابات، مع وجود مراقبين من نقابة المحامين في مراكز الاقتراع، بحيث ينتدب محام من النقابة للتواجد في كل مركز اقتراع.
أما عن دور المنظمات الدولية فتؤكد اللجنة أنه سيكون توعويا وتدريبيا، ولم يتخذ أي قرار حتى الآن لتولي مهمة مراقبة الانتخابات من قبل المنظمات الدولية.
وأشار نجمة إلى إمكانية الطعن في نتائج الانتخابات من قبل لجان الطعون، وذلك على آلية الفرز والتصويت، وكل ما يتعلق بالعملية الانتخابية، كما تم فتح المجال لإمكانية الطعن على اختيار أعضاء الهيئات الناخبة لمدة ثلاثة أيام .
أما بالنسبة لمدن السويداء والرقة والحسكة فقد تم تأجيل الانتخابات في تلك المناطق بحسب ما صرح به نجمة، لأنها لا تخضع لسيطرة حكومة دمشق، فيما تم تشكيل لجان فرعية في بعض مناطق محافظتي الحسكة والرقة الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية فقط، وذلك استجابةً لرغبة الأهالي، ولكون اللجنة تستطيع أن تعمل فيها بشكل مستقل ونزيه.
أما الانتخابات في السويداء فما تزال مؤجلة وأضاف: “نحمل مسؤولية عدم مشاركة بقية المناطق للقوات العسكرية التي تسيطرعليها، لأنها تحرم المواطنين من حقهم في الانتخاب والمشاركة الوطنية والسياسية في هذا الاستحقاق الهام خلال المرحلة الانتقالية.
الصحفية والناشطة الحقوقية وإحدى المرشحات لعضوية مجلس الشعب جيهان الخلف من مدينة دير الزور تقول: ” الشباب السوريين فقدوا الثقة بالعمل السياسي خلال فترة حكم نظام الأسد، حيث كنا نعيش نوعاً من التصحر السياسي لعدم السماح بالمشاركة السياسية حتى للمرأة والشباب، وعدم تكافؤ فرص الوصول الى مراكز صنع القرار، حتى الجهة السياسية اللي كانت تمثل الثورة كانت أجندات فرضت من الخارج على الشعب السوري”.
وتلفت الخلف أنه بعد إسقاط نظام الأسد هناك إقبال على الترشح لعضوية مجلس الشعب، وهذا يدل على رفع الوعي السياسي لدى الشباب السوري وأهمية المشاركة في صنع القرار، وتكافؤ الفرص للوصول الى انتخابات ديمقراطية حقيقية .
البرنامج الانتخابي للخلف يتضمن دعم المرأة وأسر الشهداء والمعتقلين والتعليم والقطاع الزراعي وإلغاء القوانين المجحفة ورفع مستوى معيشة المواطن السوري وإعادة إعمار البلاد.
وعن ذلك تقول الخلف: “برنامجي الانتخابي سيكون داعم للمرأة، والأولوية لزوجات الشهداء والمفقودين والمعتقلين وأبنائهم، مع ضرورة استصدار القوانين اللي تدعم المرأة، ودعم قطاع التعليم وإعادة إعمار البنى التحتية، ودعم المعلم ورفع مستواه المعيشي، مع ضرورة أن يكون التعليم إلزامي في جميع المراحل ومجاني، إلى جانب دعم الفلاح السوري وتقديم كل الإمكانات اللازمة لنجاح الزراعة في سوريا”.
بين التغيير واستمرار الواقع
تباينت توقعات الشارع السوري، فالبعض يأمل أن تفضي الانتخابات إلى تغييرات ملموسة في الحياة اليومية، فيما يرى آخرون أن النتائج لن تحمل جديداً، وأن الواقع سيبقى على ما هو عليه.
الكاتب والصحفي السوري أحمد مظهر سعدو يقول: ” من الطبيعي أن تتحرك الحكومة الجديدة نحو مأسسة الدولة بشكل عام، ومنها بالضرورة إيجاد مجلس تشريعي تحتاجه العملية الانتقالية برمتها ولايمكن المسير بدونه .”
أما عن نزاهة الانتخابات فيضيف: “أعتقد أن إرث نظام الاستبداد لا بد أن يؤثر ويترك ذيوله، لذا يحتاج المجتمع السوري إلى سنوات طوال من العمل والجهد كي نخرج من عنق الزجاجة، ومن الممكن أن يشوب المسألة بعض الهنات هنا وهناك”.
يشير سعدو أن نجاح هذه الانتخابات غير المباشرة يحتاج إلى الشفافية والنزاهة، ولكن هي مرحلة مؤقتة والمؤقت لايمكن أن يكون دائماً، ومع ذلك هي تجربة قد تنجح وقد لا تنجح، والأهم منها هو ما بعدها من تأسيس لمرحلة وطنية ديمقراطية تمثل الجميع وعبر انتخابات حقيقية جدية مباشرة وليس كما الآن.
ويلفت سعدو أن التأخير في الانتخابات هو نتيجة طبيعية للارتباك الذي يحصل عادة في المراحل الانتقالية، وبالنظر إلى جملة الإشكالات التي تمثلت سابقاً في تحرك الفلول ثم ماجرى في الساحل وبعده ماحصل من انتهاكات في الجنوب، وما أدى إليه من خروج العفن المتراكم الذي خرب ويخرب الكثير.
ويبين سعدو أن الإقبال الكبير على الترشح نتيجة طبيعية للعطش الذي انتاب المجتمع السوري بعد حالة من التصحر الكبرى جاوزت 54 عاماً من الظلم وتقييد الحريات.
“فقدنا الثقة بمجلس الشعب منذ زمن بعيد”
ويؤكد الكاتب والصحفي السوري أن الآمال المنقعدة على مجلس الشعب الجديد كبيرة وهناك من ينتظر منهم الكثير من العمل والتشريعات الجديدة سواء قانون الإعلام والمطبوعات أو قانون الإدارة المحلية، وكثير من التعديلات على قوانين عفا عليها الزمن وعلاها الصدأ.
من جهته سليم الرمضان (51 عاماً) عامل مياوم من مدينة اللاذقية يعلق على الانتخابات دون أن يتوقف عن عمله في البناء: “لقد فقدنا الثقة بمجلس الشعب منذ زمن بعيد، فأي انتخابات ستنجح في ظل هذا الغلاء الذي نعاني منه، والأوضاع المعيشية المتردية .”
ويردف: “لا أستطيع أن أثق بانتخابات مجلس الشعب في ظل الظروف الراهنة، فانتشار الفقر وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق جعل حياتنا في غاية الصعوبة. وبرأيي، إءا لم تُعالج هذه الأوضاع المعيشية أولاً، فلن يكون لأي انتخابات معنى حقيقي أو تأثير ملموس على حياة الناس، وخاصة أن من يصلون إلى البرلمان لا يشعرون بمعاناة الناس”.
إجراءات شكلية
أما حسان تمو (43 عاماً) من المكون الكردي يعلق بالقول: “إن نجاح أي عملية سياسية في سوريا لا يبدأ من صناديق الاقتراع، بل من مشاركة كل المكونات في حوار وطني شامل يفضي إلى حكومة انتقالية ائتلافية، ثم إعداد دستور يعكس التعددية السورية، وبعدها يتم التوجه إلى انتخابات حقيقية تعكس إرادة الشعب، أما في الواقع الراهن فالانتخابات ليست سوى إجراءات شكلية لتشريع سلطة أحادية مركزية، وهو ما يجعلها فاقدة للشرعية .”
وينوه أن المسألة ليست مشاركة الأقليات أو غيرها بقدر ما هي شرعية العملية الانتخابية نفسها، لافتاً أن النظام الانتخابي الحالي لا يضمن تمثيلاً عادلاً، ولا يوفر فرصاً حقيقية للشباب والنساء من الأقليات، فيما يسود العزوف عن المشاركة لغياب الثقة بجدوى العملية.
ويشير تمو أن القضايا التي يجب أن تُحمل إلى أي برلمان مستقبلي هي الاعتراف الدستوري بالتعددية، وضمان الحقوق القومية والثقافية للشعب الكردي والمكونات السورية الأخرى، والانتقال نحو دولة ديمقراطية لامركزية. وأشار أن مستقبل مشاركة الأقليات مرهون بمدى الانتقال من عقلية الإقصاء إلى شراكة وطنية شاملة، وإلا ستظل الانتخابات مجرد غطاء لاستمرار الأزمة وتعميقها.
“ترتيبات هذه المرحلة ربما تحتاج استثنائية كبيرة”
“ما نريده جميعاً، أن يكون المجلس القادم، مجلساً للعمل، وأن يكون برلماناً ينوب فعلاً عن صوت الناس ويطالب بحقوقهم، وأن تكون تجربة الانتخابات لا تشبه سابقاتها التي عشناها طيلة سنوات مضت”، هكذا عبّر الصحفي السوري حيدر مصطفى عن رأيه بالانتخابات، ويشير أن التجربة الآن لها سلبياتها ولها إيجابياتها، فالإيجابية هي أن تسعى إلى تمثيل الأطياف السورية، أما السلبيات تتعلق أولها بتأثرها بوضع البلد، وعدم إمكانية حصول الانتخابات بعدد من المناطق كالحسكة والسويداء، وثانياً أن الحياة السياسية لم تنضج في البلاد بعد، وهذه مشكلة كبيرة.
ويضيف الصحفي السوري بالقول: “نعلم أننا ما زلنا في طور المرحلة الانتقالية، وأن ترتيبات هذه المرحلة ربما تحتاج استثنائية كبيرة، لكن الحكم يكون على النتائج، التجربة ستحصل ستحصل، والاسثتمار فيها ليس خاطئ، ولتكن أولى الخطوات في مسار ودرب طويل للوصول إلى تمثيل أكبر وتنافس أكبر بين القوى السياسية على اختلافها”.
أما الملاحظة الأخرى فتتعلق بشروط الترشيح والتي قضت بحرمان أشخاص ترشحوا في السابق خلال زمن النظام، وهنا كان يجب معايرة الموضوع بطريقة مختلفة، واستثناء الذين ترشحوا مستقلين بدون ارتباطات فعلية بالنظام وأجهزته الأمنية وأن يخضع طلبهم للدراسة، وأن يبقى الحظر على من كانوا يعينون تعييناً أو البعثيين الذين أفشلوا المجلس طيلة عقود.
ويوضح مصطفى بالقول: “البعض الآن يريد ضرب هذه الانتخابات لاعتبارات سياسية، نحن نقول أننا اليوم شركاء في واقع لا يمكن لأحد التعالي عليه، والانخراط به قد يكون ضرورة على كل المستويات لتمرير هذه المرحلة، بما يخدم البلاد وشعبها.”
تتنوع الآراء تجاه انتخابات مجلس الشعب، بين من يراها خطوة ضرورية نحو الاستقرار، ومن يشكك بجدواها وقدرتها على إحداث تغيير يلامس طموحات السوريين وآمالهم بحياة أفضل، ومع اقتراب موعد الاستحقاق، يبقى الحضور الشعبي ومدى التفاعل مع صناديق الاقتراع العامل الحاسم في رسم الصورة الحقيقية للواقع .
——————————-
مجلس الشعب السوري: هل هي انتخابات بالفعل؟
تستعد سوريا في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول لتشكيل أول مجلس شعب منذ الإطاحة بحكم الرئيس السابق بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول العام الماضي. وبينما يراها البعض “بداية حياة سياسية جديدة” – هناك من يشكك بآلية العملية الانتخابية ويصف مجلس الشعب القادم بأنه مجلس “سلطة” جديد.
في منتصف سبتمبر/أيلول أصدرت مجموعة من المنظمات الحقوقية والمدنية وثيقة انتقدت فيها النظام الانتخابي المؤقت، واصفةً المنظومة الانتخابية بأنها تعاني “خللاً بنيوياً عميقاً يجعلها بعيدة عن تحقيق الحد الأدنى من المعايير الدولية للمشاركة السياسية”، وفق بيان صحفي مشترك نشرته المنظمات المشاركة على مواقعها الإلكترونية.
وأصدرت المنظمات الأربع عشرة التي وقّعت على الورقة توصيات للسلطات الانتقالية في دمشق، من بينها إلغاء دور رئيس المرحلة الانتقالية في تعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب، وإعادة تشكيل الهيئات الناخبة بالتشاور مع المجتمع المدني السوري، ومع كافة التيارات والقوى السياسية الفاعلة في مختلف مناطق سوريا.
هذا بالإضافة إلى إلغاء ما وصفته بـ”القيود والعبارات الفضفاضة في شروط الترشيح”، كما طالبت بإنشاء هيئة مستقلة فعلياً عن السلطة التنفيذية للإشراف على العملية الانتخابية، مع إشراف قضائي محايد متعدد الدرجات.
أعضاء اللجان الفرعية التابعة للمفوضية العليا للانتخابات يؤدون اليمين الدستورية في حفل أُقيم في دمشق، سوريا، في 3 سبتمبر/أيلول 2025.
“ليست انتخابات”
الرئيس الانتقالي أحمد الشرع أصدر في 20 أغسطس/آب مرسوماً يقضي بالمصادقة على النظام الانتخابي المؤقت لمجلس الشعب. ووفقاً لوكالة الأنباء الرسمية (سانا)، يفترض أن يضمّ مجلس الشعب (البرلمان) السوري الجديد 210 أعضاء؛ يُعيّن ثلثَهم رئيسُ البلاد ويُنتخب الباقون عبر هيئات تشكّلها لجان فرعية بحسب التوزيع السكاني للمحافظات. ومن المفترض أن يعمل مجلس الشعب الجديد لفترة انتقالية محددة بثلاثة أعوام، يتم في نهايتها إقرار دستور جديد.
البعض رحّب بهذا الإعلان، ووصف المحلل السياسي المقرب من الحكومة عبد الكريم العمر إجراء الانتخابات البرلمانية بأنه “إنجاز يُسجَّل لسوريا شعباً وقيادةً”، مضيفاً أن البلاد أثبتت أنها تستطيع أن “تخرج من تحت الرماد وأن تثبت وجودها في ظل تحديات كبرى تهدد وحدتها وأمنها”.
لا يتفق مع هذا الرأي مروان قبلان، الأكاديمي ومدير وحدة الدراسات السياسية في “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” في قطر، فهو يرى أن العملية الانتخابية “التفافٌ على العملية الديمقراطية”، مشيراً إلى أن الناس العاديين “ليس لديهم رأي بالموضوع”، لذلك يعتبرها قبلان عملية “تعيين” لثلث المجلس بشكل مباشر، وثلثيه بشكل غير مباشر.
يفترض أن يضمّ مجلس الشعب (البرلمان) السوري الجديد 210 أعضاء، يُعيّن ثلثهم رئيس البلاد ويُنتخب الباقون عبر هيئات ناخبة تشكلها لجان فرعية بحسب التوزيع السكاني للمحافظات.
التعليق على الصورة، يفترض أن يضمّ مجلس الشعب السوري الجديد 210 أعضاء، يُعيّن ثلثَهم رئيسُ البلاد ويُنتخب الباقون عبر هيئات ناخبة تشكلها لجان فرعية بحسب التوزيع السكاني للمحافظات
ومن النقاط التي أثارت جدلاً في الأوساط السياسية السورية حصر اختيار المرشحين بلجان فرعية وهيئات ناخبة، تعينها اللجنة العليا للانتخابات، والتي قام الرئيس الشرع بتسميتها أيضاً.
ما يعني عدم قدرة عامة الشعب على اختيار ممثليهم من خلال انتخابات عامة.
المتحدث باسم اللجنة العليا للانتخابات نوار نجمة دافع عن النظام الانتخابي الجديد مبرراً أنه ليس بالإمكان القيام بانتخابات بآلية أخرى بسبب “استحالة إجراء انتخابات مباشرة نتيجة الوضع الديموغرافي للسوريين وحجم النزوح وغياب الأوراق الثبوتية”، ويتابع أن رئيس الجمهورية “مهمته الأساسية سد الثغرات، والتعويض عن أي خلل بالتمثيل ضمن تشكيل الهيئات الناخبة” – في إشارة إلى تعيين الرئيس الانتقالي لثلاثين في المئة من النواب.
ونزح 14 مليون سوري من ديارهم بدءاً من 2011، مع تصاعد حدّة الاقتتال الداخلي بين النظام السابق ومعارضيه، بحسب مفوضية اللاجئين لدى الأمم المتحدة. وبالرغم من أن عدد السوريين العائدين إلى البلاد منذ سقوط الحكومة السابقة تجاوز نصف مليون لاجئ، حتى منتصف مايو/أيار، إلا أن كثراً منهم يواجهون تحديات كبيرة لوجستية واقتصادية.
ما الذي اختلف؟
كانت سوريا قد شهدت آخر دورة انتخابية في منتصف يوليو/تموز 2024، أي قبل خمسة أشهر على سقوط الحكم.
وعلى مدى العقود الخمسة التي سبقت، لم تختلف كثيراً صورة مجلس الشعب عما كانت عليه منذ تولي الرئيس الأسبق حافظ الأسد السلطة في بداية السبعينيات، ومن بعده ابنه بشار الأسد..
فمنذ حينه، هيمن حزب البعث على ثلثي مقاعد المجلس البالغ عددها 250، بما فيها تسعة أحزاب أخرى شيوعية واشتراكية تنضوي تحت “الجبهة الوطنية التقدمية”، إضافة إلى الاتحاد العام لنقابات العمال والفلاحين، فيما يتم شغل المقاعد المتبقية من قِبل “مستقلين” ممن كان كثيرون يشككون بمدى استقلاليتهم.
هيمن حزب البعث على ثلثي مقاعد المجلس البالغ عددها 250، بما فيها تسعة أحزاب أخرى شيوعية واشتراكية تنضوي تحت “الجبهة الوطنية التقدمية”
التعليق على الصورة، هيمن حزب البعث على ثلثي مقاعد المجلس البالغ عددها 250، بما فيها تسعة أحزاب أخرى شيوعية واشتراكية تنضوي تحت “الجبهة الوطنية التقدمية”
بالرغم من التحديات السياسية والأمنية التي واجهت الحكومة السابقة، خاصة مع فقدان سيطرتها على أجزاء من الأراضي السورية لصالح قوات المعارضة المسلحة، إلا أن الانتخابات البرلمانية واصلت انعقادها بشكل دوري في مناطق سيطرة القوات الحكومية وبمشاركة شعبية..
لكنها كانت دائماً موضع انتقادات من قبل المنظمات الحقوقية باعتبارها “غير نزيهة” و”تفتقد للشرعية”، على حد وصفهم.
بعد سقوط نظام الحكم، أعلنت السلطة الجديدة في “مؤتمر النصر” نهاية يناير/كانون الثاني عن حل حزب البعث العربي الاشتراكي الذي ظل قائداً للدولة والمجتمع وفق المادة الثامنة من الدستور السوري لعقود، قبل أن تُحذف تلك المادة في دستور عام 2012. وكذلك تم حل الجبهة الوطنية التقدمية.
ولم يصدر قانون يتيح تشكيل أحزاب جديدة في سوريا، ما يعني غياب المعارضة المنظَّمة في المجلس النيابي الجديد.
وتشمل شروط عضوية الهيئة الناخبة أن يكون المرشح سوري الجنسية قبل 1 مايو/أيار 2011، وألّا يكون قد ترشح للانتخابات الرئاسية بعد هذا التاريخ. كما تمنع الشروط الأشخاص الذين كانوا أعضاء سابقين في مجلس الشعب أو مرشحين له بعد عام 2011، إلّا إذا أثبتوا “انشقاقهم” عن النظام السابق.
كما يَستثني القانون بشكل صريح أي شخص من “داعمي النظام السابق و’التنظيمات الإرهابية’ بأي شكل من الأشكال”، إضافة إلى “دعاة الانفصال والتقسيم أو الاستقواء بالخارج”، في ما يراه البعض إشارة واضحة إلى فئة الطائفة الدرزية في جنوب سوريا، والذين تظاهروا مؤخراً مطالبين بحق “تقرير المصير”.
ويحدد النظام الانتخابي الجديد أيضاً معايير جديدة لاختيار أعضاء الهيئات الناخبة، مقسّماً إياهم إلى فئتين: “الكفاءات” و”الأعيان”.
تشترط فئة “الكفاءات” أن يكون العضو حاصلاً على شهادة جامعية أو ما يعادلها، بينما تتطلب فئة “الأعيان” الحصول على الشهادة الثانوية، مع تعريفهم بأنهم شخصيات ذات تأثير اجتماعي ونشاط مجتمعي بارز.
لا يمثل كل سوريا
تعكس الشروط الجديدة المرحلة الحساسة التي تمر بها البلاد؛ فلا تزال المفاوضات متعثرة بين السلطات السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) – التي تمثل إلى حد كبير المكون الكردي – لدمج الأخيرة بقوات وزارة الدفاع. كذلك شهدت البلاد موجتين متتاليتين من العنف الدامي عصفتا بكلٍ من السويداء والساحل وأسفرتا عن آلاف القتلى من الطائفتين الدرزية والعلوية.
ويَستثني مرسوم الانتخابات الجديد ثلاث مدن سورية وهي السويداء ذات الأغلبية الدرزية، إضافة إلى الحسكة والرقة الخاضعتين لسيطرة القوات الكردية. وليس من الواضح حتى هذه اللحظة إن كانت ستبقى مقاعد هذه المدن الثلاث شاغرة، أم إن كان سيتم ملؤها بأعضاء يسميهم الرئيس الانتقالي.
خارطة لسوريا تظهر فيها ثلاث مدن سورية يستثنيها مرسوم الانتخابات الجديد. وهي السويداء ذات الأغلبية الدرزية، إضافة إلى الحسكة والرقة الخاضعتان لسيطرة القوات الكردية.
التعليق على الصورة، يستثني مرسوم الانتخابات الجديد ثلاث مدن سورية وهي السويداء ذات الأغلبية الدرزية، إضافة إلى الحسكة والرقة الخاضعتين لسيطرة القوات الكردية
يبرر المتحدث باسم اللجنة العليا للانتخابات نوار نجمة ما وصفه بـ”تأجيل الانتخابات” في تلك المدن بسبب “عدم قدرة اللجنة على زيارة هذه المناطق لأسباب أمنية وسياسية”، إضافة “لعدم وجود تسهيلات من قِبل القوات المسلحة التي تسيطر على هذه المناطق، الأمر الذي يجعل إجراء انتخابات ضمنها شبه مستحيل”، على حد تعبيره.
لكن الكاتب والناشط السياسي المهتم بالشأن الكردي دارا عبد الله، يعتبر أن “العملية الانتخابية” لا معنى لها، وهي تشبه في وقعها على الأذن عبارة “الانتخابات الجماهيرية” في عهد الأسدين الأب والابن.
“إقصاء” للدروز والأكراد
عبد الله، المقيم في العاصمة الألمانية برلين، يعتقد أن الحكومة الانتقالية تعرف أن أي انتخابات في مناطق الجزيرة السورية والسويداء سوف تعطي المكونين الكردي والدرزي “شرعية سياسية”، وهذا “بالضبط ما ترفضه السلطات في دمشق”، على حد تعبيره.
ويشير عبد الله إلى أن الفصائل المسلحة التي كانت معارِضة للأسد، بقيادة هيئة تحرير الشام، والتي استولت على مقاليد الحكم بزعامة الرئيس الحالي أحمد الشرع تطالب التشكيلين القسدي والدرزي “بتسليم نفسيهما”، في إشارة إلى محاولات دمجهما تحت مظلة وزارة الدفاع السورية، والتي تهيمن عليها إلى حد كبير هيئة تحرير الشام.
لكنه يستطرد أنهما “لا يقبلان التسليم غير المشروط، ويشيران إلى البعد السياسي لوجودهما ويرفضان المقاربة الأمنية البحتة”.
تظاهر متظاهرون في ساحة ترافالغار في لندن احتجاجًا على النزاع بين الدروز والقبائل البدوية في منطقة السويداء السورية، مما استدعى تدخل قوات الأمن السورية.
بدوره يعتبر المحامي والناشط السياسي الدرزي عادل الهادي أن استثناء السويداء من الانتخابات التشريعية في سوريا هو “استمرار لسياسات حكومة الأمر الواقع بإقصاء أبناء الدين الدرزي عن الشراكة بكافة المواقع الحكومية”، مضيفاً أن “هذه الإجراءات الإقصائية تزيد من عدد الجمهور المُطالِب بالاستقلال، والذي أصبح متزايداً بشكل كبير جداً”، على حد وصفه.
عهد جديد أم “مجلس سلطة”؟
ينظر البعض بعين التفاؤل لما ستتمخض عنه عملية تشكيل مجلس الشعب الجديد.
فبالنسبة للمحلل السياسي عبد الكريم العمر فإن كل ما حدث في سوريا من استحقاقات منذ سقوط حكم الأسد يمهد لـ”حياة سياسية جديدة”، وأضاف أنه “لا مانع من أن تكون هناك تجارب حتى لو فشلت وانتقدها الآخرون. ولكنها بداية جديدة لعهد وطني جديد، كما يأمل كل السوريين”.
لكن الأكاديمي مروان قبلان تراوده الشكوك حول مدى صلاحيات المجلس التشريعية، فالإعلان الدستوري الذي صدر في مارس/آذار الماضي وضع السلطة التشريعية بيد مجلس الشعب، بينما تكون الصلاحيات التنفيذية بكاملها بيد رئيس الجمهورية.
ويعتبر قبلان أن هذا المجلس “لا يمتلك أي سلطات حقيقية بموجب الإعلان الدستوري”، مضيفاً أنه سيكون “مجلس سلطة، كما كان الأمر على مدى أكثر من خمسين سنة”.
——————————
أول برلمان سوري بعد الأسد… بين “التفاؤل الحذر” والغضب/ صبحي فرنجية
شكلت مجلسها النيابي الأول عام 1919 وكان حينها إحدى التجارب الفريدة في المنطقة
آخر تحديث 03 أكتوبر 2025
تختار الهيئة الناخبة في سوريا أعضاء البرلمان السوري يوم الأحد القادم 5 أكتوبر/تشرين الأول، وذلك عبر انتخابات في 52 دائرة انتخابية من أصل 60 دائرة، وذلك بعد تعليق 8 دوائر انتخابية في كل من حلب (دائرة عين عرب)، الحسكة (3 دوائر)، الرقة (دائرة واحدة)، والسويداء (3 دوائر) إلى حين وصول توافقات بين الدولة السورية والقوى الموجودة في تلك المناطق.
وقد وصل عدد الأعضاء المتوقع انتخابهم إلى 125 عضوا من أصل 140 كان منوطا باللجنة العليا للانتخابات الإشراف على اختيارهم، في حين يتولى رئيس الجمهورية أحمد الشرع اختيار 70 عضوا يرمم من خلالها خلل التوازنات الحاصلة مثل نسبة تمثيل المرأة، والأعيان، وذوي الكفاءات، وذوي الهمم، ومصابي الحرب. وبحسب معلومات “المجلة” فإن الرئيس سيُصدر قائمته في غضون عشرة أيام من صدور نتائج الانتخابات المزمع إجراؤها يوم الأحد.
اللجنة العليا ولتنفيذ مهمتها قامت بتشكيل لجان فرعية، وبدورها تقوم هذه اللجان باختيار هيئة ناخبة في كل محافظة، والهيئة الناخبة هي التي ستقوم بانتخاب أعضاء البرلمان من داخلها يوم الأحد، اللجنة العليا قامت ولضمان سلامة الإجراءات بدءا من اختيار اللجان الفرعية وانتهاءً بإجراء الانتخابات، بالتنسيق مع وزارة العدل السورية، باختيار لجان مختصة بالطعون ستعمل على ضمان سلامة الاختيار والانتخاب. لجنة الطعون التي تعتمد في قراراتها على الطعون التي تُقدم من السوريين هي لجنة مستقلة وقراراتها نافذه على اللجنة العليا، ولا يحق للجنة الطعن في قرار لجنة الطعون في حال قررت الأخيرة إخراج أحد أعضاء اللجنة الناخبة نتيجة مخالفته للشروط الموضوعة من قبل اللجنة العليا. ولجنة الطعون أيضا اعتمدت في قراراتها على استمزاج الرأي العام أحيانا، ففي بعض الأحيان- وذلك حصل أكثر من مرّة بحسب معلومات “المجلة”- تم استبعاد شخصيات دون أن تُقدم طعون رسمية بحقهم، سيّما بعد انتشار كثير من الدلائل حول تورطهم بدعم النظام لكن الناس في تلك المناطق لم تُقدم طعونا بحقهم خوفا من عمليات انتقام بحقهم.
نسبة تمثيل كل محافظة في البرلمان هي نفسها مأخوذة من نسبة تعدادها السكاني في سوريا وفق إحصاء عام 2011، بمعنى أنه في حال كان سكان محافظة ما يشكلون 5 في المئة من التعداد السكاني في سوريا، يكون نصيبهم 5 في المئة من الثلثين المسؤولة عنهم اللجنة العليا، وهو ما يوافق 7 أعضاء برلمانيين، وتمّ اعتماد إحصاء عام 2011 كمرجع في حساب النسب لصعوبة اعتماد إحصاء أجري بعد ذلك العام بسبب التغير الذي شهدته الجغرافيا السورية من نزوح وتهجير قسري وخروج نسب كبيرة من السوريين ولجوئهم في أطراف الأرض الأربعة. كما أنه من المستحيل إجراء إحصاء دقيق في الوقت الحالي نتيجة استمرار تداعيات الظروف المذكورة سابقا والتي طرأت على المحافظات بعد عام 2011.
ويرى القائمون على العملية في اللجنة العليا للانتخابات أنه على الرغم من عدم وجود انتخابات عامة، فإن المواطنين السوريين كان لهم صوت فاعل في العملية منذ بدايتها حتى يوم الانتخابات، فاللجان الفرعية عند الإعلان عنها فُتح باب الطعون بحقها أمام السوريين، واللجان التي تم اعتمادها لاحقا اختارت الهيئة الناخبة التي كان باب الطعن بحقها مفتوحا أمام السوريين. وبحسب أكثر من عضو في اللجنة العليا فإن هذه الآلية كانت كفيلة على الأقل بإشراك السوريين في مرحلتين أساسيتين لاختيار أعضاء البرلمان السوري.
خطوات اللجنة العليا للانتخابات شابها كثير من الانتقادات والغضب في الشارع العام خصوصا وأنه عند صدور القائمة النهائية للهيئة الناخبة بعد انتهاء فترة الطعون كانت خالية من شخصيات لم تُقدم طعون بحقهم، وخروجهم من القائمة سبب كثيرا من الإحراج لهم كون المعلوم للناس حينها أن القائمة الأخيرة هي التي تم اعتمادها بعد إخراج المخالفين أو الذين قُدمت طعون بحقهم، ولم تستطع جهود الهيئة العليا للانتخابات تهدئة غضب الشارع من خلال الأكيد على أن أسباب إخراج أشخاص من القائمة الأولى لم يكن بسبب الطعون أو تاريخ الأشخاص.
خلل في التوازن… اللجان الفرعية في مرمى النار
لكل دائرة انتخابية لجنة فرعية مكونة من3 أشخاص بالحد الأدنى، وفي حال كانت الدائرة فيها تعداد سكاني كبير يتم رفع أعداد اللجان الفرعية وفق واقع زيادة عضو لكل 200 ألف شخص. وقد تم اعتماد الرقم 3 كحدّ أدنى، وأن يكونوا من مشارب مختلفة، لضمان عدم وجود انحياز في الاختيار أو التقييم، خاصة في المحافظات التي تحتوي على تنوع ديني وعرقي. ولا يحق لأعضاء اللجان الفرعية الترشح للبرلمان، حيث سيكون أعضاء هذه اللجان ممثلين رسميين للجنة العليا في الدوائر الانتخابية. اللجنة العليا أيضا وضعت آلية تنسيق تعتمد على إعطاء استقلالية للجان الفرعية، فكل لجنة فرعية على تنسيق وعلاقة مباشرة مع اللجنة العليا، دون الرجوع إلى بقية اللجان الفرعية الأخرى الموجودة في المحافظة، فصل عمل تلك اللجان عن بعضها يأتي للحد من إمكانية الضغط على أي لجنة من قبل لجنة أخرى في المحافظة نفسها تفوقها عددا.
اللجان الفرعية هي التي وضعت قوائم الهيئة الناخبة في الدوائر الانتخابية، ولا توجد آلية محددة وواضحة للاختيار غير مطابقة المرشح للهيئة الناخبة الشروط التي وُضعت من قبل الهيئة العليا للانتخابات، وعلى الرغم من أن هذه الصلاحية العالية هي جيّدة من الناحية التقنية وضمان الشفافية، فإنها في الوقت نفسه تُشكل نقطة ضعف في أحد جوانبها، فكل شخص لديه صلاحية اختيار أناس يمثلون المشرب الذي ينتمي إليه، سيّما في المناطق ذات التركيبة السكانية القليلة، وهو ما قد يقود إلى تحالفات لاحقة ضمن الهيئة الناخبة لاختيار مرشح بينهم ودعمه ليُصار إلى اختياره عضوا في البرلمان السوري الأول بعد حقبة الأسد.
الهيئة العليا للانتخابات صدّرت القوائم التي وضعتها اللجان الفرعية دون التأثير فيها، وأُعلنت إلى السوريين لتقديم الطعون بحق الشخصيات التي كانت داعمة للأسد، أو المتصلة بالفساد، أو تلك التي يثبت تورطها بجرائم وانتهاكات بحق السوريين، فضلا عن جوانب أخرى متصلة بالعمر والتحصيل الدراسي ومطابقة شروط انتمائه للمنطقة المرشح باسمها. الخلل حصل عند صدور القائمة النهائية، والتي شهدت شطب أسماء لم يكن لهم سجل إجرامي أو مخالف للشروط الموضوعة، وأضيفت أسماء من قائمة الترميم التي تم وضعها هي الأخرى لترميم الخلل المتوقع حصوله في حال حصول نقص في الهيئات الناخبة بعد فترة الطعون.
الهيئة العليا للانتخابات بررت ما حصل بأنه غير مرتبط بمخالفة المشطوبة أسماؤهم للشروط، وإنما كان بسبب محاولة إعادة التوازن إلى الهيئة الناخبة، نتيجة وجود نقص في العدد في مناطق معينة وزيادة في مناطق أخرى. ونتيجة الغضب الذي حصل في أكثر من منطقة، قامت اللجان الفرعية بشطب أسماء معينة وإعادة بعض الأسماء التي تم شطبها سابقا. وقد أثارت محاولة امتصاص الغضب كثيرا من الأسئلة حول الآلية التي تم اعتمادها في عمليات التعديل، وعدم تأثير هذه الآلية على شفافية عمل اللجنة العليا للانتخابات واللجان الفرعية. وبحسب المعلومات التي حصلت عليها “المجلة” فإن أعضاء من اللجان الفرعية أنفسهم تفاجأوا بشطب أسماء من القائمة النهائية دون وجود تبرير أو طعن مثبت بحقهم، وقدّموا عريضة قانونية للجنة العليا للانتخابات بما حصل، لتتدخل الأخيرة في محاولة حل الخلاف الذي هو في الأصل داخلي في اللجان الفرعية.
خلل التوازنات الذي حصل مردّه في بعض الأحيان إلى وجود زيادة في الأشخاص لبعض الوحدات والمراكز الانتخابية، وهذا بطبيعة الحال هو نتيجة ضعف في التقدير لدى اللجان الفرعية، فمثلا في حال وجود وحدة انتخابية من المخصص أن يخرج منها أربعة أشخاص، وُضع فيها ستة أشخاص، هنا ينبغي شطب اثنين من القائمة في حال لم تكن هناك طعون مثبته بحق الأعضاء المرشحين، هنا تتم عملية مفاضلة من قبل اللجان الفرعية واللجنة العليا، حيث يبذلون جهدا في إبقاء السيدات في القائمة، أو المعتقلين السابقين، ذوي الهمم، أو أن يكون شخص كُفء وعين في الوقت نفسه، ثم بعد ذلك يتم شطب الأشخاص المتبقين للإبقاء على التوازن. ويرى أعضاء في اللجنة العليا للانتخابات أن هذه الآلية هي الأقرب إلى المثالية في التعامل مع هكذا حالات، على الرغم من أنها لن تخلو من فواعل غضب محلي مُحق، خصوصا من قبل الأشخاص الذين تم إخراجهم من القوائم.
وبحسب معلومات “المجلة”، فإنه في حالات نادرة، قُدمت طعون بحق شخصيات مشهورة بمعارضتها للنظام أو شخصيات ليست مخالفة للشروط، إلا أن لجان الطعون قبلت الأدلة التي قُدمت لهم كونها مقبولة رغم أنها لا تعكس حقيقة انتماء الشخص. اللجنة العليا للانتخابات لا تملك القدرة على التأثير في قرار لجنة الطعون، ولذلك نُصح هؤلاء من الناحية القانونية بالمسير في أحد الطريقين، الأول رفع شكوى بحق قضاة لجنة الطعون أمام مجلس القضاء الأعلى، أو أمام مجلس التفتيش القضائي لأن هاتين الجهتين هما المخولتان بالنظر في آلية عمل القاضي.
يوم الانتخابات و “ثلث الرئيس”
الانتخابات يوم الأحد 5 أكتوبر/تشرين الأول الحالي، ستكون بإشراف اللجان الفرعية، كما سيكون هناك مراقبون من نقابة المحامين، وستكون المراكز مفتوحة لوسائل الإعلام، كما سيكون المرشحون لعضوية البرلمان الذين يُصوت لصالحهم موجودين في القاعات لمتابعة عملية الانتخاب وفرز الأصوات، وأعضاء الهيئة الناخبة يمكنها الحضور، إضافة إلى السماح بوجود بعض المنظمات المدنية والقانونية خلال يوم الانتخابات. وكما حال جميع عمليات الانتخابات، سيكون التصويت سريا والفرز علنيا.
ويحق لكل عضو في الهيئة الناخبة اختيار أكثر من شخص، بشرط أن يكون الحد الأقصى هو عدد أعضاء الدائرة المرشحين أو أقل، كما يحق له الامتناع عن التصويت. وبذلك فإن حدّ الناخب الأدنى هو عدم التصويت، والحد الأعلى عدد المقاعد المخصصة للدائرة التي ينتخب فيها.
بعد انتهاء الانتخابات التي ستجريها الهيئة الناخبة، وصدور القائمة النهائية للفائزين، يبدأ حينها دور رئيس الجمهورية في تعيين الثلث الأخير من مجلس الشعب (70 عضوا)، ومن المتوقع أن يكون الثلث الذي يُعينه الرئيس بمثابة ترميم للمجلس، فمثلا في حال أفرزت الانتخابات نسبة نساء أقل من المتوقع، يكون لثلث الرئيس دور في ترميم هذا النقص، وذلك يندرج على الكفاءات، والأعيان، وأصحاب الهمم، ومصابي الحرب.
وسينتظر الرئيس صدور نتائج الانتخابات الخاصة بالهيئة الناخبة، ثم يبدأ بمرحلة تحديد الثلث الأخير من أعضاء مجلس الشعب. ولا يمكن للرئيس عزل أي عضو من القائمة التي حددها بعد اعتمادها، إذ إن عملية عزل عضو البرلمان تقع على عاتق البرلمان نفسه وبتصويت ثلثي الأعضاء على عزله.
بعد اعتماد ثلث الرئيس، ينعقد البرلمان بكليّته ويبدأ مهامه وسط توقعات بأن تكون جلسته الأولى منتصف شهر أكتوبر/تشرين الأول الجاري، ويمتلك عضو البرلمان حصانة تسمح له بهامش الانتقاد وتقييم أداء الحكومة، وتتوقع اللجنة العليا أن البرلمان القادم سيقوم بثورة تشريعية، كون كل مؤسسات النظام تحتاج أنظمتها إلى تعديل أو تجديد، ومن المهام الجوهرية له أيضا إقرار الموازنة، والاستماع للوزراء، ونقل هموم المواطنين.
مقاعد معلّقة… وتحديات في الطريق
انتخابات البرلمان السوري الأولى بعد عقود من سيطرة الأسد الأب والابن على القرار السوري، هي انتخابات ليست كما تمناها السوريون، سواء من ناحية بيئة وآليات الانتخابات، أو من ناحية مشاركة الأرض السورية موحدة في هذه الانتخابات وانعقاد الجلسة الأولى للبرلمان بممثلين عن كافة المناطق السورية.
وكان مقترح اللجنة العليا للانتخابات يستثني محافظات الرقة والحسكة والسويداء بسبب التوترات الحاصلة وعدم قبول الأطراف سواء الحكومة أو القوى الموجودة في تلك المنطقة إجراء انتخابات فيها، وتمت إضافة دوائر من الرقة والحسكة لاحقا بسبب الغضب الشعبي، لكن رغم إعادة النظر في المقترح وإدراج كل من تل أبيض ومعدان عن الرقة، ورأس العين عن الحسكة، وإبقاء السويداء خارج السباق، لم تتحقق تطلعات السوريين الذين كانوا يُعولون على الحكومة والقوى الموجودة في تلك المحافظات على تجاوز الخلافات وتوحيد الجغرافيا السورية. كانت الآمال أن تكون الدوائر الانتخابية الـ(60) حاضرة، إلا أن ثمانية منها بقيت معلقة ومحفوظة المقاعد إلى حين توصل الحكومة السورية والقوى في شرق الفرات والسويداء إلى توافقات فيما بينها.
يتوقع الساسة في دمشق، واللجنة العليا أن تكون عملية اختيار وانتخاب أعضاء البرلمان خطوة بارزة الأهمية في سياق رأب الصدع الاجتماعي، وذلك في حال استطاعت اللجنة من جهة، والحكومة من جهة أخرى العمل على أن تكون العملية سلسة وشفافة وتُظهر خطوة عملية لدمشق نحو ضمان مشاركة السوريين جميعا في صناعة القرار السوري ضمن البرلمان، ويقول أحد أعضاء اللجنة لـ”المجلة” إنه “رغم الظرف الاستثنائي وغير المثالي في مرحلة انتقالية، ومع انعدام القدرة للذهاب إلى الانتخابات المباشرة، ووسط وضع سوري صعب جدا، استطعنا وضع آلية تراعي الحد الأعلى للمشاركة والمراقبة الشعبية للهيئات التي ستنتخب المجلس القادم”.
تبقى الحكومة السورية أمام تحديات عديدة، أبرزها كيفية التفاهم مع شرق الفرات من جهة، والسويداء من جهة أخرى، في المرحلة القادمة لاستكمال مقاعد البرلمان السوري من جهة، ومواجهة الضغوطات التي ستتعرض لها من ناحية تأكيد شرعية المجلس أمام السوريين، خصوصا وأن كثيرا من الأصوات تتساءل اليوم عما بعد تشكيل المجلس دون مناطق “قسد” والسويداء، هل هي بداية التقسيم أم إنها مؤشر فشل لاحق للجهود الرامية لتشكيل برلمان سوري يبدأ عمله التشريعي والوظيفي ويكون أحد أعمدة صناعة القرارات في سوريا.
ومن التحديات أيضا قدرة الحكومة على ضمان شفافية الانتخابات وعدم وقوعها في فخ التهافت السلطوي من قبل أطراف لابتلاع أطراف أخرى في مناطق التنوع العرقي والديني، أو الدفع ببعض الشخصيات إلى الواجهة بين سطور تشكيل اللجان الفرعية والهيئات الناخبة، ليُشكل وجودهم عاملا رئيسا في تغيير مسار عمل اللجنة ومخرجاتها. وهو ما قد يشكل تهديدا جديدا للمرحلة الانتقالية في سوريا، ووليمة كبيرة للأطراف الخارجية والداخلية الساعية لإفشال المرحلة الانتقالية وجهود الاستقرار في سوريا.
سوريا التي شكلت أول برلمان لها في عام 1919 والذي كان حينها إحدى التجارب الفريدة في الشرق الأوسط، تتوجه نحو خطوات ونتائج تشكيل البرلمان السوري، وسط توقعات سورية يسودها التفاؤل الحذر والغضب، خصوصا وأن غالبية السوريين أمضوا سنوات طويلة من عمرهم يشهدون على برلمان صوري لا قيمة له من الناحية التشريعية منذ قدوم حافظ الأسد إلى السلطة، ولا يذكرون إلا أن البرلمان عبارة عن أيادٍ تُصفق ولا توجّه أو تُقيّم عمل السلطات، ولا تلعب دورا في التشريع المدروس الذي يخلق بيئة صحيّة لنهوض الدولة والشعب على حدّ سواء.
المجلة
——————————-
كل ما تود معرفته عن انتخابات مجلس الشعب السوري/ غيث معاذ
03 تشرين الأول 2025
دمشق- لأول مرة منذ 6 عقود، يملك الشعب السوري حق اختيار ممثليه بمجلس الشعب في الانتخابات المقررة خلال الشهر الجاري، في خطوة تاريخية يسير بها نحو إعادة تأسيس السلطة التشريعية وإقرار إرادته في صياغة مستقبله، من أجل إصلاح القوانين وإرساء مؤسسات حرة وشفافة.
وفتحت اللجنة العليا لهذه الانتخابات الباب أمام الرقابة الدولية ومشاركة المنظمات الدولية والمحلية “مما يعزز الشفافية والنزاهة ويؤكد التزام الدولة السورية بإجراء انتخابات حرة وموضوعية، تضمن تمثيل جميع المناطق وتؤسس لمجلس شعب قادر على قيادة المرحلة الانتقالية نحو دستور دائم ومستقبل ديمقراطي مستقر”.
الجزيرة نت التقت محمد ولي عضو اللجنة الذي أكد أن الشعب يعيش اليوم فترة مهمة وحاسمة في سير هذه العملية الانتخابية، من خلال عمل اللجان الفرعية على تشكيل هيئات ناخبة تعبّر عن المجتمع السوري بمختلف مكوناته وشرائحه.
كفاءات
وأضاف عضو لجنة الانتخابات أنه بموجب المرسوم الرئاسي الذي نظم العملية الانتخابية، تم التركيز على أن تتكون الهيئات الناخبة بنسبة 70% من الكفاءات وأصحاب التخصصات المتنوعة، و30% من الأعيان والوجهاء الذين يمثلون شرائح اجتماعية واسعة. وخلال تشكيل الهيئات، تتولى اللجنة مسؤولية التحقق والتدقيق بعد وصول القوائم المبدئية من اللجان الفنية في 50 دائرة انتخابية موزعة على 11 محافظة.
يُشار إلى أن رئيس البلاد أحمد الشرع أصدر في 13 يونيو/حزيران الماضي المرسوم رقم 66 لعام 2025، القاضي بتشكيل “اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب” استنادا إلى المادة (24) من الإعلان الدستوري التي نصت على أن يتولى المجلس السلطة التشريعية حتى اعتماد دستور دائم، وإجراء انتخابات تشريعية جديدة، في حين ستبلغ مدة ولاية المجلس 30 شهرا قابلة للتجديد.
ويتولى هذا المجلس وفقا للمادة (30) مجموعة من المهام، تشمل اقتراح القوانين وإقرارها، وتعديل أو إلغاء القوانين السابقة، والمصادقة على المعاهدات الدولية، وإقرار الموازنة العامة للدولة، والعفو العام.
وقال ولي إن سوريا تمر بمرحلة انتقالية تحاول فيها الدولة استعادة توازنها بين السلطات الثلاث، فالسلطتان التنفيذية والقضائية موجودتان، في حين تبقى التشريعية غائبة بسبب عدم وجود مجلس شعب يضطلع بمهامه.
ويعيق غياب المجلس -وفقا له- سن التشريعات وإصلاح القوانين، لذلك يُعوّل على المجلس المقبل أن يقود “ثورة تشريعية” تعالج القوانين التي فرضها النظام السابق لخدمة مصالحه الضيقة، والتي قيّدت حياة السوريين وحرياتهم وهويتهم.
وتشمل مهام المجلس المنتظرة تعديل التشريعات القائمة وسن قوانين جديدة “وهو ما يتطلب مجلسا يتمتع بخبرة تخصصية وفنية عالية، ولهذا يجري العمل على أن تشكّل الكفاءات نسبة 70% من قوامه لضمان فاعلية الأداء التشريعي”.
ضرورة واقعية
وأوضح عضو لجنة انتخابات مجلس الشعب أن “القيادة السورية اعتمدت في بداية التحرير على الضرورة الواقعية والشرعية الثورية لإنجاز مهام المرحلة الانتقالية”. وبعد مؤتمر “إعلان النصر” الذي أفضى إلى حل البرلمان المرتبط بالنظام المخلوع، جاءت مخرجات مؤتمر الحوار الوطني التي أدت إلى تشكيل لجنة من رئاسة الجمهورية لإعداد الإعلان الدستوري.
ونص الإعلان على أن يتم تشكيل ثلثي أعضاء مجلس الشعب عبر هيئات ناخبة، بعد أن كان رئيس الجمهورية يعيّن كاملهم بموجب “إعلان النصر” وبذلك تولت اللجنة العليا للانتخابات، وفق النظام الانتخابي المؤقت، الإشراف على العملية استنادا إلى التعداد السكاني وإحصائية عام 2011.
ويتكون المجلس الجديد -حسب ولي- من 210 أعضاء، منهم 140 يُختارون عبر لجان فرعية وهيئات ناخبة في المرحلة الأولى. وتتطلب هذه العملية توفر نحو 17 شرطا في أعضاء اللجان، أبرزها:
الاطلاع على كفاءات وأعيان البلدات.
عدم وجود عداوات ظاهرة مع المجتمع المحلي.
يتم الاختيار عبر ما يُعرف بـ”الفرز المجتمعي” بالتشاور مع الفعاليات الرسمية والمجتمعية والرموز الوطنية.
ثم تأتي المرحلة الثانية والتي تتمثل بالانتخابات داخل كل دائرة، حيث يحق لأعضاء الهيئات الناخبة الترشح لعضوية مجلس الشعب، وتجرى عملية اقتراع حر ومباشر وسري بعد انتهاء الدعاية الانتخابية داخل الدوائر، ليُعلن فوز من ينال أعلى الأصوات وفق المقاعد المخصصة لكل دائرة.
وتتولى اللجنة العليا الإشراف المباشر على العملية الانتخابية، وتمثلها اللجان الفرعية في مختلف المناطق، وتشارك نقابة المحامين السوريين بدور رقابي واسع، كما يُفسح المجال للوفود الدولية والدبلوماسية والإعلامية للتغطية “الحرة والمباشرة”.
تحديات
وأكد ولي أن النظام الانتخابي المؤقت المعتمد حاليا يُعد “نموذجا سوريا فريدا من نوعه، وهو انتخاب غير مباشر عبر اللجان الفرعية والهيئات الناخبة، وجاء استجابة لظروف المرحلة الانتقالية في ظل وجود أكثر من 8 ملايين لاجئ ونازح، ومشاكل تتعلق بالوثائق الرسمية والسجل المدني، إضافة إلى غياب قاعدة بيانات متكاملة للناخبين”.
وتحدث عضو اللجنة العليا عن تحديات واجهت العملية الانتخابية منها وجود بعض المناطق خارج سيطرة الدولة، لذلك تقرر إرجاء الانتخابات في محافظات السويداء، والحسكة، والرقة إلى وقت لاحق. ومع عودة بعض مناطق الحسكة والرقة إلى سيطرة الحكومة، اتُخذ قرار بتشكيل لجان فرعية فيها لإعداد هيئات ناخبة والمضي بالعملية. وسيُستكمل إجراء الانتخابات فيها فور توافر الظروف المناسبة.
وتهدف هذه الخطوات -وفقا له- إلى تأسيس سلطة تشريعية تستمد شرعيتها من الشعب، وتعمل على تحرير القوانين من إرث النظام السابق بما يعزز التكامل بين السلطات ويكرس الاستقرار خلال المرحلة الانتقالية. وأكد أن المجلس الجديد يُعد تجسيدا لسيادة الشعب السوري، ولا توجد أي سلطة أخرى يمكن أن تتدخل في صلاحيات أو مهام أعضائه. وبمجرد تشكيله، حتى بالنسبة للثلث الذي يعيّنه رئيس الجمهورية، تصبح المرجعية الوحيدة هي المجلس نفسه.
وأشار ولي إلى أنه وفق الإعلان الدستوري المؤقت، لا يمكن عزل أي عضو من البرلمان إلا بموافقة ثلثي أعضاء المجلس، مما يعني أن قرار الإعفاء أو الفصل بيد الأعضاء أنفسهم باعتبارهم ممثلين لإرادة الشعب، وبذلك يحافظ المجلس على استقلاليته التامة عن بقية السلطات.
وقد حدد الإعلان مدة ولاية مجلس الشعب بـ30 شهرا قابلة للتجديد، وأوضح ولي أن هذه الفترة تأتي ضمن مرحلة انتقالية تمتد إلى 4 سنوات مع إمكانية تمديدها سنة إضافية “لأن الآمال معقودة على أن يؤسس المجلس التشريعي القادم لمرحلة دائمة ومستقرة”.
كما سيتولى المجلس دورا تأسيسيا عبر تشكيل لجنة لإعداد دستور دائم “يُفترض أن يُعرض على استفتاء عام عندما تتوفر ظروف الأمن والاستقرار بهدف وصوله لجميع المواطنين” وبعد اعتماده ستجري انتخابات برلمانية ومحلية ورئاسية “حرة ونزيهة ومباشرة بمشاركة الشعب” السوري.
المصدر: الجزيرة
—————————–
دعاية انتخابية في هيئة حوار وطني بين المرشحين والهيئات الناخبة بسوريا/ ملاذ قاسم آغا
03 تشرين الأول 2025
حماة- شهدت المحافظات السورية جلسات تعارف بين الهيئات الناخبة والمرشحين لانتخابات مجلس الشعب، بهدف التعرف على برامجهم الانتخابية وسيرهم الذاتية، ورؤيتهم للعمل في المرحلة القادمة. وذلك بعد إعلان اللجنة العليا للانتخابات انطلاق هذه الجلسات رسميا الأسبوع الماضي.
وبدأت هذه الجلسات، التي توازي “الدعاية الانتخابية” في نظم الانتخابات المباشرة، منذ 29 سبتمبر/أيلول الماضي وتنتهي اليوم الثالث من أكتوبر/تشرين الأول الحالي، تليها 24 ساعة من الصمت الانتخابي قبل يوم الاقتراع المحدد في الخامس من الشهر نفسه.
وقال نافع البرازي، رئيس اللجنة الفرعية لدائرة حماة الانتخابية لعضوية المجلس، في حديثه للجزيرة نت “للمرة الأولى في تاريخ سوريا نقوم بحوار وطني بين المرشحين والهيئة الناخبة، وهي خطوة نحو الديمقراطية بناء على المعرفة والبرامج التي يقدمونها”.
فرصة جيدة
وخلال هذه الجلسات، توجّه أعضاء الهيئة الناخبة بأسئلة مفصلة عن البرامج الانتخابية للمرشحين. وقال نافع البرازي إن بعض البرامج كانت “مميزة”، فيما كانت هناك مشاريع أخرى “غير مركزة نحو الهدف والدور الذي يلعبه عضو مجلس الشعب، أو الدور العام له”، ورأى “أنه شيء طبيعي في ظل غياب ممارسة الشعب للعمل السياسي الحر”.
وكانت هناك -حسب نافع البرازي- لقاءات قامت بها اللجنة العليا للانتخابات للتوعية السياسية، ومع بعض المهتمين من أعضاء الهيئات الناخبة من قبل اللجان الفرعية بشأن دورهم في المجلس إن نجحوا، وكعضو في الهيئة الناخبة لاختيار المرشح الذي يثق به.
وتحدث عن منع العضو المرشح من ممارسة أي دعاية يوم الصمت الانتخابي، حتى على صفحته الشخصية أو عبر اللقاءات الخاصة، تجهيزا ليوم الانتخابات.
من جانبه، يرى حافظ طيفور، أحد أعضاء الهيئة الناخبة في حماة، أن هذه اللقاءات في ظل انتخابات مجلس الشعب فرصة جيدة لاستعادة حماة ديمقراطيتها، عن طريق انتخاب الأشخاص الأنسب لتمثيلها.
وقال طيفور للجزيرة نت “سمعت معظم البرامج الانتخابية للمرشحين، وسيكون الاختيار دقيقا جدا ليكونوا على قدر المسؤولية، حتى لا يصبح المجلس مكانا للتصفيق كما كان في عهد النظام السابق”.
وعن تمثيل رأي الشارع في اختيارات الهيئة الناخبة، قال “اجتمعنا كثيرا مع الشارع الحموي، ويتم نقل برامج المرشحين لهم، وسيكون الاختيار لأصحاب البرامج الفعّالة في حل مشكلات المجتمع المحلي”. وأكد عدم ممارسة أي ضغط عليهم من قبل أي جهة لاختيار ممثلين محددين، “كما كان في العهد الماضي”، لانتخاب أشخاص معينة.
ممارسة حرة
من جهتها، قالت مي نيربية عضوة في هذه الهيئة “أنا سعيدة بهذه التجربة وأشعر بثقل المسؤولية على عاتقنا، وخاصة بتمثيلنا الشعب في اختيار أعضاء البرلمان، دورنا في هذه المرحلة هو سماع صوت الشعب والأهالي في اقتراحهم لاختيار المرشحين ونقل ما نسمعه ونراه اليوم للمجتمع”.
وترى نيربية، في حديث للجزيرة نت، أن فرصة الاجتماع جيدة وغنية للتعرف على المرشحين عن قرب واختيار الأفضل ضمن النقاشات والتساؤلات التي يتم طرحها من أعضاء الهيئة الناخبة لكل مرشح. وأشارت إلى أن الجدوى منها كبيرة بفعل تركيز أعضاء الهيئة على نقاط لم ينوه المرشح لها، والتعرف على أخرى سلبية أيضا ضمن البرامج الانتخابية.
بدوره، قال محمد خالد مراد آغا، عضو في الهيئة الناخبة بحماة، إن هذا الاجتماع التعريفي والتنسيقي للمرشحين أمر جديد، وإنه يعيش هذه التجربة لأول مرة. وأوضح “لم يكن لدي أي فكرة أو تصور حول من سأنتخب، ولم يتم منعنا من توجيه أي سؤال للمرشحين كهيئة ناخبة، مارسنا هذا الأمر بكل حرية”.
وأضاف آغا للجزيرة نت، أنه عقب هذه الجلسات ستكون لديهم صورة واضحة عمن سيكون مناسبا لتمثيل محافظة حماة في المرحلة القادمة، ويرى أن 60% من البرامج التي سمعها من المرشحين واقعية ويمكن تطبيقها ضمن ظروف البلاد.
تجربة جديدة
أما نائب مدير الشؤون السياسية في حماة أمين عبد الرحمن، فقال للجزيرة نت “نعيش اليوم تجربة انطلاق مجلس الشعب الجديدة في مسيرة سوريا، قائمة على أساس الحرية والديمقراطية”.
ويهدف هذا المجلس -وفقا له- إلى أن يكون منصة حوار وطنية شاملة وعقدا جديدا بين الدولة والمواطن. وأضاف أن الحيوية تجسدت في هذه التجربة من خلال المنافسات بين المرشحين أمام وسائل الإعلام، حيث تتنافس البرامج وتُطرح الرؤى بشكل واضح وحر، مما يمكّن الناخب من اتخاذ قراره عبر الفهم والوعي.
من ناحيته، يأمل عبد الله أبي زمر، إعلامي وأحد الحضور في جلسات حماة، في إيلاء الأهمية للفئة الشابة، وتأمين فرص العمل، وتشجيع السياحة، ورقمنة عمل المؤسسات الرسمية وإدخال أدوات الذكاء الاصطناعي في عملها، ضمن خطط لتطوير العمل الحكومي.
—————-
=========================



