سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

مقالات تناولت الدور الفرنسي في سوريا

الدور الفرنسي في سوريا: سعي للنفوذ عبر دبلوماسية الوساطة/ أحمد الكناني

27 سبتمبر 2025

لعبت باريس منذ سقوط نظام الأسد دورًا فاعلًا في الملف السوري، إذ عملت على توسيع هوامش نفوذها سياسيًا واقتصاديًا، وزادت من تنسيقها بشكل فاعل في العديد من الملفات، أبرزها الملف الكردي، خاصة بعد رعايتها مؤتمر “وحدة الموقف”، 26 نيسان/أبريل 2025، بمشاركة واسعة من القوى الكردية، للخروج بموقف سياسي موحد للتفاوض مع دمشق، والذي اعتبرته الأخيرة انقلابًا كرديًا على اتفاق العاشر من آذار/ مارس بين الرئيس الشرع، وقائد قوات سوريا الديمقراطية.

وفي نفس الوقت فتحت باريس أبوابها لدمشق، كأول دولة أوروبية يقصدها الرئيس أحمد الشرع، لتعزيز العلاقات السياسية، والاتفاقيات الاقتصادية، رغم التصريحات الصادرة من الإليزيه بضرورة حماية الأقليات. وقتها لم تكن أحداث السويداء الدامية اندلعت بعد.

تشير التقديرات السياسية إلى أن فرنسا باتت تلعب دورًا فاعلًا في الداخل السوري تجاوز ملف الأقليات، وذلك عبر احتضان المفاوضات بين الجانبين السوري والإسرائيلي بما يتعلق بالجنوب، إضافة إلى تبينها رعاية المفاوضات المتعثرة بين قسد ودمشق، رغم إصرار الأخيرة أن تكون في أراضيها، وعليه بات ثقل باريس واضحًا في إدارة المشهد السوري.

ثقل داخلي

يشير الباحث السياسي جوان سوز إلى الدور الفرنسي الفاعل في الداخل السوري، ورعايته بشكل خاص للملف الكردي تاريخيًا، إذ فتحت باريس أبوابها للمسؤولين الأكراد كأول دولة أوروبية داعمة للإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية، واحتضنت العديد من اللقاءات مع المسؤولين الكرد خلال فترة الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند، وصولًا للوقت الحالي في عهد الرئيس إيمانويل ماكرون.

الباحث سوز لفت إلى أن الدور الفرنسي أرخى بثقله في ملف الجنوب السوري بعد الأحداث التي شهدتها محافظة السويداء، وفتحت المجال لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بالتواجد في باريس والتواصل مع الجانب الإسرائيلي، وعليه باتت باريس تلعب دورًا في مناطق شمال وشرق سوريا، وفي الجنوب السوري.

فيما يرى الباحث المتعاون مع معهد الشرق الأوسط MEI سامر الأحمد أن باريس تحاول أن تترك بصمتها في الملف السوري، إلا أنه من الواضح أن قدرتها تبقى محدودة من دون المظلة الأميركية، اللاعب الرئيسي في الملف الكردي، والذي رتب صيغة اتفاق العاشر من مارس، وفيما يتعلق بالجنوب فلا يظهر لفرنسا موقعًا مباشرًا، كونه ملف تتحكم به أطراف أخرى مثل الأردن، الولايات المتحدة، إسرائيل، إلى جانب الحكومة السورية، وقد بدأت ملامح الحل عبر “خارطة الطريق” التي رحبت بها عدة دول، من بينها فرنسا، لكنها ليست صاحبة المبادرة.

يعتقد الأكاديمي والباحث السياسي مروان حمي أن الدور الفرنسي يتجسد في دعم مبادرات الحوار بين أطراف الأزمة، خاصة المفاوضات بين قسد والمكونات السورية الأخرى، والدعوة لحلول سلمية تضمن التعددية السياسية، وضمان حقوق الكرد والدروز والعلويين عبر حلول تفاوضية شاملة، إضافة لدعم الطرق التي تُكسب الكرد شرعية في الانتقال السياسي.

حماية فرنسية

في ظل التهديدات التركية المتصاعدة تجاه قسد يرى حمي أن باريس تقدم دعمًا سياسيًا واضحًا لقسد عبر التواجد الدبلوماسي، والمساندة العسكرية المحدودة، فضلًا عن تثبيت موقفها في التحالف الدولي، الأمر الذي يمنح قسد مظلة سياسية تمنع – إلى حد كبير – تنفيذ عمليات عسكرية تركية واسعة النطاق في شمال سوريا، لافتًا إلى وجود جهود فرنسية لتوسعة دائرة الضامنين الإقليميين، وطرح خيار نقل ملف التفاوض مع دمشق لدول عربية تحظى بدعم فرنسي، في سبيل التضييق على المقترحات التركية، وزيادة ترددها في أي مغامرة عسكرية مباشرة ضد قسد.

أما الأحمد فيرى أن الدور الفرنسي لا يقدم أي حماية لقسد في مواجهة التهديدات التركية، إذ يقتصر على المساندة، وإضفاء غطاء سياسي لها، عبر استقبال وفودها مع التأكيد على خطاب حماية المدنيين ومكافحة داعش، في محاولة فرنسية لإعطاء بعض الشرعية الدولية لقسد، إلا أن ذلك لا يشكل رادعًا حقيقيًا أمام التهديدات التركية.

تراجع النفوذ الأميركي

يرى الأكاديمي حمي أنه مع ميل واشنطن لتقليص حضورها المباشر شمال شرق سوريا، وسحب جزء من قواتها، يستفيد الفرنسيون من ذلك سياسيًا، عبر تعزيز نفوذ قسد في الملفات الدستورية والتفاوضية، إضافة إلى دعمهم تماسك قسد أمام محاولات الإقصاء، أو الضغوط التركية، إلا أن طبيعة النفوذ الفرنسي، والذي يأخذ طابع الدعم الاستشاري والمناورات الدبلوماسية أكثر من العسكري، يمنح باريس هامشًا أقل تأثيرًا في قرارات قسد، وملفات الحوار مع دمشق وحلفائها.

فيما يضيف الباحث السياسي سوز بأن أي تراجع في الدور العسكري لواشنطن ستستغله باريس، يساعدها في ذلك وجود قواتها على الأرض ضمن التحالف الدولي، في كل من سوريا والعراق، وعليه تعمل باريس على دعم قسد كحليف استراتيجي لها، ولن تتخلى عنها في المدى المنظور على الأقل، لا سيما وجود مخاوف فرنسية كبيرة من الجماعات التكفيرية مثل داعش والقاعدة وغيرها.

إطلالة مناف طلاس

ازدادت وتيرة التحليلات السياسية بعد ظهور مناف طلاس من باريس، على أن ثمة ترتيبات دولية تُحضر وبديل محتمل، أو شريك سياسي، وهي ليست المرة الأولى التي يروج فيها اسم العميد المنشق عن نظام الأسد، والمثير للجدل بسبب قربه وعائلته من نظام الأسد.

يفسر الأكاديمي حمي ظهور طلاس من بوابة الحرص الفرنسي على تقديم رموز مقبولة نسبيًا بين جميع الأطراف لتلعب دورًا استشاريًا أو محوريا إذا اقتضى التوافق، وإن كانت لا تفرضه بشكل رسمي كقائد بديل، لكنها توفر له منبرًا للنقاش حول إصلاح المؤسسات السورية والحوكمة، وتعطيه هامشًا واتصالًا محميًا في الدوائر الغربية، مما يرسل رسالة أنها منفتحة على سيناريوهات تتجاوز التحالفات التقليدية.

أما الباحث الأحمد فيرى ذلك ضمن النهج الفرنسي لإبقاء المنابر مفتوحة أمام شخصيات سورية مختلفة، دون أن يعني ذلك وجود خطة فرنسية واضحة أو رهانات استراتيجية على طلاس، وعليه يبقى الدور الفرنسي تكميليًا، يتحرك في هوامش محددة ويُمنح غطاءً سياسيًا محدودًا، دون أن يتجاوز حدود النفوذ الأميركي في سوريا بخصوص أي مسار.

الترا سوريا

———————————

مجلس الشيوخ الفرنسي يناقش الملف السوري: وعود كثيرة وتحديات أعمق في مواجهة الطائفية والفساد

2 أكتوبر 2025

بعد عشرة أشهر على سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، عادت سوريا إلى الواجهة الدولية خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. ويقودها اليوم الرئيس أحمد الشرع، الذي يعمل على الانفتاح الدبلوماسي ويعدُ بـ”القضاء على الطائفية”. غير أن هذه الطموحات، كما أوضح الخبير وسيم نصر أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الفرنسي، يتحملها الشرع “وحيدًا”، بحسب تقرير لموقع “Public Sénat” الفرنسي.

فقد أطاحت فصائل المعارضة بقيادة “هيئة تحرير الشام” في كانون الأول/ديسمبر 2024 بنظام بشار الأسد، وحلّت محله حكومة انتقالية مكلفة بإعادة بناء سوريا بعد 54 عامًا من الديكتاتورية و14 عامًا من الحرب، إلا أن هذا الحكم الجديد يواجه “تحديًا هائلًا”، إذ تقوده اليوم تحالفات من فصائل المعارضة، في وقت تبدي فيه الأسرة الدولية شكوكًا عميقة حول قدرتها على بسط الأمن والاستقرار.

ومع تدمير جزء كبير من البنى التحتية، وانهيار الاقتصاد، وتفاقم التوترات المذهبية، ونزوح الملايين، يبدو مستقبل سوريا غامضًا. قالت النائبة الجمهورية، كاثرين دوما، في افتتاح جلسة مجلس الشيوخ، أمس الأربعاء: “ما زلنا في حدود الوعود”، في الوقت الذي أكد نصر أن “كل شيء مرتبط برجل واحد”، في منطقة وصفها بأنها “شديدة التقلب”.

ماضٍ جهادي لرئيس الدولة

وقد أثار ماضي الشرع كجهادي سابق جدلًا واسعًا، وهو ما ذكّر به عضو مجلس الشيوخ الوسطي فرانسوا بونو. فمنذ 29 كانون الثاني/يناير 2025 يتولى الشرع منصب رئيس الجمهورية. ووفقًا للتقرير، بعد إعلان الشرع فك ارتباطه بـتنظيم “القاعدة”، أسس “هيئة تحرير الشام”، التي ابتعدت تدريجيًا عن “الإرهاب الدولي”، وقادت من إدلب الهجوم الذي سرّع بانهيار نظام الأسد في غضون 12 يومًا. لكن الرئيس الجديد لا يزال يجد صعوبة في إقناع الآخرين بأنه تخلّى تمامًا عن “الجهاد العالمي”.

يؤكد نصر أن هذه “المسيرة الطويلة والمكلفة” بدأت منذ سنوات، وأن ملامحها ظهرت عام 2023، بل تعود جذورها إلى 2017، إلا أن الوقت كان “مبكرًا جدًا للإعلان عن خططه أمام جمهوره”. ويرى نصر أن الشرع “إسلامي ومحافظ”، لكنه ليس “إرهابيًا جهاديًا”، بل يبدو “أكثر انفتاحًا”، خصوصًا في منح الأقليات الدينية حرية أوسع في ممارسة شعائرها، على نحو مختلف “عمّا هو مسموح في نظام طالبان أو الجمهورية الإسلامية في إيران”.

فسيفساء دينية مهددة

بحسب الموقع الفرنسي، تواجه الأقليات في سوريا مخاوف متجددة من العنف، وهو ما ناقشته لجنة الشؤون الخارجية الفرنسية، مذكرة بأحداث العنف الطائفية التي شهدها الساحل في آذار/مارس الماضي، بالإضافة إلى أحداث السوريداء في تموز/يوليو الماضي.

ورأى نصر أن هذه الأحداث عبارة عن “أعمال فردية” وانتقامات ضد أنصار النظام السابق، لا “سياسة للدولة الحالية”، التي تواجه صعوبة في ضبط الوضع. وأوضح أن الحكومة تبذل جهدًا لـ”طمأنة الأقليات”، وتتصدى سريعًا لأعمال العنف، لافتًا إلى أن “المسيحيين يقيمون علاقات جيدة مع دمشق” ويحتفلون بأعيادهم “بحرية واسعة”.

دستور انتقالي

في منتصف آذار/مارس، تم التوقيع على إعلان دستوري لمرحلة انتقالية مدتها خمس سنوات. النص نصّ على حرية الأديان وحماية حقوق المرأة، وضمان الحقوق الثقافية واللغوية للأكراد، في سابقة تاريخية. ومع بقاء الشريعة “مصدرًا مرجعيًا”، تعهّد الشرع بالحفاظ على هذه المكتسبات. لكن ذلك أثار استياء بعض الحلفاء الذين اعتبروا أنه “ذهب بعيدًا”، وأنهم “لم يقاتلوا من أجل هذا”.

وأكد نصر أن النساء شاركن في عملية السيطرة على دمشق، واليوم يشغل بعضهن مناصب وزارية، في “رسالة قوية” تعكس التحول الجديد. وأوضح أن الشرع “يوازن بين العادات الريفية والحياة المدنية”، وهو ما يخلق “احتكاكات” يعمل على معالجتها.

كما سلكت دمشق مسارًا نحو حرية التعبير والإعلام، حيث يُسمح للصحافة الأجنبية بدخول البلاد “حتى إلى مواقع المجازر”، فيما تبث القنوات الرسمية أحيانًا تصريحات ناقدة لا تخضع للرقابة. وفي كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 24 أيلول/سبتمبر، شدد الشرع على رفضه “الطائفية”، لكن نصر أشار إلى أن ذلك “مكلف” بالنسبة لجناحه المتشدد. وأوضح أن التحدي الأكبر هو تحقيق “السلام الاجتماعي”، خصوصًا وسط “هوية سنية مقموعة” لعقود تبحث عن “الانتقام”، ما يجعل “العدالة الانتقالية” أمرًا “ضروريًا”. كما أقرّ بأن الفساد المتجذر يشكل “العقبة الكبرى” أمام السلطة الجديدة.

ويشير التقرير إلى أن سوريا اليوم تبدو “صحراء من الركام”، بحسب وصف نصر، مع مدن مدمرة ومدارس ومستشفيات مهدّمة. الأولوية الآن هي إزالة الألغام وإعادة الإعمار قبل عودة النازحين. ورغم ذلك، يمكن للبلاد أن تعتمد على “جالية ثرية” في الخارج قادرة على “إعادة الاستثمار”، إذا رُفعت العقوبات الدولية المتبقية.

مشهد إقليمي متحرك

أبدت تركيا ارتياحها لسقوط الأسد، إذ يحتاج الرئيس رجب طيب أردوغان إلى “سلام دائم مع الأكراد”، وهو ما يرتبط مباشرة بالتطور السوري. ويسعى لإبعاد قوات سوريا الديمقراطية “قسد” جنوبًا بدعم “الجيش الوطني السوري”، فيما تحاول “قسد” التفاوض مع حكومة الشرع للحفاظ على وضعها، لكنها تخشى خسارة الدعم الأميركي. وحذّر نصر من أن على هذه القوات “ركوب قطار التغيير قبل فوات الأوان”.

أما إسرائيل، فما زالت تواصل شن الغارات الجوية في عمق الأراضي السورية رغم دعوة الشرع في الأمم المتحدة إلى وقفها والعودة لاتفاقات 1974. وقال نصر إن دمشق حدّدت “سقفًا متواضعًا جدًا” لمطالبها، باكتفائها بالمطالبة بانسحاب الجيش الإسرائيلي من المنطقة العازلة.

وعلى صعيد آخر، ذكّرت النائبة هيلين كونواي-موريه بملف الكبتاغون الذي كان “المورد الأساسي” للنظام السابق. وأوضح نصر أن رأس الشبكة سقط، لكن مخزونات صغيرة لا تزال تُباع، ويسعى الشرع لإنهاء هذا الملف لتسهيل تقاربه مع دول الخليج والأردن.

أما على الجانب الروسي، فإنه رغم دعم موسكو الطويل للأسد، دعا الشرع الرئيس فلاديمير بوتين إلى “التخلي عن الأسد” حتى قبل دخول دمشق. وسرعان ما رفع الروس العلم الجديد على سفارتهم بموسكو، واصفين النظام السابق بـ”المافيوي”. ويستخدم الشرع وجود القواعد الروسية في حميميم وطرطوس كـ”ورقة ضغط”، رغم امتعاض بعض قاعدته الشعبية من استمرارها.

رئيس وحيد في مواجهة التحديات

يصف نصر الشرع بأنه “رجل وحيد” يواجه تحديات هائلة، إذ “كل خطوة لها ثمن سياسي وأمني”، وكل اتفاق أو انفتاح على الأقليات يُعد “مخاطرة”. وتراقبه قاعدته الداخلية، كما تتابعه إسرائيل وإيران وتركيا، التي تنظر بقلق إلى تقاربه مع السعودية. ويؤكد نصر أن قوة الشرع قائمة على “هالته كمن أسقط الأسد”، لكنها ليست “شيكًا على بياض”. وختم بالقول: “يجب بناء حل سياسي مع هذا الرجل، ومع مرور الوقت سيُبنى مع غيره”.

——————————————-

فرنسا لأهلها”.. سوريون يعودون إلى بلدهم نهائيًا بعد سنوات من اللجوء/ هند مقصوص

29 سبتمبر 2025

يقطع متعبون ومنكوبون مسافات مهولة بين الغابات والبحار والقارات أملًا باللجوء إلى بلدان أكثر أمانًا وتقديسًا للحريات والحقوق الإنسانية، ويواجهون بعد ذلك مشقات طلب اللجوء وصعابه إلى اللحظة التي يحظى بها اللاجئ بحياة مستقرة من ناحية الأوراق القانونية والدعم المادي والحقوقي والإغاثي، والتمكين في التعليم وسوق العمل، وفي وقت يشمل ذلك آلاف السوريين ممن قدموا إلى فرنسا خلال العقد الأخير، إلا أن العديد منهم قرّر العودة النهائية إلى بلده، بعد سنوات تأسيس واستقرار في فرنسا.

رصد “الترا صوت” العديد من الحالات التي قدّم فيها لاجئون سوريون طلبات لإلغاء لجوئهم إلى الحكومة الفرنسية، والعودة الطوعية النهائية إلى بلدهم، رغم سماح السلطات في فرنسا للاجئ السوري زيارة بلده، على عكس العديد من الدول الأوروبية، التي تسقط صفة اللجوء عن حاملها، بمجرد عودته إلى بلده الأم.

وكانت وزارة الداخلية الفرنسية سمحت في شباط/فبراير هذا العام، للاجئين السوريين في فرنسا، وبشكل استثنائي، بالتقدم للحصول على تصاريح تمكنهم من العودة المؤقتة إلى بلدهم الأم من دون فقدان حقوقهم القانونية، قد تشمل الأسباب المبررة للزيارة “دوافع إنسانية” تتيح التواصل مع أفراد العائلة، أو التحقق من ممتلكات تركت في سوريا، ولا يدخل في ذلك الدوافع السياحية أو التجارية أو المهنية.

القوانين تمنع عادة المستفيدين من الحماية الدولية في فرنسا من السفر إلى بلدانهم الأم، لكن الوزارة أكدت أن الوضع “الجديد” بعد سقوط نظام الأسد في سوريا، يبرر توسيع تعريف الدوافع الإنسانية، ليشمل ما يسمى “العودة الاستكشافية”.

ووفق التعميم الصادر عن الداخلية الفرنسية، يصدر تصريح خاص لهذه الرحلات، تصل مدته إلى ثلاثة أشهر كحد أقصى، ويمكن تقديم طلب الحصول على هذا التصريح لدى الإدارة المحلية في مكان إقامة المستفيد من الحماية، ويلزم هذا الطلب تقديم وثائق تثبت الحاجة الملحة لزيارة سوريا.

وتواصل “الترا صوت” مع سوريين تمكّنوا من زيارة بلدهم والعودة إلى فرنسا بموجب هذا القرار، وأكدوا سهولة الإجراءات، ما يطرح تساؤلات عن دوافع لاجئين سوريين عادوا نهائيًا إلى بلدهم، رغم إمكانية الزيارة المؤقتة لسوريا، والعودة بسلاسة إلى مكان لجوئهم في فرنسا، حيث أقاموا لسنوات هناك، تعلّموا لغة البلاد، ودرس أبناؤهم في المدارس والجامعات الفرنسية، وأسسوا لتكون بيوتهم مجهزة ومخدّمة بشكل كافٍ.

كما أجرى “الترا صوت” مقابلات مع سوريين عادوا أو قرروا العودة إلى بلدهم بموجب العودة الطوعية النهائية، وبحث معهم أسبابهم، التي تشاركت وتشابهت كثيرًا بين عدد من العوائل السورية، بعضها اجتماعي وبعضها ديني وأخرى ثقافية واقتصادية.

ولاحظنا أثناء إعداد هذا التقرير بوجود ضبابية حول كيفية التقديم على العودة الطوعية، تمثلت بعشرات المنشورات والاستشارات التي رصدناها لأشخاص يستفسرون عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن الطريقة، لا سيما أن البعض منهم أكّد أن حتى موظفي المراكز الاجتماعية ممن يعملون على تيسير معاملات اللاجئين بموجب وظائفهم، لا يملكون المعلومات الكافية للتقديم بطلب إلغاء اللجوء والعودة للبلد الأم، لأنه قلّة ما يقومون بمثل هذه المعاملات للاجئين، وفقًا لتجارب سوريين بهذا الخصوص.

“بناتي يكبرون”

يروي أحد السوريين لـ”الترا صوت” عاد من مدينة ليموج الفرنسية لبلده وإلى مدينة إدلب على وجه الخصوص بشكل نهائي، أن الإجراءات كانت سريعة ومنجزة خلال 30 يومًا فقط كان مغادرًا البلاد إلى سوريا، مؤكدًا أن قراره صائب للغاية وأن بلده جميل جدًا والعيش فيه مريح، لا سيما أنه بأموال قدمتها له الحكومة الفرنسية (7500 يورو) دعمًا لعودته، اشترى آليات عمارة في سوريا، وبدأ العمل هو وأبناؤه فيها.

ورغم حلم العديد من السوريين الحصول على الوضع القانوني الذي يملكه في فرنسا، ممن ينتظرون منذ أشهر قرار قبول لجوئهم دون إجابة لليوم، إلا أنه فضّل العودة النهائية “لأن فرنسا بلد الكآبة والغربة والوحدة، وعندي بناتي يكبرون الآن، وأخاف عليهم من الأوساط الاجتماعية في المدارس، بلدنا أفضل بألف مرة”.

ويشاركه الرأي أبو سامي وهو أب لخمس بنات يسكن في قرية فرنسية صغيرة، أن فرنسا غير ملائمة لمبادئه الدينية والثقافية، خصوصًا مع حرصه على تربية بناته تربية “محافظة”، وأنه لولا وضعه المادي السيء إلى حد ما، كان سيغادر فرنسا نهائيًا فور سقوط النظام، لكن الأوضاع الاقتصادية المتردية في سوريا، هي ما يمنعه حاليًا من اتخاذ قرار العودة النهائية، “أنا أعمل حاليًا، وأتأمل خلال الفترة المقبلة أن أجمع مبلغًا من المال، يؤمن لي حياة كريمة بعد عودتي لبلدي”.

“فرنسا لأهلها”

بين المصاعب المادية والمخاوف الأخلاقية يغادر العديد من السوريين فرنسا إلى بلدهم، لكن ثقافة المجتمع وصعوبات تعلم اللغة، إضافة إلى قوانين الحكومة ونظام توزيع العمل والفرص، أيضًا يمكن أن يكون ضمن الأسباب التي دفعت لاجئين إلى إلغاء لجوئهم والعودة إلى سوريا.

يتحدث خليل إلى “الترا صوت”، عن نيته مغادرة مدينة بوردو الفرنسية إلى سوريا مع نهاية العام الدراسي الحالي، ويشرح “نحمل شهادات عليا أنا وزوجتي، لكن مشوار تعلم اللغة الفرنسية كان طويلًا، كنا نعمل في بلدنا ومرتاحين ماديًا، نساعد غيرنا بلا مقابل، لكننا هنا أصبحنا نحن عالة ونتلقى المعونات المالية من الحكومة، فرنسا تهيئ اللاجئ للمهن الحرة اليدوية، مهما بلغت شهاداتنا فإن فرنسا لأهلها، الطريق طويل لنكون أنفسنا هنا، سنعود إلى سوريا هذا أفضل لي ولزوجتي”.

وعن أبنائه، يشرح خليل “بدأ أطفالي يفقدون الهوية العربية، يتحدثون مع بعضهم باللغة الفرنسية حتى في المنزل، نحاول أنا ووالدتهم تعليمهم القرآن والكتابة بالعربية، إلا أنها مقتصرة على بعض الدروس، أبنائي لا يرغبون بالعودة إلى سوريا لكنهم قصّر ونحن أعلم بمصلحتهم، ولدينا أولوية تعليمهم ثقافة بلدهم وأخلاق دينهم”.

من جهته، يقول زياد وهو سوري يسكن مدينة روان الفرنسية لـ”الترا صوت”، إنه عانى من العنصرية والتمييز في فرنسا على مدار سنوات، عرقل ذلك حصوله على عمل مناسب له، وأثّر على استكمال إجراءات لم الشمل لزوجته، “هناك أوكرانيون بدأوا العمل فور وصولهم وقبل أن يتمكنوا من إتقان اللغة الفرنسية، أنا باحث عن عمل منذ 3 سنوات ولم أحظ بأي فرصة إلى الآن، فضلًا عن الحياة الاجتماعية المعدمة هنا، الحياة هنا مرض واكتئاب، لذلك قررت العودة النهائية”.

ووفقًا للقوانين الفرنسية، يمكن للاجئ أو المستفيد من الحماية الفرعية التخلي عن اللجوء، الذي حصل عليه من الأوفبرا (المكتب الفرنسي لحماية اللاجئين وعديمي الجنسية)، في “لم تعد أسباب طلب لجوئك موجودة، وتغير الوضع بالنسبة لك ولعائلتك، ويمكنك أن تكون بأمان في بلدك الأصلي ويُمكنك العودة إليه بأمان”، وفقًا لمذكرة معلومات أوردتها الأوفبرا عبر موقعها الرسمي.

ويصل الفار من أهوال الحرب في بلده إلى برّ الأمان محملًا بأحلام كثيرة وطموحات، إلى جانب سنوات من الخبرة في مجالات مهنية وشهادات علمية ربما، طامعًا بتأسيس حياة كريمة من الصفر، ينعم في طريقه إليها بعلاقات اجتماعية كالتي كانت تؤنسه في بلده، وبتجارب ومعارف جديدة يكتشفها، لكن هذا ما لا يتحقق في كثير من الأحيان، عندما يصطدم بواقع بلاد اللجوء الذي يجّره إلى العمل بمهن يدوية لم يمارسها من قبل، وبوحدة لم يتوقع عيشها أبدًا، فضلًا عن بيروقراطية مقيتة.

ويقدر عدد من يتمتعون بوضع اللاجئ السياسي السوري في فرنسا، بحوالي 45 ألف شخص، غالبيتهم فروا مع تفاقم الحرب في سوريا منذ انطلاق الثورة السورية عام 2011.

——————————————-

===========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى