أبحاثإشتباكات السويداءالأحداث التي جرت في الساحل السوريانتخابات مجلس الشعبتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

ديمُقراطية وجينوقراطية: في صنع الشعب السوري وتفكيكه/ ياسين الحاج صالح

10-10-2025

        حيثما يجري ذِكرُ الديمقراطية في الإطار السوري تنصرف الأذهان إلى جانبها الإجرائي من عمليات انتخابٍ وصناديق اقتراع، وربما تَعدُّد أحزاب وحملات انتخابية. هذا التصور الإجرائي للديمُقراطية لا يقتصر على الإسلاميين، لكنهم يُميزهم بصورة خاصة لأنَّ الذات السياسية مُعطاة من منظورهم سلفاً: «الأمة»، مُعرَّفةً بالإسلام. وحيثما قبلوا مُدرَكَ الديمُقراطية، فإنهم يميلون بصورة ثابتة إلى اختزالها إلى حُكْم الأكثرية الذي يُفترَض أن تتكفل الإجراءات المذكورة بتظهيرها. وجليٌ هنا أن تركيز التصوّر الإجرائي للديمقراطية ينصبّ على لاحقة «ـقراطية» أساساً، أي على عمليات الحُكْم الظاهرة، وليس على سابقة «ديمو» التي تُشير في هذا المقام إلى الذات أو الفاعل؛ الشعب. وما نحصل عليه من تطبيق تلك الإجراءات هو إسلامُقراطية؛ حُكْم الإسلاميين. وهو في السياق السوري حكمُ مسلمين سُنّيين، ولاءُ أكثرهم لأمة إسلامية مُتصوَّرة، وليس لشعبٍ سوري أو أمةٍ سورية. 

        لكن الديمُقراطية ليست حُكْمَ الأكثرية بل هي حُكْمُ الشعب، ورُكنه الأساس هو السيادة الشعبية (المبدأ الذي استند إليه المؤتمر السوري عام 1920 كأساس للاستقلال السوري، بحسب إليزابث ثومبسون في كتابها عن المؤتمر)، أي أن الشعب هو المُشرِّع، وباسمه تصدر القوانين، ويُحتكَر العنف وتُبرَّر العقوبات القصوى. الفريق الحاكم هو من يفوز بأكثرية الأصوات في الانتخابات، وهذه أكثرية غير موروثة وغير مضمونة مسبقاً، فوق أنها متغيرة. حقوق الأقليات، بما في ذلك فُرصةُ أن تصير أكثرية سياسية في جولة قادمة، مُصانة وأساسية. الذاتُ السياسية في الديمقراطية هي الشعب، الديموس، وليس أكثريةً أهليةً موروثة، دينية أو إثنية أو غير ذلك.

        ومبدأ السيادة الشعبية هو السرُّ في تكفير الديمقراطية من قبل السلفيين الجهاديين وعموم دعاة الحاكمية الإلهية، التي لا تعني شيئاً آخر غير السيادة الإلهية، أي أن الله هو السيدُ السياسي والمُشرِّعُ الوحيد. إجابةُ الإسلاميين على سؤال من هو الفاعل السياسي هي الله، وبالنظر إلى أن الله لا يحكم مباشرة، فإن النموذج الثيوقراطي أو الله-قراطي الذي يُزكُّونه يَؤولُ عملياً إلى سلطة بلا ضفاف للإسلاميين الذين يَحكمون باسمه (باسم الله). ولمّا كان الإسلاميون بشراً مثلنا، تتملَّكُهُم نوازعُ البشر من أنانية ومحاباة للذات والقريب وأهواء طائفية وقابلية للفساد وغير ذلك، فإن هذا يُبقي مسألة الفاعل السياسي مفتوحةً، وينفي صلاحية الإجابة الإسلامية عليها. التاريخ الإسلامي ذاته ينفي صلاحية إجابتهم مثلما ينفيها المنطق.

        الديموس والجينوس

        بين الجماعات السورية، السُنّيون هم جينوس (عرق، سلالة، عشيرة، جنس)، الجنس الديني الأكبر، لكنه جنسٌ بين أجناس أخرى. ومن حكمٍ سُنّيٍ نحصلُ على جينوقراطية وليس ديمُقراطية، وهو ما يَبقى صحيحاً إن كان الحكم علوياً أو مسيحياً أو درزياً أو غير ذلك. يمكن للجينوس أن يكون أكثرياً أو أقلياً، 70 بالمئة من السكان أو 10 بالمئة، لكن حكمه لا يصير ديمقراطياً إن كانت النسبةُ عالية، ولا يصير طغيانياً فقط إن كانت النسبة متدنية. إنه حكم استبدادي في كل حال، يقوم على الغلبة والهوى والتعسُّف.

        ومن أمثلة الحركات الجينوقراطية التفوّقية البيضاء في أميركا وتيارات اليمين الشعبوي في أوروبا، وعقيدة الهندوتفا اليمينية في الهند (التفوقية الهندوسية)، والصهيونية، والإسلامية لدينا، وهي ضربٌ من التفوّقية الإسلامية، وعموم النزعات القومية في أيامنا، بخاصة في بلدان متعددة الإثنيات. وحكمُ الجينوس، حتى حين يكون أكثرياً، هو في واقع الأمر حكمُ فريقٍ صغير، نخبة أو عائلة، يستند إلى ذلك الجينوس لتثبيت نفسه في الحكم، ضد جينوس أو أكثر من جينوس آخر. لكنه في جميع الأحوال ليس حُكماً ديمُقراطياً.

        جديرٌ بالذكر أن الديموس والجينوس تعبيران يونانيان، يُستخدمَان اليوم في كل لغات العالم. وأشهر استخدام لكلمة الديموس هو في الديمُقراطية، أما أشهر استخدام للجينوس فهو في الجينوسايد؛ القتل الجماعي على الهوية.

        الديمُقراطية والدكتاتورية

        ولأن الشعب، الديموس، لا يوجد في الطبيعة ولا هو معطىً وراثي، فإن الأساسي في الديمُقراطية هو ظهور هذا الشكل السياسي، وهو ما يمكن السيرُ نحوه عبر عمليات متعددة منها التعليم وتوحيد القوانين واحتكارُ الدولةِ للعنف، والعمل على تنمية مُقدَّرات الشرائح الاجتماعية الأضعف، ومنها سلباً مقاومةُ التمييز الديني والعرقي والجنسي وعدم السماح بتبعيات أجنبية لأي قطاع من السكان. الديمُقراطية صيغةُ حكم مرغوبة عالمياً لأنها تجمع بين قيم عادلة وتَحرُّرية لا توفر مِثلَهَا نُظُمٌ أخرى، وبين إجراءات مفتوحة على التحسين المستمر. والغرض العام هو توسيع المُشترَكات بين الجماعات المختلفة المُكوِّنة للسكان، وتقليلُ الأثر السياسي للانقسامات العمودية بينهم، بحيث تَظهر مستويات إجماع لا يمكن أن تكون موروثة من الماضي، بما يضمن الاستقرار وتحسُّنَ مقدرات عموم السكان. وبما أن التاريخ لم يعطِ أي مجتمع متجانس، وبما أن مواريث الماضي ليست متساوية من حيث تسهيل أو تعطيل عملية تكوُّن الشعب، وبما أنه ليس هناك وصفة ثابتة تُفرَضُ من فوق ونحصل بتطبيقها على شعب جاهز، فإن الأمر رهنٌ بالتعلم والحنكة والإبداع السياسي. لكن الحدَّ الأدنى من عمليات صُنع الشعب هو عدم التمييز، واحتكار السلطات العمومية للسلاح وحل الفصائل والتشكيلات العسكرية الخاصة.

        وتُعاكِسُ عملياتِ ظهورِ الشعب عملياتُ تفريقٍ وتمييزٍ لمصلحة الطبقات الأغنى أو القوى المسلحة أو الأكثريات (أو الأقليات) الدينية أو العرقية، الأمر الذي يجعل من ظهور الشعب ميدانَ صراعٍ اجتماعي وسياسي. السؤال الفكري السياسي الأساسي المتصل بقضية الديمقراطية في سورية اليوم هو سؤالٌ عن السياسات الكفيلة بظهور الشعب، الديموس، السوري. وجملةُ السياسات التي ذكرناها للتو (تعليم، توحيد القوانين، احتكار وسائل الإكراه…) تُحيلُ في واقع الأمر إلى دكتاتورية وطنية، حُكْم تَدخُّلي مؤقت واسعِ الصلاحيات، يعمل على مركزة السلطة وعَقلَنتِها، ويقمع النزعات التجزيئية والامتيازات الفئوية والإقطاعات الخاصة. وهو ما يعني أن المشكلة السياسية السورية اليوم لا تُختزَلُ إلى دكتاتورية الحكم الحالي، وهو دكتاتوريٌ بالفعل، يُركِّزُ السلطة بأيدي فريق مُحدَّد ويمنح مركزَ الحكم سلطات واسعة جداً، ويُفترَض أنه مؤقت أو انتقالي (وهذا مُستبطَنٌ في مفهوم الدكتاتورية منذ ظهوره في روما في أواخر القرن السادس قبل الميلاد لمواجهة أوضاع طارئة: حرب أو نزاع أهلي، وكانت مدتها القصوى ستة أشهر). المشكلة بالأحرى في ثبوتيات وطنية مُتواضِعة للحكم الحالي، وبخاصة قيامه على تمييز طائفي يجعل توحيدَ القانون مستحيلاً، أو ينخرُ القانون العام المُعلَن بقانون خاص تمييزي وغير مُعلَن. أي أننا حيال ضرب من الإقطاعية السياسية، تَحولُ دون ظهور شعبٍ سوريٍ اليوم (مثلما حالت طوال عقود من الحكم الأسدي)، وبالعكس يُغذي ذلك لا تجانسَ السوريين وتَعدُّدَ وتَنازُعَ أجناسهم.

        استثناءان وعُنفان 

        سورية في وضع استثناء حقيقي منذ سقوط الحكم الأسدي، وهو نقيضُ الاستثناء الذي صار قاعدة منذ مطلع الحقبة البعثية، إن استندنا إلى فالتر بنيامين في أطروحاته حول فلسفة التاريخ. والاستثناء الحقيقي يتوافق مع صيغة العنف المُؤسِّس للقانون (مقابل العنف الحافظ للقانون، بحسب بنيامين نفسه). أي مع نظام قانوني سياسي جديد. لكن ما جرى خلال ما يقترب من عام مغمورٌ بالابتذال وانعدامِ المُخيِّلة وفصائلية الدولة أو تَعدُّدِ الإقطاعات في داخلها، مع ضروبٍ من العنف المضاد للمجتمع.        

        في التفكير السياسي السوري، حضور منفصل لثنائية ديمُقراطية/ دكتاتورية عن ثنائية وطنية/ طائفية. وهو ما يَحكُمُ على التفكير في هذه الثنائيات بأن يبقى صورياً وفقيراً. التعارض بين الدكتاتورية والديمقراطية حقيقيٌ في بنية وطنية، يظهر فيها الديموس، هذا بينما يمكن للدكتاتورية أن تكون مدخلاً للديمقراطية عبر عَقلَنةِ الإدارة ومَركَزة وتنظيمِ أجهزة القوة، أي إرساء بُنية وطنية. ما قد يُبنى على ذلك أن النضال من أجل الديمقراطية ليس نضالاً مجرداً ضد الدكتاتورية، بل لعله نضالٌ من أجل دكتاتورية وطنية تلمُّ أشتاتَ البلد وتُعقلِنُ الإدارة وتوحد القوانين. إن المسافة بين الديمقراطية والدكتاتورية أقصر من المسافة بينهما معاً وبين عالم الجينوقراطية ومختلف ضروب الحكم الطائفي.

        والقصد أنه ليس هناك مُعالَجات وحلول سهلة، وأنه لكي تكون الديمقراطية حلاً، أو البيئةَ الأصلحَ لحلِّ المشكلات الوطنية، لا بد من حلِّ مشكلات وطنية كبيرة قبلها، بما في ذلك بالدكتاتورية ووسائلها القمعية. هذه حلقةٌ خبيثة، يمكن تعريف السياسة بالعملِ على كسرها. قبل الديمقراطية، وحتى قبل الوطنية والطائفية، نحن في حاجة إلى مفهوم للسياسة، دنيوي وعقلاني وإنساني، يُعيد الاعتبار إلى تصور السياسيِّ كفنّ.

        فنّ الممكن وفنّ المستحيل

        والسياسة في عصرنا، والسياسة الديمقراطية بخاصة، هي فنٌّ صعبٌ بالغٌ الصعوبة، وليس هناك دليلُ استخدامٍ يجعله سهلاً. بل إن المجتمعات كلها، وهي بالملايين وعشراتها، إن لم تكن بمئاتها، غير قابلة للحكم، أو يستحسن أن يكون هذا هو المنطلق في الفعل السياسي. ومن هذا المنظور تَظهرُ السياسة كفنِّ تدبيرِ ما لا يقبلُ الحكم، أي هي مُفاوَضة ومُغالَبة مستمرة للمستحيل. وما قد يساعد في المُفاوضة والمُغالبة توسيع دائرة الفاعلين السياسيين، والديمقراطية هي هذا التوسيع. في الحالة المُثلى، تشمل الدائرة الجميع، الشعب كله؛ وحكم الشعب يستند إلى أن الكلَّ سياسيون بما هم مواطنون، وبما هم متأثرون بقرارات ومسالك من يحكمون، ومن حقهم بالتالي مُساءَلة الحاكمين والمُشاركة في الحكم. وهذا ما يجعل من الديمقراطية مشروعاً مفتوحاً، مستمراً، لا يكتمل. في ديمقراطيات عالم اليوم، المواطنون شركاء بالإنابة غالباً، لأن الديمقراطية المباشرة، حكم الشعب المباشر، تقتضي دوائر صغيرة. والتمثيل هو شكلُ الإنابة؛ ينتخب الناس من يمثلونهم بحرية، ويمكن لهم أن يُغيروهم بالعرائض أو الاحتجاجات أو في دورة انتخابية لاحقة.

        يُقال إن السياسة فنُّ الممكن، بلى، لكنه فنُّ الممكن في تدبيرِ المستحيل، أي حكم الملايين والتسوية بين مصالحهم المتناقضة. وليست فنَّ المستحيلِ في تدبير الممكن. ومن المستحيل الذي نعرفه في تاريخ سورية القريب حالةُ الاستثناء الدائمة والجمهورية الوراثية والحكم الأبدي وعبادة الحاكم البشري، وهو ما لا يتحقق بغير عنف مَهول لأنه جمعٌ للنقائض وانتهاكٌ للعقل. والعنف هو الحلُّ الأشدُّ ابتذالاً وتدميراً لمشكلة المستحيل السياسي. اليوم، نحن مهددون بمستحيلِ تديين الدولة، أي جعل الدينِ دولةً، أو إحلال الجينوس السُنّي محلَّ الديموس السوري، وربما بعد حينٍ الأبدُ في حلة جديدة، وهو ما يمتنع بدوره دون عنف مهول، يُدمِّرُ كثيراً قبل أن يُدمِّرَ نفسه. يُدمِّرُ السياسة قبل الجميع.  

        المجزرة والتقسيم

        الحكم الجينوقراطي ذاتيُ التدمير في النهاية لأنه حُكمٌ مَرجِعُهُ هذا الجنس الأهلي أو ذاك، وحتماً ضد غيره من الأجناس الأهلية. وهذا حكم ينفتح على الإبادة (الجينوسايد) أو مجازر إبادية، أخذنا نعرفها في سورية منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين، ورأينا موجتين منها في الأشهر المنقضية على سقوط الحكم الأسدي. لا يمكن إبعادُ احتمال الجينوسايد؛ القتل الجماعي أو الإبادة على الهوية، مع إبقاءِ الحكم الجينوقراطي. هذا هو الأساس لذاك. ثم أنه يمكن التفكير في ما شهدناه في سورية مؤخراً من صعود مُتسارع لدعوات التقسيم والانفصال، إلى جانب المجازر، بأنهما وجها الحكم الجينوقراطي المُتلازمان.

        ومن هذا المنظار تظهر صعوبة السياسة الديمقراطية على ضوء جديد: إنها البديل الشاقُّ عن المجزرة وعن التقسيم. ليس هناك شيء سهلٌ ضد هذا الثنائي. بالعكس يبدو أن المجزرة والتقسيم هما نتاجان مُرجَّحان لطلب المستحيل بالعنف (أشد الحلول سهولة وكارثية) من قبل الحاكمين الجينوقراطيين وأشباههم ممن يريدون الشيء نفسه: أن نستأثرَ بالحكم، وأن نسيطر عليهم بالكامل و«إلى الأبد»، أن نقهرهم فيستسلمون لنا، فلا هُم مثلنا ولا نحن مثلهم. والتطلُّع إلى حكم المِثل الذي يعمُّ السوريين المتنازعين اليوم هو ما يسميه رينيه جيرار في العنف والمقدس الرغبة المُحاكية، الرغبة في الشيء نفسه، وهي تؤسِّسُ لأزمة قربانية أو تضحوية، يبدو أننا في غمارها اليوم، وقد كنا كذلك طوال ما يقترب من 15 عاماً.

        «الشيء نفسه» هو حكم الجينوس، حكم جنسنا، ضربٌ من المثلية السياسية أحادية الجنس. التقسيم ليس نتاج الاختلاف والفروق البينية، بل هو نتاج التماثُل و«الرغبة المُحاكية». منطق الرغبة المُحاكية يمكن تلخيصه بسؤال: ما هي مجزرتك المفضلة؟ وفضلاً عن المجزرة، الجينوقراطية حكم مِثلي انفصالي، بفعل استناده إلى جماعة أهلية معينة تشتهي أن تكون مثلَ نفسها، صافية بلا اختلاط، وأن تعيشَ وحدها في صفائها.

        وبطبيعة الحال، يمتنع الجمع بين وحدة بلد مُختلَط ومُتنوِّع وبين الحكم الجينوقراطي فيه. كان هذا صحيحاً في الحقبة الأسدية، لكن لم يُتَح لقطاعات من السوريين امتلاك السلاح والسيطرة على إقليم إلا بعد سنوات الثورة والحرب. وقد يُمكن النظر إلى الثورة ذاتها، وأكثر إلى مسارها بعد العام 2013، كمسعىً للانفصال عن حكم جينوقراطي بكوامن إبادية قوية. الوجود المنفصل أو شبه المنفصل لجينوس مسيطر بالسلاح على إقليم معين يجعل من طلب الانفصال خياراً شبه بديهي في مواجهة حكم جينوقراطي مُسلَّح وذي استعدادات إبادية. هذا هو الجديد اليوم. وهو ما ينبغي الانطلاق منه من أجل سورية جديدة، تقوم على المساواة والتعدُّد والمشاركة في السلطة.

        ليس هناك منافسٌ للسياسة الديمقراطية (بما في ذلك إجراءات دكتاتورية مؤقتة) كجهدٍ لاجتنابِ العنف الإبادي، كما لتجنُّبِ التقسيم، وهذا لأنها تقوم على اعتبار الديموس الذاتَ السياسية الوحيدة للحكم (أو قُل إطار الفاعلية السياسية الذي يتمايز منه فاعلون متعددون). قبول المشكلات الاجتماعية للحلول السياسية يقتضي حماية تَعدُّدٍ سياسي كوسيلة مُجرَّبة لدرء تَعدُّد لا سياسي؛ تَعدُّدِ أجناسٍ تميل إلى التجانس الداخلي وطرد الاختلاف من داخلها ورفع الحواجز في وجه المختلفين عنها من خارجها. هذا التعدُّدُ الأخير الذي نعاينه اليوم في سورية مفتوح على المجزرة والتقسيم دون غيرهما.

        حُكْم غيري

        تَظهَرُ الديمُقراطية هنا في ضوء إضافي: حكم التعدد والاختلاط، أو الحكم الغيري. ويظهر كذلك أن المسألة السياسية هي أساسُ المشكلة السورية اليوم، أعني ما يتصل بالفاعلين والمؤسسات والممارسات والأفكار السياسية المعنية بمنع المجزرة والتقسيم، والبحث عن حلول للمشكلات تصون حقوق وحريات وكرامة الأفراد والجماعات المختلفة. الديموس، الشعب، السوري يظهر عبر العناية بالمسألة السياسية بهذه الدلالة، التي يندمج فيها تشكل الديموس بإجراءات الحكم؛ الـ«ـقراطية».

        من يعمل على ظهور الديموس؟ هُم من يقاومون الحكم الجينوقراطي، إنْ على النطاق السوري العام أو على أي نطاقات أصغر. الالتحاقُ بالجماعات الأهلية المُسلِّحة هو انحيازٌ لمجزرةٍ وتقسيم ضد مجزرةٍ وتقسيم. ليس هناك طاقة ديمقراطية كامنة في أي من المشاريع الأهلية المُسلَّحة المُقترَحة اليوم، هي مشاريع جينوقراطية صريحة، تستنسخ مِثلية حكم الإسلاميين الحالي، أو أقلَّ صراحةً تستنسخ مِثلية الحكم الأسدي وأقنعته التعدُّدية. هناك أفقٌ ممكن لحركة ديمقراطية جديدة في سورية فقط بالاعتراض على الجينوقراطيات المتعددة المتنازعة، السافرة منها والمُقنَّعة.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى