تحقيقاتسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

أزمة الخدمات في مخيمات شمال غرب سوريا: َراجُع الدعم الدولي بعد سقوط نظام الأسد وصعوبات العودة/ هاديا منصور

06-10-2025

        في مخيم أطمة القريب من الحدود السورية-التركية، تقف منيرة الشيخ علي أمام خيمتها المُتشققة، وقد لفَّت رأسها بوشاح قطني مهترئ. تقول إن الأيام التي تعيشها حالياً هي الأسوأ منذ نزوحها في العام 2017، وتُشير إلى أن الخدمات شحيحة جداً، وأن الماء يُشترى بأسعار باهظة قد تصل إلى 400 ليرة تركية للصهريج الصغير (10 دولارات تقريباً)، في وقت لا تملك فيه معظم العائلات ثمن ربطة خبز واحدة. لا تستطيع منيرة العودة إلى قريتها بريف إدلب الجنوبي، نتيجة تَهدُّم منزلها، وانتشار الألغام في المنطقة، وغياب الخدمات الأساسية.

        ما تزال مخيمات النزوح في شمال غرب سوريا تؤوي مئات الآلاف من النازحين منذ أعوام، وهي تشهد أزمة إنسانية متفاقمة تفجرت هذا العام على نحو غير مسبوق، مع تدهور حاد في الخدمات الأساسية، بما في ذلك إمدادات المياه النظيفة، وخدمات ترحيل النفايات والرعاية الصحية، في ظل انهيار شبه كامل للبنية التحتية، وتراجع ملحوظ في حجم الدعم الدولي المُخصَّص لها.

        تحدثت منيرة للجمهورية.نت عن حالة طفلها الصغير، الذي يعاني من الإسهال منذ أكثر من أسبوعين، حيث لم تجد في النقطة الطبية سوى نصائح بغلي المياه وتجنب الملوثة منها، رغم غياب الغاز والكهرباء اللازمَين لذلك. كما عبَّرَت عن حالة اليأس العامة في المخيم، في ظل توقف المساعدات، وغياب أي مؤشرات على تحسُّن قريب. تحدثت أيضاً عن انتشار الأمراض والروائح الكريهة نتيجة تراكم النفايات بين الخيام، ووصفت المخيم بأنه «بات مكاناً للمرض لا للحياة».

         تضيف منيرة أن المعاناة لا تخص عائلتها وحدها، فثمة عائلة فقدت طفلها بسبب التهابٍ حادٍّ في المعدة، وتوفيت سيدة مسنة عاجزة عن الحركة لعدم توفر وسيلة تنقلها إلى المستوصف، في حين يتفاقم الوضع في الصيف مع انقطاع المياه وتدهور الخدمات. واختتمت كلامها بنداء إنساني: «النازحون ليسوا مجرد أرقام في تقارير، بل بشر يطلبون الحد الأدنى من مقومات الكرامة: ماء نظيف، دواء للأطفال، وحضور إنساني لا يغيب».

        من جانبه، عرضَ يزن العمري، النازح من ريف حماة منذ العام 2016، واقعاً مؤلماً مشابهاً، مؤكداً أن العودة إلى قريته رغم تحريرها من نظام الأسد، ليست خياراً مطروحاً حالياً، فالمدارس والمستشفى الوحيد فيها مدمرة بالكامل، بينما تفتقر القرية إلى مقومات الأمن والخدمات الأساسية، وأوضح أن الوضع في المخيمات لا يقل سوءاً أو قسوة، حيث تفتقر الأسر إلى مياه شرب آمنة ونظام صرف صحي فعّال وغذاء كافٍ، فيما باتت الأدوية نادرة وأسعارها المرتفعة تفوق قدرة السكان. وأشار إلى أن الشتاء القادم يشكل تهديداً إضافياً، بينما تفاقمت معاناة السكان في الصيف نتيجة الحر الشديد، وأن الإرهاق النفسي والجسدي بلغ ذروته، ما جعل النازحين يشعرون بأنهم مهمشون ومنسيون تماماً.

        وفي موازاة الأوضاع الصحية والخدمية المتدهورة، تتفاقم المعاناة النفسية بين سكان المخيمات، لتشكّل أزمة صامتة قلما تُسلَّطُ عليها الأضواء. خبراء في الدعم النفسي من العاملين مع منظمات إنسانية محلية يُشيرون إلى ارتفاع معدلات الاكتئاب، واضطرابات القلق، ونوبات الهلع، خاصة بين النساء والأطفال.

        في ظل تكرار التجارب الصادمة، من فقدان الأحبة، إلى النزوح القسري، وصولاً إلى العيش في ظروف قاهرة دون أفق واضح، تتشكل أنماط نفسية مُقلقة. تؤكد الاختصاصية النفسية مها حمادة، العاملة ضمن إحدى المبادرات التطوعية، أن معظم الأطفال يعانون من أعراض واضحة للاضطرابات النفسية، مثل التبول اللا إرادي، واضطرابات النوم، والسلوك العدواني أو الانسحابي. كما نبَّهت إلى أن انعدام الخصوصية داخل المخيمات، وانصراف الأهل لتأمين الاحتياجات اليومية، بما يحرم الطفل من الحد الأدنى من الرعاية النفسية الضرورية.

        وتلفتُ السيدة مها حمادة إلى أن النساء يعانينَ من مستويات مرتفعة من القلق المزمن، وانعدام الشعور بالأمان، وغياب الدعم المجتمعي، خاصة الأرامل والمنفصلات عن أزواجهنّ، فيما يواجه كبار السن شعوراً حاداً بالعزلة والتهميش، إذ يندر وجود برامج مخصصة لرعايتهم، أو حتى مساعدتهم على الوصول إلى النقاط الطبية.

        وإلى جانب المعاناة النفسية، يشهد النسيج الاجتماعي داخل المخيمات تراجعاً حاداً في التضامن التقليدي الذي كان يُميز المجتمعات المحلية قبل النزوح. فتكرار الأزمات، وانعدام الموارد، وغياب الاستقرار، أمورٌ ساهمت في خلق أجواء من التوتر والضغط المجتمعي، مما انعكس سلباً على العلاقات البينيّة للعائلات، وحتى داخل الأسرة الواحدة.

        وتُفيد التقارير الحقوقية إلى تصاعد متزايد في مؤشرات العنف الأسري، وزواج القاصرات، وعمالة الأطفال، باعتبارها انعكاسات مباشرة لتداعي منظومات الحماية المجتمعية، إذ بات الأطفال مضطرين للعمل في جمع النفايات أو البيع على الطرقات لتأمين الحد الأدنى من المعيشة، بينما تلجأ بعض الأسر إلى تزويج بناتها في سن مبكرة لتخفيف العبء الاقتصادي. ويؤدي غياب المساحات الآمنة للأنشطة الاجتماعية والتعليمية إلى حرمان آلاف الأطفال من فرص التعلم والتفاعل الصحي، ما يُنذر بجيلٍ يعيش خارج نطاق الحماية والرعاية.

        تؤكد مها حمادة أنه رغم إدراك بعض المنظمات لفداحة الأوضاع النفسية والاجتماعية، إلا أن الاستجابات في هذا الجانب لا تزال محدودة جداً، وتقتصر غالباً على جلسات فردية أو أنشطة توعية قصيرة المدى، دون بنية مستدامة أو برامج شاملة تراعي خصوصية السياق. كما تشرحُ أن الدعم النفسي لا يُدمَجُ عادة في خطط الاستجابة الطارئة، ما يجعله من أولى القطاعات التي يُستغنى عنها في حال نقص التمويل. وهذا ما تصفه بأنه «إعادة إنتاج الصدمة»، حين يُترَك النازحون والنازحات لمواجهة أزماتهم المتراكمة دون أدوات دعم أو تفريغ نفسي.

        وسط هذا الواقع القاتم، تُشدد الاختصاصية النفسية على ضرورة أن تتضمن الاستجابات الإنسانية المستقبلية خططاً نفسية واجتماعية متكاملة، باعتبار أن الصحة النفسية ليست ترفاً بل هي أساسٌ في الحفاظ على استقرار المجتمعات، خاصة في البيئات الهشَّة. وتُطالب بأن يُعاد النظر في توزيع التمويل وتحديد الأولويات، بحيث لا تُختزَل الحياة الكريمة في سلة غذاء، بل تمتد لتشمل الأمان النفسي، والكرامة الاجتماعية، والتعليم، والقدرة على بناء مستقبل.

        وفي سياق متصل، يحذرُ عبدالرحمن جنيد، معاون مدير الشؤون الاجتماعية والعمل في محافظة إدلب، من التداعيات الخطيرة لتقلُّص دور المنظمات الإنسانية في شمال غرب سوريا، وخاصة في إدلب التي تحتضن مئات آلاف النازحين منذ أعوام. ويبيّنُ في حديث خاص للجمهورية.نت أن التراجع في العمل الإنساني لا يرتبط فقط بانخفاض حجم التمويل، بل يشمل أيضاً طبيعة البرامج وآليات التدخل، التي أصبحت أقل فاعلية وهشاشة أمام حجم الاحتياج المتصاعد.

        وأوضحَ جنيد أن عدد المشاريع الإغاثية والخدمية شهد انخفاضاً ملحوظاً، وتحوّلت كثير من التدخلات إلى استجابات طارئة محدودة لا تلبي سوى جزء بسيط من الاحتياجات. وأضاف أن دورها الأساسي يتمثل في التنسيق بين المنظمات الإنسانية العاملة في المخيمات، عبر فرق ميدانية وشبكات تواصل مع المجتمع المدني وإدارات المخيمات، لتحديد الأولويات حسب المناطق الأكثر احتياجاً وتعزيز التنسيق القطاعي، بهدف تجنب ازدواجية العمل وسوء توزيع الموارد.

        يُشير جنيد إلى أن هذا التراجع في الخدمات ينعكس مباشرة على حياة السكان، إذ شهدت معايير توفير المياه النظيفة، والصرف الصحي، والرعاية الطبية، والمساعدات الغذائية، انحداراً حاداً، وهو ما يزيد من مخاطر تفشي الأمراض، وارتفاع نسب التسرّب المدرسي، وتفاقم الأزمات النفسية والاجتماعية، لا سيما بين النساء والأطفال وكبار السن.

        ولفتَ جنيد إلى أن المديرية تسعى جاهدة لتعويض بعض الفجوات عبر خطط استجابة طارئة باستخدام الموارد المحلية، وتفعيل المبادرات المجتمعية، وبناء شراكات مع منظمات لا تزال فاعلة في الميدان، إلى جانب محاولة التوجه نحو حلول مستدامة ومنخفضة التكلفة مثل تحسين أنظمة إدارة المياه، والاعتماد على الطاقة الشمسية، وتعزيز سبل العيش. إلا أنه نبه إلى أن هذه البدائل، رغم أهميتها، لا تكفي لسد الفجوة الكبيرة الناتجة عن تراجع الدعم الدولي.

         ويوجّه جنيد في حديثه رسالة إلى المانحين الدوليين والمنظمات الكبرى، مُحذِّراً من أن التخلي عن هذه المناطق سيؤدي إلى كوارث إنسانية يصعب تداركها، مطالباً بإعادة النظر في قرارات تقليص الدعم، وتقديم حلول تحفظ كرامة الإنسان وتُؤمِّنُ له الحد الأدنى من مقومات البقاء.

        من جهته، يرى أحمد رسلان، عضو إحدى منظمات المجتمع المدني المحلية العاملة في الشمال السوري، أن العمل الإنساني يزداد تعقيداً سنة بعد أخرى، نتيجة تحديات متشابكة تواجه المنظمات المحلية. وأوضح أن حجم الدعم المتاح لا يتناسب مع حجم الاحتياجات، وأن العديد من المشاريع تتوقف فجأة بسبب انقطاع التمويل أو تعطُّل سلاسل الإمداد.

        يقول رسلان إن برنامج إزالة النفايات، على سبيل المثال، توقف مؤخراً بسبب غياب الوقود، رغم أن المخيمات تنتج يومياً مئات الأطنان من القمامة، ما يُنذر بكارثة صحيّة حقيقية، لا سيما في درجات الحرارة المرتفعة. وذكر أن المنظمات الصحية المحلية وثقت مؤخراً أكثر من 1200 حالة إسهال مائي شهرياً في المخيمات، إلى جانب تزايد مقلق في إصابات اللشمانيا، وعودة الكوليرا للظهور في بعض المخيمات، نتيجة تلوث المياه وسوء إدارة النفايات.

        وبيّنَ رسلان أن المشكلة لا تكمن فقط في قلة الموارد، بل أيضاً في ضعف ثقة المانحين الدوليين بالمنظمات المحلية، ما يدفعهم لتفضيل التعاون مع منظمات دولية كبرى، على حساب الكيانات السورية التي تملك اطّلاعاً أعمق على الواقع واحتياجات السكان. وأوضحَ أن معظم تدخلات عام 2025 الحالي كانت إسعافية قصيرة المدى، مثل توزيع سلال غذائية أو مُرشِّحات مياه، دون وجود استثمار فعلي في البنية التحتية أو القطاعات الحيوية كالصحة والتعليم. وأضاف أن دعم القطاعات الحيوية الأساسية، كالصرف الصحي أو تأهيل المراكز الصحية والتعليمية، كان شبه غائب.

        وفي ختام حديثه، أشار رسلان إلى السياق الدولي المُتغيِّر، إذ انسحب جزء كبير من الدعم الدولي بهدوء نحو أزمات أخرى ملحّة، مثل أوكرانيا وغيرها، متسائلاً إن بات النازحون السوريون ضحايا لنظام عالمي يختار من ينقذ ومن يترك، وحذّرَ من أن هذا التهميش يضع المنطقة أمام تحدٍ وجودي، يتمثل في كيفية الاستمرار بالعمل الإنساني في ظل هذا الانسحاب، والحفاظ على ما تبقى من استقرار هشّ.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى