العدالة الانتقالية تحديث 11 تشرين الأول 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي:
———————————
منظومة الاحتجاز والتعذيب لدى نظام الأسد بالتقرير الموسع للآلية الدولية المحايدة/ فضل عبد الغني
2025.10.08
زار رئيس الآلية الدولية المحايدة والمستقلة روبرت بيتي مكتب الشبكة السورية لحقوق الإنسان وقدّم لي نسخة ورقية من الترجمة العربية للتقرير الموسَّع (نحو 300 صفحة) الذي أعدّته الآلية عن منظومة الاحتجاز والتعذيب لدى نظام الأسد، وقد ساهمنا في الشبكة بكمّ كبير من الوثائق والبيانات الداعمة.
وللأسف، تزامن صدور النسخة الإنجليزية في كانون الأول/ديسمبر 2024 مع سقوط النظام، فحال ذلك دون نيله التغطية والنقاش اللذين يستحقهما رغم أهميته والجهود الكبيرة المبذولة فيه. ومع صدور النسخة العربية مؤخرًا، عزمت على الكتابة عن هذا التقرير المهم، فجاء هذا المقال المكثّف.
حصيلة مفزعة للاختفاء القسري وضحايا التعذيب
صدرت أخيرًا النسخة العربية من تقرير الآلية الدولية المحايدة والمستقلة المتناول لجهاز الاحتجاز الحكومي السوري، استنادًا إلى 501 مقابلة وتحليل بنيوي لـ 128 مركز احتجاز في مختلف أنحاء البلاد. تكشف النتائج كيف جرى تحويل بنية الاحتجاز السورية من منظومة عدالة جنائية إلى آلية متطورة للعنف السياسي. ويحلّل التقرير دلالات هذه النتائج على فهم قمع الدولة، وأحكام القانون الدولي، وبنية الانتهاكات المنهجية لحقوق الإنسان في النزاعات المعاصرة. وقد تضمّن التقرير إحصاءات الشبكة السورية لحقوق الإنسان ضمن الفترة التي يشملها، أي قبل تحديثها عقب سقوط الأسد. فقد وثّقت الشبكة منذ عام 2011 اعتقالَ النظام وإطلاقَ سراح ما يقارب 1.2 مليون مواطن، فيما بقي ما لا يقلّ عن 135,253 شخصًا، بينهم 3,691 طفلًا و8,473 امرأة، رهن الاعتقال و/أو الاختفاء القسري حتى آذار/مارس 2023؛ كما وثّقت الشبكة 15,038 حالة وفاة تحت التعذيب على يد قوات النظام بين آذار/مارس 2011 وآذار/مارس 2023، بينهم 190 طفلًا و94 امرأة، مع التأكيد دائمًا أنّ هذه الأرقام تمثّل الحدّ الأدنى الممكن توثيقه.
من العدالة الجنائية إلى القمع السياسي
يمثّل نظام الاحتجاز الأسدي انحرافًا جوهريًا عن مقاصد السلطة العامة؛ فما كان يفترض أن يكون أداة لإنفاذ القانون والإجراءات القضائية أُعيد تشكيله عمدًا ليغدو أداة للضبط السياسي. تكشف أنماط الاعتقال والنقل والاستجواب وممارسات الاحتجاز في مرافق نظام الأسد عن استراتيجية متماسكة: استخدام الاحتجاز لا لمقاضاة الجرائم وفق معايير قانونية، بل لقمع المعارضة عبر عنفٍ ممنهج. ويتجلّى هذا التحوّل من خلال الاتساق التشغيلي بين المراكز، واستمرارية الممارسات عبر الزمن، والتنسيق البيروقراطي بين الأجهزة. يعمل النظام على مبدأ الفرز السياسي لا على أساس العدالة الفردية؛ حيث يُصنَّف المواطنون تحت مسمّيات فضفاضة من قبيل «معارض» أو «إرهابي»، ثم يُخضعون لاستراتيجيات احتجاز مصمَّمة لانتزاع الاعترافات، وجمع المعلومات الاستخبارية، وفرض إرهاب الدولة. وهكذا يغدو جهاز الاحتجاز الناقلَ الرئيسي الذي تمارس عبره الدولة السورية إيقاع الألم، وانتزاع الامتثال، وتوسيع نطاق قدرتها على العنف ليشمل شريحة أوسع من المجتمع.
ويوفّر إطار قانون الإرهاب الصادر عام 2012 ومنظومته القضائية المتخصّصة الغطاء القانوني لهذا الجهاز القمعي؛ تُطمِس هذه البُنى عمدًا الحدود بين حوكمة الطوارئ ومكافحة الإرهاب، لتُنشئ ولاية شبه استثنائية تُدار بالإكراه. وتؤدي صلاحيات النيابة العامة في تمديد الحبس الاحتياطي بدواعٍ أمنية إلى أجل غير مسمّى، إلى جانب المحاكم الميدانية العسكرية المعفاة من القواعد الإجرائية المعتادة، والقبول الروتيني بالاعترافات المُنتزعة تحت الإكراه، مجتمعةً إلى خلق بيئة قانونية يُصبح فيها العنف مشروعًا إجرائيًا.هذا ليس مجرّد إخفاق في استقلال القضاء أو انهيارٍ لسيادة القانون، بل هو تشييدٌ واعٍ لعالَم قانوني موازٍ تُستبدل فيه الضمانات الإجرائية على نحوٍ منهجي. تعمل محاكم مكافحة الإرهاب والمحاكم العسكرية كأحزمة ناقلة للاضطهاد السياسي، تُوفّر غطاءً من الشرعية الشكليّة لعنفٍ دولتي منظّم. حقوق الدفاع قائمةٌ اسميًا فحسب؛ ولا تُفضي مزاعم التعذيب إلى تحقيقات جادّة؛ ويُصدّق القضاة الاعترافات المنتزعة في ظروفٍ تنتهك كل مبادئ الشهادة الطوعية.
التنسيق المؤسسي كسياسة دولة
تنبع فاعلية منظومة الاحتجاز السورية كأداة للقمع من تكاملها المؤسسي. فالأجهزة الأمنية، ووزارة الداخلية، والسلطات القضائية المتعدّدة، والميليشيات الموالية للحكومة تعمل كوحدةٍ منسّقة لا كمؤسساتٍ مستقلّة. ويتجلّى هذا التنسيق عبر توجيهاتٍ مركزية، وقوائم “مطلوبين” مشتركة موزّعة على الحواجز، وحملات اعتقال متزامنة تجوب المجتمعات المستهدَفة.
تكشف الأدلة الوثائقية عن اجتماعاتٍ وتعاميم صادرة عن هيئات تنسيق مركزية تُوجّه العمليات بين الأجهزة؛ تُقسّم هذه التعليمات القطاعات، وتُعيد ترتيب أولويات الاعتقال، وتضمن ممارسات موحّدة على امتداد شبكة الاحتجاز. وتُرسّخ وزارة الداخلية الجانب المدني للجهاز عبر تشغيل السجون ونقاط التفتيش والتعاون السلس مع فروع المخابرات. وبهذا التزامن المؤسسي تُغلق الحلقة بين الاعتقال الميداني والحبس الاحتياطي والاستجواب ثم الإجراءات القضائية، بما يُنشئ دائرةً مكتملة من عنف الدولة.وتبرز عمليات النقل بين المرافق هذا التنسيق بصورةٍ أوضح؛ إذ يُرحّل المحتجزون مصحوبين بتفويضاتٍ وملخّصات استجواب تُمكّن من استجواباتٍ متسلسلة وإكراهٍ متكرّر في مواقع متعددة. ولا يُعدّ كلّ نقلٍ ضرورةً إدارية، بل فرصةً لتجديد العنف؛ إذ تستخلص جهاتٌ مختلفة معلوماتٍ إضافية، وتحدّد أهدافًا جديدة، وتُفاقم الصدمة الواقعة على المحتجزين.
ويتّبع الضرر داخل مراكز الاحتجاز السورية أنماطًا متوقّعة تكشف تصميمًا متعمّدًا لا وحشيةً عشوائية. يبلغ الاكتظاظ حدودًا تعوق التنفّس؛ ويقود الحرمان من الغذاء والماء الأجساد إلى أقصاها البيولوجي؛ وتنهار شروط النظافة إلى حدّ توطّن الأمراض؛ وتُحجب الرعاية الطبية على نحوٍ منهجي حتى في الحالات المهدِّدة للحياة. ليست هذه الظروف نتاج نقص مواردٍ أو ضرورات حرب، بل أدواتٍ مُعدّلة لإنتاج المعاناة.
وتظهر أساليب التعذيب الجسدي والنفسي في المرافق المختلفة متطورةً وموحّدة؛ تُنتقى بناءً على قدرتها على كسر المقاومة مع ترك أدنى أثرٍ ظاهري، أو على العكس لإحداث أذًى مرئيٍّ أقصى بوصفه رسالة ردع. ويُحيل اتّساق هذه الممارسات عبر المكان والزمان إلى التدريب والإشراف وضبط الجودة، وهي سمات سياساتٍ مؤسسية لا تجاوزاتٍ فردية.
كما تكشف ممارسات الاستجواب غايتها الحقيقية من خلال أساليبها وأهدافها: فهي لا تركز على إثبات وقائع جرائم محدّدة بقدر ما تستهدف انتزاع اعترافات بتهمٍ مُعدّة سلفًا، وتحديد أهداف إضافية للاعتقال، وكسر إرادات المعارضين المُفترضين. وغالبًا ما تخلو
المعلومات المطلوبة من قيمةٍ تحقيقية؛ إذ تُستعمل جلسات الاستجواب لتوريط آخرين، ونسج شبكاتٍ من الشك، وتوليد مادة خام لمزيدٍ من الاضطهاد.
ويبرز الموت في الحجز نتيجةً متوقّعة لتصميم هذه المنظومة؛ فمزيج التجويع، والأمراض غير المعالَجة، والإهمال الطبي، والعنف المباشر يُنتج وفيّاتٍ واسعة النطاق. ومع ذلك، لا ينهي الموت سيطرة الدولة؛ إذ تنخرط المستشفيات العسكرية في الإخفاء وتزوير شهادات الوفاة والتخلّص من الرفات بطرائق تحرم العائلات من الحقيقة وتُموّه ملابسات الوفاة. ويجسّد هذا العنف الإداري، المحو البيروقراطي لوقائع الموت، تأكيدًا أخيرًا لسلطة الدولة على الأحياء والأموات معًا.
ويتجاوز حجم الوفيات داخل مراكز الاحتجاز المأساة الفردية إلى عنفٍ ديموغرافي؛ إذ تفقد مجتمعاتٌ بأكملها أعدادًا كبيرة من البالغين، فتتكوّن فراغاتٌ اجتماعية ممتدّة عبر الأجيال. إنّ منهجية هذه الوفيات وقابليتها للتوقّع في ظلّ شروط الاحتجاز، إلى جانب جهود الدولة لإخفائها، تُشكّل قرائنَ متضافرة لا على الإهمال، بل على القصد، أي القبول المدروس بالموت الجماعي كأداةٍ للسيطرة السياسية.
وتستحق مشاركة المؤسسات الطبية في هذه المنظومة إدانةً خاصة؛ فقد تحوّلت المستشفيات العسكرية، التي يُفترض أن تكون مراكز علاج، إلى عقدٍ محورية في جهاز الإخفاء، تُنتِج وثائق مزوّرة وتُسهّل اختفاء الجثامين. أما المتخصصون الطبيون، المكلَّفون أخلاقيًا بصون سلامة المرضى، فيشاركون في التعذيب عبر الحرمان الانتقائي من العلاج وإضفاء طابعٍ طبيّ على العنف.
يتجاوز هذا التواطؤ حدود الإخفاقات الأخلاقية الفردية إلى فسادٍ مؤسسيّ ممنهج؛ إذ ينسّق مديرو المستشفيات مع الأجهزة الأمنية، وتُزوَّر السجلات الطبية بصورةٍ روتينية، وتعمل البنية التحتية الصحية برمّتها داخل منظومة الاحتجاز وفق مقتضياتٍ سياسية لا علاجية.
الآثار القانونية الدولية
يتحدّى نظام الاحتجاز الأسدي الافتراضات الأساسية بشأن سيادة الدولة وحدود سلطتها على مواطنيها. إن تحويل البنية التحتية للعدالة الجنائية إلى أداة قمعية ينتهك أحكامًا عدة في القانون الدولي لحقوق الإنسان، كما يمتد ليطال الإطار الكامل للحكم الشرعي بموجب القانون الدولي. وحين ينفصل الاحتجاز عن أي غرضٍ قضائي حقيقي ويغدو آليةً للعنف فحسب، يفقد صفته كممارسةٍ مشروعةٍ لسلطة الدولة.وترقى الطبيعة المنهجية لهذه الانتهاكات، بما في ذلك تنسيقها بين الأجهزة، واستمراريتها الزمنية، واتساع نطاقها الجغرافي، إلى معايير الجرائم ضد الإنسانية.
يعمل نظام الاحتجاز كهجومٍ واسع النطاق ومنهجيٍّ على السكان المدنيين، مع توافر العلم والنية كما تشي بهما البنية البيروقراطية وتوثيق السياسات؛ فكل اعتقالٍ ونقلٍ وجلسة استجواب ووفاةٍ مُخفاة ليست وقائع معزولة، بل حلقاتٌ متكاملة في حملة اضطهادٍ ممنهجة.
وقد تغذت منظومة الاحتجاز الأسدية على إفلاتٍ شامل من العقاب على جميع المستويات. فالحُرّاس الذين يمارسون التعذيب لم يواجهوا أية ملاحقةً قضائية؛ والمسؤولون الذين يُدبّرون عمليات نقل المحتجزين لمزيدٍ من الانتهاكات يعملون داخل بيروقراطيات روتينية؛
والقضاة الذين يُصدّقون الاعترافات المنتزعة تحت الإكراه يمضون في مساراتهم المهنية؛ والأطباء الذين يزوّرون شهادات الوفاة يزاولون أعمالهم دون مساءلة. ليس هذا الإفلات عرضيًا، بل ضرورةٌ وظيفية؛ إذ إن تعطيل المساءلة يحوّل العنف إلى حالةٍ قابلةٍ للاستدامة. وعليه، ينبغي أن تركز آليات العدالة الدولية على القيادة العليا، وأيضا على شبكة المشاركة بأكملها.
خاتمة
يمثّل نظام الاعتقال الأسدي نموذجًا صارخًا لكيفية تسليح الأنظمة الاستبدادية لمؤسسات الدولة ضدّ مجتمعاتها. فإعادة توظيف البنية التحتية للعدالة الجنائية كآلةٍ للعنف السياسي ليست فشلًا في عمل الدولة، بل تصميمًا واعيًا لها، أي اختيارًا مُتعمدًا للحكم بالإرهاب بدلًا من الشرعية. إن تعقيد هذه المنظومة وتنسيقها البيروقراطي واستمراريتها عبر الزمن تكشف علاقةً جوهرية تُقيمها الحكومة مع مواطنيها: لا كسلطةٍ ذات سيادةٍ تحمي شعبها، بل كقوةٍ قمعيةٍ تتصرّف بوصفها سلطة احتلال على مجتمعٍ مُخضَع.
ولممارسي القانون الدولي والسياسة، تُقدِّم هذه المنظومة دروسًا بالغة الأهمية حول الارتباط بين التصميم المؤسسي والعنف الممنهج. فعندما توفّر الأطر القانونية غطاءً للتعذيب، وتُسهّل الإجراءات البيروقراطية الإخفاء، وتشارك المؤسسات الطبية في التستّر، تتراكم الفظائع الفردية لتتحوّل إلى عنفٍ هيكلي.
وينبغي أن تدفع الأدلة المستقاة من مراكز الاحتجاز السورية نحو إعادة نظرٍ جذرية في كيفية تصوّر القانون الدولي للعنف الممنهج القائم على الاحتجاز وكيفية الاستجابة له. فالأطر الراهنة، المُصمَّمة أساسًا للتعامل مع الحرب التقليدية والإبادة الجماعية، تُعاني في استيعاب فظاعة دولةٍ تُحوّل منظومتها الاحتجازية برمّتها إلى أداةٍ للاضطهاد السياسي. وكما تُظهر الحالة السورية بجلاء، حين يصبح الاحتجاز سلاحًا في الحرب، تنهار الحدود التقليدية بين المقاتلين والمدنيين، وبين ساحة المعركة والسجن، وبين الحرب والحكم، لنبلغ واقعًا موحّدًا من إرهاب دولةٍ ممنهج.
تلفزيون سوريا
—————————-
التعددية والعدالة الانتقالية.. استحقاق غائب عن التجربة السورية/ أغيد حجازي
30 سبتمبر 2025
تُجمع الأدبيات الحقوقية والسياسية على أن التعددية السياسية شرط أساسي لإنجاح أي مسار للعدالة الانتقالية، باعتبارها الإطار الذي يسمح بمشاركة مختلف القوى المجتمعية والسياسية في صياغة المستقبل، ويضمن أن تكون العملية شاملة وغير إقصائية. فالعدالة الانتقالية، كما أظهرت تجارب دول عديدة هي مسار يربط بين كشف الحقيقة، إنصاف الضحايا، والإصلاح المؤسسي، والمشاركة الواسعة. وفي سوريا، يثير غياب التعددية والتشاركية نقاشًا واسعًا حول ما إذا كان بالإمكان إطلاق مسار عدالة حقيقي يحقق المصالحة ويعزز ثقة المجتمع ويمنع تكرار المظلوميات.
العدالة عملية مجتمعية وليست شكلية
قال الحقوقي والمتحدث السابق باسم الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا، المعتصم الكيلاني، إن تجارب عديدة من دول العالم مثل جنوب أفريقيا، المغرب، وكولومبيا، أظهرت أن العدالة الانتقالية ليست مجرد آليات قضائية أو لجان حقيقة، بل هي عملية مجتمعية وسياسية تتطلب اعترافًا بالضحايا، مشاركة واسعة، وإرادة سياسية حقيقية لإصلاح النظام.
وأوضح الكيلاني لـ”الترا سوريا” أن الأنظمة غير التعددية أو غير التشاركية تجعل العدالة الانتقالية غالبًا انتقائية أو شكلية، حيث قد تُستخدم لتصفية حسابات سياسية أو لتلميع صورة السلطة، من دون معالجة الجذور البنيوية للعنف والانتهاكات. وأشار إلى أن تقارير صادرة عن المركز الدولي للعدالة الانتقالية (ICTJ) أكدت أن غياب المشاركة الواسعة والتمثيل المتوازن يُفرغ العملية من مضمونها، ويحوّلها إلى مجرد “إجراءات قانونية” غير قادرة على بناء ثقة مجتمعية أو مصالحة حقيقية.
التعددية ضمانة لعدم تكرار الاستبداد
ومن زاوية أخرى، شدّد المحامي ميشيل شماس، عضو هيئة الدفاع عن معتقلي الرأي والضمير، في حديثه لـ”الترا سوريا”، على أن العدالة الانتقالية لا يمكن أن تتحقق في غياب التعددية السياسية والتشاركية، موضحًا أنها ليست مجرد محاكمات أو إجراءات قانونية، بل مسار اجتماعي وسياسي يشارك فيه الجميع.
وأضاف شماس أن غياب التنوع في التمثيل والمشاركة الحقيقية للضحايا والمجتمع والقوى السياسية المختلفة يحوّل العدالة إلى مجرد أداة بيد فئة واحدة، ويفتح الباب لخلق مظلوميات جديدة. وأكد أن التعددية والتشاركية ليستا فقط شرطًا لإنجاح العدالة الانتقالية، وإنما الضمانة الأساسية لمنع إعادة إنتاج الاستبداد بصيغة جديدة.
الحاجة إلى أسس واضحة لبناء الثقة
في السياق ذاته، قال الدكتور فايز القنطار، الأكاديمي والباحث السياسي، إن العدالة الانتقالية تُشكّل الخطوة الأولى والأساسية لأي سلطة تأتي بعد حرب طويلة مثل الحرب التي شهدتها سوريا على مدى أربعة عشر عامًا، موضحًا أن استعادة المجتمع وإحياء مفهوم العدل والسلم الأهلي وتعزيز ثقافة القضاء وعدم الانزلاق نحو الانتقام الفردي أو القبلي، يجب أن تكون المهمة الجوهرية للسلطة المؤقتة عبر بناء أسس واضحة يشرف عليها خبراء قانونيون، ووضع لوائح محددة بأسماء كل من ارتكب انتهاكات بحق الشعب السوري.
وأضاف القنطار في حديثه لـ”الترا سوريا” أن هذه الخطوة لم تتحقق في سوريا مطلقًا، مرجعًا ذلك إلى “أسباب معقدة، أبرزها استفراد هيئة تحرير الشام بالسلطة، في وقت لا تمتلك فيه تصورًا واضحًا لمستقبل سوريا”. وأشار إلى أن “السلوكيات التي برزت خلال الأشهر الماضية عكست ارتجالية وعدم كفاءة وخبرة، إلى جانب التخبط في الملفات، ومحاولات إلهاء الشعب بقضايا جانبية وبيع الوهم، بدل ترسيخ مفهوم العدالة الانتقالية”.
دروس من تجارب دولية
وعاد الكيلاني ليؤكد أن مبدأي التعددية – تمثيل مختلف القوى والفئات – والتشاركية – أي إشراك الضحايا والمجتمع المدني والنساء والأقليات – لا يمنعان كليًا من إنتاج مظلوميات جديدة، لكنهما يقللان من المخاطر بدرجة كبيرة. وحذّر من أن غياب هذين المبدأين يجعل العملية حصرية ويُنتج رواية رسمية واحدة للتاريخ، وهو ما يؤدي إلى تهميش مجموعات وإنكار معاناتها، وبالتالي توليد شعور بالظلم المتجدد.
وضرب الكيلاني مثالًا بتجربة جنوب أفريقيا، حيث اعتمدت لجنة الحقيقة والمصالحة على إشراك واسع ساعد في تخفيف النزاعات، مقابل تجربة رواندا التي اتسمت بالانتقائية في سرد الروايات بعد الإبادة الجماعية، الأمر الذي ساهم في استمرار التوترات.
أما القنطار، فأكد أن غياب التشاركية الحقيقية مع القوى السياسية والفكرية والعسكرية المعارضة للاستبداد – من سياسيين وضباط منشقين وأكاديميين ومفكرين – جعل من المستحيل بناء أسس فعلية للعدالة الانتقالية. وأضاف أن “استئثار فصائل دينية متطرفة بالسلطة، لا تؤمن بالقانون وإنما تفرض مفاهيم متشددة لا تنسجم مع العصر، ألغى أي إمكانية لتحقيق تقدم في هذا الملف”.
وأوضح أن تجارب تاريخية حديثة في العالم قدّمت نماذج يمكن الاستفادة منها لبناء دولة قانون ومواطنة، غير أن غياب التشاركية والسعي الجاد نحو ذلك جعل الساحة السورية مسرحًا لعمليات انتقام فردية واغتيالات شبه يومية، خصوصًا في حمص والساحل ودرعا، في إطار تصفيات حسابات. معتبرًا أن تصدّر بعض المسؤولين السابقين للمشهد الحالي يثير تساؤلات جدية ويعكس ابتعاد الواقع السوري أكثر فأكثر عن مسار العدالة الانتقالية.
تظهر المداخلات أن العدالة الانتقالية في سوريا ما زالت محاطة بتحديات عميقة، أبرزها غياب التعددية السياسية والمشاركة المجتمعية. وبينما تقدم التجارب الدولية أمثلة متباينة بين نجاح وفشل، تبقى الأسئلة مفتوحة حول المسار السوري: هل يمكن أن يتوافر في المستقبل إطار سياسي أكثر شمولًا يسمح بإطلاق عدالة انتقالية متكاملة، أم أن العوائق الراهنة ستبقيها مؤجلة ومهددة بالتحول إلى إجراءات لا تحقق أهدافها؟
الترا سوريا
——————————-
محاكمات سرّية وقضاة ملثّمون في سوريا… هل نحن أمام ديكتاتورية أخرى؟/ عمار جلّو
الجمعة 10 أكتوبر 2025
“تفاءلنا خيراً بعد رؤية شخصيات شاركت في إجرام نظام الأسد البائد (أحمد حسون وعاطف نجيب ومحمد الشعار…) تُحاكَم في جلسات علنية ومحترمة، مع تمتعها بمعاملة جيدة. لكن الصدمة عاجلت أهالي المعتقلين، بعد أخبار محاكمة أبنائهم في مغارة في منطقة سرمدا من قضاة ومحامين وحضور ملثّمين”، يقول أبو محمد الدرعاوي لرصيف22، مفضّلاً عدم الكشف عن هويته الكاملة لأسباب أمنية. ويؤكد ذلك محمد خالد، وهو معتقل سابق لدى هيئة تحرير الشام ومهتم بقضايا المعتقلين.
ويتابع الدرعاوي، وهو مسؤول في حزب التحرير الإسلامي، “محامي الدفاع ملثّم أيضاً، وهمّه الأكبر تثبيت التهم المزعومة بدلاً من نفيها”. وتراوحت الأحكام بين 4 و10 سنوات. كما شهدت المحاكمات اتهامات افتراضيةً، كالاتهام بأنكم “قد تخرجون في تظاهرات مستقبلاً، إذا دعا الحزب لذلك. وحين فنّد أحد المعتقلين عدم قانونية ذلك، قابله القاضي بشتائم وألفاظ نابية، فضلاً عن جلده 40 جلدةً”. ويشير إلى أنّ “هناك قرابة 35 شاباً معتقلاً من زملائنا في التحرير، إلى جانب آخرين يتبعون لفصائل عسكرية، وناشطين مدنيين، بعضهم أحداث حُكم على أحدهم بـ8 سنوات سجناً، في سجون الهيئة في شمال غرب سوريا”.
وسبق أن وثّقت منظمة “هيومن رايتس ووتش” حالات اعتقال تعسفي، بينها حالات تعذيب، منها واحدة لصبي عمره 16 عاماً. ولفتت إلى أنّ المعتقلين حُرموا من التمثيل القانوني، ولم يُعرضوا على قضاة مستقلين، وأُجبر بعضهم على توقيع تعهدات بعدم ممارسة نشاطهم الإعلامي، فيما شملت أساليب التعذيب: الضرب، الحبس في صناديق معدنية ضيقة (التابوت)، و”الدولاب” (إدخال الجسد في إطار وضربه).
نفت الهيئة حينذاك استخدام التعذيب، وقدّمت مشروع قانون ينصّ على منع الاعتقال من دون مذكرة قضائية (مع استثناءات)، وعُرض المعتقل على قاضٍ خلال 48 ساعةً، مع منع التعذيب، وضمان الغذاء والرعاية الصحية. ولكن، على الرغم من ذلك، لا يضمن القانون حق الدفاع أو الاستئناف، ولا يعترف بحقوق القاصرين.
احتجاز أميري وحكم سلطاني
خلال كلمته في حفل إطلاق الهوية البصرية لسوريا الجديدة مطلع تموز/ يوليو الماضي، قال الرئيس الانتقالي أحمد الشرع: “لقد تم حلّ سجونكم”. مع ذلك، لا يزال ثمّة سجناء يقبعون في سجون “هيئة تحرير الشام” على خلفية آرائهم السياسية ونشاطاتهم المدنية، هذه الهيئة التي جرى حلّها مع توليها السلطة في دمشق وتحول قائدها “أبو محمد الجولاني” إلى أحمد الشرع، الذي أكّد حينها على ضرورة التحول من عقلية الثورة إلى عقلية الدولة.
ويحظر الإعلان الدستوري الناظم للانتقال السياسي في سوريا، التعذيب والاحتجاز التعسفي، ويكفل حق الدفاع في المادتين 17 و18. مع ذلك، يمنع المعتقلون من توكيل محامين أو المثول أمام قضاة تحقيق، ويشيع التعذيب ويتم الاحتجاز في زنازين انفرادية أو مهاجع مكتظة، مع ظروف سيئة جداً من حيث الغذاء والرعاية الصحية في السجون، بحسب موقع سوريا على طول. وغالباً ما تحدث الاعتقالات من دون أوامر قضائية، في ما يُعرف بـ”الحكم السلطاني أو الاحتجاز الأميري”. وتتعرض عائلات المعتقلين للاعتقال أو الابتزاز في أثناء البحث عن معلومات. ويلفت إلى أنّ حلّ “الهيئة” رسمياً يجعل سجونها “غير قانونية”، كما أنّ استمرار احتجاز سجناء الرأي يقوّض شرعية المرحلة الانتقالية ويهدد مفهومها للعدالة.
“تمت محاكمة عدد من المعتقلين في سوريا (علي دلو، صبري عباس، وآخرون) في أيلول/ سبتمبر الماضي، أمام محاكم سرّية غير معلنة الاختصاص”، بحسب مدير آليات التحقيق في رابطة الحقوقيين السوريين الأحرار، ياسر شالتي. ويلفت إلى صدور أحكام بحقهم تتراوح ما بين 6 إلى 10 سنوات، بسبب آرائهم السياسية وانتمائهم المزعوم إلى “حزب التحرير”.
أبرز مظاهر الانحراف القضائي في هذه المحاكمات، طبيعة المحاكمة غير القانونية، بحسب شالتي. يقول: “جرت المحاكمات بشكل سري من قضاة ملثّمين، ما يحرم المتهم من حقه في محاكمة علنية ويهدر مبدأ علانية الجلسات. كما أن المحاكمة أمام قضاة ملثمين تُعدّ سابقةً لا مثيل لها، حتى بالمقاييس السابقة لمحاكمة تتبع للفصائل المسلحة. ناهيك بانتهاك حق الدفاع، حيث حُرِم المتهمون من الحق الأساسي في الدفاع عن أنفسهم أو بواسطة محامٍ، أو استجلاب شهود”.
يروي شالتي، لرصيف22، أنّ “هذه المحاكمات تدلّ على مأزق دستوري أو سيادي، فإن كان لوزارة العدل دور فيها، فهي بذلك تشارك في محاكمات غير قانونية وتضرب بعرض الحائط القوانين السورية. وإن لم يكن لها دور، فهذا يعني أن ‘الدولة’ الجديدة لا تزال تحت سيطرة فصيل يمارس أفعال الميليشيات، متنكراً بثوب الدولة”.
بعد إسقاط النظام السوري في كانون الأول/ ديسمبر 2024، تعالت الأصوات المطالبة بالإفراج عمن اعتُقلوا نتيجة نشاطهم المدني أو آرائهم السياسية. وتواجه “هيئة تحرير الشام”، التي قادت عملية “ردع العدوان”، ضغوطاً شعبيةً وشرعيةً للإفراج عن المحتجزين في سجونها، وفقاً لموقع “عنب بلدي”، عبر دعوات من ناشطين وشرعيين، أبرزهم عبد الرزاق المهدي، تطالب الشرع، الجولاني سابقاً، بإصدار عفو شامل عن معتقلي الرأي. كذلك دعا بيان لـ”ناشطي الحراك الثوري السوري” إلى إقفال ملف المعتقلين لدى جميع القوى العسكرية، وتفعيل “محاكم سوريا الحرة” لمحاسبة منتهكي الحقوق.
وتتفاوت ظروف الاعتقال، بحسب الموقع، لكن سجن “الـ55” في حارم وُصف بأنه “بشع جداً”، وبعض الزيارات جرت فقط عبر وساطات شخصية، فيما ينقل موقع العربي الجديد شهادات عن وجود سجون سرّية تُنقل عند كشفها، مثل سجن شاهين وسجن عقاب، بالإضافة إلى سجن “الفرع 107” في سرمدا، الذي يُستخدم لاحتجاز المعارضين السياسيين. كما تشتمل أساليب التحقيق على التقييد، وعصب العينين، والضرب والصعق الكهربائي.
ولا تزال هناك سجون في إدلب تقع خارج نطاق سلطة الدولة، بحسب ما أفاد الصحافي والحقوقي، محمد نور الدين، لرصيف22، مشيراً إلى أنها “تضم عدداً من العسكريين والمدنيين بالإضافة إلى إعلاميين، منهم من جرى تغييبهم قسراً من دون محاكمات منذ سنوات طويلة. هذه السجون السرية موجودة بالفعل، لكن لا تتوافر لديّ معلومات دقيقة حول أعداد المعتقلين داخلها. لكن من الضروري أن تتحرك لجان حقوقية مستقلة للكشف عن مصير هؤلاء المعتقلين، وتوثيق الانتهاكات والضغط من أجل إطلاق سراحهم، أو ضمان محاكمات عادلة لهم، أو كشف مصيرهم وإبلاغ ذويهم”.
“التكتم على هذا الملف يزيد من معاناة الأهالي، ويضاعف فقدان الثقة بأي خطاب يتحدث عن العدالة أو حقوق الإنسان في سوريا”، يُردف نور الدين.
وفقاً لمحمد خالد، نظّم أهالي المعتقلين تظاهرات واحتجاجات، ومقابلة شخصيات من “الهيئة” والحكومة، لكن من دون استجابة. اللافت في هذه اللقاءات، كان إبلاغهم من إحدى هذه الشخصيات أن هذا الملف خارج القضاء والشرع، وهو ملف “سلطاني” بيد الأمير (الشرع/ الجولاني)، أو أبو أحمد حدود (أنس خطاب، أمني الهيئة سابقاً ووزير الداخلية حالياً)، أو عبد الرحيم عطّون (رئيس مجلس الإفتاء في حكومة إدلب، ورئيس المكتب الاستشاري للشؤون الدينية لدى رئاسة الجمهورية، وعضو مجلس الإفتاء السوري حالياً). وأبدت شخصيات حكومية تعاطفاً مع مطالب الأهالي، عادّةً أنّ الهيئة تحولت من فصيل إلى “دولة”، ولا مبرر لاستمرار الاعتقال.
“رجال النظام السابق طلقاء… ماذا عن معتقلينا؟”
في وقت سابق، قال الباحث في معهد “واشنطن لسياسة الشرق الأدنى”، المختص في شؤون الجماعات الجهادية بشمال أفريقيا وسوريا، آرون زيلين، إن “هيئة تحرير الشام” تمثل نظاماً استبدادياً، والتعذيب ليس مفاجئاً بالنظر إلى جذورها في تنظيم “الدولة الإسلامية (داعش) والقاعدة”. لذا لا ينبغي النظر إليها ككيان ديمقراطي ليبرالي يعطي الأولوية لحقوق الإنسان على النحو المحدد في قانون حقوق الإنسان، على الرغم من التغييرات التي طرأت عليها. بينما رأى الباحث السوري في الجماعات الجهادية، عباس شريفة، والمقرب من الحكومة حالياً، أن نموذج القيادة المركزية لـ”الهيئة” انهار، والجهاز الأمني بات “مسالخ بشرية” تديرها “عصابة مافيوية”.
خرج محمد خالد من اعتقاله الثاني في سجن إدلب مصاباً بشلل نصفي تعافى منه لاحقاً، إذ بدأت حملة الاعتقالات الواسعة ضد “حزب التحرير” برأيه في 7 أيار/ مايو 2023. وكان السبب الحقيقي، كما يروي، أن شباب الحزب كانوا ينشطون بالتنسيق مع عسكريين ومدنيين ووجهاء لفتح جبهة حقيقية ضد نظام الأسد، في ظل تقاعس الهيئة عن ذلك.
“شعرت الهيئة بالخطر من هذا الحراك”، يقول خالد لرصيف22، والتي “اعتقلت عدداً من العسكريين وبعض أعضاء الحزب، ثم وسّعت الحملة لتشمل قيادات الحزب في القرى والبلدات بحجج دعائية، مثل ‘طعن الحزب بالمجاهدين’، ‘يرجّف الناس’، و’له قيادات مرتبطة ببريطانيا’، وهي تهم واهية هدفها شرعنة الاعتقال السياسي”.
لاحقاً، أُفرج عن بعض المعتقلين لأسباب مثل وفاة قريب، أو قرار داخلي، الأمر الذي يشي بأنّ الاعتقال لم يكن مبنياً على جرم حقيقي، بحسب خالد. ويؤكد أنّ أحكام هذه المحاكم تصدر بطريقة مزاجية: “ستة”، “ثمانية”، و”عشرة”، دون تفسير أو شفافية، مقارناً بقسوة بين الإفراج عن شخصيات كانت مواليةً لنظام الأسد، بينما يبقى معتقلو حزب التحرير في السجون، على الرغم من تاريخهم الثوري المشرف. واليوم، يبقى هؤلاء محتجزين كـ”درس” لبقية السوريين، لمنع أي نشاط سياسي مستقل.
يقول الدرعاوي: “لا يزال الثوار الذين طالبوا بتحرير سوريا قابعين في السجون حتى اليوم، ويواجهون مصيراً مختلفاً تماماً”، مضيفاً أنّ “أهالي المعتقلين يعيشون في حيرة ويأس وتساؤل، إذ كيف يعامَل من قتل السوريين وشرّدهم (شبيحة النظام) باحترام، بينما يعامَل أبناؤنا الذين طالبوا بالحرية بهذه القسوة، عادّين أن استمرار هذا الظلم “مسمار يدق في نعش” السلطة الحالية، وسيقودها إلى مصير النظام السابق إذا استمرت على هذا النهج”. ويروي عن أحد المتنفذين في “القطاع القضائي” لدى “الهيئة” وصفه هذه المحاكم بأنها “محاكم أمنية” تدار بعقلية أمنية بحتة، لافتاً إلى وجود عدد من السجون السرية، مثل سجن المعصرة في بلدة قاح، وسجن حارم، وسجن سرمدا المسمى سجن المغارة، وسجن الزنبقي في دركوش ناهيك بسجون أخرى مجهولة حتى اللحظة.
ووفق شالتي، “هذه المحاكم الأمنية أو الاستثنائية غير قانونية، لم تنشأ بموجب القانون ولا تخضع لأي رقابة قضائية. وهي أداة إرهاب تُستخدم لقمع المعارضة وإصدار الأحكام بناءً على أهواء السلطة، من دون ضمانات قانونية. وتشبه بشكل خطير المحاكم الاستثنائية التي أنشأها نظام الأسد (كمحكمة أمن الدولة، ومحكمة الإرهاب)، التي انتهكت أبسط حقوق الإنسان في سوريا. وإذا كانت هذه هي الممارسات في الدولة الجديدة، فهذا يمثل درجةً في التوغل بالإرهاب لم يسبق لها مثيل، حيث تُضفى الشرعية الرسمية على انتهاكات كانت تُدان سابقاً”.
يثبت استمرار وجود سجون سرّية وتعذيب سجناء في مناطق سيطرة “هيئة تحرير الشام” بعد إسقاط نظام الأسد، أنّ تغيير الشعارات لا يعني بالضرورة تغيير الممارسات. وهو ما قد يقوّض شرعية المرحلة الانتقالية برمّتها، ويهدد مفهوم العدالة الانتقالية. وتكمن الخطوات الأساسية في إقفال السجون غير القانونية نهائياً، ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات، وتحويل الملفات إلى النيابة العامة. وهو ما يمثّل اختباراً حقيقياً للسلطات الجديدة، لإثبات جدوى خطابها الإصلاحي وقطع الطريق أمام إعادة إنتاج استبداد جديد تحت شعارات مختلفة.
رصيف 22
——————————-
أمهات وزوجات المفقودين في سوريا.. وجع بلا نهاية/ ديلان محمد
ما حال أمهات وزوجات المفقودين في سوريا؟
2025-10-09
في سوريا، ما زال الغياب يطارد آلاف البيوت، وما زالت أمهات وزوجات يترقبن منذ سنوات طويلة خبراً يبدد ظلمة الانتظار. كل يوم يمرّ عليهن بين الأمل والخوف، بين الرجاء المعلق بعودة الأحبة والوجع الذي لا يرحم. ليست المسألة فقدان شخص واحد، بل انهيار حياة بكاملها؛ فغياب الأبناء والأزواج حرم العائلات من السكينة والأمان، تاركاً جرحاً مفتوحاً لا يلتئم.
ووفقاً لتقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، كان الاختفاء القسري سلاحاً ممنهجاً بيد نظام بشار الأسد منذ عام 2011، أداة للترهيب والعقاب الجماعي. ومع سقوط النظام في كانون الأول/ديسمبر 2024، خرجت بعض الحقائق إلى العلن، لكن المفاجأة كانت أن عشرات الآلاف ظلّوا مجهولي المصير.
وتشير قاعدة بيانات الشبكة إلى أن عدد المختفين قسرياً لا يقل عن 177,057 شخصاً، بينهم 4,536 طفلاً و8,984 سيدة، وهي أرقام لا تُختصر في جداول وإحصاءات بقدر ما تختزل آلاف القصص التي تحولت إلى ذاكرة دامية لكل بيت سوري.
ووثق المرصد السوري لحقوق الإنسان أن أكثر من 85,000 شخص تم اختفاؤهم قسراً منذ بداية الثورة السورية في عام 2011 وحتى الآن. وتشمل الأرقام المعتقلين والمخفيين قسراً على يد مختلف الأطراف، مع استمرار التعتيم على مصير العديد منهم، مما يضاعف من معاناة العائلات ويبرز الحاجة الملحة لتحقيق العدالة والكشف عن مصير المختفين.
صوت الأمهات.. “كأن الغياب قدري”
رعيدة إبراهيم عرنوس من ريف إدلب تحمل في قلبها وجعاً لا ينتهي منذ عام 2012، حين اعتُقل ابنها مصطفى شعبان عرنوس، وهو في الرابعة والعشرين من عمره.
تحكي لـ”963+” بملامح مثقلة: “كان مصطفى شاباً بسيطاً، يعمل كل يوم ليؤمن قوت أسرته، لم ينخرط في السياسة ولا حمل السلاح يوماً. اعتقلوه فقط لأن أشقاءه كانوا معارضين للنظام، فكان هو الضحية رغم براءته”.
وتتابع وهي تكتم دموعها: “اعتقلوه على أحد الحواجز العسكرية، ومنذ تلك اللحظة انقطعت أخباره كلياً. بحثنا عنه في كل مكان، طرقنا أبواب السجون، دفعنا مبالغ مالية طائلة لعلنا نصل إلى أثر له، لكن كل الطرق أُغلقت. لا اسم في السجلات، ولا خبر يؤكد مصيره. سنوات طويلة وأنا أذوب على غيابه، ومع ذلك لم أفقد الأمل أن أراه من جديد”.
حين سقط النظام، ازداد الأمل في قلبها: “كنت أترقب فتح السجون لحظة بلحظة، كنت أتصور أنني سأراه يعود ماشياً نحوي، لكن المفاجأة كانت أقسى من الاحتمال… لا أثر لمصطفى. كأن الغياب قُدر أن يلازمني إلى اليوم”.
الزوجات.. بيت بلا سند وأطفال بلا معيل
المأساة لا تقف عند الأمهات فقط، بل تعيشها الزوجات في شكل آخر. وردة خابور اليوسف، زوجة المفقود جمعة إبراهيم اليوسف، تحمل في شهادتها صورة لآلاف النساء السوريات اللواتي يتحولن مع غياب الشريك إلى أعمدة بيوت مهزوزة.
تقول وردة لـ”963+”: “كان جمعة رجلاً بسيطاً، يخرج كل يوم ليعمل ويؤمن لقمة العيش لنا ولأطفالنا. في عام 2012، وأثناء محاولته عبور الحدود السورية–اللبنانية للعمل، اعتُقل. ومنذ ذلك الحين لم يصلنا منه أي خبر. لا أعرف إن كان حياً أم ميتاً. هذا الغموض هو أصعب ما أعيشه، يقال إنه توفي، لكن لم نرَ جثته، ولا نعرف سبب هذا القول. ومع مرور السنوات، توفيت والدته، وبقيتُ أنا وحدي أحمل ثقل الانتظار”.
وتكمل بصوت متعب: “عشت أنا وأطفالي سنوات من الألم والحرمان. ظللت أبحث عنه بعد الإفراج عن المعتقلين، لكن كل محاولة تسقط في فراغ. أحياناً تصلني صور مجهولة ويقولون: هذا زوجك؟ فأقول: لا. كل غياب يحوّل حياتنا إلى سؤال بلا إجابة. أطفالي كبروا على غيابه، وأنا كبرت على الانتظار”.
أرقام صادمة بلا أجوبة
وراء هذه الحكايات، تظل الأرقام أشبه بكابوس، إذ يضع جكر حسين، منسق لجنة تقصي الحقائق للمفقودين والمعتقلين، القضية في إطارها الحقوقي والقانوني ويقول لـ”963+”: “للأسف، الأعداد كبيرة جداً. تقديراتنا تشير إلى أكثر من 200 ألف مفقود، وربما تصل إلى 300 ألف مختفٍ قسرياً. الأرقام مخيفة، وغياب السجلات الرسمية يجعل من المستحيل حصرها بدقة”.
ويضيف بنبرة حازمة: “الأصعب أن لا جثامين تُعاد إلى ذويها، والمقابر الجماعية لا تزال مطمورة بالأرض. ما لم تُفتح السجلات ويُكشف عن أماكن الدفن، فإن الألم سيبقى مضاعفاً، ليس فقط للفقد بل أيضاً لغياب الحقيقة”.
ويشدد حسين على ضرورة تحرك الحكومة الانتقالية سريعاً: “نحتاج إلى هيئة وطنية خاصة بالمفقودين، تكشف الحقيقة، تحمي الشهود، وتسن قوانين تمنع الإخفاء القسري. المجتمع الدولي بدوره يجب أن يقدم الخبرات والتقنيات للكشف عن المقابر الجماعية وربط قواعد البيانات بين الأهالي والمنظمات. فقط بهذه الطريقة يمكن أن نعيد الثقة ونبدأ العدالة”.
بين الألم والعدالة المؤجلة
وتتشابك قصص رعيدة ووردة مع آلاف القصص المماثلة، لتكشف أن القضية أكبر من كونها ملفاً حقوقياً، إنها مسألة وجودية لمجتمع كامل. كل أم تنظر إلى صورة ابنها، وكل زوجة تترقب صوت خطوات على الباب، تُجسد جرحاً وطنياً مفتوحاً، يحتاج إلى عدالة حقيقية كي يلتئم.
في سوريا اليوم، تتوزع المأساة بين أرقام ثقيلة ووجوه منهكة، بين وجع ممتد وأمل لا يريد أن يموت. لكن حتى اللحظة، يبقى السؤال معلّقاً: متى يتحول هذا الغياب الطويل إلى حقيقة واضحة، ومتى تجد الأمهات والزوجات جواباً ينهي انتظارهن الموجع؟
+963
————————————
تقرير: جدران “فرع فلسطين” تبوح بذكريات الاغتصاب والتعذيب في عهد الأسد
10 أكتوبر 2025
توثق قناة “فرانس 24” في هذا التقرير المصوّر للمرة الأولى ما تبقى من “فرع فلسطين” (الفرع 235)، أحد أكثر مواقع التعذيب شهرة في تاريخ سوريا الحديث. تأسس هذا السجن في سبعينيات القرن الماضي لمراقبة الفصائل الفلسطينية، ثم تحوّل إلى مركز للرعب مارس فيه نظاما حافظ وبشار الأسد أبشع أشكال الانتهاكات بحق الرجال والنساء والأطفال. وبعد سقوط النظام في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، تكشف القناة عن أطلال المكان الذي ما زالت جدرانه تحمل صدى الألم وذكريات الضحايا.
تأسس لمراقبة الفصائل الفلسطينية
تفتتح “فرانس 24” تقريرها بالإشارة إلى أن المبنى الذي يقع في ضاحية دمشق، كان مخفي خلف سور عالٍ، مضيفة أن للدخول إليه، يجب تقديم إثباتات دقيقة. وحدها تراخيص وزارتي الداخلية والإعلام كانت تفتح أبواب هذا الرمز للرعب: “فرع فلسطين” (أو فرع 235 كما يُعرف رسميًا). تأسس هذا السجن التابع للمخابرات العسكرية في سبعينيات القرن الماضي بهدف مراقبة الفصائل الفلسطينية العاملة في سوريا، ثم تحوّلت لاحقًا إلى أحد أبرز مواقع التعذيب في العاصمة. رجال، نساء، أطفال… مئات الآلاف من السوريين والسوريات سُجنوا وعُذّبوا فيه تحت حكم حافظ الأسد، ثم ابنه بشار.
ووفقًا للتقرير ذاته، يحرس اليوم جنود تابعون للحكومة الجديدة هذا المكان الذي أُخلي من سجانه منذ سقوط النظام في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024. ما إن يُجتاز البوابة الحديدية الثقيلة حتى يتلاشى ضجيج الطريق السريع القريب. في الداخل، يبدو الزمن متجمّدًا. على الجدران لا تزال الشعارات الممجِّدة لبشار الأسد ظاهرة: “الأسد إلى الأبد”، “الشهادة طريق النصر”، “مع القائد بشار نتابع المسير”.
وأضافت “فرانس 24” في تقريرها أن في الساحة الواسعة للسجن تتكدّس قطع الأثاث كيفما اتفق: أسرة معدنية، كراسٍ، مكاتب، وكل أنواع الأغراض المبعثرة التي تشهد على زمن مضى، بينما يعلو المكان بناء ضخم مؤلف من نحو سبعة طوابق.
أما بالنسبة للزيارة، فإنها وفقًا للقناة الفرنسية، تتم تحت حراسة مشددة، ويسمح فقط بدخول السراديب المتشعّبة. خلف باب ذي قضبان حديدية تبدأ النزول إلى قلب “فرع فلسطين”. في ظلام دامس تقريبًا، حيث كان المعتقلون يُكدّسون في ظروف لا إنسانية، يُعذّبون ويُغتَصَبون. السلالم الـ”126″ التي عدّتها عايدة ما زالت هنا. تقول السجينة السابقة التي تعرّضت للتعذيب والاغتصاب على مدى 18 يومًا متتاليًا: “كنت أقول لنفسي في الزنزانة إنه يجب ألا أنسى شيئًا: عدد درجات السلم في السجن، وعدد الدرجات المؤدية إلى مكتب الضابط، وعدد القضبان في سرير الحديد”.
مصباح الهاتف بالكاد يُظهر الدرجات المتواصلة. الجدران البيضاء اسودّت بفعل الرطوبة والنيران. قبل فرارهم، أشعل الجنود النار في كل ما استطاعوا لتدمير أدلة جرائم النظام. وفي الطابق السفلي، ضوء خافت متقطع. القسم المخصص للجنود مضاء ببئر ضوئي، وأشعة الشمس تتسلل عبر الممرات المؤدية إلى المهاجع.
وبحسب التقرير ذاته، مراتب، خزائن، أسرّة على الأرض، إلى جانب بزات عسكرية وأحذية ومنتجات نظافة تُركت كما هي. مفكرة تعود إلى عام 2012 نجت من الحريق، صفحاتها سوداء بأسماء رجال ونساء مرّوا عبر “فرع الأمن”. زجاجات خمر فارغة متناثرة هنا وهناك: عرق، ويسكي، فودكا، وغيرها من المشروبات التي تذكر بشهادات تحدثت عن سُكر دائم تقريبًا لدى الجنود أثناء الاغتصابات.
جدران تحكي جحيم المعتقلات
الزنزانات الأولى قريبة، إنها زنازين العزل. تتوالى الواحدة تلو الأخرى، ضيقة جدًا، لا تتجاوز مساحتها مترين مربعين. أبوابها المعدنية الثقيلة مرقّمة، وفي أعلاها فتحات صغيرة بالكاد تسمح بمرور الضوء. الجدران البيضاء مغطاة بكتابات بالعربية: “يا رب فرجها”، “ستنتهي هذه الفترة”، “لا تثق بأحد، حتى بأخيك”. كما تنتشر أرقام ورسوم، بعضها مروّع. إنها آثار أشخاص ظنوا أنهم لن يخرجوا من هنا أبدًا، فحوّلوا الجدران إلى كتب مفتوحة كي لا ينسوا، كي لا يفقدوا الإحساس بالزمن… أو بالعقل.
تضيف القناة في التقرير ذاته إن الهواء فاسد، رطب، بالكاد تحركه مروحة تصدر صريرًا مزعجًا. خلف مهاجع الجنود والمكاتب، يصبح الطريق أكثر رعبًا. ممر صغير يقود إلى الزنازين الجماعية. مراحيض مصطفة على جانب الجدار، كان الحراس يجرّون إليها السجينات وسط الشتائم.
تقول هدى لـ”فرانس 24″: “عندما كنا نريد الذهاب إلى الحمام، كانوا يضربوننا في الطريق”. وتابعت: “ما زلت أعاني من سلس بولي حتى اليوم”. كانت السجينات يُسمح لهن باستخدام الحمام مرتين أو ثلاثًا يوميًا فقط، بحسب الشهادات. تقول عايدة: “كان يمكننا الذهاب عند الخامسة صباحًا والخامسة مساءً، لدينا ثلاث دقائق فقط، وإذا تجاوزتِ ثلاث ثوانٍ كانوا يفتحون الباب”.
على أرض الغرفة الكبرى تنتشر عشرات صناديق الأدوية، حتى أدوية الأطفال. ملابس داخلية وقطع ثياب مبعثرة، منها صدرية قطنية وردية ملقاة على طاولة مغبرة. يلفت النظر جسم معدني لامع: منظار مهبلي، أداة طبية نسائية ربما استُخدمت في عمليات تعذيب. تحدثت كثيرات عن تفتيشات “غير إنسانية” وعن أدوات معدنية استُعملت في التعذيب.
ملابس داخلية في كل مكان
يشتدّ الظلام كلما اقتربنا من زنازين النساء. ممر ضيق يفصلها من الجهتين. خلف الأبواب المعدنية المرقمة غرف واسعة كانت تُحشر فيها السجينات بالعشرات: أربعون، ستون، مائة.. لا أحد يعرف بدقة. عدد يفوق قدرة المكان حيث كنّ أحيانًا يضطررن للنوم واقفات أو بالتناوب. الجدران المسودة بالعفن مغطاة بكتابات وجداول وتواريخ وأسماء.
ووفقًا لـ”فرانس 24″، على جدار آخر دلاء بيضاء صغيرة معلّقة، ربما كانت تُستخدم كأوانٍ للطعام. تقول عايدة: “في فرع فلسطين لم يكن هناك طعام حقيقي، كانوا يعطوننا برغلًا في علبة بلاستيك، نأكل بأصابعنا، وكان الطعام مليئًا بالحشرات، مقرفًا جدًا”. وتضيف: “كان الحارس يتبول في دلو الماء ويجبرنا على الشرب منه”.
الزنازين تتوالى، والمشهد يتكرر: بقايا حياة.. أو بالأحرى بقايا بقاء. ثياب معلّقة، ملابس أطفال، أغطية وملابس داخلية متناثرة في كل مكان. ووفق الشهادات التي جمعتها “فرانس 24″، كانت السجينات يعشن شبه عاريات. عند دخولهن السجن، تُنزع عنهن العباءة والحجاب ويُتركن بملابسهن الداخلية، كوسيلة إذلال وتعذيب نفسي، في مجتمع تعتبر فيه العري محرّمًا.
شعاع الضوء يجعل الصراصير تهرب. الحشرات في كل مكان. في كل السجون السورية، كان القمل والبراغيث والطفيليات أمرًا شائعًا. تقول عايدة: “كلنا أصبنا بالجرب، لكن الأسوأ كان بق الفراش. لم يعالجونا أبدًا”. كانت الأمراض تنتشر بسهولة بسبب الاكتظاظ وانعدام النظافة. لم يكن الاستحمام ممكنًا في “فرع فلسطين”، لا أثناء الدورة الشهرية ولا بعد الاغتصاب. تتذكر عايدة “طوال 18 يومًا لم أحصل على قطرة ماء لأغتسل”.
الممرات متاهة، متقاطعة ومتوازية. يستحيل معرفة الاتجاه وسط الظلام المتزايد. الجو خانق ومخيف. كم عدد النساء والرجال والأطفال الذين ذاقوا عذاب هذه الزنازين؟ كم منهم نجا من التعذيب المنهجي الذي كان سمة “الفرع 235″؟ كم منهم تعرّض للاغتصاب؟ لا أحد يعرف.
وبحسب مشاهدات القناة الفرنسية، قبل أن يُهجر المكان، دُمرت السجلات والوثائق بعناية. يقول الدكتور محمد الشريف، وهو عضو منظمة “المحامون والأطباء من أجل حقوق الإنسان”، لـ”فرانس 24”: “كان فرع فلسطين من أسوأ الفروع في سوريا، لكنه لم يكن الوحيد. كانت الفروع تتنافس فيما بينها على من يرتكب أكبر قدر من الأذى. كان السجانون يُكافأون أو يُرقّون كلما زادوا من أعمال التعذيب الجنسي”.
وتختم القناة الفرنسية بالإشارة إلى انتهاء الزيارة. عند العودة إلى المدخل، أحد الجنود لديه صورتين وبطاقة هوية عُثر عليها في أحد زوايا جحيم المعتقل. الصورة الأولى لطفل، والثانية لامرأتين. وجوه وأرواح ربما تحطّمت تحت التعذيب والخوف والرعب الجسدي والنفسي، مثل عايدة وهدى. ستبقى هذه الصور في أقبية “فرع فلسطين”، هذا الدهليز الذي يؤدي إلى الجحيم، في انتظار أن تُستخدم يومًا كأدلة لمحاكمة الجرائم التي ارتُكبت في ظل نظام بشار الأسد.
الترا سوريا
———————————-
العثور على مقبرة جماعية شرقي حمص وسط سورية/ عبدالله البشير
04 أكتوبر 2025
عثرت الجهات الأمنية في محافظة حمص على مقبرة جماعية تضم رفات 16 شخصاً في منطقة المخرم بريف حمص الشرقي وسط سورية، اليوم السبت، بعد بلاغات من السكان المحليين، وذلك بالقرب من سجن اكتُشف الأسبوع الماضي في قرية أبو حكفة بالمنطقة، استخدمته مليشيا “الدفاع الوطني” التابعة لنظام بشار الأسد المخلوع في منطقة المخرم.
وأكد مسؤول الحواجز في المخرم مصطفى محمد لـ”العربي الجديد” أن القوى الأمنية في محافظة حمص، وبعد تلقي البلاغ عن المقبرة الجماعية، حرّكت على الفور الدوريات الأمنية المختصة إلى الموقع، بمشاركة عناصر من الدفاع المدني والجهات المعنية، حيث جرى تطويق المكان والبدء بأعمال الكشف الأولي والتحقيق الميداني. وكشف محمد أن المقبرة تضم عدداً من الجثامين يعتقد أنها تعود لمدنيين، بينهم أطفال، وقد عُثر عليهم وهم يرتدون ملابسهم الكاملة، ما يشير إلى أن عملية الدفن جرت في ظروف غامضة.
وقال إن الفرق الفنية تعمل على جمع الأدلة وإجراء الكشوف اللازمة بهدف تحديد هويات الضحايا وزمن وقوع الجريمة، بالتنسيق بين الجهات الأمنية والطبية المختصة.
وذكر الإعلامي محمد الحمصي لـ”العربي الجديد” أنّ أحد سكان المنطقة المنطقة أبلغ الجهات المحلية عن موقع الرفات، حيث توجهت إلى الموقع، وعُثر بين الرفات على عظام عائدة لأطفال.
وأضاف: “سارعت الجهات الأمنية للكشف على الآبار في المنطقة إثر معلومات عن استخدامها لإخفاء جثث مدنيين داخلها”، لافتاً إلى أنّ هذه الجهات فتحت عدداً من الآبار وعُثر فيها أيضاً على رفات بشري. وأشارت صحيفة الثورة، في تسجيل مصور لها، أن راعي أغنام في المنطقة هو الذي أبلغ الجهات الأمنية عن موقع الرفات الذي عثرت عليه الجهات الأمنية.
وكشفت الجهات الأمنية بعد إسقاط نظام الأسد، في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، عن عشرات المواقع التي قُتل فيها مدنيون على يد قوات نظام الأسد والمليشيات المساندة له، وقد عثر سكان في مخيم اليرموك، جنوبي العاصمة السورية دمشق، على رفات بشري في أحد المباني، وذلك بالقرب من موقع المجزرة الشهيرة التي وقعت في حي التضامن عام 2013، منتصف سبتمبر/ أيلول الماضي.
وأفادت مؤسسة الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء)، في بيان أصدرته حينها، بأن “الفرق المختصة في البحث عن المفقودين في الدفاع المدني السوري استجابت لبلاغ عن وجود رفات بشري في بناء في حي التضامن خلال قيام أحد الأشخاص بأعمال إعادة تأهيل في البناء”.
———————-
دمشق تُلاحق الأسد.. ما الأبعاد القانونية لمذكرة التوقيف السورية؟/ هديل العلي
28 سبتمبر 2025
في سابقة قضائية بتاريخ سوريا الحديث، أصدر قاضي التحقيق السابع في دمشق، توفيق العلي، مذكرة توقيف غيابية بحق الرئيس السوري السابق بشار الأسد، على خلفية اتهامات تتعلق بأحداث درعا بتاريخ الثالث والعشرين من نوفمبر عام 2011.
مذكرة تحمل بين سطورها أبعادا قانونية وسياسية، وتفتح الباب واسعا أمام التساؤلات الآتية: هل تتحول إلى بداية مسار لمحاسبة الأسد محليا ودوليا، أم ستبقى حبرا على ورق رهين التوازنات السياسية؟
مذكرة اعتقال بشار الأسد
تشمل المذكرة تهم القتل العمد والتعذيب المؤدي إلى الوفاة وحرمان الحرية، وذلك استنادا إلى دعوى تقدم بها ذوو ضحايا أحداث درعا.
ونقلت وكالة الأنباء الرسمية سانا عن القاضي العلي قوله إن القرار القضائي يفتح الباب لتعميم المذكرة عبر الإنتربول ومتابعة القضية على المستوى الدولي، مشيرا إلى أن هذا الإجراء يعد الأول من نوعه داخل سوريا من جانب السلطات الانتقالية، في خطوة وصفها مراقبون بأنها غير مسبوقة.
وفي تعليق قانوني، يؤكد المختص في القانون الجنائي الدولي من باريس، المعتصم الكيلاني، لمنصة “المشهد” أن:
مذكرة التوقيف الغيابية بحق الأسد لها قيمة قانونية كاملة داخل الأراضي السورية، لأنها صدرت وفقا لقانون أصول المحاكمات الجزائية لعام 1950، الذي يجيز لقاضي التحقيق إصدار مذكرات توقيف غيابية متى توافرت دلائل جدية.
الإعلان الدستوري المؤقت لعام 2025 أسقط أي حصانة رئاسية أو وظيفية وشخصية، وبذلك أصبح بشار الأسد كأي متهم عادي أمام القضاء السوري.
ويشير إلى أن المذكرة صالحة ونافذة محليا، وتشكل أساسا لأي تحرك قضائي أو دولي لاحق، معتبرا أنها الأولى بحق الأسد محليا بعد أن سبقه القضاء الفرنسي بثلاث مذكرات دولية.
أحداث درعا
مثلت محافظة درعا في العام 2011 الشرارة الأولى للاحتجاجات الشعبية ضد نظام الأسد، والتي سرعان ما تحولت إلى نزاع دموي أودى بحياة أكثر من نصف مليون شخص في عموم البلاد.
وتستند المذكرة القضائية إلى المواد (533) و(534) و(535) و(298) من قانون العقوبات السوري، ما يعني أن الأسد يواجه أحكاما قد تصل إلى الإعدام، في إشارة إلى جدية فتح باب المحاكمة محليا، مع إمكانية توسعها عبر الإنتربول لاحقا.
ويقول الكيلاني في هذا السياق: “داخل سوريا، المذكرة ملزمة وواجبة النفاذ. أما خارج الحدود، فتنفيذها يتوقف على التعاون الدولي”.
وصدور المذكرة جاء بعد 9 أشهر من هروب الأسد إلى روسيا عقب سقوط نظام حكمه في ديسمبر الماضي ووصول المعارضة بقيادة الرئيس الانتقالي الحالي أحمد الشرع إلى السلطة في دمشق.
ويتزامن القرار مع زيارة مرتقبة للشرع إلى موسكو منتصف أكتوبر للمشاركة في القمة الروسية – العربية، وهي زيارة وصفها نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك بأنها تحمل “أهمية خاصة لفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين”.
حتى الآن، لم تبد موسكو أي تجاوب مع المطلب السوري بتسليم الأسد، وهو ما يثير تساؤلات عن كيفية تعاطيها مع هذا الملف المعقد.
احتمالية التنفيذ
يوضح الكيلاني أن تنفيذ المذكرة يتوقف على التعاون الدولي، ويشرح: “من الناحية القانونية، إذا طلبت سوريا من روسيا تنفيذ المذكرة، فهي ملزمة بذلك بموجب اتفاقية تسليم المجرمين الموقعة بين البلدين في 30 يونيو 2022، التي تستثني الجرائم السياسية. لكن بما أن التهم تتعلق بالقتل والتعذيب، وهي جرائم جسيمة، فلا يمكن لموسكو التذرع بالاستثناء السياسي”.
ويضيف: “أما في باقي الدول، فإن التنفيذ يظل رهنا بقرار السلطات الوطنية. بعض الدول قد تعتبر المذكرة صادرة عن قضاء مختص وتنفذها، فيما قد ترفض أخرى بحجة السيادة أو غياب اتفاقية ثنائية”.
ويختتم بالقول: “يمكن القول إن التنفيذ الدولي ممكن، لكنه مرهون بالإرادة السياسية للدول المستقبلة للمذكرة، وعلى رأسها روسيا حاليا”.
خطوات تفعيل عبر الإنتربول
يوضح الكيلاني أن تعميم المذكرة عبر الإنتربول يتطلب المرور بـ4 خطوات أساسية:
قيام مكتب الإنتربول الوطني في دمشق (NCB) بإرسال طلب رسمي إلى الأمانة العامة للإنتربول في مدينة ليون الفرنسية.
إرفاق المذكرة بملف قانوني يشمل بيانات الهوية، وصف الجريمة، النصوص القانونية، والدلائل الأولية.
مراجعة الطلب من قبل الإنتربول للتأكد من أن القضية تخص جرائم جنائية جسيمة (كالقتل والتعذيب) وليست جريمة سياسية، وفق المادة الثالثة من النظام الداخلي.
إذا اجتاز الطلب المراجعة، تصدر نشرة حمراء (Red Notice) تعمم على الدول الأعضاء، لتصبح المذكرة قابلة للتنفيذ دوليا، رهنا بقرارات كل دولة عضو.
خطوات قضائية موازية
لا تقف الملاحقات عند بشار الأسد وحده، فقد أصدرت دمشق سلسلة مذكرات توقيف بحق رموز النظام السابق، من بينهم:
عاطف نجيب: الضابط الأمني المرتبط ببداية احتجاجات درعا عام 2011.
أحمد بدر الدين حسون: المفتي السابق، بتهمة التحريض على القتل.
محمد الشعار: وزير الداخلية الأسبق.
إبراهيم الحويجة: مسؤول بارز في المخابرات العامة.
وفي يوليو الماضي، أعلنت وزارة العدل السورية فتح ملفات محاكمات لعدد من المتهمين بجرائم ضد المدنيين، في إطار ما وصفته بـ”نهج المساءلة والعدالة الانتقالية”.
وتشير بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أن الأسد مسؤول عن مقتل ما لا يقل عن 200 ألف مدني، بينهم 15 ألفا قضوا تحت التعذيب، إضافة إلى إخفاء قسري لما يزيد على 96 ألف شخص، وتشريد قرابة 13 مليون مواطن.
كما ساهمت سياساته في تدمير نصف مدن البلاد وانهيار البنية التحتية والاقتصاد.
ويعتبر كثير من السوريين أن صدور المذكرة يمثل خطوة طال انتظارها لتحقيق العدالة، مؤكدين استمرار مطالبتهم بمحاكمة الأسد وكل من تورط في تلك الجرائم.
مذكرات فرنسية
المذكرة السورية تأتي بعد سلسلة مذكرات فرنسية سابقة بحق الأسد:
في سبتمبر 2025، أصدرت السلطات الفرنسية مذكرة توقيف بحقه بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية مرتبطة بمقتل صحفيين عام 2012.
في نوفمبر 2023، مذكرة أخرى على خلفية الهجمات الكيميائية في الغوطة ومناطق أخرى، التي أودت بحياة أكثر من ألف شخص بغاز السارين.
في يوليو 2025، طلبت النيابة الفرنسية لمكافحة الإرهاب مذكرة جديدة، قبل أن يعود القضاء في أغسطس ويصدر 7 مذكرات بحق مسؤولين كبار سابقين، بينهم الأسد، في قضية تفجير مركز صحفي بحمص أدى إلى مقتل الصحفية الأميركية ماري كولفين والمصور الفرنسي ريمي أوشليك.
ويوضح الكيلاني أن المذكرة السورية: “صادرة عن قاضي تحقيق وطني، مدعومة بالإعلان الدستوري المؤقت الذي أسقط الحصانات، وقابلة للتعميم عبر الإنتربول، ما يمنحها قوة خاصة كونها صادرة من القضاء الطبيعي للجريمة، ولأن سوريا هي الدولة الأولى بالمحاكمة بحكم أن الضحايا والمجرم جميعهم سوريون”.
أما المذكرات الفرنسية، فهي: “صادرة عن قضاء أوروبي، ما يمنحها وزنا دوليا أكبر خاصة داخل الاتحاد الأوروبي، وتستفيد من كون فرنسا عضوا في نظام روما الأساسي. وهذا يمنحها بعدا سياسيا وضغطا دوليا أوسع”.
ورغم جسامة الجرائم المنسوبة للأسد، لا تملك المحكمة الجنائية الدولية ولاية قضائية على سوريا، إذ لم تصادق دمشق على نظام روما الأساسي.
ومع ذلك، استخدمت محاكم أوروبية، خصوصا في ألمانيا، مبدأ الولاية القضائية العالمية لمحاكمة مسؤولين أمنيين سوريين سابقين بجرائم ضد الإنسانية.
دلالات المذكرة السورية
تمثل المذكرة السورية منعطفا قضائيا وسياسيا، إذ تحمل رسالة واضحة حول سعي دمشق بجدية لتثبيت العدالة الانتقالية، ومحاسبة من ارتكبوا الجرائم بحق الشعب السوري.
ويرى مراقبون أنها بداية مسار طويل، يسجل فيه التاريخ أن السوريين شرعوا فعليا في محاسبة رأس النظام السابق.
ويؤكد الكيلاني أن: “المذكرة تحمل قيمة رمزية كبرى باعتبارها أول اعتراف قضائي داخلي بمسؤولية الأسد، لكنها ليست رمزية فقط، إذ يمكن أن تتحول إلى مسار قضائي ممتد إذا تم تعميمها عبر الإنتربول، وإذا استخدمت كأساس لطلبات تسليم بموجب اتفاقيات قضائية، مثل الاتفاقية الموقعة مع روسيا عام 2022”.
ويضيف: “لكن نجاح هذا المسار يتطلب إدخال تعديلات تشريعية في القانون السوري، تشمل تجريم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وإلغاء التقادم عنها، إضافة إلى إعادة هيكلة القضاء كي يكون قادرا فعليا على المحاسبة”.
مع توافر أدلة دامغة وازدياد الضغوط الحقوقية الدولية، تبقى مسألة محاسبة بشار الأسد رهنا بالتطورات السياسية الإقليمية والدولية، غير أن صدور مذكرة التوقيف السورية يمثل خطوة تاريخية لكسر حلقة الإفلات من العقاب، ويفتح الطريق أمام عدالة انتقالية طال انتظارها.
———————————
أرقام مرعبة وتحديات كبيرة.. اكتشافات متتالية للمقابر الجماعية في مختلف المحافظات
5 أكتوبر 2025
تتوالى في سوريا، منذ سقوط النظام السابق في 8 كانون الأول/ديسمبر الماضي، تقارير محلية ودولية عن العثور على مقابر جماعية في مناطق متفرقة من البلاد، لتعيد إلى الواجهة أحد أكثر الملفات حساسية في تاريخ الحرب السورية: ملف المفقودين والضحايا مجهولي الهوية.
وبينما تتحرك الجهات المحلية لاستكشاف هذه المواقع وتوثيقها، تزداد الدعوات الأممية والحقوقية إلى ضرورة حماية الأدلة وإخضاع المواقع لإشرافٍ مهني يضمن العدالة للضحايا وذويهم.
اكتشافات متتالية
يعتبر ملف العثور والبحث عن مصير الأشخاص المفقودين، واحدًا من أشد التحديات تعقيدًا عقب سقوط نظام الأسد. وقد كشفت سلسلة متلاحقة من الاكتشافات التي كان أخرها اليوم في منطقة المخرم بحمص وطالت مناطق متعددة من سوريا، عن حجمٍ غير مسبوق من المقابر الجماعية التي خلّفها الصراع.
كانت البداية الأكبر في شباط/فبراير الماضي، عندما أفادت وكالة “رويترز” بأن تقريرًا كشف عن العثور على رفات أكثر من 1000 سوري لقوا حتفهم أثناء الاحتجاز في مطار المزة العسكري.
وبحسب الوكالة، قتل المعتقلين بالإعدام أو التعذيب أو سوء المعاملة، وتتبع التقرير الوفيات إلى 7 مواقع يشتبه أنها مقابر جماعية.
وبعدها بشهر، انتشلت فرق البحث في الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) رفاتًا منقولة وغير محمية ومعرّضة للاندثار، تعود لرجلين وامرأة مجهولي الهوية بالقرب من مدينة يبرود في ريف دمشق الشمالي.
وفي منتصف حزيران/يونيو، عُثر على مقبرة جماعية في خربة السواد بريف حمص تضم رفات 11 شخصًا، بينهم أطفال، بعد بلاغ من الأهالي. ولم تمضِ سوى أيام قليلة حتى تكرر المشهد في قرية أم دالي بريف حمص الشرقي، حيث اكتُشفت مقبرة ثانية داخل مغارة مهجورة.
بعدها بأسابيع، وفي نهاية حزيران/يونيو 2025، أفاد مراسل “الترا سوريا” بالعثور على مقبرة جماعية، في منطقة فيلات الرواد بالقرب من المدخل الغربي لمدينة دير الزور. وذكر المراسل أن المقبرة تضم رفات عشرات الجثث، مشيرًا إلى توجه فرق الدفاع المدني والجهات الأمنية المختصة إلى الموقع لاتخاذ الإجراءات اللازمة.
ومع انتقال الأنظار جنوبًا، انتشلت فرق الدفاع المدني في 12 تموز/يوليو الماضي رفات أربعة أشخاص من مقبرة جماعية في قرية المسمية شمال درعا، ثم تكرر المشهد في 15 من الشهر نفسه داخل بلدة معان بريف حماة، حيث وُجدت رفات 15 شخصًا داخل بئر قديم، في واحدة من أكثر الحوادث التي أثارت الجدل حول ظروف الدفن والهوية.
وفي آب/أغسطس الماضي، انضم الساحل إلى الخريطة المقابر المروّعة، بعد أن عُثر في مدينة جبلة بمحافظة اللاذقية على مقبرة جماعية تضم تسع جثث، قالت السلطات إنها تعود لمدنيين قضوا خلال الأعوام الأخيرة من الحرب.
ثم جاء أيلول/سبتمبر ليكشف عن موجة جديدة من الاكتشافات الأكثر كثافة، حيث أفادت قناة “الإخبارية السورية”، بالعثور على رفات نحو 100 شخص قضوا في كمين نفذه النظام السابق في ريف دمشق. ونقلت القناة عن مصدر في وزارة الداخلية قوله إن الرفات عُثر عليها في أطراف بلدة العتيبة بالغوطة الشرقية في ريف دمشق.
وفي 24 أيلول/سبتمبر، أصدر الدفاع المدني السوري بيانًا أكد فيه أنه خلال يومين فقط استجاب لبلاغات في ثلاث محافظات: دمشق، حماة، وحمص، حيث عُثر على رفات بشرية في حيّ الميدان بدمشق بعد انهيار حفرة صرف صحي، وعلى جثامين في عقيربات بريف حماة وكرم الزيتون في حمص.
وتسلط هذه الاكتشافات المتتابعة الضوء على الحاجة الماسة إلى منهجية وطنية للتعامل مع الرفات البشرية، تعتمد على معايير التوثيق، الحماية، والاستعراف وفق الضوابط الدولية.
نحو حصرٍ رسمي للمواقع وعدد المفقودين
كشف رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا، محمد رضا جلخي، منذ أكثر من شهر، عن وجود أكثر من 63 مقبرة جماعية موثقة في البلاد، موضحًا أن الهيئة تعمل على ملف المفقودين منذ عام 1970 وحتى اليوم.
وأوضح أن خطة العمل الميدانية تتكوّن من ست مراحل تستغرق بين 3 و6 أشهر، فيما لا تخضع عملية الإنجاز الكلي لزمن محدد نظرًا لتعقيد الملف.
وأضاف جلخي أن تقديرات عدد المفقودين تتراوح بين 120 و300 ألف شخص، وقد تتجاوز ذلك نظرًا لصعوبة الحصر، مشيرًا إلى أن الهيئة تعمل على إنشاء منصة رقمية وطنية لبنك معلومات المفقودين، إلى جانب بطاقة دعمٍ لذوي المفقودين لتقديم المساعدة القانونية والنفسية والاجتماعية.
وأكد أن الهيئة تعتمد على بروتوكولات دقيقة لحماية الشهود وتبادل البيانات، وتستعد لعقد مؤتمر وطني موسّع حول حقوق واحتياجات عائلات المفقودين. كما أشار إلى التعاون مع وزارة الصحة وهيئة الطاقة الذرية السورية، إلى جانب منح أوروبية لتدريب كوادر سورية في مجال الطب الشرعي وتحليل البصمات الوراثية (DNA).
بين التوثيق والعدالة
تتلاقى الجهود المحلية والدولية حول هدفٍ مشترك: الحفاظ على الأدلة وضمان حقوق الضحايا. فكل موقعٍ يُكتشف يحمل في طيّاته قصة عائلة تنتظر خبرًا أو أثرًا. لكنّ التحدي الأكبر يظل في الموازنة بين الحاجة الإنسانية لكشف الحقيقة والضرورة القانونية لضبط الأدلة وحمايتها.
التقارير تُجمع على أن حجم المأساة لا يزال غير معروف بالكامل، وأن الأرقام المعلنة تمثل فقط الجزء الذي ظهر إلى العلن. لكن بين كل رفات يُستخرج، تعود إلى السطح أسئلة العدالة والذاكرة والمحاسبة. فالمقابر الجماعية ليست مجرد مواقع دفن، بل شواهد دامغة على زمن يحتاج إلى قراءة دقيقة وإنصاف مؤجل.
وإلى أن تُستكمل التحقيقات، يبقى الأمل أن يتحول العمل الجاري محليًا ودوليًا إلى خطوة فعلية نحو الحقيقة، تُنهي صمت الأرض وتمنح الضحايا حقهم في أن يُذكروا باسمهم لا برقمٍ في تقرير.
——————————
المؤسسة الأممية للمفقودين في سوريا: سباق مع الزمن لكشف الحقيقة وسط ندرة البيانات
2025.10.07
أكدت رئيسة المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا، كارلا كوينتانا، أن الجهود الرامية إلى الكشف عن مصير مئات الآلاف من المفقودين في البلاد تُعد “مسعى جماعياً” لا يمكن لأي جهة أن تنفذه بمفردها.
وأشارت إلى أن المؤسسة تواصل عملها للكشف عن مصير جميع المفقودين في سوريا وفي أثناء فرارهم منها، بغضّ النظر عن الجهة المسؤولة عن اختفائهم أو هويتهم.
وقالت كوينتانا، في حوار مع موقع “أخبار الأمم المتحدة”، إن إنشاء المؤسسة جاء استجابة لإصرار العائلات السورية على معرفة مصير أحبائها وتحقيق العدالة، مؤكدة إعجابها الكبير بقوة المرأة السورية وصمودها في مواجهة الفقد.
مسؤوليات المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا
أوضحت كوينتانا أن المؤسسة المستقلة للمفقودين حديثة العهد، إذ أُنشئت قبل عامين بفضل جهود عائلات المفقودين في سوريا، مشيرة إلى أن تفويضها واسع ويشمل البحث عن المفقودين داخل سوريا وخارجها، بغضّ النظر عن الجنس أو الدين أو الانتماء أو توقيت الاختفاء.
وبيّنت أن المؤسسة مكلفة أيضاً بدعم العائلات والناجين، وتعمل بتعاون مباشر مع السلطات السورية ومنظمات المجتمع المدني وعدد من الجهات الدولية. مشيرة إلى أن تقرير الأمين العام الأخير استعرض أبرز التقدم الذي حققته المؤسسة في هذا المجال.
وذكرت كوينتانا أن المؤسسة فتحت عدة مسارات للتحقيق في قضايا الاختفاء القسري، بدءاً من الحالات التي ارتكبها النظام المخلوع، مروراً بالمفقودين من الأطفال خلال تلك الفترة، وصولاً إلى الملفات المرتبطة بتنظيم الدولة “داعش” وحالات المهاجرين المفقودين.
وشدّدت على أن وجود مسارات محددة لا يعني تجاهل أنواع أخرى من حالات الاختفاء، موضحة أن اختيار هذه المسارات جاء بناءً على توفر معلومات موثوقة وشهادات من ناجين وعائلات قدّمت بيانات مهمة. مؤكدة أن كل معلومة تُعدّ خطوة نحو الحقيقة.
تعاون دولي ومسعى جماعي
أشارت المسؤولة الأممية إلى أن المؤسسة أُنشئت بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأن دعم الدول الأعضاء ضروري لاستمرار عملها. موضحة أن البحث عن المفقودين “جهد جماعي” لا يمكن أن تنفذه مؤسسة واحدة أو دولة واحدة بمفردها، نظراً لضخامة عدد الحالات وتعقيدها.
وأضافت أن زيارتها إلى سوريا كشفت عن عمق الجرح الإنساني الذي خلّفته سنوات الحرب، مؤكدة أن كل سوري تقريباً يعرف شخصاً مفقوداً، وأن الأمل لا يزال قائماً لدى كثيرين في العثور على أحبائهم. وأكدت أن المؤسسة تعمل على دعم هذا الأمل بمهنية عالية وبقيادة سورية تستند إلى خبرة دولية.
كما تحدثت كوينتانا عن الاستفادة من التجارب الدولية في هذا المجال، ولا سيما في دول أميركا اللاتينية مثل المكسيك وكولومبيا والأرجنتين وغواتيمالا، مشيرة إلى أن هذه التجارب ساعدت في فهم المنهجيات العلمية الفعّالة وأيضاً في تجنب الأخطاء السابقة.
وأوضحت أن تجربة سوريا تختلف عن غيرها، ولهذا تُصرّ المؤسسة على أن تكون الجهود بقيادة سورية، مع الاستعانة بالدعم والخبرة الدولية. مضيفة أن الوقت عامل حاسم، وأن جمع المعلومات الدقيقة يُعدّ التحدي الأكبر، خصوصاً في ظل صعوبة الوصول إلى الوثائق الرسمية وضرورة بناء الثقة مع العائلات.
تحديات المعلومات وبناء الثقة
أكّدت كوينتانا أن مشاركة البيانات والمعلومات من قبل جميع الأطراف شرط أساسي للنجاح في هذه المهمة، موضحة أن المؤسسة تسعى إلى بناء منظومة ثقة متبادلة مع العائلات والجهات الرسمية.
وبيّنت أن إنشاء المؤسسة كان نتيجة وعي متزايد لدى العائلات بأهمية العمل الجماعي وتبادل المعلومات، مشيرة إلى أن ربط البيانات من مصادر متعددة هو السبيل الوحيد لتكوين صورة أوضح عن مصير المفقودين، وكل معلومة جديدة قد تكون مفتاحاً لقضية معقدة.
وأوضحت أن المؤسسة تواصلت مع السلطات السورية ومع اللجنة الوطنية للمفقودين لتنسيق الجهود وتبادل المعلومات. مشيرة إلى أنها تلقت معلومات من عدة محافظات بينها اللاذقية وطرطوس والسويداء، حيث تم تسجيل حالات مفقودين قبل وبعد كانون الأول 2024، مؤكدة أن المؤسسة عرضت دعمها الكامل لتلك الجهود المحلية.
تعاون مع لبنان وأمل في العثور على ناجين
لفتت كوينتانا إلى أن المؤسسة تتعامل أيضاً مع حالات لمواطنين لبنانيين فُقدوا في سوريا خلال العقود الماضية، إلى جانب سوريين فُقدوا في أثناء فرارهم عبر الأراضي اللبنانية.
ملف المفقودين في سوريا.. معركة لاتنتهي من أجل الحقيقة والعدالة
وأوضحت أن المؤسسة تتعاون مع السلطات اللبنانية، ووزارة العدل، واللجنة الوطنية اللبنانية للبحث عن المفقودين، مؤكدة أن التنسيق المشترك بين البلدين ضروري لإنهاء معاناة العائلات على الجانبين.
في سياق آخر، بيّنت كوينتانا أن المبدأ الأساسي في عمل المؤسسة هو افتراض أن المفقودين ما زالوا أحياء ما لم تُثبت الأدلة العكس، مشيرة إلى أن هناك حالات موثقة لأشخاص عادوا أحياء بعد سنوات من الاختفاء.
كما أكدت أن المؤسسة تواصل العمل على ملفات الأطفال المفقودين الذين قد يكون بعضهم ما زال على قيد الحياة، وأن فرق الطب الشرعي تعمل أيضاً على الحالات التي يُحتمل أن أصحابها لقوا حتفهم، في إطار تحقيق العدالة وتوثيق الحقيقة.
شراكة وثيقة مع العائلات
أوضحت كوينتانا أن العائلات السورية كانت ولا تزال المحرك الأساسي لعمل المؤسسة، وأنها تتواصل معهم ومع منظمات المجتمع المدني بشكل يومي داخل سوريا وخارجها.
وأضافت أن المؤسسة تعقد اجتماعات منتظمة مع ممثلي العائلات والناجين لعرض ما يتم تحقيقه ومناقشة الخطوات القادمة. كما أشارت إلى تشكيل مجلس استشاري يضم 11 عضواً من عائلات المفقودين وخبراء ومنظمات مدنية، بهدف تعزيز مشاركة العائلات في صنع القرار وتوجيه الأولويات.
وأكدت أن المؤسسة ليست مجرد هيئة دولية، بل كيان تأسس بإرادة السوريين ومن أجلهم، موضحة أن هذه المشاركة المباشرة من العائلات هي ما يجعلها نموذجاً فريداً على مستوى الأمم المتحدة.
نساء سوريا في مواجهة الغياب
عبّرت كوينتانا عن تأثرها العميق بقصص النساء السوريات اللواتي يقدن رحلة البحث عن أحبائهن رغم الصعوبات، مشيرة إلى أن قوة المرأة السورية تُلهم العالم بأسره.
وسردت قصة مؤثرة لامرأة من داريا فُقد زوجها عندما كانت ابنتها رضيعة، مشيرة إلى أن الفتاة التي تبلغ الآن نحو 14 عاماً وتفخر بوالدتها التي واصلت الكفاح وأصبحت معلمة رغم كل الظروف.
وأكدت أن هذه القصص تجسد الأمل الذي لا يموت، وأنها تلخص جوهر مهمة المؤسسة في إعطاء معنى إنساني للبحث عن الحقيقة.
واختتمت كوينتانا حديثها بالتأكيد على أن المؤسسة تعمل من أجل العائلات وليس العكس، وأنها تسخّر خبرتها العلمية والإنسانية لمساندتهم في رحلتهم نحو معرفة الحقيقة.
كما شددت على أن رسالتها للنساء والأسر السورية هي أن “المؤسسة هنا من أجلهن”، مضيفة أن مرافقة العائلات في سعيها للعدالة هي جوهر المهمة الأممية، وأن السبيل إلى إغلاق هذا الجرح الوطني الكبير يبدأ بالبحث المشترك عن الحقيقة والكشف عن مصير كل مفقود.
————————————–
======================



