العلاقات السورية الروسية تحديث 04-11 تشرين الأول 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي
———————————–
كيف احتفظت موسكو بنفوذها خلال حقبة ما بعد الأسد؟/ هانا نوتي
روسيا لم تنته بعد من سوريا
الجمعة 10 أكتوبر 2025
نجحت روسيا في البقاء داخل سوريا بعد سقوط الأسد رغم توقعات بانهيار نفوذها، إذ حافظت على قواعدها العسكرية في طرطوس وحميميم وعززت علاقاتها مع الحكومة الجديدة برئاسة أحمد الشرع. لكن ضعف مواردها بسبب حرب أوكرانيا سيحول دون استعادة دورها السابق، فيما تميل دمشق إلى سياسة توازن بين موسكو والغرب سعياً وراء دعم اقتصادي واستقرار داخلي.
عندما أطاحت الفصائل المسلحة بقيادة “هيئة تحرير الشام” بالديكتاتور السوري بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) عام 2024، اعتقد كثير من المراقبين بأن الوجود الروسي في سوريا يقترب من نهايته. فعلى مدى عقود، حافظت موسكو على علاقة وثيقة مع عائلة الأسد؛ وهي التي كانت قصفت، قبل عام واحد فقط، مناطق تسيطر عليها “هيئة تحرير الشام”. ومع تولي زعيم الهيئة أحمد الشرع الحكم في دمشق، كتبت مجلة “ذا إيكونوميست” أن الوجود العسكري الروسي في سوريا أصبح مهدداً بالانهيار. وشاركت موسكو هذا القلق أيضاً، إذ تحسرت الصحف الروسية سريعاً على خسارة حليفها الأبرز في الشرق الأوسط، فيما عبّر مدونون عسكريون عن ذعرهم من مصير القواعد والنقاط العسكرية الروسية المنتشرة في أنحاء البلاد.
لكن روسيا، ومنذ ذلك الحين، خالفت كل التوقعات، فتمكنت من الاحتفاظ بقاعدتيها الرئيستين على الساحل السوري – القاعدة البحرية في طرطوس وقاعدة حميميم الجوية – بل عززت وجودها في شمال شرقي البلاد. وسارع دبلوماسيوها إلى التواصل مع الحكام الجدد في دمشق، مستفيدين من النظرة العامة في سوريا إلى روسيا كإحدى القوى العظمى المؤثرة، ومن رغبة الشرع في بناء علاقات إيجابية مع جميع الحكومات الأجنبية. أما قادة سوريا الجدد، فاتخذوا بدورهم نهجاً بناء تجاه موسكو، على أمل الحصول على الطاقة والحبوب الروسية، وعلى دعمها في التصويت داخل الأمم المتحدة، وربما على السلاح أيضاً. ومن خلال انفتاحها على روسيا، تسعى حكومة الشرع كذلك إلى ردع أنصار الأسد السابقين عن محاولة العودة للمشهد، وإلى توجيه رسالة للدول الغربية مفادها بأن دمشق قادرة على البحث عن شركاء آخرين في مجالي الطاقة والدفاع، وربما إلى كبح العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل حدودها.
هناك أيضاً أطراف أخرى معنية ترى مصلحة في بقاء روسيا داخل سوريا، ولو بوجود محدود؛ فمع اشتداد التنافس بين القوى المختلفة على النفوذ، برزت روسيا بوصفها خياراً تحوطياً مفضلاً لدى الجميع. فإسرائيل وتركيا كلتاهما تعتبر أن نفوذ موسكو يمكن استخدامه لمنع الطرف الآخر من تحقيق تفوق مفرط. أما “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، الميليشيات ذات القيادة الكردية، فتسعى إلى إبقاء روسيا إلى جانبها تحسباً لاحتمال أن تتخلى عنها الولايات المتحدة أو أن تحاول دمشق القضاء على طموحاتها بالحكم الذاتي.
لكن احتمال احتفاظ روسيا بموطئ قدم في سوريا أثار قلقاً في أوساط المسؤولين الأوروبيين. فخلال الربيع الماضي، وجّه أعضاء في البرلمان الأوروبي نداء إلى الحكومة السورية الجديدة يدعونها فيه إلى حظر الوجود العسكري الروسي. لكن حتى لو نجحت موسكو في الحفاظ على قواعدها، فلن تكون بين القوى الرئيسة القادرة على رسم مستقبل سوريا. فهي، الغارقة في حرب أوكرانيا، تفتقر ببساطة إلى الموارد المالية والعسكرية التي تخولها القيام بهذا الدور، وسيتراجع نفوذها أمام دول الخليج وتركيا، وربما أمام الولايات المتحدة والدول الأوروبية إذا زادت من دخولها في الملف السوري، لذلك، ينبغي على القادة الأميركيين والأوروبيين الإقرار بأن روسيا ستبقى موجودة في سوريا بقدر محدود، وتجنب دفع الحكومة السورية الجديدة إلى الاختيار بين دعمهم ودعم موسكو. أما السبيل الأكثر فاعلية أمام واشنطن وشركائها للحؤول دون عودة روسية طموحة للساحة السورية، فهو تقديم دعم منسق وطويل الأمد لمسار الحوكمة والإصلاح الاقتصادي في البلاد.
صديق عدوي؟
ترتبط علاقات روسيا بعائلة الأسد بجذور تعود لحقبة الحرب الباردة، حين رسخ حافظ الأسد – والد بشار – موقع سوريا ضمن فلك الاتحاد السوفياتي. وعندما وصل بشار إلى الحكم عام 2000، لم يكن يحمل وداً خاصاً تجاه موسكو، فقد زار لندن وباريس قبل أن يتوجه إلى العاصمة الروسية. ومع ذلك، حافظ على علاقات ودية بين دمشق والكرملين. وبعد نحو عقد من الزمن، حين واجه انتفاضة سلمية في بلاده بحملة قمع دموية تطورت إلى حرب أهلية، تكفلت روسيا بحماية نظامه من عقوبات مجلس الأمن الدولي، ثم تدخلت عسكرياً مباشرة لتثبيت أركان حكمه.
وأكسب هذا التدخل موسكو نفوذاً هائلاً على مجريات الحرب في سوريا. فعام 2017، نشرت روسيا شرطتها العسكرية في ما سميت “مناطق خفض التصعيد” ضمن مبادرة شاركت فيها أيضاً إيران وتركيا. ومن خلال الحفاظ على وجودها العسكري في البلاد ثم إشرافها لاحقاً على اتفاقات لإجلاء المقاتلين، راكمت موسكو خبرة واسعة في التعامل مع الفصائل المسلحة المختلفة، فأسهمت في احتواء توترات محلية وفرض ترتيبات أمنية في أنحاء البلاد، ونسجت شبكة علاقات ما زالت تجني ثمارها حتى اليوم. كما عززت موقعها العسكري على الجناح الجنوبي لـ”الناتو” عبر توسيع وتحديث منشأتي طرطوس وحميميم. وكانت جميع الدول المنضوية في الحرب السورية تضطر إلى أخذ الموقف الروسي في الحسبان: الدول العربية التي دعمت جماعات معارضة لفترة، وإيران و”حزب الله” اللذان تعاونا مع موسكو ميدانياً، وكذلك إسرائيل وتركيا والولايات المتحدة التي أبقت على قنوات تنسيق عسكري لتفادي الاشتباك المباشر مع القوات الروسية.
لكن حين غزت روسيا أوكرانيا عام 2022، تشتّت تركيز موسكو وانصرفت عن الساحة السورية، بل أبدت قدراً من الاطمئنان المفرط إلى أن الوضع هناك يمكن أن يدار بأقل جهد وبقوة محدودة. لكن مع اتساع رد إسرائيل على هجوم “حماس” في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، كثفت تل أبيب ضرباتها لأهداف مرتبطة بإيران داخل سوريا، فيما زادت موسكو من دورياتها قرب مرتفعات الجولان المحتلة، وشددت قصفها لمحافظة إدلب الخاضعة لسيطرة فصائل مناوئة للأسد في محاولة لردعها عن التقدم. لكن هذه الإجراءات جاءت متأخرة وضعيفة الأثر، إذ شن المقاتلون هجومهم الخاطف في أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، بينما وقفت القوات الروسية على الهامش، تاركة الأسد لمصيره.
لا أعداء دائمون
وتوقع كثير من المراقبين أن يؤدي سقوط الأسد إلى نهاية النفوذ الروسي في سوريا. وبعد أيام فقط من الإطاحة به، دعا المتحدث باسم الحكومة الانتقالية الجديدة روسيا إلى إعادة النظر في وجودها داخل البلاد. لكن موسكو لم تضيع الوقت وسارعت إلى مغازلة الحكام الجدد في دمشق. فبين ليلة وضحاها توقف التلفزيون الروسي عن وصف “هيئة تحرير الشام” بالتنظيم الإرهابي. وفي مطلع يناير (كانون الثاني) الماضي، أشاد الدبلوماسيون الروس في الأمم المتحدة بأداء الحكومة الانتقالية السورية، واصفين إياه بـ “الكفؤ”. وبعد أسابيع قليلة، وصل وفد روسي إلى دمشق لإجراء مفاوضات موسعة شملت مستقبل القواعد العسكرية الروسية، واستثمارات محتملة في حقول الغاز والمرافئ، إضافة إلى طلب من الحكومة السورية، بحسب وكالة الأنباء الرسمية (سانا)، أن تدفع روسيا تعويضات عن دعمها لنظام الأسد وأن تسهم في إعادة إعمار البلاد. كما طلب القادة الجدد من موسكو تسليم الأسد الذي فر إلى روسيا، (غير أن الرئيس فلاديمير بوتين يبدو غير مستعد للإقدام على خطوة كهذه – حتى بعد صدور مذكرة توقيف رسمية بحقه – حرصاً على صورته كزعيم لا يتخلى عن حلفائه المستبدين).
وأبدت روسيا حرصاً خاصاً على الحفاظ على إمكان الوصول إلى قواعدها العسكرية، إذ تحولت منشأتا طرطوس وحميميم على مدى الأعوام الماضية إلى مراكز لوجستية حيوية للعمليات الروسية في أفريقيا. وفي أعقاب سقوط الأسد، نقلت موسكو بعض قطعها البحرية من طرطوس، وركزت طائراتها العسكرية المنتشرة في قواعد أخرى داخل سوريا ضمن قاعدة حميميم. وفي فبراير (شباط) الماضي، لمّح وزير الدفاع السوري الجديد إلى أن بلاده قد تسمح لروسيا بالاحتفاظ بقواعدها ما دام وجودها يخدم المصالح السورية، مضيفاً: “في السياسة، لا يوجد أعداء دائمون”.
وخلال مفاوضاتها حول تلك القواعد، ذكّرت موسكو دمشق بما يمكن أن تقدمه لها من دعم. ففي الربيع الماضي، أرسلت شحنات من النفط والديزل والقمح، ووفقاً لوكالة “رويترز”، ستتولى شركة “غوزناك” الروسية – الخاضعة لعقوبات بريطانية وأوروبية وأميركية – إصدار الأوراق النقدية السورية الجديدة، بعدما كانت تطبع العملة المحلية منذ أعوام. كما يمكن لموسكو، بفضل حق النقض الذي تملكه في مجلس الأمن، أن تساعد في إلغاء إدراج الشرع ومقربين منه على قوائم الإرهاب الصادرة عن الأمم المتحدة، وهي إدراجات تفرض حظر سفر وتجميداً للأصول. أما الجيش السوري الجديد الذي ما زال يستند في تنظيمه وتسليحه إلى النظم السوفياتية والروسية، فقد يأمل مستقبلاً في الحصول على أسلحة روسية، خصوصاً بعدما تعرضت قدراته للتدمير إلى حد كبير بفعل الضربات الإسرائيلية خلال العام الماضي.
كثير من السوريين ينقمون على موسكو بسبب الكم الهائل من القنابل التي ألقتها على مدنهم دعماً للأسد، لكنهم لم ينظروا إليها – كما نظروا إلى إيران – على أنها قوة طائفية أو طرف يسعى إلى تغيير بنية المجتمع السوري، بل رأوا فيها قوة كبرى براغماتية وقاسية، ذات تاريخ طويل في الشرق الأوسط. وهذه الصورة، فضلاً عن الروابط العائلية التي تجمع ماهر الشرع، شقيق أحمد الشرع، بروسيا، تفسر لماذا لم تطرد موسكو من سوريا بصورة كاملة.
كما أبدى الحكام الجدد في دمشق منذ وقت مبكر استعدادهم لبناء علاقة جديدة مع ما وصفوها بـ”ثاني أقوى دولة في العالم”. وفي يوليو (تموز) الماضي، زار وفد سوري يضم 20 مسؤولاً، بينهم وزيرا الخارجية والدفاع ورئيس الاستخبارات وماهر الشرع الذي يشغل منصب الأمين العام للرئاسة، العاصمة الروسية. واتفق الجانبان على إعادة تفعيل اللجنة السورية – الروسية المشتركة لإعادة تقييم الاتفاقات التي أبرمت خلال عهد الأسد وبحث سبل التعاون الاقتصادي. ورأت وكالة “سانا” الرسمية في الزيارة بداية مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين.
نوايا مشكوك بها
ويواجه حكام سوريا الجدد اليوم تحديات هائلة في مساعيهم لإعادة الاستقرار للمشهد الداخلي المنهك والمتشظي. ففي مارس (آذار) الماضي، شن مسلحون سنّة هجوماً على الساحل السوري أسفر عن مقتل أكثر من 1000 شخص، كان معظمهم من الطائفة العلوية. وفي يوليو (تموز) الماضي، اندلعت اشتباكات دامية بين مقاتلين من البدو والدروز في جنوب غربي البلاد، أودت بحياة المئات. أما إسرائيل، فسيطرت على منطقة عازلة ملاصقة لمرتفعات الجولان المحتلة، وتواصل شن ضربات متكررة على مواقع عسكرية في عمق الأراضي السورية، حتى مع بدء مفاوضات أمنية بينها ودمشق.
في هذا السياق، يخدم التواصل الثنائي بين دمشق وموسكو جملة أهداف إضافية. فهو يوجه رسالة إلى الولايات المتحدة والدول الأوروبية مفادها بأن أمام سوريا أبواباً أخرى يمكن طرقها. كما أن الدبلوماسية الروسية – السورية الجارية قد تقنع بقايا الموالين للأسد في الداخل بأن اللعب على التناقضات بين الكرملين والشرع لم يعد مجدياً. كما يراهن الحكام الجدد في دمشق كذلك على أن يستغل الرئيس فلاديمير بوتين علاقته الوطيدة برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للضغط على تل أبيب من أجل كبح أنشطتها العسكرية داخل الأراضي السورية. ومع سعي القيادة الجديدة إلى سياسة “صفر مشكلات” مع القوى الخارجية، يبدو أنها ترى فائدة في إبقاء العلاقات الودية مع الكرملين.
أما إسرائيل، فلها أسبابها الخاصة لتفضيل بقاء روسيا حاضرة في سوريا ولو بقدر محدود. فهي تنظر إلى الشرع على أنه إسلامي متشدد ذو نوايا مثيرة للريبة، وتخشى في الوقت نفسه تصاعد النفوذ التركي في سوريا والمنطقة الأوسع، معتبرة أن أنقرة تغذي معاداة السامية وتنشر الإسلام السياسي. وإذا كانت تركيا تسعى إلى فرض نظام شديد المركزية في سوريا للقضاء على تطلعات الأكراد إلى الحكم الذاتي، فإن إسرائيل تفضل في المقابل دولة لا مركزية – لا من منطلق مبدئي، بل لأنها لا تثق بحكام دمشق الحاليين وتعتقد بأن سوريا المفككة أسهل في التعامل معها والسيطرة عليها. بالتالي يرى قادة إسرائيل أن الوجود الروسي قد يساعد في إبقاء البلاد منقسمة إلى مناطق نفوذ متعددة.
وترى تركيا، بدورها، منفعة في استمرار الحضور الروسي في سوريا للأسباب ذاتها تقريباً. فأنقرة تابعت بقلق الضربات الإسرائيلية على سوريا، لذلك هي تأمل أن تقوم موسكو بدور موازن، عبر كبح إسرائيل، والمساعدة في شطب إدراج الشرع من قوائم الإرهاب في مجلس الأمن وتزويد الجيش السوري الضعيف بالسلاح ودعم موقف أنقرة المناهض لأكراد سوريا. وهذه التطلعات ليست بلا أساس، إذ سبق لروسيا خلال عهد الأسد أن وافقت على العمليات العسكرية التركية ضد “قسد”، وسيّرت مع أنقرة دوريات مشتركة في شمال البلاد.
وربما كانت “قسد” – من موقعها الأضعف بين كل اللاعبين – الطرف الذي يعلق أكبر الآمال على روسيا. فهي تواجه خطر فقدان حكمها الذاتي مع سعي الشرع إلى ترسيخ سلطته، وكثفت خلال الأشهر الأخيرة اتصالاتها مع موسكو أملاً في تحقيق مكاسب تتيح لها التفوق على كل من تركيا وحكومة دمشق، والحصول على حليف إضافي في حال أوفت واشنطن بوعدها بتقليص وجودها العسكري في شمال شرقي سوريا أو إنهائه كلياً. وموسكو بالفعل تتحرك في هذا الاتجاه، إذ نشرت خلال الربيع والصيف الماضيين أنظمة دفاع جوي ووحدات حرب إلكترونية في قاعدتها بمطار القامشلي – الواقع في منطقة ذات غالبية كردية – تمكنها من التشويش على الاتصالات اللاسلكية، ووسعت مساكن جنودها، وشيدت تحصينات حول القاعدة. وعلى رغم تعاونها مع أنقرة، دعت روسيا في السابق إلى حماية حقوق الأكراد، وعرضت التوسط بين قياداتهم والحكومة المركزية في دمشق. وهكذا يبدو أن إسرائيل وتركيا و”قسد” جميعها تسعى إلى توظيف الوجود الروسي لتحقيق أهداف متعارضة جذرياً، غير أن براعة موسكو السابقة في المناورة تمنح كل طرف منها أملاً في أن تنتهي إلى خدمته هو في نهاية المطاف.
تهاوٍ وليس سقوطاً كاملاً
ستبقى سوريا في المستقبل المنظور بلداً ضعيفاً ومجزأً، تتنازع عليه قوى خارجية تسعى إلى بسط نفوذها على دمشق وعلى مناطق السيطرة غير الرسمية داخل الأراضي السورية. وفي هذا المشهد المتقلب، ستكون روسيا مجرد طرف بين أطراف عدة، وبعيدة كل البعد من الاضطلاع بالدور الأبرز. ومع استعداد الشرع للقيام بزيارته الأولى إلى موسكو، المقررة في أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، يبدو أن روسيا نجحت في تفادي الطرد من الساحة السورية. لكن حاجات سوريا اليوم تتجاوز أية اعتبارات سياسية أو عسكرية، فهي بأمس الحاجة إلى دعم اقتصادي واستثمارات مالية وإلى رفع ما بقي من العقوبات الدولية. ولتحقيق ذلك، تعوّل دمشق على دول الخليج وتركيا والولايات المتحدة والدول الأوروبية، وليس على روسيا التي لم تكن تملك حتى قبل غزوها لأوكرانيا القدرة على الإسهام في إعادة إعمار سوريا أو إنعاش اقتصادها. أما اليوم، وقد استنزفتها حرب أوكرانيا، فمواردها المحدودة باتت أضيق بكثير.
ومع ذلك، إذا استطاعت روسيا الاحتفاظ بقواعدها في سوريا، ونجحت في إقناع القوى المتنافسة هناك بجدوى استمرار وجودها، فسيعد ذلك إنجازاً لافتاً. لكن نفوذها الإقليمي في سوريا لن يعود أبداً لما كان عليه قبل سقوط الأسد. ومع ذلك، ستبقى لموسكو موطئ قدم عسكري يمكن أن تبني عليه مستقبلاً، وتستخدمه قاعدة لمواصلة عملياتها في الشرق الأوسط وأفريقيا، ولا سيما حين تضع الحرب في أوكرانيا أوزارها. فـ”فيلق أفريقيا”، التشكيل شبه العسكري الروسي، يعزز حالياً وجوده في غرب القارة التي يعتبرها الكرملين ذات أهمية استراتيجية، والاحتفاظ بعُقَد لوجستية في سوريا قد يمنح موسكو جسراً نحو توسع أكبر هناك مستقبلاً.
أما الدول الغربية، فعليها ألا تعاقب القيادة السورية الجديدة على تواصلها مع روسيا في إطار سياستها الخارجية البراغماتية ومتعددة الاتجاهات. فبعد فترة قصيرة من سقوط الأسد، صرح وزير الخارجية الهولندي كاسبار فيلدكامب بأن على الاتحاد الأوروبي ألا يرفع العقوبات عن سوريا إلا إذا طردت الروس من أراضيها قائلاً: “نريد للروس أن يخرجوا”. لكن الشرع لا ينوي إعادة بلاده للفلك الروسي، بل يسعى إلى الحفاظ على توازن دقيق بين موسكو وخصومها. وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، استعادت سوريا علاقاتها الدبلوماسية مع أوكرانيا، كما يستبعد أن تتحول القواعد الروسية إلى منفذ لإيران كي تعيد تمركزها داخل سوريا، إذ إن الجيش الإسرائيلي سيعمل على الأرجح على إحباط أية محاولة كهذه منذ بدايتها.
في خضم التحديات التي تواجهها السلطات السورية، يبدو أن الحكمة تقتضي ألا تدخل في مواجهة مع روسيا. أما القادة الأميركيون والأوروبيون، فالأجدر بهم أن يتخلوا عن سياسة الخوف من المناورات الروسية أو ربط مساعداتهم لدمشق بقطع كامل لعلاقاتها مع موسكو، وأن يركزوا بدلاً من ذلك على مساعدة السوريين في التعافي من عقد من الحرب الأهلية ونصف قرن من الاستبداد. فالسبيل الأنجع لضمان ألا تسمح سوريا لروسيا باستغلال أراضيها في المستقبل هو بناء علاقات سليمة ومتوازنة معها اليوم.
مترجم عن “فورين أفيرز” 3 أكتوبر (تشرين الأول)، 2025
هانا نوتي مديرة “برنامج أوراسيا لمنع الانتشار النووي” في مركز جايمس مارتن لدراسات نزع الأسلحة النووية، وزميلة أولى غير مقيمة ضمن “برنامج أوروبا وروسيا وأوراسيا” في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.
————————————–
فورين آفيرز: لم تنته روسيا من سوريا بعد
ربى خدام الجامع
2025.10.06
عندما أسقطت الفصائل المسلحة التي ترأستها هيئة تحرير الشام الدكتاتور السوري بشار الأسد في كانون الأول الماضي، اعتقد كثير من المراقبين بأن أيام روسيا في سوريا باتت معدودة، فلقد احتفظت موسكو على مدار عقود بعلاقات وطيدة مع آل الأسد، وقبل أقل من عام على اليوم، كانت روسيا تقصف المناطق الخاضعة لسيطرة هيئة تحرير الشام، ومع تولي قائد هيئة تحرير الشام أحمد الشرع لزمام الأمور في دمشق، حذرت مجلة الإيكونوميست من الوجود العسكري الروسي في سوريا ووصفته بأنه بات “معلقاً بخيط” رفيع، وهذا ما أقلق الروس، وبعد مدة قصيرة من سقوط الأسد، أخذت الصحف الروسية ترثي لخسارة حليف مهم في الشرق الأوسط، كما أعرب أصحاب المدونات العسكرية على الإنترنت عن خوفهم تجاه مستقبل القواعد والنقاط العسكرية الروسية في سوريا.
ولكن منذ ذلك الحين وروسيا تتحدى كل التوقعات، فقد احتفظت بأهم قواعدها على الساحل السوري، أي مرفأ طرطوس وقاعدة حميميم الجوية، بل إنها عززت وجودها في شمال شرقي سوريا. فقد تحرك الدبلوماسيون الروس على جناح السرعة ليتعاملوا مع الحكام الجدد في دمشق، مستفيدين من نظرة السوريين لروسيا على أنها قوة عظمى، إلى جانب استغلال رغبة الشرع ببناء علاقات إيجابية مع كل حكومات الدول في الخارج. وبالمقابل، تبنى قادة سوريا الجدد نبرة بناءة تجاه موسكو، على أمل الحصول على الطاقة والحبوب الروسية وتصويت تلك الدولة الصديقة لصالح سوريا في الأمم المتحدة، فضلاً عن إمكانية الحصول على السلاح الروسي. إذ عبر التعامل مع روسيا، تسعى حكومة الشرع لكسر شوكة الموالين السابقين للأسد، إلى جانب تنبيه الدول الغربية إلى أنه بوسع سوريا البحث عن الدعم في مجال الطاقة والدفاع من مصدر آخر، ولعل الحكومة السورية تفكر أيضاً بالحد من العمليات العسكرية الإسرائيلية التي تتوغل عبر حدودها وذلك من خلال تعاملها مع روسيا من جديد.
ترغب أطراف مهتمة أخرى بهذا الشأن أن تحتفظ روسيا بوجود متواضع لها في سوريا، إذ في الوقت الذي تتنافس قوى مختلفة على النفوذ، ظهرت روسيا كالسياج الذي يسعى كل الناس لتطويق أنفسهم بطوق نجاته، إذ ترى كل من إسرائيل وتركيا بأنه يمكن استغلال النفوذ الروسي لمنع الأطراف الأخرى من التحول إلى قوى ذات شوكة. في حين ترغب قوات سوريا الديمقراطية ذات القيادات الكردية من روسيا أن تقف إلى جانبها في حال تخلت عنها الولايات المتحدة أو حاولت دمشق سحق آمالها في إقامة حكم ذاتي.
تسبب احتمال احتفاظ روسيا بموطئ قدم لها في سوريا بشيء من الانزعاج بين المسؤولين الأوروبيين، إذ خلال الربيع الماضي مثلاً، ناشد أعضاء من البرلمان الأوروبي الحكومة السورية الجديدة حتى تنهي الوجود العسكري الروسي في سوريا. ولكن، حتى لو تمكنت روسيا من الاحتفاظ بقواعدها، لن تكون ضمن العناصر الفاعلة الأساسية التي ترسم مصير سوريا، إذ بعد تورطها في أوكرانيا، لم تعد لديها الموارد المالية والعسكرية التي تساعدها على تحقيق ذلك، ولهذا لابد أن تبزها دول الخليج العربي وتركيا، والولايات المتحدة والدول الأوروبية في حال تعزيزها لمشاركتها مع الحكومة السورية المؤقتة. ولذلك يتعين على القادة الأميركيين والأوروبيين أن يقبلوا بوجود روسي متواضع في سوريا، وأن يتجنبوا فكرة تخيير الحكومة السورية الجديدة ما بين الحصول على مساعدتهم أو مساعدة روسيا. لذا، فإن أفضل سبيل أمام واشنطن وشركائها لمنع عودة المطامح الروسية يتمثل في توفير دعم متضافر يتسم بالصبر على الحكم في سوريا وعلى تعافيها الاقتصادي.
صديق عدوي؟
تعود العلاقات الروسية مع آل الأسد لأيام الحرب الباردة، عندما عزز حافظ، والد بشار الأسد، موقع سوريا في فلك الاتحاد السوفييتي وربطها به، وعندما قفز بشار الأسد على السلطة بالمظلة في عام 2000، لم يشعر بوجود علاقة قريبة خاصة مع روسيا، فطار إلى لندن وباريس قبل أن يزور موسكو، لكنه حافظ على علاقات سوريا الودية مع الكرملين. وبعد مرور عقد على ذلك، أي عند رده على الانتفاضة السلمية بالقمع العنيف الذي تصاعد فوصل إلى مرحلة الحرب، عملت روسيا على تحصين نظامه ضد عقوبات مجلس الأمن الدولي، ثم شنت في نهاية الأمر تدخلاً عسكرياً مباشراً على بلده بهدف دعمه.
حصلت روسيا عبر تدخلها في سوريا على نفوذ هائل وتحكم كبير بمسار الحرب في سوريا، إذ في عام 2017، نشرت روسيا شرطتها العسكرية في بعض مناطق خفض التصعيد ضمن المبادرة التي دعمتها كل من إيران وتركيا. وعبر احتفاظها بوجود عسكري في سوريا، ثم تفاوضها فيما بعد على صفقات إخلاء الثوار، راكمت روسيا خبرة مهمة في مجال عقد الصفقات مع الفصائل المسلحة على اختلاف أنواعها، كما هدأت التوترات المحلية وفرضت ترتيبات أمنية في مختلف أنحاء سوريا، وأقامت علاقات بوسعها الاستفادة منها اليوم. ولقد حصنت روسيا نفوذها العسكري في الخاصرة الجنوبية لحلف شمال الأطلسي وذلك عبر توسيع وتحديث مرفأ طرطوس وقاعدة حميميم. ولهذا صارت الدول الأخرى التي تدخلت في سوريا تحسب حساباً لروسيا على الدوام. ولذلك حافظت دول الخليج العربي التي دعمت فصائل مختلفة للثوار طوال فترة من الزمن، وكذلك إيران وحزب الله اللذان تعاونا مع روسيا على الأرض، وإسرائيل وتركيا والولايات المتحدة، على قنوات لمنع الاشتباك مع الجيش الروسي.
ولكن مع الغزو الروسي لأوكرانيا، تشتت تركيز موسكو، بل إنها قنعت بما لديها في سوريا، فظن الكرملين بأن بوسعه إبقاء الوضع الراهن في سوريا على ما هو عليه عبر توظيف جهود محدودة ووجود عسكري أقل، ومع بدء الرد الإسرائيلي على هجوم حماس في 7 تشرين الأول من عام 2023، توسع الهجوم، فصعدت إسرائيل هجماتها على مواقع إيرانية في سوريا. ورداً على ذلك، كثفت روسيا دورياتها بالقرب من مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل، كما كثفت موسكو قصفها لمحافظة إدلب التي كانت تخضع لسيطرة الثوار المناهضين للأسد، وذلك لمنعهم من التقدم. إلا أن كل تلك التحركات لم تفِ بالغرض، لا وبل جاءت بعد فوات الأوان، وذلك بعد أن شن الثوار هجومهم الخاطف في أواخر شهر تشرين الثاني من عام 2024، فوقفت القوات الروسية موقف المتفرج، ثم تخلت عن الأسد ما أدى لسقوطه.
لا وجود لعدو دائم
توقع كثير من المراقبين أن تؤدي الإطاحة بالأسد إلى إنهاء النفوذ الروسي في سوريا، إذ في غضون أيام، طالب الناطق باسم الحكومة المؤقتة الجديدة روسيا بإعادة النظر بوجودها في هذا البلد، إلا أن روسيا لم تضع أي وقت بل تقربت من حكام سوريا الجدد، وهكذا، وفي ليلة وضحاها، كفت القناة التلفزيونية الرسمية الروسية عن وصف هيئة تحرير الشام بالتنظيم الإرهابي، وفي هيئة الأمم المتحدة في مطلع شهر كانون الثاني لعام 2025، أثنى دبلوماسيون روس على الحكومة المؤقتة السورية وعلى كفاءتها، وفي أواخر الشهر نفسه، سافر وفد روسي إلى دمشق لإجراء مفاوضات متنوعة، شملت الوضع المستقبلي للقواعد الروسية والاستثمارات في حقول الغاز والموانئ، وطلبت الحكومة السورية من الوفد، بحسب ما أعلنته وكالة سانا الرسمية التابعة للدولة السورية بالتعويض عن الأضرار التي خلفها دعم روسيا للأسد كما طلبت الحكومة السورية من روسيا الإسهام في إعادة إعمار سوريا، ناهيك عن طلب قادة سوريا الجدد من الحكومة الروسية تسليم الأسد الذي فر إلى موسكو هارباً (ولكن من غير المرجح أن يفعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ذلك، حتى بعد أن أصدرت السلطات السورية اليوم مذكرة اعتقال بحق الأسد، وذلك لأنه يريد أن يحافظ على سمعته كحام لشركائه المستبدين).
سعت روسيا وبشكل حثيث للاحفاظ بقدرتها على الوصول إلى قواعدها العسكرية، فبمرور السنين، تحول مرفأ طرطوس وقاعدة حميميم إلى محورين مهمين للوجستيات بالنسبة للعمليات الروسية في أفريقيا. ومباشرة عقب سقوط الأسد، نقلت روسيا أصولها البحرية خارج مرفأ طرطوس وعززت طيرانها العسكري، كما عسكر جنودها في قواعدها الموجودة في منطقة أخرى من سوريا، أي في حميميم. وفي شهر شباط، ألمح وزير الدفاع السوري الجديد إلى أنه سيسمح لروسيا بالاحتفاظ بقواعدها طالما بقي وجودها يخدم المصالح السورية، وقال: “في السياسة لا وجود لعدو دائم”.
وعند التفاوض بشأن القواعد الروسية، ذكّرت روسيا سوريا بالدعم الذي بوسعها أن تقدمه لها، إذ خلال فترة الربيع، شحنت روسيا النفط والديزل والقمح إلى سوريا، وبحسب ما أوردته رويترز، فإن شركة غوزناك الروسية التي تخضع لعقوبات بريطانية وأوروبية وأميركية والتي كانت تطبع العملة السورية منذ أمد بعيد، أعلنت عن إصدارها لأوراق نقدية جديدة خاصة بسوريا. ومن خلال التصويت في مجلس الأمن الدولي، بوسع روسيا أن تسهم في رفع التصنيف الإرهابي عن الشرع والمقربين منه والذي وضعته الأمم المتحدة عليهم، ويشمل المنع من السفر مع تجميد الأصول، وبما أن الجيش السوري الجديد مدرب على نظم سوفييتية وروسية، لذا قد يطمح بالحصول على أسلحة روسية مستقبلاً، وذلك لأن معظم إمكاناته العسكرية قد تراجعت بسبب الغارات الإسرائيلية التي استهدفت سوريا طوال السنة الماضية.
يكره السواد الأعظم من السوريين والسوريات روسيا بسبب قنابلها التي لا تعد ولا تحصى التي أسقطتها فوق المدن السورية دعماً للأسد، إلا أن الشعب السوري لا ينظر لروسيا كما ينظر لإيران، أي بوصفها دولة طائفية هدفها تغيير النسيج الاجتماعي للبلد، بل ينظرون إليها بوصفها قوة عظمى براغماتية عاتية لا تثق بالآخر ولها تاريخ طويل في الشرق الأوسط، وعليه فإن هذه الأفكار بالإضافة لكون ماهر الشرع شقيق الرئيس المؤقت تربطه علاقة مصاهرة بروسيا، تفسر سبب عدم إخراج السوريين لروسيا من بلدهم بشكل كامل.
منذ البداية، ألمح حكام سوريا الجدد إلى احتمال إقامة علاقة جديدة مع الدولة التي وصفوها بأنها: “ثاني أكبر دولة عظمى في العالم”، ففي تموز الماضي، زار روسيا وفد ضم عشرين مسؤولاً سورياً كان بينهم وزير الخارجية والدفاع، ورئيس المخابرات، وماهر الشرع الذي يشغل منصب الأمين العام للرئاسة، فاتفق البلدان على إعادة تنشيط اللجنة السورية-الروسية المشتركة وذلك لإعادة تقييم الاتفاقيات التي وقّعت أيام الأسد، ولمناقشة سبل التعاون الاقتصادي بين البلدين، وأخذت وكالة سانا تبشر بأن تلك الزيارة ستكون فاتحة لعهد جديد من العلاقات بين سوريا وروسيا.
نوايا مشكوك بأمرها
أمام حكام سوريا الجدد الكثير ليفعلوه فيما يتصل بمساعيهم لنشر الاستقرار على الصعيد الداخلي الذي يعاني من انقسامات حادة، إذ في آذار الماضي، قتل مقاتلون سنة أكثر من ألف شخص معظمهم من الطائفة العلوية في منطقة الساحل السوري، وفي تموز، لقي مئات الأشخاص حتفهم في اشتباكات وقعت بين مقاتلي البدو والدروز في جنوب غربي سوريا. ولقد احتلت إسرائيل المنطقة العازلة المجاورة لمرتفعات الجولان التي تخضع للسيطرة الإسرائيلية، وصارت تضرب بشكل متكرر المواقع الموجودة في العمق السوري، حتى بعد دخول البلدين في مرحلة التفاوض على توقيع اتفاق أمني.
وفي هذا السياق، أصبح تعامل دمشق مع موسكو يخدم أهدافاً أخرى عديدة، فهو يوجه رسالة للولايات المتحدة وللدول الأوروبية مفادها بأن سوريا يُطرق بابها وليست هي من يطرق الأبواب. كما قد تحرر الدبلوماسية السورية فلول الموالين للأسد الموجودين داخل البلد من الفكرة التي اقتنعوا بها وهي أنهم بوسعهم تحريض الكرملين والشرع ضد بعضهما. كما قد يطمح حكام سوريا الجدد لأن يستغل بوتين علاقته الطيبة برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للحد من العمليات العسكرية التي تنفذها إسرائيل في الأراضي السورية. ومع سعي حكام سوريا الجدد لتحقيق سياسة “صفر مشاكل” مع القوى الأجنبية، يبدو بأنهم يرون بأنه من المفيد إبقاء الأمور ودية مع الكرملين.
لدى إسرائيل أسبابها التي تجعلها راغبة باحتفاظ روسيا بوجود عسكري متواضع في سوريا، فإسرائيل ترى في الشرع شخصية إسلامية متطرفة ذات نوايا مشكوك بأمرها، كما تخشى من تعاظم الدور التركي في سوريا وفي المنطقة ككل، بعد أن اتهمت إسرائيل تركيا بمعاداة السامية ونشر الإسلام السياسي. في حين ترغب تركيا بحكومة مركزية راسخة في سوريا وذلك لسحق أي مطمح للكرد السوريين بتحقيق حكم ذاتي، في حين تفضل إسرائيل سوريا لامركزية، وقد لا تكون تلك المسألة مبدئية لدى إسرائيل، ولكن نظراً لأنها لا تثق بحكام سوريا الحاليين، لذا فإنها تعتقد بأنه من الأسهل لها التعامل مع سوريا حال تقسيمها. ويبدو بأن قادة إسرائيل يعتقدون بأن الوجود الروسي يمكن أن يبقي البلد مقسماً إلى مناطق نفوذ.
تبحث تركيا عن مصلحة في الوجود الروسي بسوريا للأسباب نفسها تقريباً، فقد راقبت أنقرة بعين القلق الغارات الإسرائيلية الوقحة والتوغلات السعودية في سوريا، بعد أن مولت الرياض في الماضي قوات سوريا الديمقراطية. ولذلك تأمل تركيا أن تلتفت لروسيا حتى تبقي إسرائيل بعيدة عن المشهد، وحتى تدعم مسألة رفع التصنيف الإرهابي الذي فرضه مجلس الأمن على الشرع، إلى جانب مد روسيا للجيش السوري الضعيف بالعتاد، ودعم موقف أنقرة المعادي للكرد السوريين، وهنالك أساس واقعي لكل تلك الآمال، إذ عندما كان الأسد في السلطة، وافقت روسيا على العمليات العسكرية التركية ضد قسد وصارت تسير مع أنقرة دوريات في أجزاء من الشمال السوري.
ولكن لعل الطرف الذي يعول على روسيا بشكل كبير هو قسد الضعيفة التي أضحت تحت خطر خسارة حكمها الذاتي مع سعي الشرع لترسيخ سلطته. فخلال الشهور القليلة الماضية، زادت قسد من تعاملها مع روسيا بهدف تسجيل نقطة على تركيا وعلى حكومة دمشق، وحتى تحظى بحليف آخر في حال أوفت الولايات المتحدة بتعهدها القاضي بتقليص عدد جنودها أو حتى إنهاء وجودها العسكري في شمال شرقي سوريا. بيد أن روسيا سبقت الجميع بالتحرك، إذ خلال فترة الربيع والصيف، نشرت موسكو نظم الدفاع الجوي ووحدات الحرب الإلكترونية التي تسمح لروسيا بالتشويش على إشارات الراديو، وذلك في قاعدة مطار القامشلي (الواقعة في منطقة ذات غالبية كردية)، كما وسعت المنطقة المخصصة لإيواء جنودها، وحصنت محيط القاعدة. وعلى الرغم من تعاون روسيا مع تركيا، فإنها طالبت في السابق بحماية حقوق الكرد، وعرضت الوساطة بين قيادات الكرد والحكومة المركزية في سوريا. لذا، فإن كلاً من إسرائيل وتركيا وقسد تسعى لاستغلال الوجود الروسي من أجل تحقيق أهداف متعارضة، وفي ظل المناورات الروسية الذكية التي حدثت في السابق، فإن كل طرف من تلك الأطراف لديه سبب ما لأن يطمح بأن تنتهي الأمور بموسكو إلى دعم طموحاته الخاصة.
تراجعت ولم تخرج من سوريا
بالنسبة للمستقبل المنظور، فإن سوريا ستبقى مقسمة وضعيفة، بما أن القوى الخارجية تتنافس للسيطرة على دمشق وعلى مناطق النفوذ غير الرسمية في البلد. وفي ظل هذا المشهد السائل، ستكون روسيا أحد العناصر الفاعلة الكثيرة في سوريا، لكنها لن تكون أهم قوة فاعلة فيها. ومع استعداد الشرع للقيام بأول زيارة له إلى روسيا، والتي من المزمع أن تتم في شهر تشرين الأول، يبدو بأن موسكو تجنبت الطرد من سوريا، ولكن والأهم من كل هذا هو أن سوريا اليوم بحاجة لدعم اقتصادي ولاستثمارات مالية، ولرفع كل ما بقي من عقوبات دولية مفروضة عليها، ولتحقيق تلك الأهداف، لابد أن يكون المفتاح بيد دول الخليج العربي وتركيا والولايات المتحدة والدول الأوروبية لا بيد روسيا، إذ حتى قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، لم يكن أمام روسيا سوى هامش ضيق لتركز على الانتعاش الاقتصادي في سوريا وإعادة إعمارها، ومع اضمحلال مواردها اليوم وتبديدها في أوكرانيا، أضحى ذلك المجال أضيق بكثير.
في حال تمكنت روسيا من الاحتفاظ بقواعدها مع إثبات فائدتها لقوى مختلفة تتنافس على رسم مستقبل سوريا، فإن ذلك سيظل يعتبر إنجازاً كبيراً لها، إلا أن النفوذ الروسي في سوريا وفي المنطقة لن يكون كما كان قبل سقوط الأسد، ولكن قد تحتفظ روسيا بوجود عسكري بوسعها أن تبني عليه مستقبلاً، كما بوسعها من خلاله أن تواصل دعم عملياتها في بقية أنحاء الشرق الأوسط وأفريقيا، وخاصة بعد انتهاء الحرب في أوكرانيا، ففيلق أفريقيا، وهو تنظيم شبه عسكري روسي، يعمل حالياً على ترسيخ وجوده في غربي أفريقيا، بما أن الكرملين يعتبر تلك المنطقة مهمة، كما أن احتفاظ روسيا بالنقاط اللوجسيتية الخاصة بها في سوريا يمكن أن يساعدها على التوسع هناك مستقبلاً.
إلا أنه لا يحق للدول الغربية معاقبة قادة سوريا الجدد بسبب تعاملهم مع روسيا في سياق سياستهم الخارجية التي تتسم بالبراغماتية وتعدد المحاور والتوجهات، إذ بعيد سقوط الأسد، ذكر وزير خارجية هولندا كاسبار فيلدكامب بأنه يتعين على الاتحاد الأوروبي التفكير برفع العقوبات عن سوريا فقط في حال طردها لروسيا، وقال: “نريد للروس أن يخرجوا”، لكن ليست لدى الشرع أية نية بإعادة ربط البلد بفلك روسيا، ولهذا نراه يحافظ على توازن دقيق بين روسيا وخصومها، إذ في شهر أيلول الماضي، أعادت سوريا علاقاتها الدبلوماسية مع أوكرانيا، لذا، من غير المرجح أن تستخدم القواعد الروسية كصلة وصل بالنسبة لإيران في سعيها للعودة إلى سوريا، لأن الجيش الإسرائيلي بوسعه إحباط هذه المحاولة من أساسها.
في حين تواجه السلطات السورية تحديات هائلة، تجد من الحكمة عدم معاداة روسيا، لذا، وبدلاً من الخوف من مناورات موسكو أو فرض شرط الابتعاد عن روسيا مقابل الدعم المقدم لسوريا، يجب على القادة الأميركيين والأوروبيين التركيز على مساعدة الشعب السوري في التعافي بعد عقد من الحرب ونصف قرن من الاستبداد، وخير سبيل لضمان عدم سماح سوريا لروسيا باستغلال أراضيها مستقبلاً يتمثل بإقامة علاقات طيبة مع دمشق اليوم.
تلفزيون سوريا
—————————-
وفد عسكري سوري في موسكو.. جدل حول مشروعية “التعاون” وجدواه/ أيهم الشيخ
6 أكتوبر 2025
وصل وفد عسكري سوري رفيع المستوى، برئاسة اللواء علي النعسان، رئيس هيئة الأركان العامة، إلى العاصمة الروسية موسكو، في خطوة تعكس استمرار التعاون العسكري بين سوريا وروسيا، بعد عقد من التدخل الروسي في الأزمة السورية لصالح النظام السابق. وهذه هي الزيارة الثالثة خلال العام 2025.
وحسب التقديرات، تهدف الزيارة إلى تطوير آليات التنسيق بين وزارتي الدفاع، مع التركيز على تعزيز القدرات العسكرية المشتركة وتبادل الخبرات في التدريب والتكنولوجيا العسكرية، في وقت تسعى فيه سوريا لإعادة بناء قواتها المسلحة.
في سياق تحليل أهداف الزيارة وتأثيرها على العلاقات الثنائية، أشار رامي الشاعر، المستشار في شؤون السياسة الخارجية الروسية، في تصريحات لموقع “الترا سوريا”، إلى أن القيادة السورية الحالية تسعى جاهدة لتعزيز العلاقات مع جميع الدول بهدف دعم سوريا وشعبها لتجاوز التحديات الراهنة. وأوضح أن هذه الجهود تركز على تحسين الوضع الاقتصادي، وتلبية احتياجات الحياة اليومية، وإعادة إصلاح البنية التحتية المتضررة، مثل تأمين المياه والكهرباء والعلاج وغيرها من متطلبات الحياة الأساسية. وأضاف أن القيادة السورية جادة في إعادة العلاقات السورية-الروسية إلى مسارها الطبيعي، وتنشيط المشاريع المشتركة بين البلدين في مختلف المجالات.
وأكد أن روسيا لم تتخذ أي إجراءات لإلغاء أو تعديل التعاون مع سوريا، بما في ذلك المجال العسكري، مشددًا على تقدير دمشق لهذا الموقف.
وأشار إلى أن القيادة الحالية في سوريا تولي أهمية كبيرة لتطوير العلاقات العسكرية مع روسيا، بهدف إعادة تأهيل الجيش السوري من حيث العتاد، التقنيات، والتدريب.
وأوضح أن غالبية ضباط الجيش السوري هم خريجو المدارس والأكاديميات العسكرية الروسية، مما يعزز أهمية هذا التعاون لتعزيز قدرات الجيش في حماية السيادة السورية ووحدة أراضيها، والحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي، بالإضافة إلى حماية الحدود ومواجهة أي مخططات تهدف إلى التقسيم أو الانفصال.
وأشاد الشاعر بالدور الذي لعبته روسيا خلال العقد الماضي في منع اندلاع حرب أهلية شاملة في سوريا، وفرض نظام التهدئة بالتعاون مع تركيا، مما أسهم في انتقال سلمي للسلطة إلى القيادة الحالية، وحافظ على كوادر الجيش السوري من ضباط وجنود.
وختم تصريحاته بالتأكيد على أن روسيا تتفهم الظروف الصعبة التي مرت بها سوريا خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، وتعاني منها اليوم، وأنها ملتزمة بالاستجابة لاحتياجات سوريا لدعم تعافيها، بما في ذلك في المجال العسكري.
في الوقت الذي تبرز فيه الزيارة كخطوة لإعادة هيكلة العلاقات العسكرية، أوضح العقيد مصطفى فرحات، الخبير في الشؤون العسكرية، في حديث لموقع “الترا سوريا”، أن العلاقات بين سوريا الجديدة وروسيا مستمرة، لكنها تشهد تغيرات جوهرية مقارنة بالمرحلة السابقة التي اتسمت بهيمنة روسية كاملة على القرار السوري.
وأشار إلى أن سوريا تسعى لتحقيق توازن في علاقاتها الخارجية، بعيدًا عن التبعية المطلقة لأي طرف. وتساءل عما إذا كانت سوريا ستستمر في تبني العقيدة العسكرية الروسية، التي شكلت أساس تسليح الجيش السوري بنسبة تزيد عن 85% منذ عهد الاتحاد السوفيتي، أم ستتجه نحو تغيير عقيدتها العسكرية، بما يشمل التسليح والتدريب.
وأضاف أن هذه الزيارة ناقشت على الأرجح عقودًا سابقة أبرمها النظام السابق لشراء أسلحة روسية لم يتم تسليمها بعد. وأوضح أن العقوبات الدولية تشكل قيدًا على قدرة روسيا على تزويد سوريا بأسلحة متطورة، خاصة الأسلحة القتالية، لكنه رجح أن تتركز المناقشات على أسلحة دفاعية، مثل أنظمة الدفاع الجوي، التي باتت حاجة ملحة لسوريا بعد تدمير معظم قواعدها الجوية على يد سلاح الجو الإسرائيلي عقب سقوط النظام السابق. وتساءل عما إذا كانت المحادثات تشمل صواريخ “إس-300” أو غيرها، مشيرًا إلى غموض التفاصيل حول نوعية الأسلحة المحتملة.
وأكد فرحات أن الزيارة تهدف إلى إعادة هيكلة العلاقات بين البلدين على أسس جديدة، مع احترام السيادة السورية.
وأشار إلى أن روسيا تسعى لضمان استمرار مصالحها في سوريا، خاصة قاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية، اللتين تُعدان ركيزتين أساسيتين للوجود الروسي في المنطقة.
وأضاف أن سوريا تطالب روسيا بتقديم اعتذار للشعب السوري عن الأخطاء السابقة، مع فتح صفحة جديدة تقوم على التعاون بين الدولتين على أساس الندية. وفي سياق توقعاته، أشار إلى أن سوريا الجديدة تسعى لتنويع مصادر دعمها العسكري والسياسي والاقتصادي، مع السعي لتجنب الاعتماد على جهة واحدة.
وأوضح أن القيادة السورية تحاول بناء علاقات متوازنة مع الشرق والغرب، بهدف “تصفير الأعداء” وتعزيز مصالحها الوطنية.
وأضاف أن هناك احتمالية لتوجه سوريا نحو الصين أو غيرها من الأطراف، إلى جانب روسيا، لتلبية احتياجاتها العسكرية.
مع تركيز الزيارة على تعزيز التعاون العسكري وسط تحديات سياسية واقتصادية، أكد محمود الحمزة، الباحث المتخصص في الشؤون الروسية، في حديث لـ”الترا سوريا”، أن العلاقات بين سوريا وروسيا تمر بمرحلة حساسة بعد انهيار النظام السوري السابق، الذي كان حليفًا استراتيجيًا لموسكو في المنطقة. وأشار إلى أن روسيا تسعى جاهدة للحفاظ على مصالحها في سوريا، رغم التحديات السياسية والاقتصادية.
وتتجاوز المصالح الروسية في سوريا القواعد العسكرية مثل حميميم وطرطوس، إذ تشمل أيضًا مراكز عسكرية أخرى مثل مطار القامشلي، الذي أصبح نقطة تجمع رئيسية للقوات والطيران الروسي. اقتصاديًا، تركز روسيا على استثمارات في قطاعات الفوسفات والنفط والغاز، مستفيدة من الموقع الجيوسياسي لسوريا كبوابة لإفريقيا.
وأكد الحمزة أن العلاقات السورية-الروسية، الممتدة عبر عقود، تجعل من الصعب على روسيا التخلي عن سوريا.
لكنه أشار إلى عقبات كبيرة، خاصة بعد لجوء بشار الأسد وبعض ضباط نظامه إلى روسيا، حاملين معهم أموالًا ضخمة. وقد منحت موسكو الأسد “لجوءًا إنسانيًا”، إلى جانب إقامات طويلة الأمد وحتى جنسيات لبعض المقربين منه، مما أثار تساؤلات حول تأثير ذلك على العلاقات مع الحكومة السورية الجديدة. وفيما يتعلق بإعادة الإعمار، أوضح الحمزة أن روسيا تواجه قيودًا اقتصادية وتكنولوجية.
ورغم خبرتها في النفط والغاز والصناعات العسكرية، فإنها تفتقر إلى التكنولوجيا المتقدمة اللازمة لإنعاش الاقتصاد السوري. وأضاف: “الشركات الروسية مستعدة للمساهمة، لكنها تشترط توفير التمويل من الجانب السوري، وهو أمر غير عملي بالنسبة لسوريا التي تحتاج إلى استثمارات مباشرة”.
يثير تواصل الحكومة الانتقالية مع روسيا الكثير من الجدل بين السوريين، نظرًا لدور موسكو في الأزمة السورية ودعمها نظام بشار الأسد. ومع ذلك يرى البعض أن زيارة الوفد العسكري السوري إلى موسكو خطوة مهمة نحو إعادة تأهيل الجيش السوري وتلبية احتياجاته الدفاعية. فيما يشير آخرون إلى ما تواجهه العلاقات مع موسكو من تحديات كبيرة مثل العقوبات الدولية، والتوترات الناتجة عن لجوء شخصيات النظام السابق إلى روسيا، إلى جانب القيود الاقتصادية والتكنولوجية التي تحد من مساهمات موسكو في إعادة الإعمار.
ويفسر مراقبون التواصل المستمر بين دمشق وموسكو بأن “سوريا الجديدة تسعى إلى تحقيق توازن استراتيجي في علاقاتها الدولية، مع الحفاظ على السيادة وتنويع مصادر الدعم”. ويبقى نجاح هذه العلاقة مرهونًا بقدرة الطرفين على تجاوز العقبات وتلبية تطلعات الشعب السوري في الاستقرار وإعادة الإعمار.
الترا سوريا
————————————–
الممر الذي قد يشعل أوروبا..”سووالكي” في حسابات الحرب والسلام/ شفيق طاهر
الخميس 2025/10/09
في زاوية تبدو هامشية على الخريطة، عند التقاء الحدود البولندية-الليتوانية، يتوارى شريط بري ضيق تحيطه الغابات والبحيرات، لا يتجاوز عرضه 65 إلى 100 كيلومتر. لكن هذا الامتداد الصغير المعروف بـ”ممر سووالكي”، تحول في السنوات الأخيرة إلى أكثر النقاط حساسية في الأمن الأوروبي، وإلى ما يشبه “خاصرة رخوة” لحلف شمال الأطلسي (ناتو). فالممر يفصل بين كالينينغراد الروسية، الحصن العسكري المليء بالصواريخ، وبين بيلاروسيا الحليف الأقرب لموسكو. بالنسبة للناتو، يشكل الممر شريان الحياة الذي يصل الحلف بدول البلطيق الثلاث: ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا. أما بالنسبة لروسيا، فهو فرصة لتعطيل هذا الاتصال، وإعادة صياغة ميزان القوة في القارة الأوروبية.
الجغرافيا التي تصوغ السياسة
تكمن خطورة الممر في جغرافيته وحدها. فمن الغرب تحاصره كالينينغراد، ذلك الجيب الروسي المعزول الذي يضم أسلحة نووية تكتيكية ومنظومات دفاع جوي متقدمة مثل الـ”S-400 ” وصواريخ “إسكندر”، ومن الشرق تجثم بيلاروسيا التي تحولت منذ احتجاجات 2020، إلى قاعدة عمليات أمامية للقوات الروسية. وبذلك، فإن أي تحرك في الممر قد يعني اشتباكاً مزدوجاً مع موسكو ومينسك معاً.
البنية التحتية فيه محدودة: طريق “فيا بالتكا” السريع، وخط سكك حديد “وارسو فيلنيوس”، هما شريانا النقل البري الوحيدان تقريباً. أي ضربة أو تعطيل لهما، قد يشلّ قدرة الناتو على تعزيز قواته شمالاً. المفارقة أن الممر مكشوف بما يكفي لمرور القوات، لكنه ضيق إلى درجة أن أي إغلاق قصير الأمد يعزل البلطيق عن باقي الحلف.
كالينينغراد: حصن روسيا وخط ضعفها
كالينينغراد تمثل التناقض الأكبر في المعادلة. فمن منظور الكرملين، هي قاعدة استراتيجية على بحر البلطيق تؤمن قدرة على “منع الوصول” لقوات الناتو جواً وبحراً. لكنها في الوقت نفسه جيب معزول عن روسيا الأم، يعتمد على خطوط إمداد يمكن للناتو قطعها عبر “سووالكي”. في حالة الحرب، قد يتحول الممر بسرعة من خنجر في خاصرة الحلف إلى كعب أخيل لموسكو. ولذلك، فإن ربط كالينينغراد ببيلاروسيا عبر الممر، هو حلم عسكري روسي قد يغيّر قواعد اللعبة، لكنه سيكون إعلاناً عن مواجهة شاملة مع الناتو.
بيلاروسيا الجناح الشرقي لموسكو
منذ انتخابات بيلاروسيا عام 2020، توثقت علاقة الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين. استضافت بيلاروسيا قوات روسية، تدريبات مشتركة، وحتى أنظمة نووية روسية تكتيكية. هذا التحول جعل شرق الممر جبهة مفتوحة، وحوّل بيلاروسيا من “دولة عازلة” إلى شريك مباشر لموسكو في أي مواجهة محتملة مع الناتو. أما بالنسبة للناتو، أي تحرك روسي في “سووالكي” يعني حساباً مزدوجاً مع قوتين في آن واحد، روسيا وبيلاروسيا.
الناتو بعد حرب أوكرانيا
قبل عام 2022، اكتفى الناتو بوجود عسكري رمزي على حدود البلطيق، فيما يعرف بـ”خط السلك الشائك”، عبر مجموعات قتالية صغيرة. لكن الغزو الروسي لأوكرانيا أعاد رسم الاستراتيجية. اليوم، يتبنى الحلف خطة “الدفاع الأمامي”. ألمانيا أعلنت نشر لواء مدرع ألماني بشكل دائم في ليتوانيا، يضم نحو 5 ألاف جندي مع دبابات “ليوبارد” ومدفعية حديثة، بحيث يكتمل الانتشار بحلول عام 2027. كما تم رفع مستوى الوحدات القتالية العسكرية في لاتفيا وإستونيا إلى تشكيلات ألوية، مع تعزيز الدفاعات الجوية وقيادات متعددة الجنسيات. رسالة الناتو واضحة، أي محاولة روسية لإغلاق الممر ستكون باهظة الكلفة.
اللوجستيات العصب الخفي
لا تقتصر أهمية الدفاع عن ممر “سووالكي” على البعد العسكري وحده، بل تتجاوز ذلك إلى البنية التحتية واللوجستيات التي يعتمد عليها الناتو لضمان بقاء الممر مفتوحاً. ففي هذا السياق، برز مشروعان استراتيجيان من شأنهما تغيير المعادلة خلال السنوات المقبلة. الأول هو مشروع “سكة حديد بالتيكا”، الذي يربط العاصمة البولندية وارسو بعواصم دول البلطيق الثلاث، ما سيلغي العقبات المرتبطة باختلاف قياسات السكك الحديدية الموروثة من الحقبة السوفيتية، ويتيح حركة سلسة لنقل المدرعات والإمدادات العسكرية عند اكتماله المتوقع بحلول عام 2030.
أما الثاني فهو فصل دول البلطيق في شباط/فبراير 2025، عن شبكة الكهرباء الروسية البيلاروسية، وربطها مباشرة بالنظام الكهربائي الأوروبي، وهو تطور تاريخي يقلل من قدرة موسكو على استخدام الطاقة كسلاح سياسي ويعزز مرونة البنية التحتية في المنطقة. هذان المشروعان، إلى جانب تعزيز الطرق البرية والجسور والمستودعات، يوضحان أن معركة الدفاع عن “سووالكي” ليست فقط معركة دبابات وصواريخ، بل أيضاً معركة لوجستيات وقدرة على الصمود في وجه الأزمات.
الحرب الهجينة.. معركة المنطقة الرمادية
قد لا تشهد “سووالكي” معركة دبابات وصواريخ، بل حرباً “هجينة”. موسكو جربت بالفعل أساليب كهذه عبر تدفقات المهاجرين على الحدود البولندية-الليتوانية منذ عام 2021، ما أدى إلى توترات سياسية واجتماعية داخل الناتو. كذلك، يمكن للهجمات الإلكترونية أن تشل السكك الحديدية أو الكهرباء، فيما تضيف الطائرات المسيّرة والاستطلاع الجوي، شعوراً دائماً بالتهديد لدول البلطيق. الهدف الروسي ليس الغزو المباشر، بل زرع الشكوك في قدرة الناتو على حماية أضعف نقاطه.
سيناريوهات محتملة
يرجح الخبراء أن مستقبل ممر “سووالكي” قد يتخذ مسارات متعددة، تتراوح بين الضغط المستمر بأساليب الحرب الهجينة، وبين المواجهة العسكرية المباشرة.
ففي السيناريو الأول، قد تلجأ موسكو إلى استخدام أدوات غير تقليدية مثل الهجمات الإلكترونية أو توجيه تدفقات المهاجرين وشلّ عمل المطارات بواسطة الطائرات المسيرة، بهدف استنزاف الناتو وزعزعة الثقة بقدرته على حماية الممر.
أما السيناريو الثاني، فيتعلق باحتمال تعطيل قصير الأمد عبر ضربات مدفعية أو صاروخية من كالينينغراد أو بيلاروسيا، تكفي لإغلاق الطرق وخطوط السكك الحديدية وتأخير وصول التعزيزات لعدة أيام.
وهناك أيضا سيناريو أكثر خطورة، يتمثل في عملية عسكرية واسعة تسعى من خلالها القوات الروسية والبيلاروسية إلى الاستيلاء على الممر وربط كالينينغراد ببيلاروسيا، وهو خيار يعني اندلاع مواجهة مباشرة وشاملة مع الناتو.
في المقابل، يراهن حلف الناتو على سيناريو رابع يتمثل في تعزيز وجوده العسكري واللوجستي بشكل يجعل الممر محصناً ومفتوحاً حتى تحت النيران، وهو الخيار الذي يهدف إلى ردع موسكو من التفكير أصلاً في إغلاقه.
السياسة داخل الناتو.. الانقسام والالتزام
حلف الناتو ليس كتلة صلبة. فدول الجنوب في الحلف تركز على البحر المتوسط والهجرة، بينما دول البلطيق تصرخ محذرة من الخطر الروسي. تركيا توازن بين مصالحها مع موسكو والحلف. ورغم ذلك، فإن قرار ألمانيا نشر لواء دائم في ليتوانيا يعكس تحولا استراتيجياً كبيراً في ثقافتها الدفاعية، بينما تضغط واشنطن على الأوروبيين لتولي نصيب أكبر من العبء. بالتالي قرار بقاء الممر مفتوحاً مرهون بقدر من الوحدة السياسية، لا يقل أهمية عن القوة العسكرية.
أي مواجهة حول ممر “سووالكي”، ستجري تحت سقف التهديد النووي. موسكو لمّحت مراراً وتكراراً إلى إمكانية استخدام أسلحة نووية تكتيكية لحماية “مصالحها الحيوية”، بينما يكرر الناتو أنه تحالف نووي أيضاً. كلا الطرفين لا يريد حرباً نووية، لكن التلويح بها يكفي لتقييد التحركات وجعل التصعيد أكثر خطورة.
ممر ضيق.. اختبار واسع
ممر “سووالكي” ليس مجرد خط على الخريطة، بل اختبار لمستقبل الأمن الأوروبي بأسره. بالنسبة لروسيا، هو ثغرة يمكن استغلالها لإرباك الناتو أو فرض وقائع جديدة. بالنسبة لناتو، هو الاختبار الأوضح لمصداقيته، هل يستطيع الحفاظ على تواصل بري مع دول البلطيق تحت التهديد؟
التحركات الأخيرة من تعزيز القوات الألمانية، إلى مشاريع تطوير البنية التحتية في دول البلطيق، إلى فك ارتباط البلطيق عن الشبكات الكهربائية الروسية، تكشف أن دول حلف الناتو تاخذ التحدي بجدية. لكن الواقع أن قطعة أرض بهذا الضيق، قد تحدد مصير قارة كاملة. إنها المفارقة الجيوسياسية لممر “سووالكي”. فأصغر الفجوات قد تفتح أكبر الأزمات.
المدن
———————————
النفوذ مقابل التسليح.. محاولات لإعادة بناء العلاقات السورية مع روسيا
2025.10.04
في تشرين الأول/ أكتوبر الجاري زار وفد رفيع من وزارة الدفاع السورية برئاسة رئيس هيئة الأركان العامة اللواء علي النعسان، العاصمة الروسية موسكو، وأجرى لقاءات مع مسؤولين روس، بالإضافة إلى زيارة معرض للأسلحة، مما أكد أن مسار إعادة بناء العلاقات بين الجانبين الذي بدأ بزيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى موسكو آواخر تموز/ يوليو الماضي جاد واستراتيجي.
تسليح الجيش السوري
علم موقع تلفزيون سوريا من مصادر دبلوماسية مقربة من أوساط الحكومة السورية أن الأخيرة لديها توجه لترميم الجيش بشكل أولي، في ظل عدم وضوح المستقبل بخصوص مصير العقوبات المفروضة على مؤسستي الأمن والجيش، والتي تعيق إجراء صفقات سلاح مع الجهات الغربية.
وفقاً للمصدر، لدى الحكومة السورية مؤشرات على أن جماعة الضغط المساندة لإسرائيل في الولايات المتحدة تعمل على عرقلة إزالة العقوبات عن الجيش السوري لقطع الطريق على بناء جيش يحدث توازن مع إسرائيل، ولذا اتجهت دمشق باتجاه روسيا من أجل الحصول على قطع غيار للمدرعات والدبابات الموجودة لدى الجيش السوري، بالإضافة إلى الرغبة بإعادة تشغيل بعض الطائرات روسية الصنع، وتوفير الذخائر لها.
وأفاد المصدر بوجود قناعة لدى الحكومة السورية أن قسد لن تلتزم بالاتفاق الموقع معها في 10 آذار/ مارس عام 2025، وهذا قد يدفع باتجاه مواجهة عسكرية لا تشارك فيها تركيا بشكل مباشر بسبب الاعتبارات السياسية المتعلقة بالداخل التركي، أو رغبة بعدم إعطاء شرعية للمزيد من التدخل الإسرائيلي بالشأن السوري، وهذا يعني أن الجيش السوري يجب أن يمتلك المزيد من الأدوات العسكرية التي يعزز فيها موقفه الميداني.
الحفاظ على وحدة الأراضي السورية
تسعى سوريا لاستثمار الموقف الروسي المتمسك بوحدة الأراضي السورية، حيث ترفض روسيا منح الشرعية الدولية لتقسيم دول الشرق، لأنها تعتقد بإمكانية تعميم الأمر لاحقاً على دول أخرى مكونة من أديان وأعراق مختلفة، وروسيا واحدة منها.
وبحسب ما يدور في الأروقة السورية، فإن دمشق لا تريد أن تشعر روسيا بتجاهل الحكومة السورية لمصالحها، مما قد يدفعها لتعزيز العلاقات مع قسد، خاصة وأن روسيا تمتلك قاعدة عسكرية في القامشلي بمحافظة الحسكة.
ومنذ سقوط نظام الأسد في 8 من آب عام 2024، عززت روسيا من قواتها في قاعدة القامشلي، فقد نقلت جزءاً من القوات المتمركزة في قاعدة حميميم إليها، وبنت المزيد من التحصينات فيها، مما يعني أن موسكو حافظت على حضورها في ملف شرقي الفرات أو شمال شرقي سوريا، ويمكن لها أن تمارس ضغوطاً ميدانية على قسد حال حصلت تفاهمات بينها وبين دمشق.
روسيا تبحث عن النفوذ في سوريا
أفادت مصادر دبلوماسية تعمل مع وزارة الخارجية الروسية في الملف السوري، موقع تلفزيون سوريا، أن موسكو لا تزال راغبة بالحفاظ على نفوذها في سوريا لاعتبارات كثيرة، أبرزها الإبقاء على منصة مهمة للتواصل مع تركيا والدول العربية وفي مقدمتها السعودية وقطر والأردن، نظراً لما تشكله سوريا من أهمية لهذه الدول.
أيضاً، لدى روسيا اعتقاد أن وجودها في سوريا يتيح لها ممارسة الضغوطات على إسرائيل عند الحاجة لدفعها باتجاه النشاط الدبلوماسي للتأثير على الغرب والولايات المتحدة بما يحقق المصالح الروسية. وفق المصدر.
المصدر أكد أن اللقاءات التي تتم بين سوريا وروسيا حالياً هي محاولة استكشاف إمكانية تعزيز العلاقات، فالجانب الروسي غير متأكد من مدى جدية دمشق بالعمل على تعزيز العلاقات، وما إذا كانت تستخدمه فقط للمناورة من أجل استفزاز الجانب الأميركي لدفعه باتجاه رفع العقوبات والضغط على إسرائيل لوقف تدخلها بالشأن السوري، وتعزيز العلاقات مع واشنطن.
وتطمح موسكو للحفاظ على قاعدتين في سوريا على الأقل، الأولى في القامشلي، حيث يتيح هذا الموقع لروسيا عدة أهداف استراتيجية، الأول الإبقاء على تأثيرها في المنطقة الحدودية بين سوريا وتركيا مما يعني إبقاء قنوات الاتصال فعالة مع دمشق وأنقرة معا، كما أن موسكو تضمن الحفاظ على التنافس مع الولايات المتحدة التي تملك قواعد عديدة شمال شرقي سوريا.
القاعدة الثانية التي تريد روسيا إبقاءها هي قاعدة طرطوس البحرية، التي توفر لروسيا تقديم الدعم اللوجستي لأسطولها الموجود في شبه جزيرة القرم، وتمهد للتمدد باتجاه البحر الأحمر الذي يعتبر من أهم معابر الطاقة باتجاه السوق الدولية.
وترجح المصادر موافقة روسيا على تسليح محدود لسوريا، إذا حال تم التوصل إلى تفاهمات حقيقية تضمن مصالح موسكو، بل ربما يطمح الكرملين لأبعد من هذا، وهو العمل على المشاركة في هيكلة الجيش السوري مستقبلاً ليكون أكثر ارتباطاً بروسيا فيما لو حسمت دمشق أمرها بترسيخ علاقات استراتيجية مع موسكو.
تلفزيون سوريا
———————————-
دمشق تعيد الانفتاح على موسكو وسط غموض حول مصير الأسد
السبت 2025/10/04
تشهد العلاقات بين القيادة السورية الجديدة وروسيا تحولات لافتة بعد أشهر من الفتور، مع عودة الوفود العسكرية والسياسية إلى موسكو وتهيئة الأجواء لقمة روسية–عربية منتصف تشرين الأول/ أكتوبر.
لكن هذا التقارب يوازيه غموض متزايد يلف مصير بشار الأسد، الذي يعيش في موسكو تحت حماية الكرملين، وسط شائعات متكررة عن تعرضه لمحاولات تسميم.
ففي يوليو الماضي، زار وزير الدفاع مرهف أبو قصرة ووزير الخارجية أسعد الشيباني موسكو للقاء الرئيس فلاديمير بوتين، قبل أن يعلن الرئيس السوري أحمد الشرع، قبول دعوة لحضور قمة موسكو المقبلة.
كما استؤنفت الدوريات العسكرية الروسية في القامشلي شمال شرقي سوريا، فيما تبحث دمشق الجديدة إمكانية توسيعها إلى الجنوب، في مؤشر على إعادة ترميم التحالف مع موسكو.
إلا أن صحيفة “ذا تايمز” البريطانية كشفت أن هذه التحركات الدبلوماسية تتزامن مع تقارير عن وضع صحي حرج للأسد، ونقلت عن “المرصد السوري لحقوق الإنسان” أنه أُدخل إلى مستشفى بضواحي موسكو بداية الأسبوع بعد إصابته بتسمم، قبل أن يخرج منه صباح الإثنين.
وأضاف التقرير أن “الجهة التي نفذت العملية تسعى لإحراج الحكومة الروسية واتهامها بتصفيته”، من دون تأكيد أو نفي رسمي.
صفقة صمت
وبحسب نيكيتا سماجين، الخبير في شؤون الشرق الأوسط لدى مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، فإن عودة الدفء بين دمشق وموسكو تعكس براغماتية القيادة الجديدة، لكن وجود الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد في روسيا يظلّ عبئاً، وقال : “أعتقد أن الأسد آمن في موسكو، لكن جزءاً من الصفقة أن يلتزم الصمت”.
وهكذا، بينما تواصل دمشق الجديدة ترتيب أوراقها بين موسكو وتل أبيب، يظلّ الأسد حاضراً في الشائعات أكثر منه في الواقع السياسي، رمزاً لمرحلة انتهت، ولكنها لم تختفِ بعد من الذاكرة السورية والروسية على حد سواء.
من قصر دمشق إلى أبراج موسكو سيتي
ويقيم الأسد، الذي أُطيح به في كانون الأول/ديسمبر الماضي بعد ثلاثة عشر عاماً من الحرب، مع أسرته في موسكو سيتي، الحي الفاخر المعروف بناطحات السحاب. بعد أن اشترى أقاربه بين عامي 2013 و2019 عقارات هناك بقيمة تتجاوز 30 مليون جنيه إسترليني، بحسب منظمة “غلوبال وِتنِس”، ويظل مكان إقامته الدقيق وزوجته أسماء الأخرس وأولادهما الثلاثة سرياً، فيما يحرسهم جهاز أمني خاص.
وظهر ابنه الأكبر، حافظ في شباط/فبراير الماضي في صور أمام جامعة موسكو حيث ناقش أطروحة دكتوراه في الرياضيات، لكن الأسد نفسه وزوجته، المصابة بسرطان الدم وفق تشخيص العام الماضي، يلتزمان الغياب التام عن الأضواء.
———————-
لافروف: وجودنا في سوريا لم يعد عسكرياً
أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن بلاده تسعى لتكييف وجودها في سوريا بما يتلاءم مع “الظروف الجديدة”، مشيراً إلى أن موسكو معنية باستمرار المشاريع المشتركة مع دمشق في مجالات الصناعة والزراعة والطاقة.
وفي مقابلة مع قناة RT، أجرتها الصحفية آنا كنيشينكو عشية القمة الروسية-العربية الأولى في موسكو، أوضح لافروف أن هذا التوجه يشمل أيضاً القواعد العسكرية الروسية في سوريا، مضيفاً:
“الرئيس فلاديمير بوتين أكد مراراً أننا لن نبقى في سوريا ضد إرادة قيادتها، لكن من الواضح أن القيادة السورية وعدداً من دول المنطقة مهتمون باستمرار وجودنا هناك. بطبيعة الحال، لم يعد هذا الوجود ذا طابع عسكري مباشر، بل يجب إعادة تشكيل وظيفته”.
وأشار لافروف إلى أن أحد الأدوار الجديدة المقترحة يتمثل في إنشاء مركز إنساني يمكن من خلاله استخدام الميناء والمطار لنقل المساعدات من روسيا ودول الخليج إلى إفريقيا، مضيفاً أن “الفكرة لاقت اهتماماً مشتركاً، وقد نوقشت بالفعل من حيث المبدأ”.
وختم الوزير بالتأكيد على عمق العلاقات الروسية-السورية الممتدة منذ الحقبة السوفيتية، والتي “تستند إلى الصداقة والتعاون في بناء الاقتصاد وتعزيز القدرات الوطنية والدفاعية”.
——————————
لافروف: اللعب بورقة الكُرد نحو حكم ذاتي في سوريا قد يؤدي إلى انفجار بدول أخرى
2025.10.08
صرّح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، اليوم الأربعاء، بأنه إذا أسفرت “المناورات” المتعلقة بالكُرد السوريين نحو “الحكم الذاتي والانفصال” إلى خطوات عملية، فإن “القضية الكردية” قد تنفجر في سائر دول المنطقة، مما ينذر بمخاطر جسيمة، على حد تعبيره.
وقال لافروف خلال مقابلة نقلتها وكالة سبوتنيك الروسية: “الخوف التقليدي للكثيرين هو أن تنفجر القضية الكردية، لأنه إذا أسفرت هذه “المناورات” مع أكراد سوريا “من أجل الحكم الذاتي والانفصال” عن نتائج ملموسة،، فقد تنفجر القضية الكردية في جميع دول المنطقة الأخرى. وهذه مخاطر جسيمة”.
وأكد لافروف أن روسيا ستدعم”شركاءها السوريين بكل الطرق الممكنة، وهي مستعدة للتعاون مع الدول الأخرى التي لها مصالح في الجمهورية العربية السورية”.
وقال: “سندعم شركاءنا السوريين من جميع الجوانب. نحن مستعدون للتعاون في هذه القضايا مع الدول الأخرى التي، بطريقة أو بأخرى، تدعم مصالحها في الجمهورية العربية السورية. وستكون مشاركة رئيس الحكومة الانتقالية، السيد أحمد الشرع، في القمة الروسية العربية الأولى في 15 من تشرين الأول ذات أهمية خاصة”.
وفي وقت سابق من اليوم، أكدت المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، أن “موسكو تشعر بالقلق إزاء تصاعد التوترات من جديد في سوريا وتأمل في تهيئة الظروف لتجنب إراقة الدماء”.
وقالت زاخاروفا خلال مؤتمر صحفي: “وفقا لمعلومات واردة، تصاعد الوضع في حلب شمالي سوريا بشكل حاد
، يوم الاثنين 6 من تشرين الأول، بالقرب من حيي الشيخ مقصود والأشرفية، وأفادت التقارير بوقوع اشتباكات بين الجماعات المسلحة الكردية العاملة هناك والقوات الحكومية، ما أسفر عن سقوط ضحايا وجرحى”.
————————————–
“خطوة نحو تعزيز الاستقرار”.. الخارجية الروسية تعلق على انتخابات البرلمان السوري
2025.10.09
أعربت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، عن أمل موسكو في أن يسهم تشكيل مجلس الشعب السوري الجديد في بناء نظام حكومي فعّال ومستقر يلبي تطلعات السوريين ويعزز الاستقرار في البلاد.
وفي إحاطة صحفية من موسكو، أكدت زاخاروفا أن روسيا تعتبر الانتخابات الأخيرة لمجلس الشعب السوري “حدثاً مهماً في جهود القيادة السورية لإقامة مؤسسات دولة فاعلة وتعزيز الاستقرار الوطني”.
وشددت زاخاروفا على ضرورة أن تكون الدورة الجديدة لمجلس الشعب “ذات طابع تمثيلي حقيقي”، وأن يوفّر عملها “الظروف اللازمة لضمان الانسجام الوطني وحماية حقوق ومصالح جميع المواطنين، بغضّ النظر عن انتماءاتهم العرقية أو الدينية”.
وأضافت المسؤولة الروسية أن موسكو تتوقع أن تهيئ تشكيلة مجلس الشعب الجديدة الظروف الملائمة لتحقيق توافق وطني أوسع، يمهّد لبناء مؤسسات دولة شاملة ومستدامة.
قلق من التوترات وتجديد الدعوة إلى الحوار
من جانب آخر، أعربت زاخاروفا عن قلق روسيا من تجدد التوترات في سوريا، مشيدة بما وصفته بـ”الإرادة السياسية للأطراف لإنهاء العنف”.
وقالت زاخاروفا إن موسكو “تأمل أن تُهيّأ الظروف اللازمة لتجنّب المزيد من إراقة الدماء وتحقيق خفض مستدام للتصعيد”، مشددة على ضرورة حماية المدنيين ومنع وقوع إصابات بينهم.
وأكدت أنّ “الاستقرار الدائم في سوريا لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال حوار وطني واسع يعزّز الوئام بين المكوّنات العرقية والطائفية مع احترام سيادة البلاد ووحدتها وسلامة أراضيها”.
تشكيل مجلس الشعب في سوريا
والأحد الماضي، أجرت الحكومة السورية عملية انتخابية لاختيار أعضاء مجلس الشعب الجديد، هو الأول بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع، بشار الأسد.
وجرت هذه الانتخابات وفق آلية استثنائية تقوم على اختيار هيئات ناخبة ممثِّلة عن المناطق، تمّ تشكيلها بناءً على التوزيع السكاني والتقسيمات الإدارية لعام 2010.
وبرّرت الحكومة السورية اللجوء إلى هذه الآلية بعدم وجود إحصاءٍ سكاني في البلاد، وعدم توفّر إمكانية لتنظيم انتخابات تقليدية في عموم سوريا، ولا سيما مع وجود مناطق خارج سيطرة الدولة واستمرار عدم استقرار الوضع الأمني.
————————
لافروف: يجب إعادة تنظيم مهام القواعد الروسية في سوريا
جدد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أمس الخميس، استعداد موسكو للتعاون مع سوريا واستمرار جميع المشاريع، لكنه أشار إلى أنه يجب تعديلها وفقا للظروف الجديدة، لافتا إلى أن هذا الأمر ينطبق أيضا على إعادة تنظيم مهام القواعد الروسية في الأراضي السورية.
وأشار لافروف في مقابلة لقناة “آر تي” الروسية إلى أن الرئيس فلاديمير بوتين، صرح مرارا بأن موسكو لن تتصرف ضد إرادة الحكومة السورية.
وأضاف المسؤول الروسي “من المفهوم أن الحكومة السورية، إلى جانب بعض دول المنطقة، ترغب في الحفاظ على وجودنا هناك، بالطبع، وجودنا في سوريا ليس لدعم الحكومة الشرعية عسكريا ضد قوى المعارضة، لذا يجب إعادة هيكلة مهام القواعد”.
ولفت لافروف إلى إمكانية استخدام القواعد الروسية في سوريا كنقاط للمساعدات الإنسانية، مشيرا إلى أنه يمكن استخدام الموانئ والمطارات لإيصال المساعدات الإنسانية من روسيا ودول الخليج إلى الدول الإفريقية.
وأكد لافروف، أن روسيا مستعدة لدعم شركائها السوريين والتعاون مع الدول الأخرى التي تخدم مصالحها في هذا البلد.
وقال وزير الخارجية الروسية إنهم يتوقعون مشاركة الرئيس السوري أحمد الشرع، بالقمة الروسية العربية، التي ستعقد في العاصمة موسكو الأربعاء المقبل، وإجراء محادثات مهمة.
لكن في وقت لاحق، عقب المقابلة أعلن الكرملين، في بيان، تأجيل القمة العربية الروسية، في ظل المرحلة النشطة من تنفيذ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.
المصدر: وكالات
—————————————
======================



