تطور الاقتصاد السوري تحديث 04-11 تشرين الأول 2025

لمراجعة الملف اتبع الرابط التالي:
———————————————-
تحديث 10 تشرين الأول 2025
——————————–
ملفات الرواتب والعقوبات واستبدال العملة.. لقاء خاص مع وزير المالية في سوريا
2025.10.10
تحدث وزير المالية السوري محمد يسر برنية عن ملامح السياسة المالية الجديدة، مشيراً إلى أن الحكومة تعمل على بناء مرحلة اقتصادية مختلفة تقوم على الانفتاح والتعاون الدولي بعد انتهاء مرحلة العقوبات الاقتصادية التي فُرضت على البلاد لسنوات طويلة.
وأوضح الوزير في لقاء خاص مع تلفزيون سوريا أن العقوبات المفروضة على سوريا بدأت تُرفع تدريجياً بفضل الجهود الدبلوماسية، مؤكداً أن البلاد باتت في “المراحل الأخيرة” من عملية رفعها بشكل كامل، بما في ذلك قانون قيصر.
وأشار إلى أن هذا التطور سمح بعودة التواصل مع النظام المالي العالمي، حيث بدأت بنوك وشركات أوروبية وأميركية بالتواصل مع الجانب السوري، من بينها مؤسسات مالية كبرى مثل “ماستر كارد”، بالإضافة إلى وفود استثمارية غربية زارت دمشق مؤخراً.
واعتبر الوزير أن رفع العقوبات يمثل “إنجازاً كبيراً” للدبلوماسية السورية، مشيراً إلى أن البلاد تدخل الآن مرحلة “ما بعد العقوبات”، وهي مرحلة يجب أن تشهد إصلاحاً اقتصادياً واسعاً بعيداً عن تبرير الصعوبات بالعقوبات السابقة. وقال إن “الطريق أصبح مفتوحاً أمامنا، ولا عذر لنا إلا أن نتقدم”.
النظام الضريبي في سوريا
أما فيما يتعلق بالنظام الضريبي الجديد، أوضح الوزير أن وزارة المالية تعمل على إصلاحات شاملة تهدف إلى خدمة الاقتصاد والمواطن وتشجيع الاستثمار وتنمية القطاع الخاص.
وأكد أن الوزارة “ليست وزارة جباية وقهر، بل وزارة تنمية وبناء وشراكة”، مشيراً إلى أن الهدف من النظام الضريبي الجديد هو تحقيق العدالة وتشجيع الإنتاج.
وبيّن أن الضريبة على المبيعات المقترحة ستكون من الأدنى في المنطقة والعالم، مع إعفاء معظم السلع الأساسية التي تهم المواطنين، فيما سيتم تخصيص نحو ربع حصيلة هذه الضريبة لدعم الصادرات السورية بهدف إعادة الحيوية للقطاع التصديري. كما أقرّ الوزير بوجود فساد وإجراءات بيروقراطية في النظام الحالي، مؤكداً أن الحكومة تعمل على معالجتها ضمن خطة إصلاح أوسع تشمل قوانين جديدة يجري إعدادها بالتشاور مع مختلف شرائح المجتمع الاقتصادي.
ملف الرواتب في سوريا
كشف وزير المالية السوري تفاصيل حزمة سياسات مالية واقتصادية يجري العمل عليها، أبرزها منحة سعودية قطرية لدعم الرواتب، إصلاحات ضريبية وإدارية، وتسريع التحول الرقمي، إلى جانب تحضيرات فنية لإصدار عملة سورية جديدة بالتنسيق مع مصرف سوريا المركزي.
وأكد الوزير أن المنحة المشتركة المقدَّمة من صندوق قطر للتنمية والصندوق السعودي للتنمية موجهة حصراً لدعم فاتورة الأجور في القطاعات الاجتماعية، وتغطي نحو 17% من إجمالي الرواتب لمدة ثلاثة أشهر، بقيمة تقارب 29 مليون دولار شهرياً.
وأوضح أنها منحة غير مشروطة وغير مستردة، مع احتمال تمديدها لاحقاً، مشيداً بدور الداعمين العرب في هذا الملف.
وفيما يتعلق بسياسة الأجور، أشار الوزير إلى مسار متوسط المدى لإصلاح الرواتب بدأ بزيادة أولية واسعة شملت العاملين في الدولة، مع زيادات “نوعية” أُقرت لقطاع العدل، وخطط قريبة لتحسين أجور العاملين في التربية والصحة.
ويستهدف المسار توحيد شرائح الأجور وإغلاق الفجوات بين المحافظات والقطاعات، مع منح حوافز إضافية للعاملين في المناطق النائية.
وشدّد على أن أي زيادات ستُصمَّم لتفادي آثار تضخمية، بالتوازي مع تنشيط أجهزة الرقابة ومكافحة الفساد ورفع كفاءة الخدمة العامة.
وكشف الوزير عن عملٍ مشترك بين وزارتي المالية والصحة لإصلاح نظام التأمين الطبي لموظفي القطاع العام، بوصفه جزءاً من تحسين مستوى المعيشة، على أن تُستكمل المرحلة الأولى بخطة أوسع لضمانٍ صحي على مستوى البلاد لاحقاً.
وفي ملف التحول الرقمي، قال الوزير إن الرقمنة باتت محوراً عابراً لكل مؤسسات الدولة لمكافحة الفساد وتحسين الإيرادات والخدمات. وأوضح الانتقال إلى منصات رقمية في إعداد الموازنة والربط مع الوزارات، وإطلاق قنوات تواصل وشكاوى إلكترونية وموقع جديد للوزارة قريباً، فضلاً عن مشروع واسع لرقمنة الخدمات الضريبية وإعادة هندسة الإجراءات. كما شدد على الإسراع بمحو الأمية الرقمية ومواءمة التعليم مع احتياجات سوق العمل.
وفيما يخص مناخ الاستثمار، لفت إلى حزمة إصلاحات تشريعية وإجرائية تشمل قوانين الاستثمار والشركات والعمل، وتطوير “النافذة الواحدة”، مع مسارٍ موازٍ لإصلاح المنظومة القضائية واستحداث محاكم متخصصة لتسوية النزاعات الضريبية والاستثمارية بما يعزز الثقة ويوفر الضمانات للمستثمرين المحليين والأجانب.
أما بشأن السياسة النقدية، فأكد وجود تنسيقٍ يومي مع مصرف سوريا المركزي، والتزام الحكومة بعدم تمويل العجز عبر الاقتراض من المصرف المركزي، واعتماد مصادر “حقيقية وغير تضخمية” لتمويل أي فجوة. واعتبر أن ضبط المالية العامة وزيادة القدرة على التصدير وجذب التدفقات المالية كفيلان بدعم استقرار الليرة.
وأعلن الوزير أن ثمة عملاً فنياً جارياً لإصدار عملة سورية جديدة يتضمن حذف صفرين، مبيناً أن الإجراء جزء من حزمةٍ أوسع من الإصلاحات الاقتصادية والمالية التي يقودها المصرف المركزي والدولة، وأن تفاصيل التوقيت والإعلان الرسمي تعود للمصرف، مع التأكيد على أن العملية ستكون منضبطة وواضحة للمواطنين.
وختم الوزير بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة تقوم على الشراكة بين الدولة والمجتمع والقطاع الخاص، وأن الأولويات تتركز على الصحة والتعليم والتنمية وخلق فرص العمل، داعياً السوريين إلى التفاؤل بمرحلة “إصلاح منظم” تهدف إلى تحسين الخدمات ومعيشة المواطنين.
تلفزيون سوريا
———————————–
=======================
تحديث 08 تشرين الأول 2025
——————————–
الليرة السورية تتخفّف من أصفارها… مقامرة أو خدعة اقتصادية؟/ محمد مصطفى عيد
الجمعة 5 سبتمبر 2025
بينما الاقتصاد منهك ويعاني من التضخم المتصاعد وضعف القوة الشرائية، عاد الحديث عن خطوة قد تبدو شكليةً، لكنها تحمل رمزيةً سياسيةً كبيرة: حذف الأصفار من الليرة السورية وإصدار “ليرة جديدة”.
هذه الخطوة، التي يراها بعضهم وسيلةً لتسهيل التداول اليومي للأموال، يعدّها آخرون اختباراً حقيقياً لقدرة الاقتصاد على الصمود أمام تحديات نقدية عميقة. في رصيف22، حاولنا جمع أبعاد هذه الخطوة عبر متابعة آراء خبراء اقتصاديين، لرسم صورة أكثر وضوحاً عن المخاطر والفوائد والدوافع الكامنة وراءها، مع الاستفادة من التجارب الدولية السابقة التي أثبتت أنّ النجاح أو الفشل مرتبطان بالقدرة على إصلاح الاقتصاد الحقيقي.
صدمة ثقة!
يرى الدكتور عماد الدين المصبح، أستاذ الاقتصاد في كليات الشرق العربي في الرياض، أنّ حذف الأصفار ليس قراراً اقتصادياً بحتاً، بل نتاج تقاطع بين ضرورةٍ تنظيمية وأهداف سياسية ورمزية.
يقول المصبح لِرصيف22: “التضخم الكبير خلال السنوات الماضية في سوريا جعل التعاملات اليومية معقدةً للغاية، وأثقل على المواطنين والمؤسسات في إدارة السيولة. من هذا المنطلق، يمثّل حذف الأصفار محاولةً لتبسيط الإجراءات وتقليل التعقيدات الفنية للأنظمة المالية”.
ويشير المصبح، إلى البعد النفسي والسياسي للخطوة، عادّاً أنها محاولةٌ لخلق “صدمة ثقة” في السوق عبر إظهار انطباع بعملة أقوى أو بداية جديدة، لكن هذا الأثر يبقى هشاً وغير مستدام ما لم يتحقق تحسن حقيقيّ في الإنتاج المحلي والقوة الشرائية للمواطنين.
ويضيف أنّ التركيز على الإجراءات الشكلية قد يؤدي إلى تأجيل الإصلاحات الاقتصادية العميقة مثل تحسين بيئة الاستثمار، وإصلاح الدعم، ومكافحة التهرب الضريبي، وهي خطواتٌ ضروريةٌ لتحقيق استقرارٍ طويل المدى.
الفوائد العملية والرمزية
من زاوية مختلفة، يسلّط ملهم الجزماتي، وهو محلل اقتصاديّ في شركة كرم الشعار للاستشارات، الضوء على الأبعاد الرمزية للخطوة. في حديثه إلى رصيف22، يؤكد أنّ التخلص من رموز النظام السابق وإزالة صورة الرئيس السابق من العملة يمثّلان انطلاقةً سياسيةً ورمزيةً مهمةً تعكس هويةً وطنيةً جديدة.
من الناحية العملية، يوضح الجزماتي أنّ حذف الأصفار سيساهم في تبسيط التعاملات اليومية وتقليل الأخطاء المحاسبية، كما سيتيح للمصرف المركزي إعادة السيطرة على السوق النقدي المحلي.
ويوضح أنّ هناك أكثر من 40 تريليون ليرة سورية يتم تداولها خارج النظام المصرفي، وبإصدار أوراق نقدية جديدة يمكن إعادة إدخال هذه القيم إلى البنوك، ما يوفر قراءةً أوضح لحجم النقد المتداول ويتيح وضع سياسة نقدية أكثر دقةً وواقعية.
لكن الجزماتي يحذّر من أنّ العملية بدورها، ستكلف الحكومة ملايين الدولارات، سواء للطباعة أو لتحديث الأنظمة المصرفية وتقنيات الحماية من التزوير، بالإضافة إلى ارتباك محتمل في العمليات الحسابية والمعاملات خلال الفترة الانتقالية. ويضيف أنّ حذف الأصفار وحده قد يؤدي إلى موجة تضخمية إذا لم يصاحبه إصلاح حقيقيّ في الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على المستوردات، وإلّا ستظل الخطوة مجرد إجراء شكليّ لن يشعر المواطن بتأثيره.
المخاطرة في الـ”نيو ليرة”
يكمل جورج خزام، مستشار وزير الاقتصاد لشؤون السيولة والنقد، الصورة من زاوية التمويل والاستدامة. ففي منشور على صفحته العامة على فيسبوك، حذّر خزام من أنّ طباعة “نيو ليرة” بحذف صفرين قد تتحول إلى كارثة مالية واقتصادية إذا استُخدمت كأداةٍ لتمويل زيادة الرواتب بنسبة كبيرة، لأنها ستضغط مباشرةً على القوة الشرائية لجميع المواطنين، بما في ذلك الموظفين.
ويشير خزام إلى أنّ الحلّ المستدام يكمن في زيادة الإنتاج المحلي الصناعي والزراعي وتحقيق إيرادات ضريبية حقيقية، لا في طباعة الأموال بلا غطاءٍ سلعي. ويضيف أنّ حذف صفرين لن يحلّ مشكلة التضخم النقدي، فالأسعار سترتفع بالنسبة نفسها، ما يجعل القوة الشرائية ثابتةً عملياً. كما يؤكد أنّ تثبيت قيمة “النيو ليرة” يحتاج إلى سياسة نقدية علمية واحترافية تحرّك عجلة الإنتاج وتحدّ من الاعتماد على المستوردات.
ويختم خزام بأنّ حذف صفرين سيكشف ببساطةٍ ضعف القوة الشرائية للرواتب الحالية، إذ إنّ 130،000 ليرة ستكون معادلةً لـ1،300 نيو ليرة، دون أي تحسّن حقيقيّ ملموس.
تجارب دولية شبيهة
تشير التجارب الدولية إلى أنّ حذف الأصفار يمكن أن يكون أداةً مؤقتةً لتنظيم النقد، لكنه ليس حلّاً للتحديات الهيكلية. ففي تركيا والبرازيل، ساعدت هذه الخطوة في تبسيط التعاملات وخلق أثر نفسيّ مؤقت، لكنها لم تكن فعالةً إلّا بعد تنفيذ إصلاحاتٍ اقتصاديةٍ شاملة.
على النقيض، فشلت دول مثل زيمبابوي وفنزويلا والأرجنتين في تثبيت القوة الشرائية، ما أدى إلى موجاتِ تضخم جديدة وفقدان الثقة بالعملة الوطنية.
ويشير خبراء تحدثوا إلى رصيف22، إلى أنّ الدرس السوري واضح: حذف الأصفار خطوة تنظيمية مفيدة مؤقتاً، لكنها لن تنجح إلّا إذا اقترنت بإصلاح شامل يحرّك الإنتاج المحلي ويقلل الاعتماد على المستوردات ويؤسس لاستقرار نقديّ طويل المدى.
وفي هذا السياق يرى المصبح، أنه لا بد من التأكيد على أنّ نجاح أي عملية لإعادة هيكلة العملة، كما أثبتت التجارب الدولية (مثل تركيا والبرازيل)، لا يكمن في الإجراء الفني بحدِّ ذاته، بل في كونه تتويجاً لحزمة متكاملة من الإصلاحات.
في السياق السوري الحالي، وبعد عودة الربط المالي الدولي، لم تعد الأولوية مجرد إعادة الدمج، بل أصبحت تتمثل في بناء الثقة وتنشيط القطاعات الإنتاجية لخلق اقتصاد حقيقيّ قادر على جذب التدفقات المالية التي أصبحت ممكنةً الآن. دون ذلك، سيظلّ حذف الأصفار إجراءً شكلياً ذا أثرٍ محدود، أشبهَ بمسكّنٍ للألم في جسد اقتصاديّ يتطلب تدخّلاً جراحياً عميقاً.
مخاطر التضخم وعدم الاستقرار
يشير الجزماتي، إلى أنّ معظم الدول التي قامت بحذف أصفار من عملاتها كان هدفها محاربة التضخم الذي كانت تعاني منه، ونجح بعضُها في تخفيض نسب التضخم وبينما فشل بعضها الآخر فشلاً ذريعاً.
وبالنظر إلى تجربة هذه الدول، نجد أنّ حذف الأصفار بحدِّ ذاته لا يعالج مشكلة التضخم، بل قد يؤدي إلى تفاقمها في بعض الحالات إذا لم تترافق هذه الخطوة مع إصلاحات اقتصادية حقيقية تعالج الأسباب الجذرية للتضخم، مثل ضعف الإنتاج والعجز في الميزان التجاري. حينها، ستكون مجرد إجراء شكليّ.
بل إنّ هناك خطراً من أن يستغلّ بعض التجار هذه الفترة الانتقالية لرفع الأسعار، ما يؤدي إلى موجة تضخم جديدة، كما أنّ “الأثر النفسي السلبي” على المواطنين الذين سيرون رواتبهم ومدّخراتهم بأرقامٍ أصغر، قد يفقدهم الثقة بالعملة الجديدة إذا لم يلمسوا تحسّناً حقيقياً في قدرتهم الشرائية.
بينما تتلاقى آراء الضيوف عند التحذير من مخاطر اقتصاديةٍ كبيرة، يبرز كلٌّ منهم زاويةً مختلفةً: المصبح يركّز على الأثر النفسي والسياسي والرمزية، الجزماتي على التحديات التشغيلية وإعادة السيطرة على النقد، وخزام على التمويل والاستدامة الاقتصادية. هذا التنوع يجعل الصورة أكثر وضوحاً للقارئ: حذف الأصفار قد يسهّل التعاملات مؤقتاً، لكنه لن يعالج التحديات البنيوية التي تواجه الاقتصاد السوري.
وفي سياق جمع المعلومات، حاولنا التواصل مع مصرف سوريا المركزي للحصول على تعليقٍ رسميّ حول خطة حذف الأصفار، إلّا أنّ الدكتور عبد القادر الحصرية، حاكم المصرف، لم يردّ على الاستفسارات حتى وقت النشر، ما يعكس -بحسب الخبراء- صعوبة الجمع بين القرارات الشكلية والشفافية في ظلّ الأزمة الاقتصادية الحالية.
ختاماً، تجمع هذه الآراء بين المخاطر المالية والاقتصادية، والفوائد العملية، والدوافع الرمزية والسياسية، لتوضح أنّ أيّ خطوةٍ لإعادة هيكلة العملة لن تكون أكثر من إجراءٍ شكليّ ما لم تقترن بإصلاحات شاملة تحرّك الإنتاج المحلي، وتحسّن القوة الشرائية، وتؤسس لاستقرار نقديّ طويل المدى.
رصيف 22
—————————–
بحث السياسات الاقتصادية والخدمية.. الشرع يترأس اجتماع مجلس التنمية الأعلى
2025.10.08
عقد الرئيس أحمد الشرع اجتماعاً لمجلس التنمية الأعلى، جرى خلاله بحث السياسات الاقتصادية والخدمية.
وبحسب الرئاسة السورية، أكد الرئيس الشرع خلال الاجتماع على أهمية تنسيق الجهود الوطنية لتحقيق تنمية شاملة وتعزيز أداء الاقتصاد الوطني.
إصلاحات اقتصادية وهيكلية جديدة
يأتي اجتماع مجلس التنمية الأعلى بعد إصدار السيد الرئيس أحمد الشرع في حزيران الفائت المرسومين رقم (114) و(115) لعام 2025، حيث نصّ المرسوم الأول على إحداث مؤسسة ذات طابع اقتصادي تسمى “صندوق التنمية”ترتبط برئاسة الجمهورية.
ويهدف الصندوق إلى المساهمة في إعادة الإعمار وترميم وتطوير البنية التحتية والخدمات والمرافق، وتمويل المشاريع المتعددة من خلال القرض الحسن.
أما المرسوم الثاني فقد قضى بتشكيل المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية، الذي يهدف إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي في سوريا وتنشيطه وتطويره، والإشراف على الهيئات والمنظمات والمؤسسات الاقتصادية العاملة ضمن الخطة الاقتصادية للدولة، ووضع خارطة اقتصادية شاملة تغطي كامل الجغرافيا السورية وإقرار الإستراتيجيات والخطط العامة المتعلقة بالاستثمار
————————————–
ضمن إصلاحات تشريعية.. المالية السورية تنجز مشروع قانون رسم الطابع المالي
2025.10.08
أعلنت وزارة المالية السورية، اليوم الأربعاء، إعداد مشروع قانون ينظم آلية تحقق وتسديد رسم الطابع المالي على العقود والصكوك والوثائق الرسمية.
وأوضح وزير المالية محمد يسر برنية، عبر منشور على صفحته الرسمية في “لينكدإن”، أنّ المشروع يأتي ضمن سلسلة من الإصلاحات التشريعية التي تنفذها الوزارة في قطاع الضرائب والرسوم، وذلك بهدف بناء منظومة أكثر عدالة وموضوعية ذات أثر اقتصادي ملموس.
اقرأ أيضاً
وزير المالية السوري محمد يسر برنية
وزارة المالية تنجز مشروع قانون ضريبة المبيعات الجديد لدعم الصناعة والتصدير
وبيّن الوزير برنية أن إعداد المشروع تم وفق قواعد واضحة هي:
التبسيط: من خلال تحديد مطارح الرسم وتوحيد الرسوم برسم واحد، وتبيان قواعد استيفاء الرسم بأبسط الوسائل، واعتماد جدولين واضحين: الأول يتضمن حالات الرسم النسبي، والثاني حالات الرسم المقطوع.
الملاءمة: فُرضت رسوم منخفضة على الوثائق بحيث لا تشكّل عبئاً مادياً على المواطنين في القطاعات الاقتصادية والإدارية، كما أُعفيت مجموعة من الوثائق من رسم الطابع المالي.
العدالة: تضمّن المشروع حق المكلّف بالاعتراض والتقاضي.
الاقتصاد: حيث يضمن المشروع تحقيق موارد معقولة للخزينة العامة مع توازن في كلفة التحصيل.
وزارة المالية تنجز مشروع قانون جديد لضريبة الدخل في سوريا
ودعت الوزارة المهتمين إلى الاطلاع على نص المشروع
وإرسال ملاحظاتهم واقتراحاتهم عبر البريد الإلكتروني قبل تاريخ 25 من تشرين الأول الجاري.
يُذكر أن وزارة المالية تواصل جهودها في تطوير التشريعات المالية، إذ أنجزت، شهر أيلول الفائت، مشروع قانون للضريبة على المبيعات، وذلك تمهيداً للانتقال إلى نظام ضريبة القيمة المضافة، إلى جانب مشروع آخر ينظّم ضريبة الدخل، بهدف تعزيز العدالة والتنمية الاقتصادية.
—————————–
مخالفات بقيمة عشرة مليارات ليرة بمصرف عام في سوريا
أعلنت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش اليوم، الأربعاء 8 من تشرين الأول، اكتشاف مخالفات في آلية صرف وتوزيع السيولة، خلال جولة رقابية على أحد المصارف العامة، دون ذكر اسم المصرف.
وقالت الهيئة المركزية عبر قناتها على “تلجرام“، إنها رصدت خلال جولتها مخالفات وتجاوزات في آلية توزيع المبالغ النقدية التي يتم توجيهها نحو فئات محددة على حساب فئات أخرى، منوهة إلى وجود “محسوبيات واستثناءات غير مسوّغة”.
وبلغت قيمة تلك الاستثناءات الممنوحة للشركات والأفراد، ما يزيد على عشرة مليارات ليرة سورية (نحو 770 ألف دولار)، وفق الهيئة.
الهيئة المركزية أكدت اتخاذ عدد من الإجراءات بحق المخالفين تضمنت:
– كفّ يد عدد من الموظفين.
– إحالة المخالفات إلى التحقيق لاستكمال الإجراءات القانونية.
– وضع مقترحات تنفيذية تتضمّن حلولًا لتخفيف الازدحام وضمان وصول المعاشات لأصحابها بسهولة وكرامة.
فساد في “السورية للطيران”
كانت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش وضعت يدها على واحدة من قضايا الفساد التي سبق أن اكتشفها وكلاء من الجهاز المركزي للرقابة المالية خلال حكم النظام السابق، دارت وقائعها بين مكاتب حجوزات “السورية للطيران” ومديرية الشؤون التجارية والتسويق بالمؤسسة ذاتها، قبل سقوط النظام السابق بنحو تسعة أشهر.
وأكد مصدر مطلع على القضية لعنب بلدي (تحفظ على نشر اسمه)، أن فريقًا مختصًا في الهيئة بدأ تحقيقاته بقضية اختلاس ما يزيد على 13 مليار ليرة سورية، عبر قيام الشؤون التجارية والتسويق (مكاتب الحجز) في المؤسسة السورية للطيران بإصدار تذاكر سفر وهمية وتسديدها خارج الأطر القانونية، وباشر الفريق سماع بعض الشهادات حول القضية.
وأشار إلى أن الخطوط الجوية السورية تصدّرت مشهد تحقيقات الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، بعدما حصل الفريق المختص بالهيئة على “وثائق” تكشف الشبكة المنظمة في “السورية للطيران”، التي استغلت الصلاحيات الإلكترونية داخل النظام المركزي للحجوزات والإصدار، لاختلاس المليارات من العملات السورية والأجنبية.
وكشف مدير سابق في الشؤون التجارية والتسويق بـ”السورية للطيران” لعنب بلدي (تحفظ على نشر اسمه)، أن الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، بعد فتح التحقيق مجددًا في القضية، استدعت مديرين اثنين سابقين للمؤسسة السورية للطيران، ومديرًا فنيًا، للاستماع إلى شهاداتهم بخصوص قضية الاختلاس والتزوير.
تصنيف متأخر على مؤشر الفساد
أصدرت منظمة الشفافية الدولية، في شباط الماضي، نتائج مؤشر مدركات الفساد للعام 2024 لدول العالم.
ووفق التنصيف الجديد احتلت سوريا المرتبة الرابعة كأسوأ الدول، من حيث انتشار الفساد فيها، بعدما حصلت على 12 نقطة.
وشهدت سوريا تحسنًا طفيفًا وفق التصنيف الجديد لمؤشر الفساد مقارنة بعام 2023، حيث كانت تحتل المركز الثاني بالشراكة مع فنزويلا بـ13 نقطة كأسوأ دول العالم من حيث الفساد.
وقالت منظمة الشفافية الدولية، إن معظم البلدان التي حصلت على أدنى الدرجات على مؤشر الفساد، تقع في البلدان الهشة والمتأثرة بالصراعات.
——————————–
الرقابة والتفتيش: استرداد الأصول غير المشروعة أساس لبناء اقتصاد عادل في سوريا
2025.10.08
شدّد رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش في سوريا عامر العلي على أن استرداد الأصول غير المشروعة يشكّل أساساً لبناء اقتصاد مستقر وعادل، وخطوة مهمة نحو تجديد الثقة بين الدول والشعوب، وذلك خلال كلمته في اجتماع الشبكة الإقليمية لاسترداد الأصول (مينا – أرين) المنعقد في المملكة العربية السعودية.
ولفت العلي، وفق وكالة الأنباء السورية “سانا”، إلى أن سوريا واجهت تحديات كبيرة خلال السنوات الماضية، من أبرزها الفساد المستشري والمقونن في مؤسسات النظام المخلوع، الأمر الذي أثّر سلباً على مؤسسات الدولة وموارد الشعب، مؤكداً أن البلاد قطعت شوطاً في تطوير الأطر القانونية والتشريعية الهادفة إلى تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد.
التزام بالمساءلة وتعاون إقليمي موسّع
وأشار العلي إلى أن سوريا ملتزمة بالشفافية والمساءلة، وتعمل على تفعيل دور الجهات الرقابية لضمان نزاهة وعدالة كل الخطوات المتخذة، موضحاً أن التعاون مع الدول الأعضاء في شبكة “مينا – أرين” يهدف إلى توسيع تبادل المعلومات وتعزيز الاستراتيجيات لاسترداد الأصول غير المشروعة.
تحديات تُعيق تفعيل الأجهزة الرقابية.. هل تتخلص سوريا من المحسوبيات؟
نحو اقتصاد تشاركي ومستدام
وختم العلي كلمته بالتأكيد على أن استرداد الأصول لا يقتصر على البعد المالي، بل يُعدّ جزءاً من عملية بناء مستقبل اقتصادي مستدام وتشاركي يضمن العيش الكريم في بيئة يسودها القانون، مجدداً التزام سوريا بالتعاون الدولي والعمل مع الدول الأعضاء لاستعادة الأموال المنهوبة.
وتشارك سوريا في مؤتمر إطلاق الشبكة الإقليمية لاسترداد الأصول المنعقد في 8 و9 من تشرين الأول الجاري في المملكة العربية السعودية.
وقال العلي عبر حسابه في (إكس): “نمثل سوريا اليوم في الاجتماع العام السنوي الاول للشبكة الإقليمية لاسترداد الأصول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA-ARIN) المنعقد في جدة المملكة العربية السعودية”.
—————————————-
مصرف سوريا المركزي يوضح شكل وفئات العملة الجديدة
مصرف سوريا المركزي أكد الابتعاد عن استخدام الرموز والصور في العملة الجديدة
2025-10-08
كشف حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية اليوم الأربعاء، عن شكل وعدد فئات العملة السورية الجديدة المزمع إصدارها.
وقال حصرية، إن العملة الجديدة ستصدر بست فئات مختلفة، لتلبية احتياجات التداول اليومية بكفاءة أكبر”، بحسب ما نقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).
وأضاف، أن الفئات ستتراوح بين الصغيرة والمتوسطة والكبيرة، لضمان سهولة التعامل النقدي في الأسواق.
وأكد، على “الابتعاد عن استخدام الرموز أو صور الأشخاص أو المعالم التاريخية في تصميم العملة الجديدة، وهو توجه حديث”.
وأوضح، أن التوجه يهدف إلى تبسيط الشكل البصري، والتركيز على الهوية الرقمية والعملية للعملة، لتكون أكثر وضوحاً وسهولة في التحقق منها.
وذكر حاكم المصرف المركزي، أنه “سيواكب إطلاق العملة الجديدة إجراءات مدروسة من قبل المصرف المركزي، لضبط السيولة والحفاظ على استقرار الأسعار”.
وتشمل الإجراءات، مراقبة السوق النقدي وضبط حركة الكتلة النقدية المتداولة، وتفعيل أدوات السياسة النقدية لضمان عدم حدوث تضخم أو مضاربات نتيجة طرح الفئات الجديدة.
ومطلع حزيران/ يونيو الماضي، قال بيان صادر عن مصرف سوريا المركزي، إن “قضايا السياسة النقدية ونظام التحويلات المالية (SWIFT)، وإصدار العملة الوطنية هي من اختصاص المصرف حصراً”.
وأضاف، أن “السياسة النقدية تدار وفقاً لمعايير مهنية دقيقة تأخذ بعين الاعتبار المصلحة العامة والاستقرار الاقتصادي والمالي”، بحسب ما نقلت “سانا” حينها.
وذكر البيان، أن “المصرف يحرص على التواصل الدائم والشفاف مع المواطنين، ويضع في أولوياته تعزيز الفهم العام للسياسات والإجراءات النقدية، مع الالتزام بتقديم المعلومات من مصادرها الرسمية والمعتمدة”.
——————————–
=======================
تحديث 07 تشرين الأول 2025
——————————–
ليس بحذف الأصفار تسترد الليرة السورية عافيتها/ مناف قومان
07 أكتوبر 2025
يعمل مصرف سورية المركزي على طرح الليرة السورية الجديدة بعد حذف صفرين منها، حاكم المصرف عبد القادر حصرية ذكر الأمر في عدة لقاءات قائلاً: “تم حسمه بشكل نهائي” يقصد قرار عملية الاستبدال، وأشار إلى طرح العملة الجديدة تدريجياً بجانب القديمة، وأنها ستتمتع بمواصفات أمنية عالية وتقنيات مضادة للتزوير، وأن الكميات المطبوعة ستكون مدروسة لتلبية احتياجات السوق دون زيادة مفرطة في الكتلة النقدية، وشدد على أن العملية عبارة عن استبدال الأوراق الحالية بأخرى محسنة.
وفي محاولة لطمأنة الرأي العام، استبعد الحاكم أن تكون لتغيير العملة أي انعكاسات سلبية على قيمة العملة الوطنية، قائلاً إن هذه الخطوة إجراء فني وتنظيمي ضمن السياسة النقدية، وليس بزيادة السيولة. ومع ذلك خلف هذا الإجراء النقدي تكمن معادلة أعقد بكثير: هل يكفي حذف الأصفار كي يغيّر الواقع الاقتصادي؟ وهل نقف مع حاكم مصرف سورية في هذه الخطوة؟
هشاشة الاقتصاد السوري
عند التفكير في أي عملية استبدال لعملة ما أو حذف للأصفار، يتوجب النظر أولاً إلى أساسيات الاقتصاد الكلي. لا يزال الوضع في سورية هشّاً إلى درجة تجعل أي إصلاح نقدي شكلي محدودَ الأثر.
فمن دون وجود قاعدة إنتاجية متماسكة أو موارد مضمونة، يصبح الحديث عن حذف أصفار وتغيير للعملة مجرد تغيير في الشكل وليس الجوهر. تعاني سورية اليوم من فقدان أهم دفاعات العملة: الاحتياطيات الأجنبية، فالمصرف المركزي بالكاد يمتلك 200 مليون دولار نقداً أجنبياً. ولا داعي للتذكير بأن العملة سواء كانت قديمة أم جديدة بحاجة إلى غطاء نقدي يضمن الثقة ويمنع انهيارها. ويعد الانقسام الجغرافي والسياسي والعقوبات أحد أبرز المشاكل التي تفرض ظلالها على سورية، فالسيطرة على الموارد الاقتصادية ليست بيد الحكومة وحدها.
منطقة شمال شرقي الفرات، الغنية بالنفط والغاز والقمح والمياه، خارجة عن سلطة الحكومة السورية، أي أن العملة الجديدة ستدخل في نزاع على الاعتراف والاستخدام بين المناطق السورية المختلفة، ما قد يضاعف تعقيدات المشهد النقدي. أضف لذلك أن البلاد لا تزال في حالة بناء، ولمّا تنتهي بعد من المجلس التشريعي وإقرار كافة القوانين والمراسيم والتي تحتاج لوقت لتدارسها وإقرارها.
الأمر الآخر مرتبط بضعف النشاط الإنتاجي الذي كان يساهم بصادرات قاربت الـ12 مليار دولار في عام 2010، تليه السياحة بنحو ستة مليارات دولار، ثم تحويلات المغتربين بواقع ملياري دولار تقريباً. ومن دون عودة قطاعي الزراعة والصناعة والسياحة للعمل بكفاءة، فإن خزائن البنك المركزي ستبقى خاوية، وبالتالي ستبقى العملة المحلية عرجاء.
لكن ما لنا وما لهذه الأسباب طالما أن حاكم مصرف سورية ذكر أن القرار محسوم، يكفي أن يخرج ببيان صحافي يدلي فيه كيف ستتصدى العملة الجديدة لموجات التضخم والتلاعب بالأسعار وسعر الصرف؟ هل تشكلت لدى المركزي سياسة نقدية تحافظ على قيمة العملة الجديدة؟ تصريحات الحاكم تشي بأن الوضع النقدي جيد في المركزي.
توضّح التجارب العالمية أن حذف الأصفار أمر عادي، فتركيا نجحت في خطوتها عام 2005 بعدما نفذت إصلاحات اقتصادية عميقة، وبعد تلقي دعم من صندوق النقد الدولي، ومسار تفاوضي مع الاتحاد الأوروبي فتح لها أبواب الاستثمار والتجارة، أي أن الحذف لم يكن سبب النجاح بل نتيجة له. أما زيمبابوي، فقد حذفت أكثر من 25 صفراً من عملتها على مراحل بين 2006 و2009، لكن التضخم الجامح استمر حتى وصل إلى أرقام فلكية جعلت المواطن يحتاج إلى أكياس من النقود لشراء الخبز. وكانت النتيجة أن الناس هجروا العملة الوطنية تماماً واعتمدوا الدولار والران الجنوب أفريقي في تعاملاتهم اليومية.
في فنزويلا، المشهد لم يكن أفضل بين عامي 2008 و2021، حذفت الحكومة 14 صفراً على دفعات، لكن غياب الإصلاح الاقتصادي، واستمرار الاعتماد على النفط مصدراً شبه وحيد للدخل، والعقوبات الدولية، جعلت التضخم يعود بقوة. النتيجة أن الثقة بالبوليفار الفنزويلي انهارت، وأصبح المواطن يفضل الدولار أو العملات الرقمية في تعاملاته.
تدلل هذه التجارب بوضوح أن حذف الأصفار قد يكون ضرورياً لتبسيط العمليات المحاسبية، لكنه لا ينجح إلا إذا كان جزءاً من باقة إصلاحات شاملة. في غياب هذه الإصلاحات، يصبح التغيير مجرد تغيير في الشكل لا في الجوهر.
من بين التحديات المحتملة التي تواجه المشرّع الاقتصادي في سورية، تكاليف الطباعة والاستبدال التي لا تقل عن 200 مليون دولار. كما أن حذف الأصفار سيعني إعادة تسعير جميع العقود والديون والرواتب والمدخرات. وقد تفتح هذه العملية الإدارية الضخمة أبواباً للفوضى والمنازعات القانونية، خاصة في ظل غياب مؤسسات قوية قادرة على ضبط التحول. وتعاني العملة السورية الحالية من مشاكل في الجودة وسهولة التزوير، وقد يقلل استبدالها بعملة جديدة هذه المشكلة تقنياً، لكنه لا يوقفها ما لم تُعزز الرقابة والتكنولوجيا المصرفية.
الأمر الأخير، أن استبدال الليرة أو حذف الأصفار دون إصلاح اقتصادي حقيقي، قد يفهم المواطن في ذلك محاولة تجميلية لا أكثر، ما قد يؤدي إلى مزيد من فقدان الثقة بالعملة الوطنية، وربما إلى تسارع “الدولرة”.
أثر استبدال الليرة السورية على المواطن العادي
المواطن السوري هو الطرف الأكثر تأثراً بهذه السياسات، عندما يذهب لشراء مستلزمات بيته يجد نفسه يتعامل بأرقام ضخمة: مليون ليرة مقابل مواد غذائية أساسية لا تكفي أسبوعين.
هذا يخلق ارتباكاً دائماً في الحسابات، ويجعل الأرقام تفقد معناها. لو جرى حذف صفرين مثلاً، وأصبح الدولار يعادل 100 ليرة بدلاً من عشرة آلاف ليرة، فقد يشعر المواطن ببعض الراحة النفسية في التعامل بأرقام مقبولة نوعاً ما. لكن من الناحية المعيشية لن يتغير شيء: راتب الموظف الذي يعادل اليوم 100 دولار سيبقى كذلك بعد الحذف. الأسعار ستتعدل تلقائياً، والقدرة الشرائية ستظل كما هي. الأثر الحقيقي الوحيد سيكون نفسياً، أن يرى المواطن نفسه يتعامل بعشرات أو مئات بدلاً من مئات الآلاف والملايين.
فعندما يدفع المواطن عشرة آلاف ليرة (ما يقرب من دولار واحد) لقاء خدمة يشعر وكأن المبلغ تافه، وأحياناً يدفع أكثر على أساس أنه يملك الكثير من المال ومبلغ خمسة آلاف ليرة مبلغ قليل، بينما هو في الواقع كبير إذا ما قورن بتركيا أو الأردن. يولّد هذا التضخم في الأرقام ارتباكاً في الحسابات ويزيد الضغط النفسي في إدارة شؤون الحياة اليومية، ويخلق حالة من الانفصال بين القيمة الاسمية والقيمة الحقيقية.
إضافة إلى ذلك، نوعية الورق النقدي المتداول رديئة، تالفة أو مزورة، ما يضعف الثقة أكثر. يجد المواطن نفسه، أو على الأقل أنا شخصياً، أجد نفسي محاصراً بين ورق لا قيمة له عملياً وصعوبة التكيّف مع أصفار متضخمة بعد العودة من المغترب، وهذه معاناة يومية تتجاوز الحسابات الاقتصادية النظرية. من الناحية العلمية – الاقتصادية، لا أرى أن الوقت مناسب لاستبدال العملة أو حذف الأصفار.
يحتاج الاقتصاد السوري أولاً إلى إعادة بناء البنية الإنتاجية، وتوحيد السياسات الاقتصادية بين مناطق النفوذ المختلفة، وتوفير احتياطيات كافية قبل التفكير في مثل هذه الخطوة. أي استبدال قبل هذه الشروط سيبقى سطحياً وربما مضرّاً. هذا تعلمناه في الكتب الاقتصادية. لكن من الناحية العاطفية والنفسية، والحق أقول إنني أجد نفسي مع فكرة الحذف والاستبدال. ليس لتقليل الأصفار المرهقة في التعاملات اليومية، بل أيضاً للخلاص من ورق نقدي فقد قيمته ورمزيته.
حمل ملايين الليرات في كيس لشراء حاجات أو دفع خدمات يخلق شعوراً بالإرهاق النفسي بالأخص لأولئك القادمين من الخارج، ويجعل الأفراد يتعاملون مع مبالغ ضخمة، وهو ما يزيد تآكل الإحساس بالقيمة الحقيقية للنقود. استبدال الليرة السورية أو حذف الأصفار ليس مجرد عملية تقنية، بل هو انعكاس لمدى قوة الاقتصاد واستقراره. في الظروف الراهنة، تبدو هذه الخطوة محفوفة بالمخاطر الاقتصادية وقد تزيد انعدام الثقة. لكن في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل الأثر النفسي والاجتماعي للعملة المتضخمة والأوراق النقدية البالية، التي تضع عبئاً إضافياً على المواطن السوري.
لن أقرر عن حاكم مصرف سورية، فالقرار محسوم بحسب ما قال، لكن لو كان الأمر لي لكنت تريثت قليلاً وعملت على إصلاحات نقدية واقتصادية شاملة، تنعش القاعدة الإنتاجية وتعمل على تعبئة الاحتياطي الأجنبي وتعيد السيطرة على كامل الأراضي السورية، وانتظرت استكمال العملية السياسية والاستقرار الأمني وجذب الاستثمارات الأجنبية. إلا أن الأمر ليس لي، لذا سأنتظر وأعيش هذه التجربة الفريدة من تاريخ سورية والتاريخ الاقتصادي.
العربي الجديد
————————————–
في شأن العقوبات … وغيرها/ معن البياري
07 أكتوبر 2025
لم تُرفع العقوبات المفروضة على سورية. جرى التخفيف من بعضها وتجميد أخرى وإلغاء بعضٍ آخر، لكن مقادير كثيرة منها باقية، بسبب إصرار جناحٍ في إدارة الرئيس الأميركي، ترامب، ونوّابٍ وشيوخ في الكونغرس، على التريّث أو إبقاء بعض العقوبات، سيّما الثقيلة المتضمّنة في قانون قيصر، على البلد، بانتظار جلاءٍ أوضح لتوجّهات السلطة الراهنة فيه في غير شأنٍ، أو لإبقاء سورية ضعيفة، وفي حاجةٍ دائمة إلى غيرها، ومرتهنة سياسيّاً لقوى الخارج التي تُسعفها بالعوْن. وعلى الرغم من جهودٍ وفيرة، بذلتها الرئاسة ووزارة الخارجية السوريتان، في التواصل مع الولايات المتحدة، بمختلف مؤسّسات القرار فيها، ومع جهودٍ كبرى ما زالت تؤدّيها قطر والسعودية والأردن وتركيا ودول أوروبية في اتجاه تخلّص سورية تماماً من سيف العقوبات عليها، والذي لم يتأثّر به حكم آل الأسد عقوداً، وبدا حقيقيّاً وفعليّاً أن الشعب السوري هو الذي عوقب، وأن المرافق العامة والبنيات التحتية في البلاد تضرّرت كثيراً. … والمعنى هنا أن الذين يستسهلون ارتجال استهداف السلطة في دمشق بانفعالٍ وتوتّر، وبتربص معلن، مطالبون بأن يعرفوا هذا الحال، ومنه أن الاندفاع العربي المحمود، سيّما من قطر والسعودية والأردن والكويت، باتجاه سورية الجديدة والحكم فيها، تعرقل نجاحاتِه المتوخّاة هذه المعاندة الأميركية التي لا ترفع كامل العقوبات الجائرة عن البلد، فلا تجعله يُقلع بالقوّة المرجوّة نحو إعادة التعمير والبناء، ونحو تشييد مستقبلٍ آخر يتفاءل به السوريون، وهم يصنعون بلداً بلا استبداد، وبلا عوْز يغالبه عمومٌ عريضٌ من السوريين، وليتحرّر من وصاية أميركية ظالمة، وليتفرّغ لأولوياته وخرائط مسار التنمية والتطور والتحديث فيه.
ما الذي يجعل الولايات المتحدة غير متحمّسةٍ بالقدر الكافي، أو المطلوب بداهة، لإنقاذ سورية من عقوباتٍ فوقية، انتفت أسبابها المفتعلة؟ قد تتعدّد الإجابات، وتذهب إلى عدم الثقة الكافية لدى قوى غالبة في الكونغرس وأخرى في إدارة ترامب نفسها تجاه الرئيس أحمد الشرع وطواقمه وحكومته، بدواعي الماضي الجهادي له. وقد تذهب اجتهاداتٌ أخرى إلى التأثير الواسع لدولة الاحتلال على الكونغرس، وهي التي تحرص على إبقاء سورية في ضعفٍ معلن، وعلى اهتراءٍ أشد مما كانت عليه، وتتحسّب من نهوض هذا البلد في جوارها، ومن أن يتعافى ويقوى وتتخلّق فيه تشكيلات وتمثيلات شعبية بحرّية وفي أجواء من التعدّدية، عندما يصير فيها برلمان حقيقي ودستور متقدّم ونقابات وأحزاب، فهذا مقلقٌ لإسرائيل. وقد يرى عارفون أن إدارة ترامب تُؤْثر إعطاء المهل لاختبار النيات والأفعال والتوجّهات المعاينة في سلطة أحمد الشرع الانتقالية، لتتخذ قراراتها تاليا، بشأن عمل جدّي مع الكونغرس من أجل رفعٍ كامل للعقوبات، يتيح لحركة الأموال من خارج سورية إلى داخلها المجرى القانوني والعملي المعلوم.
ماذا عساها السلطة في دمشق أن تفعل سوى أن تمضي في عملها النشط في اتصالاتها الدولية والعربية والإقليمية، وهي التي لم تترك أبواباً إلا وجهدت في طرْقها، بل انفتحت على روسيا، العضو الدائم في مجلس الأمن، الدولة التي كان لها سهم ظاهر في تخريب سورية عندما ناصرت بشّار الأسد بالأسلحة والجيوش، وشاركت في عمليات عدوانيةٍ صرفةٍ ضد الثورة المجيدة. وبالتوازي، هناك صيغ تنمية الاقتصادات المحلية وتثمير كل ممكنات الإنتاج والتصنيع في البلد، بالقدرات المتاحة، وبالميسور. ولا يلبس صاحب هذه الكلمات ثوب الخبير في أمرٍ كهذا، تتوفر سورية على أهل الدراية به، وإنما هو ما في الوسع التعقيب به على السؤال العسير. فضلا عن أن الذين يقفون في ضفة المعارضة للسلطة، ويبتدعون ويبدعون في رميها بالصحيح والغلط، مطالبون بشيءٍ من التفهّم، وبأن يتذكّروا إن الحكم صعبٌ والمعارضة سهلة، لأن إكراهاتٍ منظورة وأخرى غير منظورة لها تأثيراتُها الضاغطة على كل قرار.
إنها جبالٌ من الصعوبات والتحدّيات عالية أمام أهل الحكم الراهن في سورية، ولذلك يجري الإلحاح عليهم بتوسيع دائرة صناعة القرار، فأهل المشورة في البلد من أهل الخبرة والدراية عديدون، ويستحقّون أن تكون لهم مواقعهم في مؤسّسات السلطة والإدارة والتنفيذ والتخطيط. وأياً كانت التحفّظات على آليات تشكيل مجلس الشعب (البرلمان) المنتظر، يبقى مأمولاً أن يهيئ هذا المجلس القوانين المستعجلة، مثل قانوني الأحزاب والانتخابات، فضلا عن الدستور الذي لا بد من عرضه لاستفتاء شعبي… وبالانتظار، وفي غضون عقوباتٍ أميركيةٍ ودوليةٍ لم تُرفع بعد، نُراقب ونعلّق.
العربي الجديد،
————————————-
سورية بلا قيود… رفع العقوبات الأميركية يُعيد كتابة الفرصة/ جمعة حجازي
07 أكتوبر 2025
تعود العقوبات الأميركية على سورية إلى العام 1979 عندما صنّفت الولايات المتحدة سورية “دولة راعية للإرهاب”. في منتصف الألفية الأولى من القرن العشرين، فرضت الولايات المتحدة مجموعاتٍ متتاليةً من العقوبات ردّاً على الأنشطة السورية في لبنان وبرنامج أسلحة الدمار الشامل الخاص بسورية، ثم عادت ففرضت عقوبات بدءاً من العام 2011 ردّاً على الحرب الأهلية السورية التي اندلعت حينذاك.
بالرغم من هذا التاريخ الحافل، كانت العقوبات الأميركية على سورية قبل 2004 محدودةً بالمقارنة مع الفترة اللاحقة: فقد تألفت عقوبات ما قبل 2004، إلى حدّ كبير، من قيود على مساعدات الحكومة الأميركية إلى سورية، وحظر توريد الأسلحة، وعقوبات محدّدة الهدف على عدة مسؤولين سوريين وكيانات حكومية متورّطين في أنشطة محددة. فضلاً عن ذلك، نتيجة تصنيف سورية دولة راعية للإرهاب، فُرض على المصارف الأميركية إخضاع إجراءات مراقبة قصوى على المعاملات المتعلقة بالحكومة السورية، بما في ذلك الشركات والكيانات التي تمتلكها.
أقرّ الكونغرس في العام 2003 قانون محاسبة سورية الذي ألزم الرئيس بفرض عقوبات أوسع على سورية، فطبّق الرئيس جورج و. بوش هذا القانون عام 2004 بإصدار الأمر التنفيذي رقم 13338 الذي فرض قيوداً على تصدير معظم السلع الأميركية إلى سورية، باستثناء المواد الغذائية والأدوية، وحظّر شركات النقل الجوي السورية من السفر إلى الولايات المتحدة، كما وسّع نطاق العقوبات الأميركية المحدّدة الهدفَ ضد مسؤولين سوريين وكيانات حكومية سورية. مع ذلك، بقي المجال مفتوحاً أمام أنشطة تجارية أخرى، بما فيها استيراد سلع سورية، والاستثمارات الأميركية في سورية، والمعاملات المصرفية الأميركية ذات الصلة بسورية.
وسعت الولايات المتحدة، بشكل هائل، نطاق العقوبات على سورية في 2011، فمنعت معظم ما تبقى من أعمال تجارية مع سورية، كما فرضت عقوبات على الحكومة السورية، وعدّة شركات تابعة لها، فضلاً عن رجال أعمال سوريين وشركاتهم التجارية. في هذا الإطار، توضّح بعض الأرقام الإحصائية البسيطة عن الأعمال التجارية تأثير هذا التوسّع في العقوبات، تُضاف إلى ذلك الآثار الاقتصادية للحرب الأهلية السورية: ففي حين كانت التبادلات التجارية بين البلدين تفوق 900 مليون دولار عام 2010، بقيت ما دون 60 مليون دولار سنوياً منذ 2012.
أضافت الولايات المتحدة بين 2011 و2019، أشخاصا، وشركات، وكيانات ذوي صلة بسورية إلى قوائم العقوبات الأميركية، مع الإشارة إلى أنّ الهيكل القانوني لهذه العقوبات بقي مستقراً إلى حدّ كبير. بعد ذلك، أقرّ الكونغرس في أواخر 2019 قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين الذي حدّد فئات جديدة للعقوبات الثانوية على سورية، سعياً إلى حظر فئات متنوّعة من الأعمال التجارية بين بلدان ثالثة وسورية.
أبقت الولايات المتحدة على العقوبات التي فرضتها على سورية منذ السبعينيات. لكنّ القسم الأكبر من العقوبات الأميركية على سورية فُرض في مرحلتين عريضتين: الأولى في العقد الأول من الألفية الجديدة، وقد عزاها صنّاع السياسات الأميركيون إلى دعم سورية الإرهاب، وإلى أنشطتها في لبنان، وغيرها من أنشطة الحكومة السورية؛ والثانية منذ 2011، وقد فُرضت، وفقاً لصنّاع السياسات الأميركيين، بسبب الحرب الأهلية السورية. أما الاتحاد الأوروبي، فقد بدأ بفرض العقوبات عام 2011، ثم صعّدها على عدة مراحل منذ ذلك العام.
فرضت الولايات المتحدة عقوبات “أساسية” و”ثانوية” على سورية. تحظر الأولى مزاولة المواطنين الأميركيين والشركات الأميركية (باستثناء أنواع معيّنة من أعمال الإغاثة الإنسانية) الأعمال التجارية، كما تحظر المعاملات المالية التي تمرّ عبر النظام المالي الأميركي، وبيع السلع أميركية الصنع إلى سورية.
تصل العقوبات الأساسية الأميركية إلى مصافّ حظر كل الروابط التجارية والمالية تقريباً بين الولايات المتحدة وسورية، مع تسجيل استثناءات محدودة. فتتمثل الفئات الرئيسية للعقوبات الأساسية الأميركية بما يلي:
1979: تصنيف سورية “دولة راعية للإرهاب” بداية العقوبات، شملت حظر المساعدات وتوريد الأسلحة وفرض رقابة مالية مشدّدة.
2003: قانون محاسبة سورية (Syria Accountability Act) أقرّه الكونغرس، مهد لفرض عقوبات أوسع على خلفية الأنشطة في لبنان ودعم الإرهاب.
2004: الأمر التنفيذي 13338 (جورج بوش) فرض حظر على تصدير السلع الأميركية (باستثناء الغذاء والدواء) ومنع السفر الجوي.
2006-2008: أوامر تنفيذية إضافية (13399، 13460) استهداف مسؤولين وكيانات محددة، خاصة بعد اغتيال رفيق الحريري.
2011: توسيع العقوبات ردّا على الحرب الأهلية السورية وفرض عقوبات واسعة على الحكومة، شركات، رجال أعمال، وتقييد شبه شامل للتجارة.
2011-2019: إضافة مستمرة لأشخاص وكيانات سورية لقوائم العقوبات وتوسيع تدريجي على خلفية الانتهاكات المستمرة.
2019 (ديسمبر/ كانون الأول): إقرار قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين. إدخال العقوبات الثانوية لأول مرة، تستهدف الأطراف الثالثة المتعاملة مع سورية.
2020 (يونيو/ حزيران): دخول قانون قيصر حيّز التنفيذ. بدأت العقوبات الثانوية تطبق فعليًا على شركات غير أميركية تتعامل مع النظام.
2022 (ديسمبر): إقرار قانون مكافحة تجارة الكبتاغون. استجابة لاتهامات تورط النظام بتجارة الكبتاغون، فرض عقوبات إضافية.
2023-2024: توسيع عقوبات الكبتاغون. إدراج مزيد من الكيانات العسكرية والأمنية في قوائم العقوبات المرتبطة بالمخدرات.
2025 (مايو/ أيار 14): إعلان ترامب من الرياض عن آلية رفع تدريجي للعقوبات. مقترح مشروط يشمل التزام النظام السوري بخطوات سياسية وأمنية وإنسانية.
في ضوء الإعلان التاريخي عن بدء مسار رفع العقوبات الأميركية المفروضة على سورية، بدأت صفحة جديدة ومفصلية في تاريخ العلاقات الدولية والإقليمية مع سورية. لم يكن هذا القرار مجرّد خطوة إدارية أو سياسية، بل هو انعكاس لإعادة تقييم استراتيجي عميق من واشنطن والفاعلين الدوليين، بشأن أثر العقوبات على الواقع السوري والمنطقة بأسرها.
برز خلال هذا المسار دور محوري وحيوي للدول الإقليمية، سيما السعودية وقطر وتركيا، التي عملت بتناغم وتنسيق مستمر لدفع جهود إعادة دمج سورية في النظام الإقليمي. فهذه الدول، التي كانت تعاني من تداعيات الأزمة السورية وتأثيراتها الأمنية والإنسانية والاقتصادية، رأت في هذا المسار فرصة لتحقيق استقرار أكثر شمولية، وتحقيق التوازن بين مصالحها الاستراتيجية وضرورة المساهمة في إعادة بناء سورية. لقد أكّد الجميع على أهمية وضع حد لمعاناة الشعب السوري عبر التخفيف من وطأة العقوبات، وفي الوقت نفسه، ضمان احترام متطلبات الأمن الإقليمي، من خلال آليات واضحة وشفافة لمراقبة أي تجاوزات أو انتهاكات مستقبلية.
يأتي رفع العقوبات في توقيت حاسم، إذ يشكل انفجار أمل حقيقي في قلب الشرق الأوسط الذي طالما عانى من توترات مستمرة وأزمات إنسانية متراكمة. ويعكس هذا القرار إدراكاً مشتركاً بين الفاعلين الإقليميين والدوليين بأن استمرار العقوبات المفروضة على سورية عقوداً طويلة لم يكن مجدياً فقط على الصعيد السياسي، بل أدّى أيضاً إلى تعميق الأزمة الإنسانية، وإضعاف بنية الاقتصاد السوري، ما حال دون تحقيق أي انتعاش اقتصادي أو اجتماعي يُذكر في سورية. لقد أصبح واضحاً أن استمرار هذه العقوبات لا يضرّ النظام السوري، بل يعاقب في المقابل ملايين السوريين الأبرياء الذين يرزحون تحت وطأة الفقر والبطالة ونقص الخدمات الأساسية.
بفتح الباب لرفع العقوبات، تتوافر فرصة استثنائية لتحفيز النمو الاقتصادي عبر استقطاب الاستثمارات الخارجية، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية والتنموية، وتعزيز إعادة الإعمار في قطاعات حيوية مثل البنية التحتية، والطاقة، والزراعة، والصناعة. هذا التحرر الاقتصادي المتوقع سيؤدي إلى تحسين أوضاع المجتمع السوري بشكل ملموس.
العربي الجديد
—————————-
لماذا تستثمر السعودية في سوريا؟
ربى خدام الجامع
2025.10.06
للسعودية دور محوري في التنمية الاقتصادية بسوريا، حيث تستعين بنهج القوة الناعمة لتعزيز نفوذها هناك، ففي الوقت الذي تقدمت قوى أخرى بعروض دبلوماسية للحكومة السورية الوليدة، نلفي الرياض وقد توغلت اقتصادياً بشكل كبير في سوريا، ويشمل ذلك الدعوة لرفع العقوبات، وإقامة مجلس اقتصادي مشترك، والاستثمار في مشاريع البنى التحتية وإعادة الإعمار، لأن السعودية تعتبر هذا الاستثمار ضرورياً لمد نفوذها في المنطقة، فقد أضعف سقوط الرئيس السابق بشار الأسد موقف إيران، وخلق انفراجة في بلاد الشام لطالما حلمت السعودية بملئها. ومع اتخاذ السعودية لموقف جازم تجاه استراتيجيتها في المنطقة، لابد أن تزيد استثماراتها في سوريا مع تقبلها للمخاطر المترتبة على ذلك.
في مطلع تموز الماضي، رفعت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب العقوبات عن هيئة تحرير الشام، بعد أن أصبح قائدها أحمد الشرع الرئيس المؤقت لسوريا، ثم شكلت الهيئة حكومة ائتلافية مؤقتة، وصادقت على دستور مؤقت، وشرعت بتزويد الخدمات الحكومية الأساسية. وفي الوقت الذي قدمت نفسها كقوة رئيسية في دمشق، أصبح جهاز الأمن السوري يسعى جاهداً للحفاظ على الأمن في كامل الأراضي السورية، على الرغم من أن الحكومة لا تسيطر على مساحات شاسعة من البلد.
وبالرغم من وجود تلك العيوب والنقائص، حظيت الحكومة السورية باعتراف قوى دولية أخرى، ومنها الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، وهذه القوى رفعت معظم العقوبات التي فرضتها على سوريا، وذلك في الربع الثاني من عام 2025. وأتى رفع العقوبات بعد أشهر من مناورات للقوة الناعمة مارستها السعودية ووصلت لذروتها خلال اجتماع ضم ترمب والشرع بالرياض، حيث أعلن ترمب عن عزمه على رفع العقوبات، فقدم بذلك التخفيف الذي أضحى الاقتصاد السوري بأمس الحاجة إليه بعد أن أثقلته سنوات تجاوزت العشرة من الحرب. ثم إن موقع سوريا الجغرافي كونها تطل على البحر المتوسط وتتوسط ثلاث قارات بالإضافة إلى وجود فرص للتنمية فيها بعد الحرب، كل ذلك لفت انتباه المستثمرين. ومع مواصلة الشرع لترسيخ سلطته وعلاقاته مع العناصر الفاعلة الدولية، لابد للتطبيع معه أن يزيد إلى جانب الزيادة في الاستثمارات الأجنبية ببلده.
دوافع الرياض
يمثل هذا الاستثمار بالنسبة للسعودية شيئاً أكبر من تنشيط اقتصادها وتحقيق عوائد بناء على ذلك، بعد أن أضحت سوريا محور العجلة في استراتيجية السياسة الخارجية التي تتبناها الرياض، لذا فإن أهم دوافع الرياض تتمثل بمنع عودة النفوذ الإيراني، أو إحياء تجارة وإنتاج المخدرات غير المشروعة في سوريا.
تتمثل أولوية المملكة العربية السعودية في التصدي لمحور الشر الإيراني بعد تراجعه، والذي جعل منافسيه من دول الخليج يتخذون موقفاً دفاعياً ويستمرون عليه حتى هذه السنة. وفي الوقت الذي زادت الرياض من قوتها الناعمة عالمياً عبر استثماراتها في الرياضة والإعلام وغيرها من المجالات الاجتماعية، فرضت أذرع إيران قيوداً عليها، وعلى رأس تلك الأذرع حزب الله وحماس وغيرها من الميليشيات الموجودة في العراق، ناهيك عن الثوار الحوثيين في اليمن، ما سمح لإيران بممارسة ضغطها على دول الخليج طوال عقود خلت.
وبالأسلوب ذاته، دعمت المساعدات الإيرانية نظام بشار الأسد، وسمحت لطهران بالمقابل بالاستعانة بسوريا وتحويلها إلى قاعدة عمليات لمد النفوذ الإيراني. ولكن مع الإطاحة بنظام الأسد، وإضعاف حزب الله، أضحى ما تبقى من النفوذ الإيراني في سوريا شيئاً لا يذكر، وهذا ما أعطى الفرصة للرياض لتغيير الوضع الراهن.
في الوقت الذي دعمت قوى فاعلة إقليمية هيئة تحرير الشام على مدى تاريخها، ونذكر من بين تلك القوى قطر وتركيا، لم تقدم السعودية أي دعم للهيئة، بل ولد الموقف الاستباقي الحالي الذي تتبناه الرياض من رحم تاريخها في اليمن والعراق، إذ خلال الفترة التي سبقت الحرب الأهلية في اليمن، كان فيلق القدس الإيراني يدعم الحوثيين، في حين تحفظت السعودية على ذلك، واختارت ألا تجاري الدعم الإيراني إلى أن أصبحت اليمن تحت نفوذ طهران، وهذا النهج أجبر الرياض على الدخل الذي كلفها كثيراً ومايزال مستمراً حتى الآن.
تكرر الأمر نفسه مع العراق، حيث ترددت السعودية في ملء الفراغ الذي خلفه انسحاب القوات الأميركية في عام 2011، ما سمح للنفوذ الإيراني وحالة انعدام الاستقرار من إبطاء الاستثمار وتطبيع العلاقات مع الحكومة العراقية الجديدة. ثم ازدهر النفوذ الإيراني ما أسهم في تشكيل تحالف من ميليشيات تابعة لطهران. وبما أن تلك الأخطاء القائمة على التحفظ قد أثقلت كاهل صناع القرار السعوديين، لذا غيرت الرياض استراتيجيتها الإقليمية، وتبنت نهجاً استباقياً قائماً على الاستثمار على الرغم من كل المخاطر بالنسبة لسوريا.
وإلى جانب التهديد بعودة النفوذ الإيراني، هنالك الحاجة التي تدفع الرياض للحد من تجارة الكبتاغون، إذ عندما خنقت العقوبات الدولية نظام الأسد، بدأت بتنويع مصادر دخله عبر أسواق الممنوعات، والتي كان أكبرها سوق تصنيع الكبتاغون والاتجار به. وسرعان ما أضحت السعودية سوقاً كبيراً للكبتاغون، وواجهت أزمة مخدرات متصاعدة. لذا، ومع خروج عملية تصنيع الكبتاغون وإنتاجه من سوريا، أخذت الرياض بالسعي للحد من خطر عودته.
مبادرات الرياض
مع نأي الحكومة السورية بنفسها عن الكبتاغون والدعم الإيراني، تهدف الاستثمارات الاستراتيجية السعودية لتعزيز استقلال سوريا واستغنائها عن مصادر الدخل تلك مع زيادة نفوذها في ذلك البلد. وللتغلب على القيود التي تثقل كاهل ميزانية الحكومة السورية، تعهدت السعودية وقطر بدفع رواتب موظفي الحكومة إلى جانب تسديد ديون سوريا للبنك الدولي والتي بلغت 15.5 مليون دولار.
كما عقدت الرياض صفقات ووقعت مذكرات تفاهم للاستثمار في القطاع الخاص، وخاصة في مجال الطاقة والإعمار، ففي شهر تموز الماضي، أعلن وزير الاستثمار السعودي، خالد بن عبد العزيز الفالح عن عقد صفقات بلغت قيمتها 6.4 مليار دولار وذلك في مجال العقارات والبنية التحتية والاتصالات. وإلى جانب تلك الصفقات، أعلن الوزير عن إنشاء مجلس الأعمال السوري – السعودي، بحيث تسعى كل تلك الأمور لإحياء الاقتصاد السوري مع منح الرياض نفوذاً مهماً في سوريا.
ما أهمية الاستثمارات الأجنبية في سوريا؟
تقدر تكاليف إعادة إعمار سوريا بعد الحرب بنحو 250-400 مليار دولار، ولا يمكن لسوريا بمفردها تحمل تلك الفاتورة، ما جعل إحياء الاقتصاد أهم أولوية بالنسبة للقيادة السورية الجديدة التي يتعين عليها تحصيل عوائد وإيرادات إلى جانب إعادة بناء البلد وذلك حتى تحافظ على شعبيتها وتأييد الناس لها.
حصلت استثمارات الرياض على أسهم كبيرة في قطاع الإسمنت والخرسانة بسوريا، كما ستلعب دوراً محورياً في جهود إعادة الإعمار، وعلى الرغم من أن معظم أنحاء البلد مايزال ركاماً بسبب الحرب، ظل الطلب على إعادة البناء قليلاً بسبب ارتفاع التكاليف، لذا فإن تنشيط صناعة الإسمنت والخرسانة في سوريا سيوفر فرص عمل، وسيدر إيرادات على الحكومة، كما سيخفض من الكلفة الإجمالية لعملية إعادة الإعمار.
قبل الحرب في سوريا، كان الاقتصاد يعتمد على إنتاج النفط والغاز الطبيعي، ومع توقف إنتاجهما بسبب النزاع، تحول النظام البائد إلى دولة ريعية تابعة لغيرها ترفدها تجارة المخدرات، وهذا ما جعل الاقتصاد السوري يتعثر، وأسهم بسقوط الأسد أخيراً، فقد تراجعت عائدات النفط والغاز خلال فترة الحرب، كما أن معظم الحقول السورية تقع في شمال شرقي سوريا حيث تسيطر قوات سوريا الديمقراطية. وفي الوقت الذي تنافس حكومة الشرع غيرها من القوى للسيطرة على تلك الموارد، نراها تدرك العوائق التي تعترض سبيلها، وهذا ما جعلها تفكر بموارد بديلة يمكن للاستثمارات السعودية أن تعززها.
ما الذي يخبئه المستقبل؟
لا أحد يرجح للعمل العسكري الإسرائيلي على سوريا أن يقف في وجه استمرار تدفق الاستثمارات السعودية، خاصة وأن هذا العمل العسكري لن يرقى لحملة هدفها تغيير النظام. بل حتى من دون أي تدخل إسرائيلي، تعاني معظم أجزاء سوريا من انعدام الاستقرار، ويستثنى من ذلك دمشق. وبينما تزيد حالة انعدام الاستقرار من الخطر على الاستثمارات، فلابد أن تحدث فوضى عارمة في سوريا قبل أن تعيد السعودية النظر في استراتيجيتها بشأن سوريا.
وفي الوقت الذي ترتفع نسبة تحمل السعودية للخطر في سوريا بشكل كبير، يمكن لعوامل داخلية وخارجية أن تزيد من نسبة الخطر، فهنالك احتمال وقوع اقتتال بين هيئة تحرير الشام وقوات سوريا الديمقراطية، واحتمال عودة تنظيم الدولة، أو انهيار الائتلاف الحاكم الذي يترأسه الشرع، أو احتمال حدوث هجوم إسرائيلي شامل على سوريا، فكل تلك الأمور ممكنة على الرغم من تفاوت احتمالية وقوعها، ولكن كلما زادت الاستثمارات التي تقدمها السعودية وغيرها من الجهات الفاعلة في المنطقة، زاد ذلك من ترسيخ الحكومة المركزية، وتدعيم قوتها، بما يقلص فرصة وقوع تلك الأحداث.
إن تعطش سوريا للاستثمارات يجعل من مبادلة ذلك بزيادة النفوذ السعودي أمراً مقبولاً لدى القيادة السورية، كما أن أهداف دمشق بالنسبة لمحاربة تصنيع الكبتاغون والحد من عودة النفوذ الإيراني تتماشى مع ما تريده الرياض، لذا فإن احتمال وقوف الحكومة السورية الجديدة ضد تلك الاستثمارات احتمال ضئيل للغاية.
ومع تنافس بقية القوى الإقليمية على النفوذ في دمشق، قد يصل تحمل الرياض للمخاطر إلى مستويات عالية جديدة، إذ في الوقت الذي تذكر قطر وتركيا الشرع بتاريخهم المشترك وتقوم كل منهما على حدة بتحركاتها في سوريا، ستضطر الرياض إلى زيادة استثماراتها هناك، وهذا الجمع بين الدوافع والاحتمالات والمنافسة لابد أن يؤدي لزيادة كبيرة في الاستثمارات السعودية في سوريا مستقبلاً.
المصدر: The New Lines Institute
تلفزيون سوريا
——————————————-
الشيباني يبحث مع وفد البنك الدولي دعم القطاعات الحيوية في سوريا
2025.10.06
استقبل وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني في العاصمة دمشق المدير الإقليمي للبنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط جان كريستوف كاريه.
وجرى خلال اللقاء بحث آفاق التعاون بين سوريا والبنك الدولي في مجالات إعادة الإعمار والتنمية المستدامة ودعم القطاعات الحيوية. وذلك بحسب بيان صادر عن وزارة الخارجية السورية.
وناقش الجانبان السبل الكفيلة بتطوير الشراكة بما يسهم في تعزيز مسار التعافي الاقتصادي وتحسين الخدمات الأساسية في البلاد، إضافة إلى استعراض الفرص الممكنة للتعاون في مشاريع البنية التحتية والتنمية.
وأكد الوزير الشيباني حرص سوريا على “الانفتاح على الشركاء الدوليين وفق أولوياتها الوطنية”، مشيداً بأهمية دور البنك الدولي في “دعم جهود التنمية والبنية التحتية” بما يواكب متطلبات المرحلة الراهنة.
تقييم اقتصادي قاتم للبنك الدولي
وكشف تقرير البنك الدولي لشهر حزيران 2025 عن صورة قاتمة للاقتصاد السوري بعد أكثر من أربعة عشر عاماً من الحرب، مشيراً إلى انكماش حاد في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 53 بالمئة بين عامي 2010 و2022، وتراجع نصيب الفرد من الدخل القومي إلى 830 دولاراً فقط في عام 2024.
وأكد التقرير أن الاقتصاد السوري تراجع إلى مستويات منتصف التسعينيات، فيما يعيش نحو ربع السكان في فقر مدقع وثلثاهم تحت خط الفقر. كما حذر من المخاطر العالية التي تواجه جهود التعافي، مع استمرار العقوبات وتآكل الإيرادات العامة.
وأوضح البنك الدولي أن الصراع والعقوبات غيّرا البنية الاقتصادية للبلاد جذرياً، مشيراً إلى تراجع القطاعات الإنتاجية وازدهار الأنشطة غير الرسمية، بما في ذلك تجارة الكبتاغون التي أصبحت إحدى أبرز مصادر الإيرادات خلال السنوات الماضية.
وأكد أن استمرار ضعف الإنتاج الزراعي والصناعي وتدهور البنية التحتية يعمقان الأزمة المعيشية، فيما تبقى فرص التعافي مرهونة بالاستقرار الأمني وتوسيع التعاون الإقليمي وجذب الاستثمارات الخارجية.
—————————-
بدعم إيطالي.. سوريا تخطط لتصنيع القطارات والحافلات محلياً
بالإضافة إلى تطوير قطاع نقل البضائع وتصنيع السيارات الكهربائية
الرياض – العربية
06 أكتوبر ,2025
بحث وزير النقل السوري يعرب بدر مع رئيس هيئة الاستثمار طلال الهلالي وعدد من ممثلي شركة “بلو” الهندسية الإيطالية المتخصصة في أنظمة السكك الحديدية والنقل الحضري، سبل التعاون لتطوير صناعة النقل في سوريا، ولا سيما صناعة القطارات والحافلات “الباصات”، بهدف تخفيف أعباء المواصلات وتحسين واقع النقل العام.
وأكد بدر أهمية إنشاء بيئة صناعية متكاملة داخل سوريا لتصنيع وسائل النقل الحديثة، وتعزيز الاعتماد على الذات في مجال البنى التحتية للنقل العام.
من جانبه، قدم رئيس مجلس إدارة الشركة محمد عيد عرضاً تناول خلاله الاستراتيجيات المقترحة لإنشاء منظومة صناعية لصناعة القطارات والباصات والسيارات في سوريا، مستفيداً من الخبرات الإيطالية، كما قارن عيد بين سوريا وإيطاليا من حيث عدد السكان والمساحات وحجم النقل داخل المدن وخارجها، لتحديد أنسب أنواع القطارات والمترو والباصات، مع دراسة تكلفة التصنيع ومواصفات أسطول النقل الإيطالي، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.
مصرف سوريا يعلن عن إجراء جديد لحماية مستهلكي الخدمات المالية
اقتصاد اقتصاد سوريا مصرف سوريا يعلن عن إجراء جديد لحماية مستهلكي الخدمات المالية
كما تناول العرض أهمية تأهيل الكوادر السورية في مجالات تصميم وصناعة القطارات والمركبات الكهربائية، ودراسة إنشاء مصانع متخصصة لذلك، بالإضافة إلى تطوير قطاع نقل البضائع واستراتيجيات تصنيع السيارات الكهربائية محلياً.
وشدد طلال الهلالي على أهمية القاطرات في دعم التنمية الاقتصادية الفورية، وتلبية احتياجات نقل البضائع مثل الفوسفات، مشيراً إلى ضرورة زيادة عدد القاطرات وإنشاء مراكز دعم للصيانة والتحديث وإعادة تأهيل مركز الصيانة في حمص، مع إعداد دراسات فنية للقاطرات العاملة حالياً في سوريا.
—————————–
السويد تعدل مساعداتها الإنسانية إلى سوريا لدعم إعادة الإعمار وعودة اللاجئين
2025.10.07
أعلنت مملكة السويد تعديل استراتيجياتها في المساعدات الإنسانية المقدمة إلى سوريا، لتشمل دعم إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي وعودة اللاجئين السوريين.
وفي بيان لها، قالت الحكومة السويدية إنها عدلت استراتيجيتها في المساعدات الإنمائية الموجّهة إلى سوريا، لمواكبة التطورات التي شهدتها البلاد بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع، بشار الأسد.
وذكر البيان أن التعديلات تشمل توسيع نطاق الدعم ليشمل المؤسسات العامة بهدف المساهمة في إعادة الإعمار، وتعزيز التعافي الاقتصادي، ودعم مسار التنمية الديمقراطية، وتهيئة الظروف لعودة اللاجئين السوريين.
وستستمر الاستراتيجية السويدية الجديدة في سوريا حتى العام 2027، بتمويل قدره 295 مليون كرونة سويدية (نحو 32 مليون دولار)، ضمن خطة تضع أولوية لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز المشاركة المدنية، إلى جانب استمرار الدعم الموجه للمنظمات غير الحكومية.
فرص جديدة بعد سقوط نظام الأسد
وأكّد وزير التعاون الإنمائي الدولي والتجارة الخارجية، بنيامين دوسا، أن سقوط نظام الأسد “يتيح فرصاً جديدة لدعم التنمية الديمقراطية، وبناء المؤسسات العامة، والتعافي الاقتصادي”.
وأشار إلى أن الحكومة السويدية “تجري تغييرات في المساعدات الإنمائية المقدّمة لسوريا لدعم إعادة إعمارها وزيادة فرص العودة”، مؤكداً أن “الشعب السوري يستحق السلام والديمقراطية وفرصة العودة وإعادة بناء بلده”.
دعم المجتمع المدني وتعزيز المؤسسات العامة
وأشار بيان الحكومة السويدية إلى أن سوريا، رغم سقوط نظام الأسد، ما تزال تواجه تحديات إنسانية واقتصادية ضخمة، إذ يحتاج ثلثا السكان إلى دعم إنساني، في حين يعيش 90% منهم تحت خط الفقر، ونحو 14 مليون شخص نازحون داخل البلاد وخارجها.
وأكدت الحكومة السويدية أن الاستراتيجية الجديدة لا تقتصر على دعم منظمات المجتمع المدني وحقوق المرأة ووسائل الإعلام المستقلة، بل تمتد لتشمل إمكانية تعزيز المؤسسات العامة والهيئات الحكومية السورية، بما يسهم في تهيئة بيئة سياسية واقتصادية أكثر استقراراً تدعم العودة الطوعية للاجئين.
—————————————
الأمم المتحدة تحذّر من انقطاع المساعدات الغذائية إلى سوريا مطلع 2026
2025.10.07
حذّر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة من احتمال توقف المساعدات الغذائية إلى سوريا، اعتباراً من كانون الثاني 2026، ما لم يتم تأمين 84 مليون دولار أميركي بشكل عاجل لضمان استمرار العمليات الإنسانية.
وقال البرنامج الأممي إن هذا التمويل ضروري لتغطية احتياجات الأشهر الستة الممتدة من تشرين الأول 2025 إلى آذار 2026، مشيراً إلى أن عدم الحصول على التمويل قبل كانون الأول المقبل سيؤدي إلى انقطاعات حادة في الإمدادات الغذائية ابتداءً من مطلع العام الجديد.
كما حذّر البرنامج من أن هذا الانقطاع قد يؤدي إلى تعليق مشروع الخبز المدعوم الذي يستفيد منه أكثر من مليوني شخص، ما يشكل خطراً مباشراً على الأمن الغذائي في البلاد.
وأكد صندوق الأغذية العالمي أن توقف هذا المشروع “سيزيد من حدة الجوع، ويفاقم التوترات الاجتماعية، ويهدد استقرار المناطق الهشة التي يعود إليها اللاجئون السوريون، فضلاً عن تقويض جهود التعافي الاقتصادي والاجتماعي”.
دعم شهري لملايين السوريين
وأشار البيان إلى أن برنامج الأغذية العالمي يقدم الدعم لـ 3.5 ملايين شخص داخل سوريا شهرياً، بينهم 1.2 مليون يتلقون مساعدات غذائية طارئة موجهة، في حين يحصل نحو مليوني سوري على الخبز بأسعار مدعومة ضمن مشروعات البرنامج.
كما كشف البرنامج عن دراسة حديثة أظهرت تدهوراً حاداً في الأمن الغذائي بمحافظة السويداء، وذلك عقب تصاعد أعمال العنف في المنطقة خلال الأشهر الأخيرة.
وأكدت الأمم المتحدة أن العجز المالي الحالي يهدد بتقليص المساعدات الإنسانية في بلد يعاني أصلاً من أزمة غذائية متفاقمة، مشددة على أن البرنامج مستعد لتوسيع نطاق عملياته فور توفر التمويل اللازم.
———————–
شراكة “أرامكو” وسورية… استفادة متبادلة/ كريم رمضان
07 أكتوبر 2025
يمثل بحث سورية مع شركة “أرامكو” السعودية ومستثمري قطاع الطاقة في المملكة تأسيس شركة مشتركة للطاقة لحظة تحول تؤشر إلى فوائد كبيرة للاقتصادين السعودي والسوري.
ووقعت السعودية وسورية، مؤخراً، مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون بمجالات الكهرباء والبترول والطاقة المتجددة والتكنولوجيا، في ظل التحول السياسي والاقتصادي الذي تمر به دمشق، حسب تقرير نشره موقع وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك السورية.
وتشكل شراكة أرامكو في سورية للاقتصاد السعودي فرصتين استراتيجيتين تتمثلان في: الاستثمار في إعادة بناء البنية التحتية للطاقة في سورية، واستغلال قطاع الكهرباء المتعطش للاستثمارات في بلد خارج للتو من أطول أزماته، حسب تقرير نشره موقع شركة “أكوا باور” السعودية، مشيرا إلى أن مشاريع تطوير الطاقة الشمسية والرياح والتخزين الكهربائي تعزز عائدات المملكة من مشروعات تصدير التقنية والخدمات، وتتيح للسعودية امتلاك حصة مؤثرة في تأسيس شبكة طاقة إقليمية مستقبلية.
كما يشكل التعاون مع سورية عنصرا لتعميق تكامل الصناعة السعودية في مجالات الخدمات المرتبطة بالطاقة ومضاعفة الطلب على المعدات والخبرات والتدريب، حسب تقرير موقع وزارة التجارة الداخلية السورية، لافتا إلى أن تأسيس شركة سعودية – سورية للطاقة يعزز تموضع المملكة شريكا رئيسيا في مشروعات التحول الطاقي عربيا.
تصدير الفوائض
يؤكد الخبير في شؤون أسواق النفط، أحمد حسن كرم، لـ “العربي الجديد”، أن سورية تمتلك احتياطيات نفطية تمكنها من تغطية احتياجاتها المحلية، وقد تسعى حكومتها الجديدة إلى تصدير الفوائض إلى الأسواق العالمية لزيادة دخلها المالي، لافتا إلى أن مساعي دمشق لتأسيس شركة طاقة مشتركة مع الرياض عبر ذراعها النفطي (أرامكو)، ستمثل، حال تحققها، إنجازا تاريخيا للبلاد، خاصة أن أرامكو تعد من أكبر الشركات النفطية عالميا وتمتلك خبرة عريقة في القطاع.
ويوضح كرم أن هذه الشراكة ستحمل فوائد مشتركة للطرفين، إذ ستسهم في تطوير عمليات الاستخراج والتكرير، ونقل الخبرة الفنية إلى سورية، في حين ستمثل فرصة استثمارية ناجحة لأرامكو للدخول إلى أسواق جديدة، ما يعزز من جاذبية أسهمها ويدعم قيمتها في ظل الأرباح المتوقعة.
ويضيف كرم أن هذه العوائد من شأنها أن تنعكس إيجابا على الاقتصاد السعودي واستقرار سوق الأوراق المالية، منوها إلى أن السعودية، من خلال هذه الشراكة، ستكسب قوة إضافية على المستوى العالمي في أسواق الطاقة، خاصة إذا تضمنت بنود الاتفاق حصصا إنتاجية لها من النفط السوري، ما يمنحها مزيدا من المرونة في إدارة إمداداتها وتوسيع نطاق نفوذها في المنطقة.
استفادة متبادلة
في السياق، يشير الخبير الاقتصادي، منير راشد، لـ “العربي الجديد”، إلى أن الشراكة في قطاع النفط بين أرامكو السعودية والحكومة السورية، في حال تحققها، تعد نموذجا للاستفادة المتبادلة، إذ يتقاسم الطرفان الأرباح وفقا لنسب ملكيتهما في المشروع، وستحصل أرامكو على عائد مشابه لما تحصل عليه أي شركة عالمية كشركة توتال، في إطار إبرام الطرفين اتفاقا يحدد طبيعة الشراكة ونسبة كل طرف.
ويشير راشد إلى أن حصة أرامكو من الأرباح ستكون مرتبطة بنوع الاتفاق المبرم مع وزارة الطاقة السورية، فإذا كانت الشراكة قائمة على توزيع رأس المال بنسبة 50% لكل طرف، فإن أرامكو ستحصل على نصف الأرباح، تماما كما تحصل عليه سورية، ويشترط في هذا السياق أن تبرم أرامكو عقد امتياز مع وزارة الطاقة السورية، على غرار ما تفعله الشركات الأجنبية الراغبة في استخراج النفط من الأراضي السورية.
ويوضح راشد أن الحكومة السورية، بصفتها المالكة للثروة النفطية، ستحصل على حصة من الإنتاج ترتفع تدريجيا وفقا لبنود عقد الامتياز، وذلك لتمكين الشركة من تغطية التكاليف الباهظة المرتبطة بعمليات الاستخراج.
كما تتقاضى الدولة السورية نسبة إضافية من أرباح الشركة، إلى جانب حصتها من الإنتاج، ما يعزز عوائدها المالية من المشروع، حسب راشد، الذي يخلص إلى أن أرامكو ستستفيد من هذه الشراكة في حال نجاح الاستثمار، إذ يسهم ذلك في توسيع نطاق عملياتها وتعزيز مكانتها كشركة عالمية، في حين تحقق سورية منفعة اقتصادية مزدوجة من خلال حصتها في الإنتاج والأرباح، ما يجعل هذه الشراكة مرجحة المنفعة للطرفين.
وكانت سورية تصدر 380 ألف برميل من النفط يوميًا في عام 2010، أي قبل عام من اندلاع الثورة ضد حكم بشار الأسد الذي شن حرباً قرابة 14 عامًا دمرت إنتاج النفط الخام.
=======================
تحديث 06 تشرين الأول 2025
——————————–
مشروع قانون الضرائب في سوريا… هل يحقق العدالة الاجتماعية؟/ جوزيف ضاهر
آخر تحديث 05 أكتوبر 2025
لا يراعي صغار المزارعين والشركات الصغيرة ويمنح الأفضلية لأقلية صغيرة وثريّة
في بداية سبتمبر/أيلول 2025، أعلن وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، عن اكتمال مشروع قانون ضريبة الدخل، الذي سينفذ اعتبارا من مطلع السنة المقبلة، وصرح بأن قانون الضرائب الجديد يهدف إلى تعزيز التنمية الاقتصادية وتسهيل التجارة، والمساهمة في ازدهار المجتمع بكفاءة وفعالية، وتحفيز الاستثمارات، ودعم ريادة القطاع الخاص.
ولفت الوزير برنية أن القانون الجديد عادل وشفاف، ويعكس الجهود المبذولة لتحويل وزارة المالية من وزارة جباية وقهر إلى وزارة تنمية وبناء وشراكة. وقال أن النظام الضريبي الجديد يبسط الإجراءات الضريبية، ويقلل التعقيد الإداري، ويعزز التحديث من خلال الرقمنة والتكنولوجيا. كما ينقل عبء الإثبات إلى السلطة الضريبية ويحيل الطعون النهائية على محكمة ضريبية، ويستبدل الغرامات المالية بعقوبة السجن، مع السماح بالتسويات في حالات معينة.
وقد خُصص عنوان بريد إلكتروني مرتبط بوزارة المالية لتلقي الملاحظات والاقتراحات على مشروع النظام الضريبي الجديد حتى 27 سبتمبر/أيلول.
ما هي خصائص النظام الضريبي الجديد؟
من الخصائص الرئيسية للنظام الضريبي الجديد البنية الضريبية الموحدة وغير التصنيفية، والضريبة المتماثلة على الشركات، التي تطبق بالتساوي على جميع الكيانات التجارية، بغض النظر عن حجمها (انظر الجدول أدناه).
ويبلغ الحد الأدنى للدخل السنوي الصافي الخاضع للضريبة 60 مليون ليرة سورية (نحو 5,455 دولارا وفقا لسعر صرف رسمي يبلغ 11,000 ليرة سورية للدولار)، للمؤسسات والعمل على أساس الرواتب.
تطبق الضرائب الآتية على الدخل المتأتي من الوظيفة:
6 في المئة لكل ليرة سورية من أول 5 ملايين ليرة سورية (455 دولارًا أميركيًا) من الدخل الخاضع للضريبة.
8 في المئة لكل ليرة سورية تتجاوز 5 ملايين ليرة سورية من الدخل الخاضع للضريبة.
القطاع معدل الضريبة
القطاع الزراعي، وعوائد الإيداع في المصارف، وتداول الأسهم 0 في المئة
التوريدات والخدمات التي يقدمها غير المقيمين
2 في المئة
القطاع الصناعي، التعليم، الصحة، التكنولوجيا
10 في المئة
القطاعات الأخرى، بما في ذلك التجارة والخدمات
15 في المئة
المصدر: وزارة المالية – مسودة قانون الضريبة على الدخل في سوريا
في الوقت نفسه، اقتُرحت سلسلة من الإعفاءات الضريبية، بما في ذلك على تحويلات أسهم الشركات، وإعادة تقييم الأصول الثابتة، والعوائد والفوائد على الودائع المصرفية، وعلى الصادرات المحلية للسلع والخدمات، وعلى القطاع الزراعي وجمعياته، بالإضافة إلى إعفاءات أخرى للأفراد متعلقة بالزوجات اللواتي لا يدفعن ضرائب أو أطفالهم فيما يخص النفقات الطبية والتعليم والإيجار والفوائد على قروض الإسكان. كما ينص على خصم ضريبي خاص للتبرعات في مجال المسؤولية الاجتماعية للشركات.
وعلى سبيل المقارنة، فإن نظام الأسد السابق، الذي كان قد عدل في ديسمبر/كانون الأول 2023 قانون ضريبة الدخل، بناءً على المرسوم التشريعي رقم 30، أعفى من الضرائب الأرباح السنوية الصافية التي تصل إلى 3 ملايين ليرة سورية (240 دولارا في ذلك الوقت بسعر صرف رسمي يبلغ 12,500). وكانت الأرباح التي تتراوح بين 3 ملايين و10 ملايين ليرة سورية (بين 240 و800 دولار) تخضع لمعدل ضريبة قدره 10 في المئة، في حين كانت الأرباح الصافية التي تتراوح بين 10 ملايين و30 مليون ليرة سورية (بين 800 و2,400 دولار) تخضع لضريبة قدرها 14 في المئة.
أما فيما يتعلق بضرائب الشركات على المؤسسات التجارية، بحسب النظام السابق، فقد تراوحت بين 10 و28 في المئة، مع تحديد معدل عام عند 22 في المئة، على الرغم من وجود حسومات كبيرة في حالات محددة. وعلى نحو ذلك، الحد الأدنى للرواتب والأجور عند 279,000 ليرة سورية (22.3 دولارا). ثم زادت الضرائب على الأجور والرواتب تدريجيا وصولا إلى 15 في المئة للدخل الذي يزيد عن 1,100,000 ليرة سورية (88 دولارا).
ما هي القضايا الإشكالية في النظام الضريبي الجديد؟
لا تزال النقاشات بشأن مشروع قانون الضرائب الجديد محدودة نسبيا في الساحة السورية حتى الآن، باستثناء مؤتمر في حلب مع الصناعيين، وآخر في جامعة دمشق قدم فيه مسؤولون سوريون النظام الضريبي الجديد. من هنا، لا بد من طرح بعض القضايا الإشكالية المتعلقة بالنظام الضريبي الجديد، يمكن إيجازها بالآتي:
أولاً، المشاركة العامة خجولة: مع أن وزير المالية السوري شكل في يونيو/حزيران المنصرم لجنة تضم ممثلين عن غرف التجارة والصناعة وأكاديميين جامعيين وخبراء مستقلين لصياغة النظام الضريبي الجديد، إلى جانب استشارة شخصيات مختارة وتحديد بريد إلكتروني لإرسال الملاحظات كما ذكر أعلاه، فإن ذلك لا يمكن أن يوصف المشروع الضريبي الجديد بأنه نهج تشاركي في موضوع على قدر عال من الأهمية. بدلاً من ذلك، كان على السلطات تنظيم مناقشات بشأن النظام الضريبي المستقبلي مع المجتمع المدني في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك النقابات العمال والجمعيات المهنية والجهات الفاعلة الاجتماعية الأخرى، بالإضافة إلى عامة الناس، وألا يقتصر ذلك على الشخصيات التي تختارها السلطات الجديدة أو رجال الأعمال الكبار.
وعموما، تعكس هذه الطريقة للحكم الديناميكيات والأنماط التي تتبعها السلطات الجديدة منذ سقوط نظام الأسد. ومع أن هناك وزراء ومسؤولين أعربوا في كثير من الأحيان عن استعدادهم لإشراك عامة الناس بشأن اتجاه البلاد ومضمون قراراتهم، فإن ذلك يظل سطحيا. وفي الوقت نفسه، يجب أن تكون الجهات الفاعلة السياسية المعارضة والمجتمع المدني أكثر نشاطا في تقديم الانتقادات وتنظيم التوعية بشأن هذا الإصلاح الضريبي.
العبء الضريبي على الشركات الكبيرة والصغيرة
ثانياً، العبء الضريبي: والأهم من ذلك، أن محتوى النظام الضريبي الجديد مثير للمشكلات. فالبنية الضريبية الموحدة وغير التصنيفية، والضريبة المنخفضة والمتماثلة على الشركات التي تطبق بالتساوي على جميع الكيانات التجارية، بغض النظر عن حجمها، تضعف القدرة على توسيع قاعدة إيرادات الدولة كما أنها غير متكافئة في جوهرها. فلا يمكن مقارنة شركة كبيرة تراكم أرباحا ضخمة بمؤسسة عائلية صغيرة ذات إيرادات متواضعة، وتشكل الفئة الأخيرة الغالبية العظمى من القطاع الخاص الوطني.
في الوقت نفسه، لا يأخذ في الحسبان إعفاء القطاع الزراعي من الضرائب تنوع هذا القطاع. فلماذا يعفى من الضرائب كبار ملاك الأراضي المنخرطين في القطاع الزراعي، الذين يوظفون عددا كبيرا من العمال، ويحققون أرباحا طائلة؟ لقد بررت وزارة المالية الإعفاء الضريبي في هذا القطاع بوصفه محاولة لتعزيز القطاع، لكن ذلك لا يراعي التحديات الهيكلية التي تواجه صغار المزارعين مثل ارتفاع نفقات الإنتاج، ومحدودية وصولهم إلى المدخلات.
ولا توجد على العموم خطة شاملة لدعم القطاع الزراعي في المستقبل القريب. لذا لن يعالج الإعفاء الضريبي تلك التحديات، ما يؤدي إلى تخلي مزيد من صغار المزارعين والفلاحين عن أراضيهم لعدم قدرتهم على تحمل تكلفة الإنتاج المرتبطة بإدارة أراضيهم وزراعتها. وسيفاقم هذا الوضع اعتماد سوريا على الجهات الخارجية لاستيراد المنتجات الغذائية الأساسية ويقلل القدرة على (إعادة) بناء بعض أشكال السيادة الغذائية، ومن ثم يرفع سعر السلع في السوق، بما في ذلك الخبز.
المؤسسات الصغيرة وتحرير التجارة المتسارع
إن تخفيض الضرائب على المؤسسات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة الحجم، التي تشكل أكثر من 95 في المئة من القطاع الخاص، لن يعزز أيضا قدراتها على تحديث بنيتها التحتية، أو الحصول على المساعدة المالية، أو خفض تكاليف إنتاجها. كما أن التحرير المتسارع للتجارة الذي تنتهجه الحكومة يهدد وجود تلك المؤسسات ويعرض الإنتاج الوطني السوري للخطر. وثمة حاجة هنا أيضا إلى سياسات أكثر شمولا، بدلا من خفض الضرائب أو منح إعفاءات صغيرة على رسوم استهلاك الكهرباء وجميع الرسوم المالية والإدارية والصناعية، وتخفيض أسعار المحروقات المستخدمة للأغراض الصناعية، كزيت الوقود بنسبة 14 في المئة، والغاز بنسبة 23 في المئة.
كما أن الإعفاءات الضريبية على رأس المال مثل إعادة تقييم الأصول الثابتة، والعوائد والفوائد على الودائع المصرفية، وعلى الصادرات المحلية للسلع والخدمات، تصب في مصلحة الأفراد والشركات الذين لديهم قدرات مالية كبيرة.
يأتي مشروع النظام المالي الجديد بينما تعاني موارد الدولة من قيود شديدة، ما يحد من قدرتها على الاستثمار في الاقتصاد، وتمويل القطاع العام، وإعادة توزيع الثروة على القطاعات الفقيرة من السكان. قبل سقوط نظام الأسد، وصلت موازنة عام 2025 إلى 52.6 تريليون ليرة سورية (أي ما يعادل 3.9 مليارات دولار)، في حين أن موازنة عام 2023 بلغت 35.5 تريليون ليرة سورية (أي ما يعادل 3.1 مليارات دولار).
إن هذا النظام الضريبي الجديد يعكس من جهات عديدة التوجه الاقتصادي السياسي للسلطات الحاكمة الجديدة. لذا يمنح الأفضلية لرأس المال والأرباح، لا سيما استثمارات رجال الأعمال الكبار والشركات الأجنبية الكبيرة، ويشجع أنماط الاستهلاك الديناميكي في الاقتصاد المحلي بخفض الضرائب، بدلا من تعزيز القدرات الإنتاجية للبلاد.
الاعتماد على رأس المال الأجنبي والتبرعات
ينعكس هذا النمط الديناميكي أيضا في الاعتماد على رأس المال الأجنبي والمساعدات ورجال الأعمال المحليين لتعزيز إعادة إعمار سوريا والتعافي الاقتصادي عن طريق التبرعات الأجنبية أو حملات جمع التبرعات، لصندوق التنمية السوري على سبيل المثال.
كما يعتمد على تبرعات رجال أعمال معروفين، استفادوا من تعاونهم الوثيق مع نظام الأسد السابق لمراكمة رأس المال والثروة. في المقابل، على سلطات الدولة أن تعزز آلية شاملة للعدالة الانتقالية وعملية المساءلة. بعبارة أخرى، يجب أن تشمل بعدا اجتماعيا بدمج الجهود لاستعادة أصول الدولة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم الاقتصادية والمالية الخطيرة، مثل خصخصة أصول الدولة والممتلكات العامة، أو توزيع الأراضي العامة على رجال الأعمال المرتبطين بالنظام السابق، على حساب المصلحة العامة للدولة.
الإصلاح المالي لضمان العدالة الاجتماعية
إن انخفاض مستوى الإيرادات المالية يعني أن الدولة غير قادرة على تمويل سياسات اجتماعية فعالة، وتوفير السلع والخدمات العامة الأساسية بكفاءة، ومعالجة التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية. بدلا من ذلك، يجب القيام بإصلاح مالي تصاعدي لضمان العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة. فالضرائب التصاعدية أداة حاسمة لإعادة توزيع الثروة في جميع المجتمعات، وأداة استراتيجية للتخفيف من التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية. ويمكن أن يكون لنظام ضريبة الدخل التصاعدية، على الأفراد والشركات، دور مهم في الحد من التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية، وتعزيز الحقوق الاجتماعية ودعم القطاعات الإنتاجية للاقتصاد. كما يمكن أن يدعم نظام الضرائب التصاعدية الإصلاحات الاجتماعية التي تعالج التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية، ويعزز مصداقية الدولة، مثل تقديم تغطية صحية شاملة لتلبية احتياجات السكان، لا سيما أن قطاعات كبيرة من السكان ليس لديهم تأمين صحي ويعملون في القطاع غير الرسمي.
بدلا من نظام ضريبي يمنح الأفضلية لأقلية صغيرة وثريّة ويزيد اعتماد البلاد على رأس المال المحلي أو الأجنبي والمساعدة المالية الخارجية، تحتاج سوريا إلى نظام ضريبي قادر على إعادة توزيع الثروة، وتعزيز الخدمات العامة، وحماية الصالح العام لتوفير حياة كريمة لغالبية السوريين والسعي لمزيد من الاستقلال الاقتصادي.
المجلة
————————–
هكذا تبني سورية نفسها بنفسها/ عدنان عبد الرزاق
06 أكتوبر 2025
الفقر والحاجة والخذلان، ولا شيء غير ذلك، يكسر القلب والخاطر ويحد من التطلعات، كما لا أصعب وأوجع من السؤال، أو بصيغة أدق، ذلّ السؤال لمن يراك فقيراً ومحتاجاً، وينتظر منك السؤال وطلب المساعدة، ليساعدك كما قلة، أو يفرض شروطه ويتعذّر، مثل كثيرين.
من ذلك ربما، ولأن الدول تلكأت أو اشترطت، وهي ترى واقع سورية عاجزة، كدولة، حتى عن دفع أجور الموظفين أو تأمين الخبز والمحروقات، لمعت فكرة “أبشري سورية” من مدينة حمص، ولم تكن من النضوج والتبلور، كما آلت إليه في إدلب قبل أيام، أو ما ستتحوّل إليه في حماة وغيرها من المدن السورية، بعد ذلك.
فكرة جمع تبرعات من السوريين أنفسهم لبناء سوريتهم، أو لتلافي ما يمكن تلافيه، لتأمين إكسير الحياة ومد الأسواق بالاحتياجات الضرورية، قبل أن يكبر الحلم لإعادة الإعمار واقتلاع وتد آخر خيمة لاستعادة النازحين بيوتهم، قبل فصل المطر والبرد.
بدأت الحكاية من “أربعاء حمص” في 13 أغسطس/آب الفائت، كباكورة لتحريض السوريين وحضهم على البناء ومساعدة أهليهم، ففوجئ القائمون على المبادرة، بأن جمعت وبليلة واحدة ومن دون تحضير أو عظيم توقعات، نحو 13 مليون دولار. فتلقفت درعا، جنوبي سورية ومنطلق ثورتها، الفكرة، وأعلنت عن “أبشري حوران” في 30 من الشهر ذاته، لتكبر الفكرة والمبالغ والحلم، وتجمع بليلة واحدة 36 مليون دولار ووعود بتبرعات ليصل المبلغ النهائي إلى نحو 44 مليون دولار، ويتابع السوريون الحملات إلى دير الزور في 11 سبتمبر/أيلول الماضي، أكثر المدن تهديماً وخراباً، فتجمع بليلة واحدة نحو 30 مليون دولار، قبل أن تتغيّر طرق التحضير والدعوات ونضوج الفكرة وتحديد الأهداف، لنشاهد بحملة “ريفنا بيستاهل” في 20 سبتمبر بريف دمشق، سقفاً جديداً من التبرعات تعدى 76 مليون دولار وتحل المفاجأة الكبرى، في حملة “الوفاء لإدلب”، 26 سبتمبر، وتجمع 208 ملايين دولار.
ولأن الحملات أثمرت وعرف السوريون طرقاً تغنيهم عن السؤال والديون الخارجية، وإسعاف دولتهم وحكومتهم، زاد التنافس بين المدن لتعلن درعا عن حملة ثانية وكذا دير الزور، من دون أن يتعطل برنامج بقية المحافظات.
ولعل إعلان أهداف الحملات، خاصة بعد النضوج والتبلور والوضوح، كما رأينا بمحافظة إدلب التي يراها السوريون “أمهم الصغرى” نظراً لاستقبالها الثوار وعموم الهاربين من نظام الأسد، منذ تحريرها عام 2015 حتى تحرير البلاد نهاية 2024، زاد من الحماسة ومحاولات الوفاء ورد الجميل، للمدن وللشعب الصامد ولآل الشهداء والنازحين. فرأينا التبرعات الأخيرة بمدينة إدلب، تنوعت بين رجال أعمال وجمعيات طبية وإنسانية وصناديق محلية ودولية، ودخل أسلوب “المزاد العلني” كطريقة جديدة على الحملة، بعد عرض بعض مقتنيات الشهداء أو قطع حليّ من الأطفال، لنرى مبالغ كبيرة أوصلت التبرعات إلى ما زاد عن 200 مليون دولار.
قصارى القول: من يعرف حجم الخراب والتهديم بمحافظة إدلب والذي يحتاج لإعادة إعماره نحو ثلاثة مليارات دولار، بحسب محافظ المدينة خلال إطلاق الفعالية، قد يستصغر مبلغ الحملة في إعادة بناء وترميم نحو 250 ألف منزل مهدم ونحو 700 مدرسة مدمرة وخراب جراء القصف، نتج عنه 1.9 مليون متر مكعب من الأنقاض.
أو، وهو الأهم والغاية، عودة نحو مليون نازح ما يزالون حتى اليوم، في خيم تفتقر لأبسط شروط العيش ومهددون سكانها بالمزيد، بعد موسم الأمطار وغمر خيمهم بالمياه، كما شاهد العالم بأسره، خلال سني الثورة.
بيد أن الزراعة، هي ميزة وخصوصية إدلب الموصوفة “بالمدينة الخضراء” وإعادة تأهيل هذا القطاع، هو أحد أهداف الحملة، إلى جانب إعادة النازحين لبيوتهم وترميم القطاعات الطبية والتعليمية. فحجم الخراب الزراعي في المحافظة، زاد، بعد حصر الأضرار رسمياً، عن مليون ونصف المليون شجرة زيتون و350 ألف شجرة فستق حلبي ونحو 100 ألف شجرة تين.
ليكن تأهيل المدمر واستعادة دوران الإنتاج بالزراعة، غاية نهائية وهدفاً مركباً، نظراً لما يمكن أن يستوعبه من أيد عاملة في بلد يعاني أكثر من 86% من سكانه من البطالة، ورفد الأسواق بمنتجات، تحقق التوازن السلعي وتكسر الأسعار، وتغني سورية عن الاستيراد واستنزاف الدولار.
نهاية القول: أغلب الظن أن التقييم العاطفي والانفعالي، هو الغالب خلال التكلم عن حملات “أبشري سورية” ولعلّ ذلك مشروع ومحق، فأن ترى السوريين، كل السوريين يهبون للأخذ بيد حكومتهم المفلسة، فيتبرعون بأضعاف المساعدات التي قدمتها الدول الصديقة. يحق لك الانفعال حتى لدرجة المبالغة، نظراً لما ستحدثه الحملات من تأثير اقتصادي ومباشر، على الإعمار والتأهيل وتحسين المعيشة، بعد إيواء النازحين وتأمين فرص عمل للعاطلين.
ولكن، بعد تأمّل وتروٍ، لا بد من التفكير المؤسسي والبحث عن سياسات تنمية مستدامة وإعمار مدروس، متوازن ومتكامل وفق رؤية شاملة، بعيداً عن ذهنية “الفزعات” أو العشوائية في الإعمار والتي ستعيق مشهد الإعمار إن خرجت عن الخطط أو الرؤية العامة لما ستكون عليها سورية المستقبل.
وتبدأ الأسئلة المشروعة تتوثب على الشفاه، رغم ما تحدثه الحملات، من تكافل ولحمة وطنية وتأمين موارد، ما كانت لتأتي بهذي السرعة واليسر لبلد مفلس، كما سورية بعد نظام لأسد.
ربما أول الأسئلة وأحقها هو مدى مصداقية المتبرعين الذين تأخذهم الحماسة أمام عدسات الكاميرات وأضواء المصورين والتلفزات، فيعدون بملايين الدولارات من دون أي ضمانة لدفعها، ولعل في باكورة التجارب “أربعاء حمص” دليلاً بدأ يكابده السوريون، إثر تنصل بعضهم أو إملائه لمصير تبرعه، جغرافياً وتوظيفاً.
والسؤال الثاني الذي تبّدى بعد حملة الوفاء لإدلب، أن متبرعين سيقودون بأنفسهم توظيف أموال تبرعاتهم، سواء بقرى وأعمال محددة، أو بمشاريع خدمية، قد تنعكس عليهم وعلى أعمالهم، أكثر مما تتناسب مع الخطة العامة لإعمار المحافظة أو يستفيد منها النازحون والعاطلون.
كما الوضوح والشفافية الحكومية، من الأسئلة المحقة بعد وصول التبرعات إلى “مبالغ هائلة” سواء أين وكيف تصرف، أو ما هي الأولويات في الصرف وكيف ستتم الرقابة وزمن التسليم؟
وكل ذلك، كي يستمر السوريون في حك جلدهم بأنفسهم وتستمر حملات، حققت بالفعل ما عجزت أو تلكأت عنه، دول صديقة وشقيقة، كانت في الماضي تتذرع بالعقوبات وبدأت اليوم، تفرض الشروط وتلمح إلى إملاءات.
العربي الجديد
—————————————
أموال بلا استثمار.. هل تبقى تحويلات المغتربين السوريين حبيسة الاستهلاك؟/ ملهم جزماتي
شكلت تحويلات المغتربين السوريين على مدى العقد الماضي طوق نجاة لملايين الأسر في الداخل، ورافدًا حيويًا للاقتصاد المنهك. لكن هذه التدفقات المالية، التي تقدرها مصادر اقتصادية بما يتراوح بين 7 إلى 8 ملايين دولار يوميًا، تحمل في طياتها إمكانات هائلة تتجاوز مجرد الاستهلاك.
في حين تشير التقديرات إلى أن الحجم السنوي لهذه التحويلات يتراوح بين 2 إلى 2.5 مليار دولار، فإن آخر رقم رسمي مسجل لدى البنك الدولي في عام 2010 بلغ 1.62 مليار دولار، مع غياب أي بيانات رسمية للسنوات اللاحقة.
هذا الفارق الكبير، والفجوة المعلوماتية، يسلطان الضوء على حقيقة أن جزءًا ضخمًا من هذه الأموال يتدفق عبر قنوات غير رسمية، مع الأخذ بعين الاعتبار ازدياد عدد السوريين في الخارج نتيجة ظروف الحرب المستمرة على مدى أربعة عشر عامًا، مما يحرم الاقتصاد من الاستفادة الكاملة من هذه السيولة الحيوية. وهنا يبرز السؤال المحوري: كيف يمكن تحويل هذه الأموال من مسار استهلاكي قصير الأجل إلى رافعة استثمارية طويلة الأمد تسهم في إعادة بناء الاقتصاد السوري؟
واقع التحويلات.. شريان حياة في اقتصاد منهك
في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعاني منها السوريون، حيث تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن 90% منهم يعيشون تحت خط الفقر، و66% يعانون من الفقر المدقع، أصبحت الحوالات المالية القادمة من الخارج المصدر الرئيسي للدخل لشريحة واسعة من المجتمع.
هذه الأموال تذهب مباشرة لتغطية النفقات الأساسية من غذاء ودواء وإيجارات، وتسهم في التخفيف من حدة الأزمة الإنسانية. وقد أكد تقرير للبنك الدولي صدر في أيار 2024 على هذا الدور الحيوي، مشيرًا إلى أن تلقي الحوالات يرتبط بانخفاض احتمالية الوقوع في الفقر المدقع بنسبة 12 نقطة مئوية.
على المستوى الاقتصادي الكلي، تلعب هذه التحويلات دورًا لا يمكن إغفاله في دعم استقرار سعر صرف الليرة السورية نسبيًا، كونها المصدر الأهم للعملة الصعبة في البلاد بعد تراجع القطاعات الإنتاجية والصادرات. وقد وصف حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، هذه الأموال بأنها “شريان حياة” للاقتصاد الوطني.
لكن على الرغم من أهميتها الاجتماعية والاقتصادية، فإن الأثر التنموي لهذه التحويلات يبقى محدودًا. إذ تشير التقديرات إلى أن ما يقارب 80% من هذه الأموال يذهب مباشرة إلى الاستهلاك الفوري، مما يحد من تأثيرها في تحفيز الدورة الإنتاجية أو خلق فرص عمل جديدة. هذا النمط يعزز ما يمكن تسميته بـ “اقتصاد البقاء”، الذي يضمن استمرارية الحياة اليومية، لكنه لا يبني أساسًا متينًا لاقتصاد قادر على النمو والتطور بشكل مستدام. ومن هنا، فإن التحدي الأكبر يكمن في ابتكار السبل الكفيلة بتحويل جزء من هذه السيولة من مجرد إنفاق استهلاكي إلى وقود يدفع عجلة الاستثمار والتنمية.
بناء الثقة المفقودة.. حجر الزاوية لاستقطاب الأموال
تعاني العلاقة بين المغتربين السوريين والنظام المصرفي المحلي من أزمة ثقة عميقة ومتجذرة، تراكمت على مدى سنوات طويلة. فتجارب مثل فقدان الودائع، تجميد الحسابات بشكل تعسفي، والانهيار المستمر لقيمة الليرة السورية، والأهم الخوف من أن تطالهم تأثير العقوبات الاقتصادية المفروضة على الجهاز المصرفي السوري وكل من يتعامل معه، كلها عوامل دفعت السوريين في الخارج إلى تجنب القنوات الرسمية واللجوء إلى السوق الموازية لإرسال أموالهم.
وبهذا، يخسر الاقتصاد السوري سيولة ضخمة كان من الممكن أن تضخ في شرايينه لو توفرت بيئة مصرفية آمنة وموثوقة.
إن استعادة هذه الثقة المفقودة تتطلب حزمة من الإصلاحات الهيكلية التي تبدأ بالشفافية والحوكمة. نشر تقارير مالية دورية للمصارف، وتطبيق معايير الحوكمة الدولية، وتوفير آليات مستقلة لحماية المودعين، هي إجراءات أساسية يجب أن تسبق أي محاولة جادة لاستقطاب أموال المغتربين. كما أن وجود طرف ثالث مستقل، مثل شركات تدقيق دولية، يمكن أن يمنح المستثمرين في الخارج شعورًا أكبر بالأمان ويحد من المخاوف المرتبطة بسوء الإدارة أو الفساد.
على الصعيد القانوني، تبرز الحاجة إلى سن قوانين واضحة وصريحة تمنع التجميد التعسفي للحسابات، وتضمن حرية السحب والإيداع بالعملات الأجنبية. كما أن إنشاء محاكم تجارية متخصصة للفصل السريع في النزاعات المصرفية، وتحديث البنية التحتية التكنولوجية للمصارف لتوفير منصات رقمية آمنة وسهلة الاستخدام، هي خطوات لا غنى عنها لتعزيز جاذبية القطاع المصرفي السوري. فالمغترب يحتاج إلى الشعور بأن أمواله ليست فقط آمنة، بل وأنه قادر على إدارتها والوصول إليها من أي مكان في العالم بسهولة ويسر.
أدوات مالية مبتكرة.. لتحويل الحوالات إلى استثمارات
بناء الثقة وحده لا يكفي، بل يجب أن يترافق مع توفير أدوات مالية مبتكرة وجذابة قادرة على استقطاب مدخرات المغتربين وتوجيهها نحو استثمارات منتجة. وتبرز “سندات المغتربين” كواحدة من أبرز هذه الأدوات، وهي أوراق دين تصدرها الحكومة بعائد تنافسي بالدولار لتمويل مشاريع استراتيجية في قطاعات حيوية مثل الطاقة، البنية التحتية، أو الزراعة.
تقدم التجارب الدولية دروسًا قيّمة في هذا المجال. ففي عام 2014، طرحت مصر سندات لتمويل توسيع قناة السويس، لكن مساهمة المغتربين لم تتجاوز 1% من الإجمالي بسبب ضعف الثقة وغياب الضمانات الكافية. أما إثيوبيا، فقد نجحت نسبيًا في استخدام سندات المغتربين لتمويل سد النهضة بعد انسحاب المؤسسات المالية الدولية، حيث جمعت ملايين الدولارات مستفيدة من الدافع الوطني القوي لدى المغتربين. وفي عام 2017، أصدرت نيجيريا سندات بقيمة 300 مليون دولار بعد تسجيلها لدى هيئة الأوراق المالية الأمريكية، مما عزز مصداقيتها. هذه التجارب تؤكد أن نجاح مثل هذه المبادرات يتطلب هيكلة سليمة، شفافية عالية، عوائد مجزية، ضمانات موثوقة، وربط السندات بمشاريع وطنية ذات أثر ملموس.
إلى جانب السندات، يمكن إنشاء “صناديق استثمارية” موجهة للمغتربين تركز على قطاعات واعدة مثل التكنولوجيا، الطاقة المتجددة، أو العقارات. هذه الصناديق تتيح للمغتربين الاستثمار بمبالغ صغيرة وتنويع محافظهم الاستثمارية، مع إمكانية الاستفادة من إدارة مهنية متخصصة. وفي هذا السياق، يمكن لصندوق التنمية السوري، الذي تمكن من جمع أكثر من 80 مليون دولار خلال أسابيع من إطلاقه، أن يلعب دورًا محوريًا كمنصة مركزية لتطوير وإدارة مثل هذه المبادرات.
الطريق نحو التحول
لا يمكن لهذه المبادرات أن تنجح بمعزل عن استقرار اقتصادي ونقدي شامل. فالمغترب، مثل أي مستثمر آخر، لا يبحث فقط عن العوائد، بل عن الثقة باستقرار بيئة الاستثمار. هذا يتطلب إصلاحات هيكلية عميقة، وتبني سياسات مالية ونقدية متسقة، والأهم معالجة ملف العقوبات الدولية الذي يبقى العقبة الأكبر أمام أي تحول جذري في القطاع المصرفي السوري.
إن تحويلات المغتربين السوريين ليست مجرد أرقام في تقارير اقتصادية، بل هي طاقة كامنة قادرة على إحداث فارق حقيقي في مستقبل سوريا الاقتصادي. لكن تفعيل هذه الطاقة يتطلب رؤية استراتيجية متكاملة تجمع بين الإصلاح المصرفي الجذري، وبناء جسور الثقة مع المغتربين، وابتكار أدوات مالية واستثمارية تتناسب مع تطلعاتهم وتضمن أمان مدخراتهم. إن نجاح هذه المهمة سيحول المغترب السوري من مجرد “ممول” لاحتياجات أسرته، إلى “شريك” فاعل وأساسي في بناء وتنمية وطنه.
——————————
انهيار دوبيبو: هكذا وقع السوريون في فخ التداول الوهمي/ رهام علي
الاثنين 2025/10/06
في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة وارتفاع تكاليف المعيشة، يبحث العديد من السوريين عن طرق سريعة لتحسين دخلهم عبر الإنترنت، إذ أصبح التداول الرقمي هدفًا جذابًا، سواء عبر منصات استثمارية أو منصات خيارات ثنائية، كما يشير رصد حديث إلى أن آلاف المواطنين يسألون يوميًا عن منصات تعمل، ويتعلمون أساسيات التداول، أملاً في تأمين دخل إضافي.
منصات تحمل أسماء جذابة مثل Dobibo وVictory Exchange توهم المستخدمين بأنها تقدم خدمات موثوق فيها وعوائد يومية مرتفعة، لكن الواقع غالبًا يكون مختلفًا تمامًا. آلاف الأسر وجدت نفسها ضحية وعود وهمية لم تتحقق على أرض الواقع، حيث توقفت عمليات السحب فجأة وذابت المدخرات أمام أعين أصحابها. هذه التجربة تكشف هشاشة وعي المستخدم المالي والرقمي، وتسلط الضوء على المخاطر الحقيقية التي تواجه السوريين في سوق رقمي غير منظم، بينما يظل الأمل بالربح السريع وهمًا مكلفًا يهدد الأموال والأمان النفسي معًا.
اتساع الخسائر يكشف شبكة للمنصات
أظهرت حادثة Dobibo أن هناك العديد من المنصات الرقمية التي تحمل أسماء استثمارية أو تداولية، لكنها في الجوهر تهدف إلى استنزاف أموال المستخدمين، فيما أشارت تقديرات غير رسمية إلى أن مجموع الخسائر بين السوريين قد يصل إلى ملايين الدولارات، بينما يستمر القائمون على هذه المنصات في إطلاق نسخ جديدة لجذب ضحايا جدد بنفس أسلوب الاحتيال.
ويشير عدد كبير من المتعاملين مع منصات التداول الرقمية إلى أنهم فقدوا أموالهم بالكامل، إذ توقفت منصات مثل Dobibo فجأة عن التداول ومنع السحب، وظهرت لاحقًا منصة جديدة باسم Victory Exchange تتبع نفس أسلوب الاحتيال القديم.
وفي تعليقات لهم على فيسبوك، يعبر العديد من المواطنين عن شعورهم بالخذلان والغضب، مؤكدين أنهم لم يسعوا إلا لتحسين وضعهم المعيشي، لكنهم وجدوا أنفسهم ضحايا وعود وهمية لم تترجم إلى واقع، ويضيف آخرون أن الظروف الاقتصادية الصعبة، مثل فقدان الوظائف وارتفاع تكاليف المعيشة، دفعتهم إلى المجازفة بأموالهم، سواء عن طريق الاستدانة أو بيع ممتلكات بسيطة، على أمل تحقيق دخل إضافي، لتتبدد كل آمالهم في لحظة.
وبينما يحذر الكثيرون من منصات التداول الرقمية، يطالب بعض المتضررين الحكومة والجهات الرسمية باتخاذ إجراءات قانونية على المستوى الدولي، ومطالبة منصات التواصل مثل تيليغرام بتقديم المعلومات اللازمة لملاحقة المسؤولين عن الاحتيال وتقديمهم للعدالة.
أثر انتشار المنصات الوهمية
بحسب خبراء، فإن المجتمعات التي تعيش فترة ما بعد الحرب تصبح أرضًا خصبة لانتشار منصات التداول الوهمية، الصدمات الاقتصادية المستمرة، مثل فقدان الوظائف، ارتفاع تكاليف المعيشة، وتدمير البنية التحتية، تجعل الأفراد أكثر عرضة لتصديق وعود الربح السريع، حتى لو كانت غير منطقية.
في حين، يزيد ضعف الثقافة المالية والرقمية من قابلية الناس للوقوع في الفخ، خاصة عندما تقدم المنصات واجهة تقنية جذابة ومصطلحات مالية معقدة توحي بالاحترافية.
تستفيد هذه المنصات من حاجة المواطنين إلى الأمل، فتخلق شعورًا مؤقتًا بالسيطرة على الوضع المالي، بينما الواقع أن الأموال تُستنزف تدريجيًا. كما تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا رئيسيًا في انتشارها، إذ يشاهد الناس أرباح الآخرين الظاهرية ويشعرون بضغط الانضمام والمشاركة، ما يعزز تأثير العدوى الاجتماعية.
في هذا السياق، يصبح الأسلوب الهرمي الذي تعتمد عليه المنصات أداة مزدوجة: يخسر الحساب الصغير لتمويل أرباح وهمية للحسابات الأكبر، ويستمر الناس بالمشاركة وترويج المنصة دون وعي بالاحتيال، مما يجعل الفخ الرقمي أكثر انتشارًا في المجتمعات المتأثرة بالصراعات.
كيف تعمل المنصات؟
قدّمت منصة Dobibo عقودًا مدعومة بالدولار (USD-margined) والعملات الرقمية (coin-margined). في منتصف عام 2025، أعلنت عن حصولها على ترخيص MSB (Money Services Business) في الولايات المتحدة، ما يضعها ظاهريًا في مسار الالتزام التنظيمي.
كذلك، سوّقت المنصة نفسها على أنها “بدون ضجيج، تركيزها على التنظيم” وليس على الدعاية الإعلامية، ومع ذلك، أشارت تحذيرات من جهات رقابية ومراجعات المستخدمين إلى أن المنصة قد تكون غير موثوقة، حيث يواجه المستثمرون صعوبة في استرداد أموالهم بعد الإيداع، وتصنف بعض المصادر مثل BrokerChooser المنصة على أنها غير آمنة وغير مرخصة من أي جهة تنظيمية مرموقة.
استهداف الحسابات الصغيرة وبيع الأوهام
من جهته، يقول الخبير الاقتصادي عامر ديب لـ “المدن”، “إن ظاهرة المنصات الوهمية انتشرت بعد سقوط النظام، حيث تدّعي تقديم خدمات التداول والاستثمار عبر الإنترنت”، ويشير إلى أن قضية منصة Dobibo كشفت للرأي العام حجم الخداع الذي تمارسه هذه الشركات تحت غطاء التداول.
ويؤكد ديب أن غياب الرقابة وضعف الوعي المالي جعل هذه الظاهرة أشبه بـ “لعبة طرابيش”، هدفها الأساسي امتصاص ما تبقى من مدخرات الفقراء وأصحاب الدخل المحدود.
كذلك، يوضح ديب أن هذه الشركات تعتمد بشكل أساسي على استهداف الحسابات الصغيرة، التي تتراوح بين 50 و500 دولار، وتتعرض هذه المبالغ للتلاعب بحيث تتجاوز نسبة الخسارة 90%، خصوصًا في تداول المعادن والأسهم عالية المخاطرة. ويضيف أن الهدف ليس تحقيق ربح للعميل، بل تعزيز السيولة الداخلية للشركة لتمويل أرباح الحسابات المتوسطة، ويشير أيضاً إلى أن العملية تُدار على طريقة “الهرم المالي”، حيث تخسر الطبقة الأضعف لتُموَّل أرباح الطبقة الأعلى.
ويؤكد الخبير أن البوانص أو المكافآت التي تقدمها هذه الشركات لا قيمة لها، فهي مجرد طُعم لإغراء العملاء بضخ المزيد من الأموال على أمل مضاعفتها، بينما الطريق مرسوم للخسارة مسبقًا. وهنا، يشير ديب إلى أن الواقع الاقتصادي الصعب في سورية يجعل حلم الربح السريع يبدو كخلاص وهمي، حيث يتحول الأمل في تحقيق دخل إضافي عبر التداول الافتراضي إلى كابوس مالي حقيقي.
في السياق، يضيف ديب أن المسؤولية لا تقع فقط على هذه الشركات، بل تشمل أيضًا المؤسسات الرسمية مثل سوق دمشق للأوراق المالية ومصرف سورية المركزي، إذ سمح غياب الرقابة لهذه الشركات بالعمل بحرية وإدخال المواطنين في دوامة نصب منظمة.
أما عن الحل، فيكمن وفقاً لـ ديب، برفع مستوى الوعي المالي لدى المواطنين، والتوجه نحو أسواق مالية حقيقية تخضع لرقابة قانونية ودولية، مشيرًا إلى أن أي منصة تعمل بلا غطاء قانوني أو دولي هي مجرد واجهة لسلب الأموال، وأن 90% من الشركات الوهمية في سورية تستغل الوضع المعيشي وتوظف أشخاصًا بلا مبادئ لتنفيذ عمليات النصب.
المنع الرسمي والتحذيرات
في الجانب الرسمي، أعلن مصرف سورية المركزي عن إنشاء مديرية متخصصة لحماية المستهلك في الخدمات المالية، بهدف ترسيخ مبادئ العدالة والمساءلة في تعامل المؤسسات المالية مع عملائها.
وتتمحور مهام المديرية حول وضع أطر تنظيمية لحماية حقوق المستهلك المالي، استقبال الشكاوى ومعالجتها بشفافية، مراقبة التزام المؤسسات المالية بالمعايير المهنية، وتنفيذ برامج توعية مالية للجمهور، كما يعمل المصرف على إعداد مشروع قانون لحماية المستهلك بما يتماشى مع أفضل الممارسات الدولية لتعزيز الاستقرار المالي والثقة بالقطاع المالي.
بالإضافة إلى ذلك، أصدر المصرف بتاريخ 19 أغسطس 2025 بياناً يحذر فيه من مخاطر التعامل بالعملات الرقمية غير المرخصة، مؤكدًا أنها لا تمثل عملة قانونية وأن التداول غير الرسمي عبر منصات إلكترونية غير موثوقة يعرض المستخدمين للاحتيال ويجعل استرداد الأموال شبه مستحيل.
وعلى نفس الخط، أصدرت هيئة الأوراق والأسواق المالية السورية تحذيراً رسمياً في وقت سابق، من التعامل مع أي منصات تداول أو استثمار غير مرخصة، مؤكدة أن هذه الأنشطة خارج الإطار القانوني وقد تؤدي إلى فقدان الأموال بالكامل، كما قد تترتب على المتعاملين معها مساءلة قانونية.
اللجوء إلى منصات التداول
تشير التعليقات والملاحظات أثناء البحث إلى أن بعض المنصات الرقمية مثل Mexi وBinance وBank X وغيرها لا تزال تعمل في سوريا، ويشارك فيها عدد كبير من الأشخاص الباحثين عن مصدر دخل إضافي، ويوضح خبراء أن هذا اللجوء المتزايد مرتبط بغياب فرص العمل التقليدية والضغوط الاقتصادية الكبيرة، ما يدفع الناس لاستكشاف التداول الرقمي كخيار جديد رغم مخاطره.
مع الإشارة إلى أن هذه الظاهرة تُظهر ارتفاع الاهتمام بالتعلم الرقمي والتجريبي، حيث يحاول الكثير من السوريين اكتساب مهارات في الاستثمار والتداول عبر الإنترنت، لكنهم غالبًا يفتقرون إلى التوجيه المالي الكافي، مما يعرضهم لاحتمال الوقوع في فخاخ المنصات غير الموثوقة.
كيف تتحقق قبل الإيداع؟
تختصر “المدن” للقراء بعض الخطوات التي يمكن أن يتبعها المستخدمين عند التعامل مع أي منصة رقمية، عبر التحقق من الترخيص الرسمي للمنصة عبر الجهات الرقابية المحلية، والبحث عن معلومات قانونية واضحة مثل عنوان، هاتف، وبيانات مالك، بالمقابل، الابتعاد عن أي منصة تقدم عوائد يومية غير منطقية أو مكافآت مالية كبيرة لجلب مشتركين جدد، كما يمكن فحص دومين الموقع باستخدام أدوات WHOIS والتحقق من شهادة SSL للتأكد من مصداقية الموقع، إضافة لقراءة مراجعات المستخدمين والتحقق من تقويمات السمعة على مواقع مستقلة تساعد أيضاً على تقويم المخاطر قبل الإيداع.
المدن
———————————
سوريا وتبرعات المقربين من الأسد/ حايد حايد
آخر تحديث 06 أكتوبر 2025
شهدت سوريا في الأسابيع الأخيرة موجة من حملات جمع التبرعات البارزة، قُدِّمت على أنها تجسيد للاعتماد على الذات وروح التضامن الوطني. غير أن بعض التعهدات أثارت غضبا بدلا من الإعجاب، وهو ما لم يكن المنظمون يتوقعونه على الأرجح. لكن هذا الرد لم يكن مفاجئا، نظرا لأن تلك المساهمات جاءت من عائلة رجل الأعمال محمد حمشو، أحد أبرز المقربين من نظام الأسد وأكثرهم شهرة.
لم يكن أبناء حمشو متحفظين في ظهورهم، إذ حضروا شخصيا حفل إطلاق صندوق التنمية السوري الذي شارك فيه الرئيس أحمد الشرع وعدد من كبار المسؤولين، وأعلنوا خلاله تبرعهم على الملأ. وقد أثار التبرع البالغ 2.1 مليون دولار، والذي قُدّم في ذلك الحدث وفي مناسبة أخرى بعد أسبوعين، إدانات واسعة إذ اعتُبرت التبرعات محاولة فاضحة لغسل سمعة العائلة التي لطختها اتهامات بالثراء من الحرب وخدمة مصالح ماهر الأسد شقيق الرئيس السوري السابق بوصفهم، واجهات مالية له.
وقد أعاد هذا الجدل إحياء التساؤلات حول كيفية تعامل السلطات الانتقالية مع الشخصيات المرتبطة بالنظام السابق، وما إذا كانت هناك صفقات تُعقد خلف الأبواب المغلقة بعيدا عن أعين الرأي العام. كما أن صمت الحكومة حيال منح عائلة حمشو مثل هذا الظهور العلني زاد من حدة الشكوك. فغياب الشفافية لا يقتصر على تقويض ثقة الجمهور، بل يهدد أيضا الرسالة التي تحاول السلطات إيصالها، وهي أن المرحلة الانتقالية تمثل قطيعة حقيقية مع ظلال الماضي.
اندلع الجدل مع إطلاق صندوق التنمية السوري في دمشق في الرابع من سبتمبر/أيلول، حيث جُمع خلال ساعة واحدة أكثر من 61 مليون دولار.
لكن أبناء حمشو سرقوا الأضواء وأثاروا عاصفة من الغضب فورا. فقد استحضر ناشطون من أحياء دمّرها قصف قوات الأسد كيف أن شركات مرتبطة بحمشو نهبت الحديد من المنازل المهدمة، في حين أشار آخرون إلى العقوبات الأميركية والأوروبية التي صنّفت حمشو منذ زمن طويل باعتباره ممولا رئيسا لقمع الأسد، محذرين من أن إعادة تأهيل مثل هذه الشخصيات قد تسمّم التعافي الاقتصادي الهش قبل أن يبدأ.
وما إن بدأ الغضب الشعبي يخفت، جاءت الضربة الثانية. ففي العشرين من سبتمبر، أعلن منتجع يعفور المملوك للعائلة عن تبرع جديد بقيمة 1.1 مليون دولار خلال حملة بعنوان “ريفنا بيستاهل”. وقد أكّد ذلك ما كان كثيرون يشتبهون به: أن التبرعات لم تكن أفعالا عشوائية من حسن النية، بل جزء من حملة مدروسة لإعادة تأهيل اسم حمشو باستخدام ثروة بُنيت على معاناة السوريين لشراء الشرعية من جديد.
ولا يمكن التقليل من عمق ارتباط حمشو بعائلة الأسد. فإمبراطوريته التجارية، الممتدة من الحديد والبناء إلى الإعلام والإلكترونيات، ازدهرت بفضل علاقته الوثيقة بـماهر الأسد. وعلى مدى سنوات، لم يكن حمشو مجرد تابع مخلص، بل إحدى الواجهات المالية الأكثر ثقة لدى ماهر الأسد.
حصانة في الظل؟
أعاد الجدل الدائر إشعال النقاش حول النهج الغامض الذي تتبعه الحكومة الانتقالية في التعامل مع مقربي النظام السابق. فقد عمّقت التبرعات الأخيرة الشكوك التي أثارتها تقارير عن صفقات اقتصادية سرية تُبرم خلف الأبواب المغلقة.
وكشفت تحقيقات لوكالة “رويترز” في يوليو/تموز عن وجود لجنة نافذة وسرّية يقودها مقربون من الرئيس أحمد الشرع، من بينهم شقيقه حازم، تعمل بهدوء على استعادة وإعادة هيكلة الأصول المرتبطة بالأسد ومقربيه. وذكرت التقارير أن العملية كانت تتم غالبا مقابل منح الحصانة لرجال الأعمال المرتبطين بالنظام، لقاء التنازل عن الجزء الأكبر من ممتلكاتهم.
وكان محمد حمشو من بين الأسماء المذكورة في التحقيق. ووفقا لما أوردته “رويترز”، فقد تخلى عن نحو 80 في المئة من إمبراطوريته التجارية التي قُدرت قيمتها بأكثر من 640 مليون دولار، محتفظا بما يقارب 150 مليون دولار. كما سُمح لأفراد عائلته بالاحتفاظ بإدارة شركاتهم الخاصة.
ورسم تقرير “رويترز” صورة مقلقة: عملية إعادة هيكلة الاقتصاد السوري بعد الحرب تجري بكاملها بعيدا عن الأنظار، ويُهيمن عليها عدد محدود من النافذين من دون أي مظهر من مظاهر المساءلة أو الشفافية.
في المقابل، نفى مسؤولون في الحكومة الانتقالية عقد أي من هذه الصفقات. وأشار تقرير صادر عن مركز “نيو لاينز” إلى أن مصادر حكومية رفضت مزاعم “رويترز” ووصفتها بأنها عارية من الصحة، مؤكدين أن عملية الانتقال في سوريا تجري وفق مبادئ العدالة وسيادة القانون، لا عبر تفاهمات خلف الكواليس.
من خلال رفضها توضيح أسباب منح عائلة حمشو هذا الحضور البارز، خلقت السلطات فراغا امتلأ بالتكهنات. ويهدد هذا الصمت بتقويض ثقة الرأي العام ويثير الشكوك حول ما إذا كانت المرحلة الانتقالية تمثل فعلا قطيعة حقيقية مع الماضي، أم إنها تُبقي البلاد رهينة له عبر صفقات سرية مع النخب المتجذرة.
لا تزال أمام الحكومة فرصة لتصحيح المسار، لكنها تحتاج إلى تحرك حاسم. فالشفافية أمر جوهري، ويعني ذلك الاعتراف العلني بوجود أي اتفاقات مع شخصيات مرتبطة بالنظام السابق إن وُجدت، وتوضيح شروطها وأهدافها، وإخضاعها لرقابة مستقلة تضمن المساءلة.
لقد أعادت قضية حمشو إلى الواجهة سؤالا محوريا ما زالت الحكومة تتجنّب الإجابة عنه: كيف ستتعامل مع من راكموا ثرواتهم عبر الحرب والقمع؟ فالإجابة على هذا السؤال ستحدد ما إذا كانت المرحلة الانتقالية سيُحتفى بها كإصلاح حقيقي، أم سيُقوّضها استمرار الإفلات من العقاب.
ولا تقتصر رهانات هذا الملف على عائلة واحدة. فإذا أُسيء التعامل معه، فقد يُضعف ثقة الشارع ويُنفّر المستثمرين الدوليين ويُعرقل التعافي الاقتصادي. أما إذا عولج بشفافية ووضوح، فسيكون بمثابة إشارة إلى أن القيادة الجديدة في سوريا مستعدة لمواجهة الحقائق المؤلمة، وللتحول من الحكم عبر الصفقات إلى الحكم عبر القوانين.
إن الحكومة الانتقالية لا تستطيع التهرب من هذا الاختبار. ولتحقيق النجاح، يجب أن تواجهه مباشرة في وضح النهار، لا في الظل.
المجلة
——————————
سوريا تصدر قواعد جديدة لتنظيم تأسيس البنوك الاستثمارية
لتمويل النشاط الاستثماري للقطاع الخاص والمساهمة في تمويل مشاريع القطاع العام
الرياض – العربية
06 أكتوبر ,2025
أعلن مصرف سوريا المركزي اليوم الاثنين إعداد مشروع التعليمات التنفيذية لقانون المصارف الاستثمارية رقم 56 لعام 2010.
ووصف حاكم المصرف المركزي عبدالقادر الحصرية إصدار هذه التعليمات بأنه “خطوة نوعية على طريق تطوير المنظومة المالية والمصرفية في سوريا وتلبية الاحتياجات التمويلية لإعادة الإعمار”.
وقال الحصرية إن “القانون يشكّل محطة مفصلية في تنظيم وترخيص المصارف الاستثمارية، وتعزيز بيئة الاستثمار الوطني، بما يتماشى مع التحولات الإقليمية والدولية في مجال الخدمات المالية”، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.
وأشار إلى أن القانون وتعليماته التنفيذية تهدف إلى تنظيم عمل المصارف الاستثمارية وفق أفضل الممارسات والمعايير الدولية، وتمكين القطاع المالي من أداء دور فاعل في تمويل مشاريع التنمية وإعادة الإعمار، وتحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمارات الخاصة وضمان الرقابة العامة والشفافية المؤسسية، وتعزيز حماية المستثمرين، وترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة والمسؤولية المؤسسية.
ويرى حاكم المصرف المركزي أن ترخيص مصارف استثمارية في سوريا سيشكّل خطوة استراتيجية نحو بناء اقتصاد سوري حديث قائم على الاستثمار والشفافية والمساءلة، ويمهّد لإطلاق مرحلة جديدة من النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة.
ويعرَّف المصرف الاستثماري كمؤسسة مالية تهدف إلى تمويل النشاط الاستثماري للقطاع الخاص، والمساهمة في تمويل مشاريع القطاع العام الاقتصادي، إضافة إلى تقديم الخدمات الاستشارية، والمساهمة في تأسيس الشركات.
وتحدد مواد القانون رأس مال المصرف الاستثماري بعشرين مليار ليرة سورية على الأقل، وتسمح بقرار من مجلس الوزراء بناءً على اقتراح مجلس النقد والتسليف بقبول زيادة نسبة مساهمة الشخص الاعتباري المتخصص في أعمال المصرف “بغض النظر عن جنسيته” بما لا يتجاوز 49% من رأسمال المصرف، وتسدد قيمة مساهمات العرب والأجانب والسوريين غير المقيمين في سوريا بالعملة الأجنبية.
العربية
———————————
=======================
تحديث 05 تشرين الأول 2025
——————————–
في فعل “النكاية” السوري والعقوبات الأميركية/ إياد الجعفري
الأحد 2025/10/05
فيما يمكن فهم مبدأ “النكاية” السياسية من جانب أنصار نظام الأسد البائد، وبعض الأصوات المعارضة شديدة الحدّية حيال “العهد الجديد”، عبر احتفائها بتمديد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لحالة الطوارئ الوطنية المتعلقة بسوريا، قبل أيام، نجد على الضفة الأخرى، تفسيرات مبتورة، حاولت جاهدةً حصر المستهدَفين من هذا الإجراء بـ”فلول الأسد”. والنتيجة، غياب فهم واضح لدلالات الإجراء الأميركي الأخير، وما سبقه من إجراءات مرتبطة به، خلال الأشهر الثلاثة الفائتة.
خصوم “العهد الجديد” في سوريا، كانوا قد تورطوا بمحاولة “فهلوية”، قبل أسبوع، بالترويج لخبر مفاده إزالة أسماء بارزة في نظام الأسد من لوائح العقوبات، عبر تداول مقتطفات من قرارات أميركية بهذا الصدد، لا تحتوي ترويسة أو تاريخاً. وقد تجاهل هؤلاء “الخصوم” التصريح الوارد في نص إعلان مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأميركية، قبل نحو أسبوع، والذي قال إنه عدّل لوائح العقوبات الخاصة بسوريا، ليصبح عنوانها “لوائح عقوبات تعزيز المساءلة عن الأسد وتحقيق الاستقرار الإقليمي”. كذلك تجاهل “الخصوم” بيانات الخزانة الأميركية والقرارات الصادرة عنها بخصوص سوريا، منذ نهاية شهر حزيران الفائت، والتي أوضحت في أكثر من مكان، أن أسماء المعاقبين من نظام الأسد البائد، نُقلت من لوائح العقوبات المرتبطة بالأوامر التنفيذية الصادرة بموجب حالة الطوارئ القديمة المُعتمدة منذ عام 2004، لتُوضع بدلاً من ذلك في إطار لوائح عقوبات أخرى مرتبطة بحالة الطوارئ الجديدة التي أعلنها ترامب عام 2019، والتي تم توسيعها بموجب الأمر التنفيذي 13894، للسماح باستمرار العقوبات ضد بشار الأسد وشركائه، إلى جانب أطراف أخرى. مع استمرار إبقاء أسماء (بشار وماهر وأسماء الأسد)، ضمن لائحة الأشخاص المحظورين أميركياً، والمعروفة بالـ”SDN”.
أما الغاية مما سبق، فقد تم توضيحه في بيان وزارة الخزانة الأميركية، قبل نحو أسبوع، حينما أعلنت بشكل جلّي، أن منطق العقوبات الأميركية حيال سوريا شهد تحوّلاً جذرياً، من معاقبة “الدولة” وكياناتها والشخصيات المرتبطة بها بمجملها، بوصفها أداة لنظام الأسد السابق، لتتحول إلى منطق جديد، يعتمد مبدأ العقوبات الفردية بحق شخصيات أو كيانات محددة. وهو تحوّل نوعي، من مبدأ العقوبات الشاملة إلى مبدأ العقوبات الانتقائية، بصورة تخفف من الأثر السلبي المنعكس على مجمل السوريين، لكنها لا تلغيه بالمطلق.
وعند هذه النقطة، ننتقل إلى ضفة “أنصار العهد الجديد”، الذين حاول بعضهم رد فعل “النكاية” على “أنصار النظام البائد”، عبر نفي الجانب السلبي بالمطلق، من القرار الأميركي الأخير بتمديد حالة الطوارئ الخاصة بسوريا. وكان من بين هذه الأصوات، أعضاء فيما يُعرف بـ”المجلس السوري الأميركي”، الناشط منذ أشهر في دعم السلطة الحالية بدمشق، عبر أروقة صنع القرار التشريعي والتنفيذي في واشنطن. إذ ركّز هؤلاء على أن تمديد ترامب لحالة الطوارئ الخاصة بسوريا عاماً إضافياً، هدفه توفير الأساس القانوني لإبقاء العقوبات على الأسد وأزلامه. وهو كلام صحيح لكنه مبتور. إذ، وبمراجعة نص الوثيقة التي تضمنت قرار تمديد حالة الطوارئ، والصادرة عن المكتب التنفيذي لترامب، كانت الإشارة واضحة إلى أن هدف التمديد، هو توفير أساس قانوني لاتخاذ خطوات إضافية بهدف ضمان مساءلة مرتكبي جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان، إلى جانب شبكات الإتجار بالمخدرات، ومسؤولي النظام البائد. وهنا نجد ثلاثة أطراف مستهدفة، بسيف العقوبات الذي تلوّح به واشنطن مجدداً حيال سوريا. طرفان منهما مرتبطان كليةً أو جزئياً بنظام الأسد. والثالث، يفتح الباب واسعاً لإمكانية استهداف شخصيات أو كيانات مرتبطة بـ”العهد الجديد”، تحت بند “مساءلة مرتكبي جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان”.
وما بين ضفتَي “النكاية السورية”، كانت هناك أصوات وسطية، قدّمت قراءات موضوعية، لكنها كانت الأقل زخماً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كالعادة. فالأصوات “الحدَّية”، التي تزخر بـ”الشعبوية”، والقراءات “المبتورة”، والتي تتضمن “بشائر” بـ”انتصارات” خُلبية، كانت الأكثر تداولاً وانتشاراً، حتى بات من الصعب، على غالبية السوريين -من غير المنخرطين بأفعال “النكاية” المتبادلة- أن يفهموا: هل رُفعت العقوبات الأميركية أم لم تُرفع؟
باختصار، وفّر تمديد حالة الطوارئ أساساً قانونياً يتيح لترامب -لعام آخر- تمديد العقوبات الحالية على مهربي المخدرات ومجرمي الحرب من نظام الأسد، مع إمكانية فرض عقوبات على أي شخصية أو كيان يرتبط بالحاكمين الجدد في دمشق، إن تورطوا في جرائم حرب أو انتهاكات لحقوق الإنسان. أي أن سيف العقوبات سيبقى مسلّطاً، بحق السلطة الراهنة لا بحق مسؤولي النظام السابق فقط. وإن كان بمنطق “فردي”، وليس بمنطق العقوبات الشاملة، لمجمل المنظومة. هذا من جانب العقوبات المرتبطة بالسلطة التنفيذية في واشنطن. فيما يبقى مصير “قانون قيصر” معلّقاً بالخاتمة المنتظرة للتسويات الجارية في أوساط السلطة التشريعية الأميركية، حتى نهاية العام الجاري. مع الإشارة إلى أن هذه التسويات ستكون مرتبطة بالتزامات، على السلطة الحالية بدمشق الوفاء بها، وفق ما أعلنه “المجلس السوري الأميركي”، قبل نحو أسبوعين. مع الإبقاء على إمكانية إعادة فرض “عقوبات قيصر” في حال عدم الالتزام. ومن أبرز هذه الالتزامات، “أمن الأقليات” وتمثيلهم. ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بحق “الأقليات الدينية” في “العهد الجديد”.
وكما أشرنا، فإن التحوّل الجديد في منطق العقوبات الأميركية حيال سوريا، سيخفف من أثرها السلبي على عموم السوريين، اقتصادياً. لكنه لن يلغيه. إذ ستبقى سوريا، على صعيد علاقاتها مع قوة كبرى بحجم الولايات المتحدة، في حالة عدم يقين، بنظر أي مستثمر أجنبي يريد العمل بها. فالعقوبات الشاملة لم تعد قائمة. لكنها قد تعود بموجب مراجعة سنوية. ناهيك عن إمكانية فرض عقوبات فردية على شخصيات محسوبة على السلطة الحالية. مما يجعل الاستثمار في سوريا محفوفاً بدرجة أعلى من المخاطرة، مقارنة ببلدان أخرى. وإن كان يمكن الإقرار بأن درجة المخاطرة تلك أصبحت أقل بكثير، مقارنة بما كانت عليه في عهد النظام البائد.
———————————-
“دولرة الأسعار”.. نعمة على التجار نقمة على الشعب السوري/ مازن الشاهين
هل الإعلان عن الأسعار بالدولار يشعل الطلب ويزيد من ارتفاعه في سوريا؟
2025-10-05
يؤكد خبراء الاقتصاد وأصحاب الأعمال أن الإعلان عن الأسعار بالدولار، خاصة في الأسواق السورية غير المستقرة، يؤدي فعلياً إلى زيادة الطلب على الدولار وارتفاع سعره، بسبب آثاره النفسية والسلوكية في السوق. ويشكل ذلك تحدياً أمام استقرار العملة الوطنية، ما يستدعي تدخلات حاسمة من المؤسسات النقدية والرقابية لوقف هذه الظاهرة وتعزيز الثقة في العملة المحلية.
في الشارع والأسواق السورية، بات من المشاهد المألوفة وجود لافتات مكتوب عليها: “السعر يعادل بالدولار”، حتى لو كان الدفع بالليرة السورية. هذه الظاهرة تثير جدلاً واسعاً حول دورها في زيادة الطلب على الدولار ورفع سعره، وسط مخاوف من حالة “الدولرة” غير الرسمية.
ويفسر الاقتصاديون ذلك بأن ربط الأسعار بالدولار يخلق ما يسمى “دولرة الاقتصاد”، وهي مرحلة تفقد فيها العملة المحلية دورها الفعلي كوحدة قياس للقيمة. عندها يصبح الطلب على الدولار ليس فقط لأغراض التجارة أو الاستيراد، بل لأبسط عمليات البيع والشراء اليومية.
ومع ازدياد الطلب ـ سواء من المستهلكين أو التجار أو حتى المضاربين ـ يرتفع سعر الدولار مقابل العملة الوطنية بشكل مضطرد. ففي بلد يعاني من تقلبات مستمرة في سعر الصرف، لم يعد الدولار الأميركي مجرد عملة أجنبية، بل أصبح “ميزان السوق” الذي تُقاس به الأسعار وتُحدد به القيم.
وأصبحت ظاهرة الإعلان عن الأسعار بالدولار ممارسة شائعة في الأسواق، لكن يبقى السؤال: هل لهذه الممارسة تأثير سلبي على سعر صرف العملة السورية عبر زيادة الطلب على الدولار؟ سؤال يتقاطع مع يوميات المواطن، الذي بات يتابع حركة سعر الصرف لحظة بلحظة. يرى بعض الخبراء أن ربط الأسعار بالدولار يحفز الطلب عليه وبالتالي رفعه، بينما يرى آخرون أن تسعير البضائع بالدولار لا يعني خروج الدولار من السوق، بل زيادة كمية الدولار المتداولة، مما قد يؤدي أحيانًا لانخفاض سعره.
من السوق إلى المستهلك: الدولار بوصلة الأسعار
في جولة على عدد من المحال التجارية ومنصات البيع الإلكتروني، تبين أن العديد منها يعلن عن أسعاره بالدولار الأميركي بشكل مباشر، أو يربط أسعار المنتجات بسعر صرف الدولار في السوق الموازي. هذه الظاهرة واضحة في معظم القطاعات، من الإلكترونيات والسيارات وبعض السلع المستوردة وحتى العقارات.
ويقول الدكتور أحمد قنير، أستاذ الاقتصاد بجامعة دمشق لـ”963+”: “الإعلان عن الأسعار واستخدام الدولار كعملة قياس رئيسية في المعاملات التجارية يُعتبر من العوامل التي تؤثر بشكل كبير على الطلب على الدولار. فعندما يتم تحديد الأسعار بالدولار، يُضطر المشترون والبائعون إلى اقتناء الدولار لتلبية هذه المعاملات، مما يؤدي إلى زيادة الطلب عليها، ويؤثر نفسياً وواقعياً على السوق. عندما يبدأ التاجر والمستهلك بتسعير السلع بالدولار، تتحول العملة الوطنية إلى مجرد وسيط، ويهرع الناس لشراء الدولار لتأمين حاجاتهم الشرائية أو الاستثمارية”.
ويضيف قنير: “عندما تُعلن الأسعار بالدولار، يتجه الأفراد للاحتفاظ به كوسيلة للادخار أو لإتمام معاملات مستقبلية، ما يزيد المضاربات حوله ويضع ضغطًا على السوق المحلي، ومع زيادة الطلب يرتفع السعر بطبيعة الحال”.
تجارب فعلية من السوق: المواطن بين المطرقة والسندان
في السوق السورية، يجد الزبون أن كثيراً من الباعة يعلنون أسعارهم بـ”ما يعادل بالدولار”، وإن كان الدفع بالليرة السورية. هذا السلوك، وفق المستهلكين، يخلق شعورًا بعدم استقرار الليرة ويدفع البعض للبحث عن ملاذ آمن في الدولار.
تقول ليلى، وهي موظفة، في حديث لـ”963+”: “أشعر أن كل شيء مربوط بالدولار، حتى راتبي أقيسه يومياً بالدولار لأعرف قيمته الحقيقية”.
ويقول خالد، صاحب متجر أدوات كهربائية لـ”963+”: “الزبون لم يعد يثق في السعر إذا لم يكن مرتبطاً بالدولار، ونحن أيضًا نحمي أنفسنا من التذبذب، وإلا نخسر رأس المال خلال يومين”.
أما أحمد، صاحب متجر إلكترونيات، فيوضح لـ”963+” أن بعض الموردين يُلزمونه بالدفع بالدولار أو وفقًا لسعر الدولار في السوق، ما يجعله مضطرًا لشراء كمية من الدولارات بشكل دوري “حتى لا أتفاجأ بتقلب السعر وأتحمل خسائر أكبر”.
ويضيف: “من البديهي أن ارتفاع الطلب على الدولار يؤدي مباشرة إلى رفع سعره مقابل الليرة، لأن زيادة الطلب تضغط على المعروض”.
وفي المقابل، تؤكد منى، سيدة تسعى لشراء سيارة، أنها تتابع يوميًا سعر الدولار لأنها تعلم أن سعر السيارة سيرتفع مع كل زيادة في سعر الدولار، رغم تعاملها بالليرة السورية.
يبدو أن الإعلان عن الأسعار بالدولار لم يعد مجرد وسيلة محاسبة بين التجار، بل أصبح عاملاً نفسياً واقتصادياً يرفع الطلب على الدولار ويزيد من هشاشة الليرة.
وبينما تؤكد الجهات الرسمية ضرورة الالتزام بالتسعير بالليرة، يرى الخبراء أن الحل لا يكمن فقط في الرقابة، بل في إعادة الثقة بالعملة الوطنية عبر سياسات نقدية متوازنة وتوسيع نطاق التعاملات التي تحمي السوق.
هل الإعلان عن الأسعار بالدولار يرفع الطلب عليه حقًا؟
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور محمود خميس، في تصريحات لـ”963+” أن العلاقة بين الإعلان بالدولار وارتفاع سعره علاقة تبادلية تتغذى على انعدام الثقة في العملة المحلية. ويشير إلى أن معالجة الظاهرة تحتاج إلى سياسات اقتصادية شاملة تعيد الثقة للعملة المحلية.
ويذكر خميس عدة آليات لزيادة الطلب على الدولار عند الإعلان عن الأسعار به: “عند تحديد الأسعار بالدولار، يحتاج المشاركون في السوق إلى الدولار لتسوية المدفوعات. التأثير النفسي للسوق، إذ قد يخلق الإعلان عن الأسعار بالدولار انطباعًا بأن الدولار سيكون العملة الأكثر طلبًا وفائدة مستقبلًا، مما يدفع المستثمرين والتجار لشراء الدولار بكميات أكبر، باعتباره ملاذًا آمنًا في أوقات عدم اليقين التجاري”.
ويضيف: “الإعلان بالدولار يعزز ما يسمى ‘الدولرة غير الرسمية’، أي أن العقل الجمعي يبدأ بالتفكير بالدولار كعملة مرجعية، ما يزيد الطلب عليه ولو بشكل نفسي”.
ويؤكد خميس: “المشكلة ليست فقط في البيع بالدولار، بل في تكريس فكرة أن الليرة غير صالحة كوسيلة للتسعير، وهذا أخطر من فارق السعر نفسه. الإعلان بالدولار لا يعني أن المواطن سيذهب فوراً لشراء الدولار، لكن عندما تتسع الظاهرة، يصبح التاجر والمستهلك ميالين للاحتفاظ بالدولار، وهذا يقلل المعروض ويرفع السعر. كما أن الإعلان غالبًا ما يؤدي إلى زيادة تكلفة السلع المستوردة، مما يؤثر على التضخم، ويزيد عبء الديون المقومة بالدولار على الاقتصاد السوري الناشئ”.
وجهة نظر رسمية
مصدر في وزارة الاقتصاد يؤكد لـ”963+” أن القانون السوري يمنع الإعلان عن الأسعار بالدولار ويعتبره مخالفة صريحة، مشيرًا إلى أن الرقابة تضبط حالات دورية، لكن انتشار الظاهرة يعود إلى ضعف الالتزام وغياب البدائل الواقعية.
ويتابع المصدر: “الإعلان بالليرة يعزز استقرارها، أما ربط الأسعار بالدولار فهو اعتراف غير مباشر بعدم الثقة بالعملة الوطنية”.
الحلول والسياسات الممكنة
الدكتور يوسف المطلق، خبير أسواق المال، يقول لـ”963+”: “شهدت دول مثل لبنان والأرجنتين وتركيا ظواهر مشابهة، حيث أدى تداول الأسعار بالدولار إلى تفاقم أزمات العملة المحلية. في المقابل، نجحت دول مثل مصر في الحد من هذه الممارسة عبر تشريعات صارمة ساهمت في استقرار نسبي لسعر الصرف”.
ويؤكد المطلق: “العلاقة تبادلية، فضعف العملة المحلية يؤدي إلى انتشار هذه الظاهرة، وانتشارها بدوره يعمق الأزمة. إنها حلقة مفرغة تحتاج لتدخل حكومي. الحل يبدأ بفرض تشريعات تلزم التسعير والتعامل بالليرة السورية، وزيادة الثقة فيها عبر إجراءات نقدية واقتصادية صارمة، مع تشديد الرقابة على السوق السوداء، وتحفيز عمليات التداول الرسمي للعملة. كما يشمل الحل سياسات نقدية تعيد التوازن، ودعم الإنتاج المحلي لتقليل الحاجة للاستيراد، وفتح قنوات تحويل آمنة للمغتربين، وطرح أدوات ادخارية بالليرة تضمن قيمة حقيقية، بدل ترك المواطن فريسة ‘هوس الدولار”.
+963
——————————
سوريا تسعى لجذب رجال الأعمال المغتربين في الصين
دعم تصدير بعض المنتجات السورية إلى الأسواق الصينية
الرياض – العربية Business
05 أكتوبر ,2025
بحث رئيس مجلس إدارة غرفة صناعة دمشق وريفها، محمد أيمن المولوي، وعدد من أعضاء المجلس، مع وفد من رجال الأعمال السوريين المقيمين في الصين، تفعيل مجلس الأعمال السوري الصيني، وبناء شراكات استثمارية مع نظرائهم في سوريا.
وركز اللقاء على نقل التجارب الصينية الناجحة إلى سوريا، وخاصة نشر ثقافة التخصص في العملية الصناعية، وبناء سلاسل إنتاج تعمل لتكوين المنتج النهائي، والعمل على تطوير اليد العاملة السورية، لتمتلك مهارات الجودة والسرعة والخبرة.
وأكد الوفد استعداده لدعم تصدير بعض المنتجات السورية إلى الأسواق الصينية، وذلك من خلال الأطر القانونية التي تسمح لها بالدخول دون أي عوائق، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.
مصرف سوريا يعلن عن إجراء جديد لحماية مستهلكي الخدمات المالية
اقتصاد اقتصاد سوريا مصرف سوريا يعلن عن إجراء جديد لحماية مستهلكي الخدمات المالية
وضم وفد رجال الأعمال السوريين في الصين العديد من التخصصات المتنوعة في مجال صناعة الأقمشة، والبرمجيات، والبورسلين، والطاقة البديلة، والجلود الصناعية، والألومنيوم، ومواد التجميل، وصابون الغار، إضافة إلى متخصصين في العمل بالخدمات السياحية والخدمات التسويقية والإعلانية والاستيراد والتصدير.
يشار إلى أن الوفد بحث الأسبوع الماضي مع وزير الاقتصاد والصناعة السوري نضال الشعار، سبل تعزيز التعاون بين الحكومة والقطاع الخاص، والاستفادة من خبرات الكفاءات الوطنية في الخارج لدعم الاقتصاد السوري.
————————————–
حماية المستهلك “مالياً” تَدخُل مصرف سوريا المركزي
الأحد 2025/10/05
أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية أن المصرف بصدد إحداث مديرية متخصصة لحماية المستهلك في الخدمات المالية، بهدف ترسيخ مبادئ العدالة والمساءلة في تعامل المؤسسات المالية مع عملائها، وتعزيز الشفافية وحماية حقوق المتعاملين في القطاع المالي.
وفي حديث صحافي أوضح الحصرية أن هذا القرار يأتي فيما يواجه القطاع المالي مجموعة من التحديات المرتبطة بحماية المستهلك وتطوير جودة الخدمات، الأمر الذي يؤكد توجه المصرف المركزي نحو تعزيز الثقة بالقطاع المالي، وضمان بيئة مصرفية أكثر توازناً وإنصافاً.
مديرية حماية المستهلك
وأوضح الحصرية أن المديرية الجديدة ستتولى مهام: وضع الأطر التنظيمية والتشريعية الكفيلة بحماية حقوق مستهلك المال، وتلقي الشكاوى ومعالجتها وفق إجراءات شفافة وعادلة، ومراقبة التزام المؤسسات المالية بمعايير السلوك المهني والإنصاف، وتنفيذ برامج توعية مالية لرفع مستوى الثقافة المصرفية لدى الجمهور.
كما أشار الحصرية إلى أن المصرف يعمل حالياً على إعداد مشروع قانون لحماية المستهلك في الخدمات المالية، بما يتماشى مع أفضل الممارسات الدولية ويعزز الاستقرار المالي في سوريا.
وتشكل هذه الخطوة محطة أساسية في مسار تطوير النظام المالي السوري في المرحلة القادمة، بحسب الحصرية، وتوضح توجه المصرف كجزء من رؤيته، وتُجسد التزامه بحماية المتعاملين وتعزيز الثقة المتبادلة بين المواطن والقطاع المالي
=======================
تحدبث 04 تشرين الأول 2025
—————————–
الإصلاح السياسي أولاً.. عن إعادة الإعمار في سوريا بعد الأسد/ ناصر الرباط
2025-10-01
مقاربات إعادة الإعمار حول العالم تقوم على أسس مفتقَدة في سوريا. ولإنجاح العملية، لا بد من وضع هذه الأسس السياسية والاجتماعية قبل الشروع في المقاربات التقنية.
تحررت سوريا في 8 ديسمبر 2024 من كابوس حكم بشار الأسد وأبيه حافظ الذي استمر أكثر من نصف قرن. في هذه العقود قتل النظام المعارضين وأخفاهم في السجون وعذَّب الآلاف منهم حتى الموت، واستنزف ثروات البلاد وهجّر الملايين من أبنائها. وبعد ثورة استمرت ما يقارب أربع عشرة سنة سقط النظام وهرب بشار الأسد تاركاً بلداً مدمَّراً ومشكلاتٍ عميقة.
لم يبدأ التدمير مع اندلاع الثورة الشعبية سنة 2011، بل قبل ذلك بعقود. فقد اتبع حافظ وبشار الأسد سياسة التدمير والتهجير ضدّ من ثار عليهما. قمع حافظٌ الثورةَ في حماة سنة 1982 بتدمير أحياء كاملة من المدينة وقتل عشرات الآلاف من أبنائها وتهجيرهم. وحين جاء الدور على بشار سنة 2011، دمَّر المناطق الثائرة ضده بعمليات نهب واسعة طالت البنية التحتية وكل ما يمكن نهبه. وهَجّر الملايين داخل البلاد وخارجها حتى يتخلص من الفئات الاجتماعية الحاضنة للثورة.
ومع سقوط النظام تواجه سوريا اليوم مشكلات ملحّة، من أهمها تحديات إعادة الإعمار. تحتاج مواجهة هذه التحديات جهودَ جميع السوريين. وتحتاج أيضاً رؤوسَ أموال ضخمة، وأجهزةً وأدواتٍ معظمها غير متوفر. وتحتاج، قبل هذا كله، توطد الأمن والاستقرار السياسي. إذ تتطلب عودة المدن للحياة بناءَ المناطق المدمرة وتنشيط الحياة الاقتصادية وإعادة أهلها المهجرين إليها.
شغلني سؤال إعادة الإعمار طيلة السنوات العشر الأخيرة. في تلك المدة، أنشأتُ حلقةَ بحث مطول في معهد ماساتشوستس للتقنية في الولايات المتحدة الأمريكية امتدت ثلاث سنوات، ونظمت لقاءاتٍ وندواتٍ مع باحثين من المعهد وخارجه، وقدمت محاضراتٍ في جامعاتٍ أمريكية وأوروبية. أثمر هذا الجهد كتابَ “ريكونسراكشن آز فايولَنس إن أسدز سيريا” (إعادة البناء فعلَ عنفٍ في سوريا الأسد)، الذي حررته مع زميلي الباحث في الدراسات الحضرية دين شارب، ونشر سنة 2025.
إعادة إعمار سوريا ليست مسألةً تقنية محايدة. إذ لا يمكن تناول سؤال إعادة البناء خارج المسارات التاريخية والسياسية والاجتماعية للتدمير، والمرتبطة بسياسات القمع والتمييز طيلة العقود الأخيرة. فهي مسار سياسي واجتماعي يدعم مسار إعادة البناء، ويحتاج نجاحها عوامل مرتبطة ببناء النظام السياسي الجديد والتمثيل العادل وإعادة تصور الحقوق المدنية، وهي عوامل توازي أهمية الشروط المادية والتقنية لإعادة الإعمار.
شهدت سوريا تدميراً غير مسبوق طيلة العقود السابقة. ارتبط هذا الدمار بتقسيمات طائفية ومناطقية، كرّستها سياسات النظام السابق. فمنذ وصوله للحكم بعد انقلاب سنة 1963، رسّخ حزب البعث استبداداً عسكرياً اعتمد خطاباً قومياً ظاهره المساواة والتقدّمية، وباطنه مركزةُ السلطة في قبضة الأجهزة الأمنيّة وإقصاء أيّ منافسٍ سياسيّ أو اجتماعيّ.
وفي سنة 1970 انقلب حافظ الأسد على رفاقه، واحتكر السلطة والقرار الوطني فزاد وتيرة العنف في حفاظه على بنية السلطة. حوّل الأسد الدولة جهازاً أمنيّاً ضخماً، وهَنْدس المجتمع وموازين القوة فيه طائفياً ومناطقياً، مستخدماً العنف والتدمير. فحين اندلعت انتفاضة حماة سنة 1982 على خلفية الاحتقان الطائفيّ والانكماش الاقتصاديّ، لجأ الأسد للقتل الجماعي سبيلاً لإخضاع الوطن كلِّه، فدمّر أحياء بأكملها وشرّد واعتقل وقتل عشرات الآلاف. وأرسى منذ ذلك الوقت قاعدةً دموية كُررت لاحقاً، التدمير الشامل أو الولاء الصامت.
تولى بشار الأسد الحكم بعد وفاة والده سنة 2000، فرفع شعار الإصلاح المتدرج. لم تكن هذه الشعارات سوى واجهةٍ لانفتاحٍ محدود، احتكر ثماره أفراد أسرة الأسد وأبناء الطبقة الحاكمة وحلفاؤهم من رجال الأعمال الجدد. في المقابل ازدادت الهوّة الطبقيّة اتساعاً، وتراجعت خدمات الدولة في الريف والأطراف. وثَّق تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي سنة 2010 تسجيل المنطقة الجنوبية في سوريا أكبر زيادة في معدلات الفقر منذ سنة 2004، وارتفاع نسبة الفقر في الريف السوري قياساً بنسبته في المناطق الحضرية بين سنتي 1997 و2007. إلى جانب ذلك أعيد تشكيل المدن القديمة ومراكزها التاريخيّة بما يناسب رأسمال المضاربة العمرانية، فظهرت المجمعات والأسواق الحديثة والمطاعم والمقاهي في المدن القديمة تبعاً للاستثمار لا الحاجات التنموية أو الهوية الثقافية.
تورط نظام بشار الأسد في مشاكل إقليمية عدة. إذ اتهمته الولايات المتحدة، بعد غزوها العراق سنة 2003، بتسهيل وصول الجهاديين إلى العراق. واضطر لسحب الجيش السوري من لبنان بعد اتهامه باغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في فبراير 2005. وتوترت علاقته بدول الخليج، التي ترددت في مساعدته اقتصادياً وسياسياً، بسبب تقاربه مع إيران.
كان انطلاق ثورات الربيع العربي بدايةَ سقوط النظام. لم يشعر الأسد بالخطر عندما انفجرت الثورات في تونس ومصر بداية سنة 2011، بل ظن نظامه بمنأى عن عدوى الثورات. سرعان ما خاب ظنه حين انطلقت شرارة الثورة السورية في مارس 2011. رد النظام على مطالب الحرّية بالرصاص ثم البراميل المتفجّرة والحصار والتجويع. فاتسعت رقعة الاحتجاجات الشعبية وتسلحت بعد أشهرٍ قليلة. ومنذ أواخر سنة 2012 قصفت أحياء حلب القديمة مدفعياً وجوياً، ومعها حمص وضواحي دمشق الشرقية وعموم مناطق الثوار. وتوّج النظام عنفه باستعمال السلاح الكيميائي ضد الغوطة الشرقية في أغسطس 2013.
خاض النظام حرباً عمرانية مع المعارضة امتدت سنوات. إذ اتَّبع سياسة تفريغ المناطق المنتفضة من أهلها الذين فرّوا منها تحت وطأة القصف والتدمير. ثم شكَّل لجاناً وأجهزةً عقاريةً جديدة لبيع الوحدات السكنية وتأجيرها للفارين. وفي إطار هندسة سكّانية تسعى إلى “مجتمع متجانس” كما سمّاه بشار الأسد نفسه في خطاب ألقاه في أغسطس 2017، سكنت هذه الوحدات فئات جديدة موالية النظامَ، ليضمن استدامة الولاء في محيط المراكز الحضرية الرئيسة. وبعد سنوات من إعادة التشكيل المكانيّ والسكاني، باتت سوريا لوحة متنوعة من تجمعات سكانية ومحمياتٍ أمنيةٍ وأسواقٍ حرةٍ مصغّرة، لا يربط بينها سوى تراث الدمار المشترك.
يصعب مع هذا التاريخِ الدفاع عن صلاحية مشروعات التعافي وإعادة البناء التقليدية. إذ تفترض هذه المشروعات وجود هوية وطنية آمنة ومتماسكة، حدودها التاريخية والجغرافية محل إجماعٍ وطنيٍ. أما تاريخ سوريا وجغرافيتها فأصبحا ساحتين للتنازع وإعادة التشكيل، بعد عقدين من استخدامهما أطراً لهويات جديدة متنافسة أو متباغضة، وأحياناً متحاربة.
وبعد سقوط الأسد المفاجئ، يقارب السوريون سؤال إعادة الإعمار في بلد لا يقتصر التدمير فيه على العمران. بل هو مدمَّر سياسياً واجتماعياً، وهويته الوطنية في حاجة للترميم. في هذا السياق، تُستحضر تجارب ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، أو فيتنام بعد 1975، أو البوسنة بعد اتفاق دايتون سنة 1992. ومع اتفاق هذه الحالات مع الحالة السورية في انطلاق مشروعات إعادة الإعمار بعد دمار واسع، إلا أنها لا تصلح نماذج يسترشَد بها.
تفترض نظرية الإعمار المادي التي تستند إليها معظم التجارب أنّ ضخَّ الأموال وحده سيعيد إنتاج الازدهار العمراني والسلم الأهليّ. ويغيب عنها أن التجارب الناجحة استندت إلى وجود إرادةٍ سياسيةٍ جامعةٍ، أو على الأقل تسويةٍ وطنيّةٍ مقبولةٍ من الغالبية. أما المشهد السوري فلا يزال منقسماً حول تعريف الوطن والمواطنة والسلطة الشرعية والتوافق حول الروايات التاريخية. ولعلّ هذا الانقسام هو التحدي الأكبر أمام أيّ برنامج إعمار حقيقيّ ومستدام.
إعادة الإعمار فعلٌ سياسي يتأثر بسياقه. في سوريا، لا يمكن الحديث عن عملية إعادة إعمار تشمل الأراضي السورية كافة في ظل بقاء أجزاء كبيرة من سوريا خارج سيطرة الحكومة المركزية. ومع تصاعد التنافس بين الدول المؤثرة في سوريا، والتي تتمتع بنفوذ في مناطق مختلفة، تتقلص الإمكانية السياسية لإعادة الإعمار الشاملة، ويزداد ارتباط العملية بالأولويات السياسية للدولة السورية أو الدول المؤثرة.
يفرض الأساس السياسي إصلاحَ جذور الدمار العميقة قبل التخطيط لإعادة الإعمار، وهو ما تجاهلته مشروعات إعادة الإعمار إلى الآن. في ظل حكم بشار الأسد، لم تعالج المشروعات المتسرعة التي نفذها النظام جذور الدمار. فقد أعيد إعمار بعض الأحياء المدمَّرة في محيط دمشق بتجريفها وبناء أبراج سكّانية، منها مشروعا “ماروتا سيتي” و”باسيليا سيتي”. كانت هذه المشروعات حلولاً تجميلية افتقرت إلى العدالة. إذ تجاهل معظمها حقوق المالكين الأصليين الذين فروا من منازلهم تحت القصف أو أجبروا على مغادرتها نتيجة تسويات لم يكونوا طرفاً فيها بين الأطراف المتحاربة. جمعت هذه المشروعات أسوأ سمات التحسين العمراني الشكلي والرأسمالي، على نحو يشبه تحديث وسط بيروت الذي نفّذته شركة سوليدير بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، حيث أعيد توزيع السكان على أساس طائفي وسياسي.
امتدّ إهمال السياق السياسي إلى ما بعد سقوط نظام الأسد، حيث اهتمت منظمات إغاثية دولية وحكومات ومؤسسات أكاديمية بإعادة الإعمار. في فترة وجيزة، أطلقت برامج ومبادرات لحفظ التراث وإعادة الإعمار معتمدةً الجانب التقني وحده. لم يتواصل القائمون على هذه المبادرات غالباً مع السوريين على الأرض، ولا مع الهيئات السورية الناشئة في ظل الحكومة الجديدة.
يحتاج إنجاح إعادة الإعمار لمعالجة هذا السياق. ارتبط التدمير في سوريا بالانقسامات الطائفية والمناطقية والسياسية. ويحتاج السوريون إذن، قبل الشروع في إعادة إعمار فعلية، إلى حوارٍ وطنيٍ شامل حول قضايا إعادة الإعمار الكبرى، مثل العدالة الانتقالية والأمن والسلم الأهلي ونزع السلاح، والإطار القانوني للعلاقة بين الدولة والمواطن والتمثيل العادل للمواطنين، ودور التعليم في تعزيز الوعي بالحقوق والواجبات.
أهم هذه القضايا هي العدالة الانتقالية. فهي ليست ضرورةً أخلاقيةً فحسب، بل شرطٌ سياسيٌّ للتعايش المستقبليّ في المجتمعات والمناطق المعاد إعمارها، وللثقة باستعادة سلطة القانون التي تنبني عليها مشروعات إعادة الإعمار. ذلك أنّ ملايين السوريين الضحايا لا يمكن مطالبتهم بالتضحية مجدداً، بالتنازل عن ملكية ما، أو دفع الضرائب وقبول سياساتٍ تقشّفية، فيما لا تزال جراحهم مفتوحةً ودماؤهم ماثلةً على جدران الزنازين. لذا لا بدّ من آلياتِ تحقيقٍ قضائيةٍ تعاقب المجرمين وتعيد الاعتبار للضحايا، في الوقت الذي تمنح فيه المجتمع بأسره إحساساً بعودة سيادة القانون بدلاً من سطوة البندقية أو المحسوبيات.
ثاني هذه القضايا الأمن ونزع السلاح من يد المنظمات والأحزاب والأفراد، وهما عاملان مرتبطان عضوياً بإصلاح القطاع الأمني والعسكري ومراجعة العقيدة الأمنيّة للدولة. فقد كان الجيش السابق موجَّهاً ومسيّساً، وكان جهاز المخابرات لاعباً سياسياً عاتياً. وأضافت الحرب مجموعاتٍ مسلحةً وفصائل عديدة مع نظام الأسد أو ضده. ارتبطت الطبيعة السياسية والطائفية للجهاز الأمني والعسكري السابق بأعمالها التدميرية وسطوها على الملكيّات. لذلك ينبغي فصل الوظائف الأمنية عن السياسة، وإلحاق الشرطة بالسلطات المدنية المنتخَبة، لضمان الثقة والرقابة الشعبية على حقوق الملكية وإعادة الإعمار المستقبلية.
ثالث هذه القضايا هي التمثيل العادل في إعادة هيكلة البيئة العمرانية. وهنا تكمن التحديات القانونية والسياسية الأكثر إلحاحاً. فالعمران ليس وجوداً مادياً فحسب، بل هو أيضاً سجلّ ملكيةٍ وذاكرةٌ جمعية. فقدت الوثائق واحترقت السجلات العقارية حين هُجّر ملايين السكان، وتراكمت عمليات البيع القسريّ تحت الإكراه أو عبر وسطاء مرتبطين بجماعات النفوذ. وبحسب تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان المنشور في نوفمبر 2023، وظف النظام القوانينَ التي وضعها للسيطرة على عشرات الآلاف من المنازل والأراضي والعقارات في محافظة حمص وحدها، عدا ما شهدته ضواحي دمشق وريفها.
لذلك فإن تثبيت حقوق الملكية والسكن هي حجر الأساس الذي تبنى عليه إعادة الإعمار. ومع ضعف هياكل الدولة الناشئة، يمكن اعتماد آليات تحكيم محلية تعيد فرز الملكيّات وتسمح بردّ المظالم أو تعويضها. شهدت البوسنة حالة مشابهة رافقها إشراف قضائي مدعوم دولياً. فقد تشكلت وفق اتفاق دايتون سنة 1995 “اللجنة المعنية بالمطالبات العقارية للأشخاص المهجّرين واللاجئين”، التي كانت هيئة قضائية مستقلة تعمل تحت إطار الاتفاق الدولي، وتصدر قرارات ملزمة قانونياً للسلطات المحلية.
يُظهر هذا كله ضرورة اعتماد تصور لإعادة الإعمار يتجاوز بعده المادي. فإلى جانب تقييم متطلبات إعادة الإعمار، ينبغي اعتبار أسباب الدمار ومداه وتبعاته. هناك حاجة ملحة لمعالجة مشكلة إسكان ملايين النازحين واللاجئين الذي بدأوا العودة إلى مناطقهم منذ سقوط النظام ولا يمكنهم الانتظار حتى تنفيذ خطة شاملة وطويلة الأمد. وبالمثل، فإن بعض المواقع التراثية تتطلب تدخلات إنقاذ فورية لحماية معالمها المهددة بشدة أو لتحقيق استقرار مناطق بأكملها أو لإنقاذ ما تبقى منها مثل تدمر وأفاميا ودورا أوروبوس ومعرة النعمان. ولكن الحلول السريعة لن يمكنها علاج الآفاق طويلة الأمد لإعادة الإعمار في بلد مدمّر سلبت منه السياسة وانقسم المجتمع بحدّة.
هدف المنتفضون سنة 2011 لمقاومة الطغيان السياسي والفساد الاقتصادي وتشوّه الدولة الوطنية لصالح سلطة كرّست الانقسام الوطني، مع إدراكهم أن الثمن باهظ. فقد استجاب النظام بتدمير المناطق الثائرة ضده، كما استجاب من قبل بتدمير حماة. أي عملية إعادة إعمار واسعة لا تعالج هذا السياق ستكرِّس أسباب الانتفاضة الأولى: الانقسامات المجتمعية والتفاوت الاقتصادي والتدهور الحضري.
يقود فهم الجذور الاقتصادية والحضرية والسياسية للاحتجاجات الشعبية إلى تصور إعادة الإعمار من منظور الحقوق المدنية، أي تأمين الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية للمجتمع جزءاً رئيساً من العملية. تشمل هذه الحقوق حقّ العودة إلى المدن والحق في العيش الكريم وتكافؤ الفرص والخدمات اللائقة وحرية التنقل. وهي حقوقٌ تستند إلى مبادئ مفهوم “الحق في المدينة”، الذي صاغه عالم الاجتماع الفرنسي هنري لوفيفر في كتابه “لا دروا آ لا فيل” (الحق في المدينة) المنشور سنة 1968، وطوّرها بعده المنظّران في الدراسات الحضرية ديفيد هارفي وإدوارد سوغا وآخرون. أصبحت أفكار الحق في المدينة والعدالة الحضرية حركة اجتماعية عالمية، تضمّ ناشطين ومنظّرين ومخطّطين قدموا دراسات وأطروحات تمسّ الوضع السوري الراهن.
في هذا المنظور، يشارك المجتمع في تقرير السياسات الحضرية لمدينته، وتدار عملية إعادة الإعمار حركةً تشاركيةً طويلة الأمد ومتعددة المستويات، ويبني المجتمع في كل مشروع جسراً صغيراً نحو عدالة شاملة. وبهذا تصبح إعادة الإعمار إعادةَ كتابة للعقد الاجتماعيّ وإعادة توزيع الفرص، وإعادة تقدير الإنسان السوري مواطناً مشاركاً في العملية السياسية والعمرانية، قبل أن يكون متلقّياً للإعانات أو مطيعاً للأوامر. عندئذ يكتمل المعنى الحقيقي لخلاص سوريا من الاستبداد، وتستقر السياسة على قاعدة اجتماعية وإنسانية وعمرانية صلبة.
أستاذ الآغا خان للعمارة الإسلامية في معهد ماساشوستس للتقنية
الفراتس
——————————-
النهضة الاقتصادية في سوريا الجديدة… أولوية الاستقرار السياسي والأمني/ حسين الشرع
01 أكتوبر 2025
في الحقيقة إن الولوج إلى طريق التنمية لبلاد خرجت توا من حروب استمرت لسنوات، ترتكز على منطلقات أساسية لإقامة نهضة اقتصادية متوازنة وشاملة، تحددها المسارات التالية:
أولا: قضية الاستقرار السياسي والأمني، بمعنى أن تسيطر الدولة من خلال مؤسساتها الأمنية على الوضع العام في البلاد، وإن ظهرت بعض الجوانب غير الواضحة. والاستقرار كلمة مطاطة، قد تستغرق الكثير من التحليل والتأويل، والكثير من الرغبة في السيطرة بمعناها الواسع، وقد تعني النزوع للسيطرة الأمنية وفقا لما تعارفنا عليه خلال السنوات المنصرمة، ومن عهد الانقلابات العسكرية، والتزام المجتمع بما يقرره الانقلابيون. وهذه كانت تجارب فاشلة، لم تُدرس بما فيه الكفاية، لأن الاستقرار ليس في التسلط ومنع المجتمع من الحركة في القول والفعل، ولا في توجيه الاتهامات الجزافية لمن يرفع عقيرته لانتقاد مشهد معين، أو سلوك ذي صفة تدميرية، ولا في توجيه الاتهامات الجزافية للسلطة ومراقبتها في حركاتها وسكناتها، وضرورة أن ينتطح هذا أو ذاك وكأنه يدير دفة المشهد، برؤية قد تكون صائبة وقد تكون خائبة.
وعندما نقول الاستقرار المجتمعي، فلا يعني ذلك أن المجتمع يجب أن يكون على سوية واحدة من الفهم والتحليل والاعتبار، لأن تعبير المجتمع هذا تعبير ميثولوجي، لأن للمجتمع عدة أوجه وعدة تطلعات وعدة تساؤلات. ومن يدقق جيدا يجد أن هذا التعبير حمّال أوجه، لأن المجتمع تتنازعه عدة اتجاهات، منها:
– أيديولوجية مستحكمة متوارثة، وهي واجبة ولازمة ولا يجب الاستهانة بها أو التوجّه نحو السيطرة عليها وإلا دخلنا في صراع مجتمعي نحن في غنى عنه.
– رؤية سياسية نخبوية، ذات توجهات تبحث عن مكان لها في المجتمع، وبالتالي في السلطة. وهذا حق لها لا يمكن إبعاده أو إزاحته بقرارات أو إصدار أوامر، وهو تعبير سياسي واقتصادي واجتماعي لا بد من وجوده، لأنه يحقق التعادل العام في المجتمع.
– الانجذاب نحو الخارج بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، لأن العالم الخارجي يؤثر ويتأثر، وهذه قضية معروفة وزادت وتيرتها خلال الخمسين سنة الأخيرة.
– المشاركة لأنها تعتبر قادرة على الوفاء بما يحتاجه المجتمع، وتلك قضية مهمة، ومن حق الأشخاص في المجتمع، وخاصة الذين يعتقدون أن لهم تأثيرا هاما سواء بما اكتسبوه من شعبية أو علم أو خبرة، وهذه يجب أن لا يتم تجاهلها أو استعمال سياسة الكبت والتضييق على هذه الطموحات التي تصب في صالح الاستقرار السياسي. لأن الإنسان خلقه الله ليتصرف والناس مخبوءة تحت ألسنتها، وبالتالي من يمتلك الحجة والقدرة والدراية من حقه أن يخدم في الاتجاه الصحيح، وهذا لا تحدده السلطة، ولكن يفرضه المجتمع، لأن المجتمع، هو التجمع للرأي والرأي الآخر، أو أن من يعترض عليه أن يقدم البديل.
– إن صيرورة المجتمع نحو الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي محكومة بما يلي:
1- الحرية في القول والعمل والتجمع والتظاهر.
2- أن يتم ذلك وفقا للقوانين والعادات والتقاليد والتشريعات. والفوضى بشكل عام غير مبررة، وإن اتبعها من اتبعها.
– الانطلاق من الفهم الواسع للاستقرار المجتمعي. وكل مواطن خلية وطنية، له الحق في المشاركة، وكل المواطنين مواطنون جيدون ولا يوجد في القاموس هذا وطني ممتاز وذلك جيد وثالث غير ذلك. وعهد تقسيم المجتمع والناس إلى مواطن على سلم الدرجات والتصنيفات السابقة، كان من “الكبائر” التي مارستها أجهزة القمع التسلطية لأنها تنزع نحو السيطرة والتسلط لتجعل المجتمع يُساق بعصا السلطة التي ليس لها مفاهيم وطنية بقدر ما كانت حزبية ضيقة، أو شللية، أو عائلية منتفعة، وقد عشناها بكل صبر وثرنا عليها وأعطى المجتمع الكثير من أهله وممتلكاته ومكانته وصبره الشيء الكثير.
– إن الدعوة لدمقرطة المجتمع بشكل انتسابي أو رغبوي هي محاولة عبثية، وليس لها في الواقع من مصير مؤكد، لأن المجتمع في النهاية هو من يقرر شكل النظام السياسي وأدواته ومفرداته. والمطلوب دائما الاستمرار في تحسين الوضع السياسي والاقتصادي وبلورة الطرق التي تؤدي إلى زيادة الإحساس بالاستقرار وتوكيده. والدولة هي البناء الفوقي للمجتمع، وهي أداته الإدارية، والحكم الرشيد من عدمه. والدولة في التحليل النهائي هي النظام البيروقراطي الذي يتحكم في مفاصل الحكم، ولا يلغي المجتمع، لأن الصيرورة التاريخية والمستقبلية لأي نظام حكم تتقرر من خلال الأدوات والسياسات الناظمة لمسيرة النظام السياسي الاقتصادي الاجتماعي والثقافي والحقوقي الذي يستمد مشروعيته من المجتمع الذي ينتمي إليه. وهو تعبير شعبوي غير مكتمل النضج، والاستقرار السياسي في التحليل النهائي هو مفهوم نسبي، تحدده الأدوات التي تعلن عنه أو تلغيه، واستمرارية النظام السياسي واستقراره تتحكم فيهما العوامل التالية:
– مستوى الثقة المتبادلة بين ما أفرزه المجتمع وهم الحكام والإدارات الحاكمة والهيئات المنتجة. وهذه الثقة لا تتولد بشكل أوتوماتيكي، إلا في مرحلة الحوافز المعنوية، كما حدث في سوريا بعد 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، حيث تم الانتهاء من النظام السابق صاحب الممارسات الخاطئة التي أدت إلى أن تتحول الدولة بكافة أركانها إلى دولة وقعت في خصومة مع الشعب، وبالتالي فإن التعافي منها شكل حالة جماهيرية التفّت حول المحررين الجدد، وكانت هذه نقطة فاصلة بين عهدين قديم وجديد، لكن بدأت المطالب تزداد يوما بعد يوم وكأن المجتمع أفاق على حالة وجدانية تتطلب كل ما كان المجتمع محروما منه طوال سنين مملة وطويلة وما رافقها من عسف وقتل وإجرام وتهديم للمجتمع وضرب وحدته الوطنية وأُخضع للتنازع بين أطرافه وإدخال القوى الأخرى من خارج المجتمع لتلعب دور الغالب على إرادته الكاملة، مستفيدة من رغبة النظام البائد في التمترس حول مفاهيمه ومطالبته بالبقاء دون الإحساس الأكيد بمطالب المجتمع في تحقيق الحد الأدنى من متطلباته الحياتية. وهكذا تم الانهيار الكبير في الثقة بين “من يحكم” و”مَنْ يُحكم”، وهو الشعب، وانعدام الثقة هذه لم تكن وليدة اللحظة، ولكنها كانت على محور زمني طويل من المعاناة وتراكمات استمرت لسنين بل لعقود.
وإذن كانت العلاقة، وقد سمّيت بـ”لا علاقة”، وهي مفروضة من كتلة السلطة التي سميت زورا وبهتانا الدولة، وهي لم تكن كذلك، بل هي شيء آخر ليست له تسميات في القاموس السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي، والثقافي والحقوقي.
ثانيا: من هنا ورثت الدولة الجديدة كل هذا الكم من المشاكل ومن النوازع ومن التمنيات، لأن اليوم الآخر هو الأجمل، وأن التوقعات كانت كبيرة بحجم كل الآلام التي مشى فيها المجتمع كله المثخن بالجراح والخيبات لسنين بل لعقود طويلة، وأدركت الدولة السورية الجديدة أن المطلوب منها أشياء كثيرة: فالتحرير تم إنجازه، وسقطت الدولة القديمة. ولكن بقيت لها ركائز قائمة تطمح إلى أن تعيد الذي كان، ولكنها لا تستطيع إلا بحركات يائسة، وتحركت كوامن كانت قائمة ولكنها متوارية أو ظاهرة لتفرض أجندتها، ولكنها كانت يائسة. فحدث ما حدث، ولكن مسيرة الدولة الجديدة بدأت بخطى وئيدة وثابتة، فدخلت إلى مضامين جديدة وتطور نوعي، ولكن لم يرافق ذلك التوضيح من أجهزة الإعلام ومثقفيها لأن الخبرة هنا تلعب دورا، والتغييب يلعب دورا آخر. وإذا كانت السياسة العامة للدولة، أية دولة، هي انعكاس لواقع أو لسياسة اقتصادية، فإن الدخول في ذلك كان يحتاج إلى صبر وتخطيط وإعادة هيكلة، وكل ذلك يحتاج إلى وعي مجتمعي وزجه في هذه الاتجاهات. على أنَّ قاعدة اتخاذ القرارات كانت وما زالت ضيّقة، ولم تتوسع لأسباب ذاتية أو موضوعية، وهكذا كان الدخول.
ثالثا: في مجال التنمية الاقتصادية الرافع الاجتماعي لكل ما تقدم من استقرار، فإن المسافة والمساحة لديها تفصيلات كثيرة وكوادر قادرة وفاهمة، ولديها نزوع نحو ذلك، ففي بناء الدول، ليس المهم أن يكون القائد أو القيادة لديها الفهم الشامل للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والرؤى لتحقيق ركن البدء والدخول في القضايا التالية:
– بناء الدولة وكوادرها، وشكل النظام السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي. أن تكون واردة ومتطورة ومعروفة جيدا.
– إعادة هيكلة الدولة والاقتصاد على وجه الخصوص خلال مدة زمنية بين 3-5 سنوات مثلا.
– وضع خطة استثمارية شاملة، وهذه تحتاج إلى خبراء في الإحصاء والاقتصاد والاجتماع والقانون، ودرس الأولويات والتصورات والاستفادة من التجارب التي حدثت في بلاد أخرى، وهذه الخطة تكون مبنية على فهم شامل لمتطلبات الاقتصاد الوطني، والأولويات من الأهم فالمهم، والتركيز على القدرات الإنتاجية وإعادة إسكان السكان في مناطقهم، وتحريك عجلة التنمية على كل المستويات من دون تأخير، وهنا أركّز على العامل السكاني لأن السكان هم العامل المهم في هذا الأمر، إذ إنهم يشكلون حالة مجتمعية في الريف والمدينة، وهذه تشكل طلبا كليا، وهذا بدوره يدفع إلى التمكين من العرض الكلي (أي الإنتاج)، والمقابلة هنا اقتصادية وتنموية على حد سواء، والسكان يشكلون الطلب الكلي، والسكان- وهم المنتجون- يشكلون أيضا الدافع نحو الإنتاج، وبالتالي العرض الكلي. وهذا ما حدث في معظم البلدان التي خرجت من حروب مماثلة ولم تنتظر الكتلة السكانية قدوم المساعدات كي تتوجه نحو التنمية المجتمعية.
إن إعادة السكان إلى قراهم ومدنهم وأريافهم، هو العامل الحاسم والأولي نحو تنمية الكتلة السكانية التي كانت منتشرة، والقسم الأعظم منهم أحدث تحولات هامة في بلاد الاغتراب، وهم يطمحون للتوطين في مناطقهم الأصلية وبداية المشوار الذي يرغبون فيه نحو مزيد من الولاء للوطن والأرض الذي كان في المخيال العام وهما، وها هو يتحقق، ولكن يجب أن يكون واقعيا. فالخيام لا زالت منصوبة وقاطنوها يستشعرون الغربة داخلها، وهم يرنون لقراهم وأريافهم وقد تحررت. ما الذي يحول إذن بينهم وبين عودتهم، وهذا جوابه: (البيت!) وهذا البيت الذي غادروه منذ 14 عاما، ماذا حل به وقد أتت القذائف والبراميل المتفجرة فأحالته إلى ركام. هذا الركام لا زال جاثما لم تحركه أية قوة، وكأننا نعشق الأطلال ليبدأ الشعراء النعي والنواح والبوح.
قضيتنا، أن تعاد الحياة من جديد لهذه الأماكن المدمرة في بلادنا وما أكثرها، والحياة لن تعود من دون السكان وأهل هذه الدِّيَرة والأمكنة.
إذن خريطة الاستثمار تبدأ من هنا، تأسيس قرى نموذجية، وأحياء نموذجية وبيوت اقتصادية لعودة آمنة ومضمونة لكتلة سكانية تزيد على عشرة ملايين من البشر، فيها مدارس وفيها مستوصفات، وفيها أماكن للعبادة، وفيها شوارع وخدمات وكهرباء وماء وصرف صحي… إلخ. والدولة الجديدة في سوريا تحاول، ومع محاولاتها تلك تتعرض إلى ما يشبه تحويل الاهتمام إلى قضية ربما أكبر أو أصغر. والقضية الكبرى هي مسألة الوحدة الوطنية، وإبقاء الدولة السورية مركزية تتبع لها الأقاليم (المحافظات) وفق نظام مرن للإدارة المحلية له كل الصلاحيات لإدارة الحياة العامة للسكان من النواحي البلدية وخلافه، وتبقى الإدارة المركزية هي المشرفة على شؤون الناس في جميع الأنحاء.
رابعا: القضية الهامة التي تقع على عاتق الدولة المركزية هي الإفصاح بشكل لا لبس فيه حول المنهاج الاقتصادي المتبع، وهل خطوات الإصلاح الحقيقي واضحة، وكيف يمكن أن يكون شكله ومحتواه، ومن أين نتجه وإلى أين؟
إذن المنهاج الاقتصادي يدلل بوضوح على شكل ومسيرة النظام السياسي الاقتصادي، وهو إما أن تديره الدولة بنفسها، وهذا كان سابقة فاشلة طوال عدة عقود من السنين بسبب الإدارة والأيديولوجيا الضيقة، لأن الدولة كنظام بيروقراطي ليس لديها المرونة لتحريك عجلة الاقتصاد واتخاذ القرارات التي لا تحتمل التأجيل، ومن مساوئه أن يعتمد على جهاز من الموظفين في معظم الأحوال غير مؤهلين، وبالتالي ليس لديهم المتابعة والدراية لتحقيق المطلوب، وهذه قضية عانت منها كل الدول التي دخلت إلى التنمية بالتدبير والترقيع في معظم الأحيان، وافتقدت قضية التنمية الزخم المأمول منه.
وإذا كانت بعض الدول قد نجحت مرحليا في زيادة نسب النمو وزيادة حجم الإنتاج وقيمته، فقد كانت في مرحلة ما سُمّيَ آنذاك “الحوافز المعنوية”، وهي قضية حماسية يقوم بها من يؤمنون بذلك، ثم تلاشى بفضل سيطرة البيروقراطيين على المسيرة تلك مما أفقدها زخمها وتحولاتها الإيجابية.
وعلى النقيض من ذلك، فالتوجه نحو القطاع الخاص الذي يملك القدرة على المبادرة والسرعة في اتخاذ القرارات وحل المشاكل التي تعترض طريق المشروع والعمل على خفض التكاليف ما أمكن وزيادة الإنتاج، ولكن ضمن شروط الربحية التي يأملها صاحب المشروع، وقد تأتي هذه الربحية على حساب النوعية والقدرة على المنافسة.
خامسا: وإذا كان الأمر كذلك، فإن التركيز على القطاع الخاص الداخلي والأجنبي الاستثماري قد يُفقد عملية التنمية مسألتين هما:
– التوازن المطلوب والنظر للمسألة التنموية التي من الضروري أن تكون مترابطة ومتكاملة وذات سلسلة وتتابع من الإنجازات يدفعان نحو بلورة مشاريع لها ترابطات أمامية وخلفية، ولها مزايا لا تتحقق إلا ضمن برامج الدولة المركزية، لأنها هي التي تطل على الموضوع التنموي باطلاع واضح على صيرورته ومآلاته. وإذا كان في مستطاع الدولة زج القطاع الخاص في مفاصل العملية التنموية وضمن المخطط التنموي، وتوجيه هذا القطاع لخدمة الأهداف الكبرى والعملية التنموية الشاملة والمتوارثة، فذلك يكون أجدى وليس في الإمكان مصادرة توجهاته نحو تحقيق الإنتاج الأفضل في مفصل من مفاصل البرنامج التنموي وتحقيقه الأرباح له وللدولة معه، ويجب أن لا يُنظر للقطاع الخاص نظرة عدائية بحجة أنه يبحث عن الربح فتلك هي مهمة أو مآل أي مشروع، ولو كان تابعا للدولة، فقد ولى عهد عدم التدقيق في النتائج وحسابات الأرباح والخسائر. والمشروع الخدمي والإنتاجي يجب أن يربح، وبالتالي، فإن الربح- زيادة على ما يوضع في خدمة المشروع، وتنامي الأرباح- يوسع دائرة العمل الاقتصادي ولا تقصره أو تحد من طموحه.
وتلك هي المسيرة الصحيحة والرؤى الواضحة لذلك.
سادسا: أساسيات التوجهات الاقتصادية الإيجابية والسلبية ترتكز على كيفية وضع خطة إعادة الهيكلة، وكيفية إيضاح الخطط الاستثمارية، ونؤكد على الإيضاح من عدمه، واستمرارية تطور هذه الخطط على محاور زمنية، لأن الاستثمار لا يتوقف عند حد معين، وهو متوالٍ ومتواتر، وهذه صفة الاستمرارية من التوسع الأفقي، إلى التوسع العمودي، إلى اعتماد المعايير الجديدة في التطوير الرقمي والصيغ التابعة له كالذكاء الاصطناعي، وإنتاج مقادير هامة من الحوكمة الشاملة والإيضاح والشفافية في البداية، ومع التنفيذ، ومع النتائج، تلك قضية كبرى تعطينا الدلائل على قوة المنهج وقوة الإحساس بالمسؤولية وقوة نشر ما نقوم به بشكل واضح وشفاف، لأن هدف التنمية في التحليل الأخير، المجتمع والناس في البلاد.
ومن هنا، فإن طريق التنمية المتوازنة والمستمرة، طريق صعب وليس من السهولة بمكان. ويعتمد على حسم التوجهات والاستمرارية بها، كما لا بد من مراعاة مسائل شائكة تعترض هذا الارتباط: همها وأساسها هو الإنسان، وأقصد الموارد البشرية المدربة والقادرة على قيادة العملية التنموية، فمن دون هذه الموارد يبدو الوصول إلى النتائج مجرد تمنيات، فالتنمية، الإنسان أولا، هو قائدها وهو المستفيد منها، وإذا كان من الواجب أن ندرك هذه الحقيقة، بالإضافة لدراسات الجدوى الاقتصادية والمنفعة من هذه التنمية وتقويمه بشكل حقيقي ومتابعة، وإيلاء التتبع لمواجهة الإخفاقات والاختبارات التي تحدث. وغالبا ما تحدث وإيجاد الحلول السريعة لها بشكل مثابر ومتتابع.
سابعا: التنمية في كل مراحلها وتوجهاتها بحاجة لميزانيات للإنفاق على المشاريع (التكاليف الثابتة)، وهي كبيرة بكل المقاييس، وهذا الإنفاق الاستثماري، يزيد من حجم الكتلة النقدية سواء بالعملة الصعبة أو بالعملة المحلية، مما يؤثر بشكل مباشر على حجم الكتلة النقدية المخصصة للاستثمار، بالإضافة لتكاليف شراء المواد الأولية والمواد الوسيطة وطرق استيرادها وشرائها من الأسواق المحلية، فضلا عن النفقات الجارية كالرواتب والأجور والسلف وتوابعها.
كل ذلك يزيد من حجم الكتلة النقدية المتداولة، وبالتالي يرفع مؤشرات التضخم، وعادة ما تلجأ الدول إلى سياسة التمويل بالتضخم لنقصٍ في المدخرات لديها، وهذا شيء خطر يفاقم من المؤشرات التضخمية ويرفع من مستوى المديونية الداخلية والخارجية. ويأتي دور السياسة المالية المتناغمة مع السياسة الاقتصادية. ولا بد من التطرق إلى مسألة الضرائب، وهذه حصيلتها جزء لا يتجزأ من إيرادات الميزانية التي قد تصل إلى (30-40) في المئة من الميزانية.
والضرائب نوعان، ضرائب مباشرة وهي ما يتعلق بالضرائب المتعلقة بذوي الدخل المحدود، ومفرداتها كثيرة ومنتشرة وتسمى ضريبة الدخل المقطوع، وحصيلتها لا يستهان بها لأنها تتناول كل ما يقوم به السكان من نشاطات اقتصادية أو تجارية على مستوى الوحدات الصغيرة والمتوسطة وكلها تخضع لضريبة الدخل المحدود (المقطوع)، ويفرض دفعة واحدة على النشاط الاقتصادي والتجاري والخدمي الذي يمارسه الناس آخذين بعين الاعتبار ضرورة التقويم الصحيح، بالإضافة للرسوم والضرائب على المساكن والمحلات والعَرَصات… إلخ.
أما الأشخاص الذين لديهم شركات ووكالات ومصالح كبيرة فهؤلاء تنطبق عليهم “ضريبة الأرباح الحقيقية”، وهي تدرس بعناية، ويكلف المكلف بإيجاد دفتر لمدخراته ومخرجاته وأرباحه السنوية، وتُفرض الضريبة على الأرباح وفق نمط معين يراعى فيه الدقة والنزاهة في الإشراف والتحصيل (الضريبة التصاعدية على الأرباح وفقا لقانون الضرائب المعمول به في كثير من الدول)، وللأسف فإن التهرب الضريبي لهذه النشاطات كبير ومغيب، والأجهزة المكلفة بتحصيل هذه الضرائب، وعلى كل المستويات، أن تكون على مستوى المسؤولية، لأن التهاون في ذلك أو التدليس، يفقد الدولة والميزانية أموالا تحتاجها الدولة، لذلك قيل إن “الموازنة هي جيب” المواطن توضع في الخزينة العامة للإنفاق منها، ويجب عدم المبالغة في فرض الضرائب، لأن هذا يكون سببا في التهرب، وعلى أية حال فإن جهاز مكافحة التهرب يجب أن يكون على مستوى من الاختصاص والنزاهة، وأن لا يكون صورة طبق الأصل عن أجهزة القمع وغير ذلك.
على أنني أنحاز هنا لعدم اقتطاع ضريبة الدخل من رواتب وأجور العاملين في الدولة والقطاع الخاص لأسباب معروفة ومقدّرة، حيث إن الموظفين والعمال والمستخدمين يتقاضون أجورا تكاد لا تسد رمق معيشتهم وأسرهم.
وفي هذا المجال، لا بد أن نراعي ضبط مسألة الرسوم و”المكوس” الجمركية على المستوردات وتخفيضها أو إزالتها عن الصادرات لتنشيط حركة الصادرات، وإيرادات الجمارك وما يماثلها مهمة للخزينة العامة وللدولة. ويجب أن يراعى تحصيل بعض الرسوم والمكوس بالعملة الصعبة أو ما يعادلها لزيادة وفورات القطاع الأجنبي لدى الدولة. كما أن تشجيع الصادرات وتحسينها يكون من جهة بحماية المنتج المحلي بشروط السوق والضرائب على المواد الوسيطة للإنتاج، وزيادة الضرائب والرسوم الجمركية على السلع الكمالية (ولست من مشجعي الحماية الدائمة) من المنتجات القادمة من الخارج عن طريق زيادة الضرائب على المنتج الأجنبي، أو التقليل من استيراد السلع الشبيهة بالإنتاج المحلي شريطة أن يكون المنتج المحلي لا يقل جودة عن الأجنبي، وأن لا تستغرق هذه الحماية طويلا حتى يتم التحسين والتطوير المأمول، وإذا أردنا أن نحد من الاستيراد علينا أن نتوجه للحد من استيراد السلع الكمالية، وليس كلها، والسيارات الفارهة المكلفة، وأدوات التجميل المكلفة، وغيرها كثير.
إن الدولة السورية الجديدة، جادة في سلوك التنمية الشاملة والمتوازنة في كل القطاعات الإنتاجية والخدمية، والمؤشرات الدالة على ذلك كثيرة، ولكن كل ذلك يحتاج إلى صبر ومثابرة وحسن تدبير، على أن يكون ذلك وفق منهاج للتطوير مدروس ومعمول به وقابل للتطبيق.
ووفقا لما تقدّم لا بد من تطوير النظام المصرفي وتحسين أدائه في الإيداع والسحب، وبإشراف مباشر من المصرف المركزي، واستعمال الأدوات الحديثة في ذلك، وكذلك أنظمة الصرافة.
المجلة
———————————
هل سوريا جاهزة لضريبة القيمة المضافة؟/ إياد الجعفري
الأحد 2025/09/28
في أيار/مايو 2008، أعلن وزير المالية السوري في حينها، محمد الحسين، أن وزارته بصدد فرض ضريبة “القيمة المضافة” في العام 2009. وأشار إلى أن ذلك بغاية الإصلاح الضريبي، وضبط التهرب الضريبي الكبير في البلاد، وفق إقرار السلطات في ذلك الحين.
بعد أشهر، وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2008، حاول الوزير الحسين تهدئة المخاوف من أثر فرض الضريبة الجديدة، مؤكداً أنه لن يتم فرضها قبل العام 2010. مشيراً إلى أن ضريبة “الإنفاق الاستهلاكي”، ستُلغى. وأن ضريبة القيمة المضافة الجديدة، ستحل محل 12 ضريبة ورسماً.
وفي محاولة للترويج لإيجابيات الانتقال إلى “ضريبة القيمة المضافة”، قال الوزير الحسين، حينها، إن وزارته تفكر في إعفاء “المواد الغذائية والأدوية وما له علاقة بالصحة والإنتاج الزراعي وإنتاج الماء والغاز والكهرباء”. وأضاف إلى قائمة الإعفاءات المرتقبة، قطاعات “العقارات والتعليم وكافة الخدمات المالية والمصرفية والتأمينية وكذلك الجمعيات الخيرية”.
جاء ذلك في سياق حوار مجتمعي، شارك فيه خبراء واقتصاديون سوريون، في نهاية العشرية الأولى من حكم بشار الأسد. حينها أبدى العامة من السوريين مخاوفهم من الانتقال لضريبة القيمة المضافة. وأشارت الكثير من الآراء المتداولة حينها، إلى قناعة شريحة واسعة أن النظام الضريبي الجديد سيرفع الأسعار مجدداً، في وقت كانت فيه القوة الشرائية للسوريين تتراجع بفعل تراجع الدعم الاجتماعي. أما الاقتصاديون فانقسموا إلى فريقين، الأول أيّد الانتقال إلى “ضريبة القيمة المضافة”، لأنها تحقق عدالة ضريبية أكبر، حيث ستعفى السلع والمواد الأساسية، وكذلك التعليم والسكن والمياه والكهرباء، من الضرائب. لكن فريقاً ثانياً، عارض ذلك، معتبراً أن تطبيق هذه الضريبة سينعكس سلباً على المستهلك النهائي، جراء حجم التهرب الضريبي الكبير في سوريا، وغياب مفهوم “الفوترة” من اقتصاد التجزئة السوري. ناهيك عن الفساد الكبير في الدوائر الحكومية المعنية بالجباية الضريبية. مما سيصب في صالح كبار المكلفين ضريبياً، على حساب الشرائح الأكثر هشاشة وضعفاً من ذوي الدخل المحدود، وما دون. ودَعَمَ هذا الرأي، تصريحٌ منسوب لوزير المالية، الحسين، حينها، قال فيه إن حجم التهرب الضرببي في سوريا يصل إلى نحو 200 مليار ليرة سورية، أي نحو 4 مليار دولار (وفق أسعار الصرف حينها). وهو ما كان يعادل نحو 11.7% من حجم الناتج المحلي الإجمالي، و40% من موازنة الدولة، في العام 2008.
لكن وزير المالية الحسين، واصل ترويجه لإيجابيات ضريبة القيمة المضافة، خلال عامَي 2009 و2010. إلا أن وزارته تريثت في التطبيق، وأخلفت مواعيد سابقة كانت قد أعلنتها لاعتماد النظام الضريبي الجديد.
وفي 7 آذار/مارس 2011، وعلى وقع ثورات الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا، ومع توالي الإرهاصات الأولى للثورة في سوريا ذاتها، أطلق وزير المالية، الحسين، تصريحاً مفاجئاً. إذ قال إن وزارته غير مستعجلة في تطبيق ضريبة القيمة المضافة. واعترف بأن المستهلك هو من سيتأثر، “إن لم نحسن تطبيق ضريبة القيمة المضافة بشكل صحيح”. وقفز إلى الضفة الأخرى، لينتقد الخبراء المطالبين بتطبيق ضريبة القيمة المضافة، قائلاً إن “المستورد، والتاجر، والصناعي قد يستثمر مناسبة تطبيقها لزيادة أرباحه وبالتالي سيدفع المستهلك النهائي ثمن ذلك”. مقراً بأن المستلزمات اللازمة للنجاح في تطبيق هذا النظام الضريبي، غير متوافرة في سوريا، وهي “الفوترة والأتمتة”.
وهكذا، “كوّع” الوزير الحسين يومها، ليبتلع كل تصريحاته السابقة عن العدالة الضريبية التي ستحققها “ضريبة القيمة المضافة”، وعن الإعفاءات للمواد والسلع الأساسية. فعينُ الحكومة على مدار السنوات الثلاث السابقة لآذار/مارس 2011، كانت على المليار دولار التي ستضيفها “ضريبة القيمة المضافة” إلى خزينة الدولة، حسب توقعات المسؤولين حينها. لكن مع قدوم هذا الشهر (آذار/مارس 2011)، باتت عين الحكومة على غضبة الشارع، والخشية من انفجاره، على وقع تطورات ثورات الربيع العربي، حينها.
مناسبة هذا الاستعراض التاريخي، إعلان وزير المالية السوري الحالي، محمد يسر برنية، قبل أيام، إعداد مشروع قانون الضريبة على المبيعات، والذي سيلغي ضريبة الإنفاق الاستهلاكي، ويمهد للانتقال لضريبة القيمة المضافة. واستخدم برنية الكلمات والإشارات ذاتها للترويج لفكرة “ضريبة القيمة المضافة”، التي سبق واستخدمها سلفه، محمد الحسين، قبل عقد ونصف. كالحديث عن ضرورة الإصلاح الضريبي، وعن إعفاء كامل للسلع الغذائية والأساسية، والصادرات.
الوزير برنية، طرح مشروع القانون الجديد للنقاش المجتمعي، وللملاحظات والمقترحات من جانب المتخصصين، عبر بريد الكتروني مخصص لذلك. لكنه حدد تاريخ أقصى لهذا النقاش، ينتهي يوم 15 تشرين الأول/أكتوبر القادم. وهي فترة قصيرة مقارنة بنحو ثلاث سنوات من النقاش حول ذات القضية، قبل عقد ونصف، يوم كانت سوريا، مستقرة أمنياً وسياسياً، وتتمتع ببنية تحتية ووضع اقتصادي، غير مدمر.
ودعونا نقرّ أن ضريبة القيمة المضافة، تحقق عدالة ضريبية أعلى للمكلّفين، خصوصاً المستهلك النهائي، وتحقق تحصيلاً ضريبياً أفضل لخزينة الدولة. لكن ذلك بشروط، أبرزها، القدرة على ضبط المتهربين ضريبياً عبر الفوترة وضبط الفساد في أوساط المسؤولين عن الجباية الضريبية. وفي ظل حجم اقتصاد غير منظم، يصل وفق تقديرات إلى 70% من الاقتصاد السوري، فإن فرض “ضريبة القيمة المضافة” بنسبة منخفضة (5% كما ذكر الوزير)، سينعكس انهياراً في التحصيل الضريبي لصالح خزينة الدولة، قد يصل إلى نحو 50%. وهو ما سيدفع وزير المالية، بموجب الصلاحيات الممنوحة له في مشروع قانون الضريبة على المبيعات، إلى رفع النسبة المشار إليها (5%)، وحذف بعض الإعفاءات، لاسترداد العجز في الإيرادات الضريبية. وهو ما سينعكس في نهاية المطاف، عبئاً مادياً على المستهلك النهائي، مع الارتفاع المرتقب في أسعار السلع والخدمات. أي أن الخاتمة التي قررت حكومة نظام الأسد، تجنبها، عشية ثورة 2011، خشية إغضاب الشارع على وقع ثورات الربيع العربي، ستتحقق اليوم.
قد نكون مخطئين. ونقرّ بمؤشرات النوايا الإيجابية للوزراء الاقتصاديين في الحكومة الحالية، الهادفة للنهوض بالاقتصاد السوري، وسط ظروف عصيبة يعملون في ظلها. لكن الخطوات السريعة للإصلاحات التي يسير بها، بعضهم، مع الوضع المعيشي الكارثي لغالبية السوريين، قد لا تكون مقاربة موفّقة، رغم الحاجة الملحة للإصلاح. لكن بوتيرة تتناسب مع الوضع الراهن، لا وفق ما نأمل أن يكون عليه هذا الوضع.
المدن
———————————–
من الأزقّة إلى الأبراج… تجّار حلب ودمشق في مواجهة الاستثمار الأجنبي؟/ محمد مصطفى عيد
04 تشرين الأول 2025
في قلب دمشق وحلب، حيث تتشابك الأزقة القديمة مع الأبراج الحديثة للشركات والمصانع، ينبثق سؤال محوري عن دور الصناعيين والتجار السوريين في الاقتصاد الوطني: هل كانوا مجرد شركاء يتلقّون التوجيه من السلطات أو صانعي القرار الذين شكّلوا السياسات الاقتصادية للدولة عبر العقود؟
منذ الاستقلال، لعبت النخب الاقتصادية دوراً فعّالاً في تحديد مسار الدولة، قبل أن تتراجع تدريجياً تحت وطأة التأميم وسياسات السلطة المركزية، لتحلّ محلها طبقة اقتصادية جديدة كثيراً ما ارتبط نجاحها بـ”الولاء”.
اليوم، بعد سنوات من النزيف المالي وهجرة رأس المال إلى الخارج، يواجه المستثمر السوري تحديات مركبةً: تشريعات متذبذبة، غياب الكوادر المهنية، قيود الولاء السياسي، وغياب البيئة الاستثمارية الآمنة التي تجذب رؤوس الأموال السورية العائدة من الخارج.
ويطرح التساؤل نفسه حول إمكانية توظيف هذا الرأسمال لإعادة بناء اقتصاد وطني مستدام، بدلاً من أن يبقى هائماً في بيئات استثمارية أجنبية أكثر أماناً وجاذبية.
في هذا التقرير، يلتقي رصيف22، صناعيين ورجال أعمال سوريين، ليجيب عن السؤال الأكبر: من هم صانعو القرار الاقتصادي في سوريا اليوم، وكيف يمكنهم أن يعيدوا رسم خريطة النفوذ في بلد ينهض من تحت أنقاض الحرب؟
الصناعيون منذ الاستقلال… صانعو القرار
يرسم الأمين العام للاتحاد العربي للصناعات الجلدية، يوسف سعد، صورةً مغايرةً للتاريخ الاقتصادي السوري، ويؤكد لرصيف22، أنّ الصناعيين ورجال الأعمال لم يكونوا مجرد شركاء في القرار، بل كانوا هم صانعيه الفعليين عبر الحزب الوطني في دمشق وحزب الشعب في حلب. هذه الثنائية لم تكتفِ بالتأثير في السياسات الاقتصادية، بل امتدت لتحديد مسار الدولة وتشكيل الحكومات.
لكن هذه السيطرة بدأت بالتراجع بعد سقوط حكومة فارس الخوري عام 1955، حيث صعدت القوى الراديكالية وحاولت تفكيك النفوذ الاقتصادي للبرجوازية الوطنية، وتطبيق سياسات التأميم والإقصاء. وفق سعد، فإنّ التحولات التي تلت عام 2000، جلبت تغييرات أعمق، إذ أصبح معيار النجاح الاقتصادي الولاء السياسي أكثر من الكفاءة الاقتصادية، وهو ما أدى إلى تشويه بيئة الأعمال الوطنية وإضعاف دور الصناعيين الحقيقيين.
من الكفاءة إلى الولاء
يوضح سعد، أنّ مرحلة ما بعد التأميم دفعت شريحةً واسعةً من الصناعيين إلى الهجرة، بينما حلّت محلهم ما أسماها بـ”طبقات طفيلية” استفادت من قربها من السلطة أكثر من قدرتها على الإنتاج. ويضيف أنّ بيئة الأعمال اليوم تعاني من “تحول المعيار من الكفاءة إلى الولاء”، ما أثّر سلباً على قدرة الصناعات المحلية على المنافسة والتطوير وفق المعايير الدولية.
في هذا السياق، يشير سعد إلى أنّ رأس المال السوري الأكبر هاجر إلى الخارج، حيث وجد بيئةً استثماريةً أكثر أماناً وجاذبية.
ويرى أنّ أي رأس مال خارجي لن يدخل إلى سوريا قبل أن يلمس جدّية عودة رأس المال السوري نفسه، وهو ما يتطلب إصلاحات عميقةً في التشريعات، وضمان الملكية، وتحرير حركة الأموال والعمالة، برغم توقيع الكثير من مذكرات التفاهم مع البلدان العربية الصديقة حول استثمارات بمليارات الدولارات، وهذا إن دلّ على شيء فعلى أنّ الحكومات العربية تشجع رعاياها المستثمرين على الاستثمار في بلد شقيق مثل سوريا، ولكنها لا تستطيع إلزامهم بالاستثمار، وجلّ ما يمكن تقديمه من قبلها هبات مالية أو ودائع أو قروض ميسرة للحكومة السورية.
بحسب ما يقول، لا يمكن للمستثمر الخارجي إنفاق الملايين في بلد آخر بموجب أمنيات حكومية، بل يتم ذلك بموجب البيئة الاستثمارية التي تحققها وتضمنها الحكومة السورية من ضمان الملكية وحرية حركة الأموال وحركة العمالة وثبات قوانين الاستيراد والتصدير، وكذلك البنية القضائية المستقلة والسريعة والشفافة، بالإضافة إلى الانضمام للاتفاقيات الإقليمية والدولية الضامنة للاستثمار.
وينتقد سعد، خطاب بعض المسؤولين الذين يرفعون شعار “الاقتصاد الحرّ” لتبرير غياب الحماية عن الصناعة الوطنية، مؤكداً أنّ أكبر الاقتصادات الحرّة في العالم، مثل الولايات المتحدة وأوروبا، تفرض قيوداً حمائيةً صارمةً على صناعاتها.
من هنا، يميز بين اقتصاد حرّ منتج يخلق قيمةً ويحمي الصناعة الوطنية، وبين اقتصاد فوضوي منفلت يغرق السوق بالبضائع الأجنبية دون أي رقابة صحية أو جودة، بينما يُثقل الصناعي السوري بسلسلة من القوانين والقيود المعقّدة.
فالصناعيون لا يطالبون بالدعم المالي، وفقاً له. هم يدركون صعوبة المرحلة، لكنهم بحاجة إلى دعم تشريعي يشمل قوانين واضحةً للضرائب، وتسهيل الاستيراد والتصدير، وتأمين الطاقة، وتحرير السيولة المالية من البنوك. والمشكلة الكبرى هي أنّ الصناعيين ما زالوا بعيدين عن مطبخ صنع القرار الاقتصادي، حيث يُطالبون بالإنتاج والتصدير دون أن يُستمع إلى مطالبهم الفعلية.
دور النخب الاقتصادية والسياسية
من زاوية تحليلية، يرى الدكتور عبد القادر نعناع، أستاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية في جامعة الشام، أنّ النظم العسكرية المتعاقبة منذ الاستقلال جعلت العسكر في صدارة المشهد، وأقصت النخب الاقتصادية المستقلة تدريجياً.
ويشرح نعناع، لرصيف22، أنّ فترة ما بين الاستقلالَين، وما تلا الاستقلال الثاني، شهدت تأثير الإقطاعية والبرجوازية الصناعية الناشئة في صياغة السياسات، لكن هذا الدور اختفى تقريباً بعد الوحدة مع مصر، حيث أوجد النظام العسكري نخبةً اقتصاديةً مصطنعةً لخدمة مصالحه.
وبذلك، قضت الأنظمة العسكرية-الاشتراكية على “البرجوازية الوطنية” عبر المصادرة والتهجير والتصفية، فيما ظهر خلال حكم بشار الأسد ما يُعرف بـ”برجوازية سلطوية” مرتبطة بالنظام، لكنها لم ترتقِ إلى مستوى البرجوازية الوطنية السابقة.
وبعد سقوط الأسد، يوضح نعناع أنّ “شبه العسكر” باتوا يديرون شؤون البلاد، ولا يسمحون بوجود نخبة اقتصادية مستقلة، بينما يظلّ النظام الجديد عاجزاً عن صناعة نخبة اقتصادية قوية ومستقلة يمكن أن تنافسه سياسياً. ويربط غياب النخب الاقتصادية بعوامل عدة: عدم الاستقرار الأمني والسياسي، ضعف الثقة بالنظام الجديد، ضعف البنية التحتية، وانخفاض المردودية المالية، بالإضافة إلى رغبة النظام في عدم وجود منافسة حقيقية.
الاستثمار العملي على الأرض
يشدد رجل الأعمال والإعلامي موسى العمر، على أنّ الاستثمار في سوريا ليس مجرد فكرة أو مشروعاً نظرياً، بل استجابة عملية لواقع اقتصادي، أمني، تشريعي، وإداري متشابك. ويقول إنّ الدولة تقدم التطمينات للمستثمرين، لكن المطلوب ترجمة هذه التطمينات إلى خطوات فعلية داخل المؤسسات، مثل تبسيط إجراءات التسجيل والموافقات، وضمان التعامل مع الأراضي الحكومية بسلاسة، وتسهيل تراخيص المشاريع دون تعقيد بيروقراطي.
ويضيف العمر، لرصيف22، أنّ الكوادر المهنية والعمالة الماهرة تشكّلان التحدي الأبرز في إعادة الإعمار، خصوصاً في مجالات المقاولات والبناء. ولحلّ هذه المشكلة، يقترح استقطاب الشباب السوري المغترب في تركيا، لبنان، والأردن، وتجهيزهم بالخبرات والتمويل اللازمين للمشاركة في مشاريع وطنية كبيرة.
ويؤكد أن قطاع المقاولات يشكّل القلب النابض للاقتصاد الوطني، لأنه يخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في الصناعات الداعمة مثل الإسمنت والطوب والكابلات والمعامل.
وقد أطلق العمر بالفعل مجموعة شركات متنوعة لتحقيق هذه الرؤية على الأرض، حيث يرى أن الاستثمار “المقيم” المنتج -الصناعي والزراعي والخدمي- هو المفتاح لإنعاش الاقتصاد المحلي وإيجاد فرص عمل مستدامة، بينما الاستثمار “الزائر” الاستهلاكي والربحي، مثل العلامات التجارية والمطاعم العالمية، لا يضيف قيمةً حقيقيةً للاقتصاد ويحوّل الأرباح إلى الخارج.
ويدعو رجال الأعمال السوريين في الخارج إلى تخصيص 10-15% من نشاطاتهم الاستثمارية داخل سوريا، وهو ما يمكن أن يضخّ ما بين 15 و20 مليار دولار في السوق المحلية ويخلق ما يصل إلى مليون فرصة عمل خلال خمس سنوات.
ويختم حديثه بأنّ حل أزمة الكهرباء خلال 6 أشهر، بحيث تصل التغذية إلى 16-17 ساعةً يومياً، سيمثل عنصراً حاسماً لإطلاق عجلة الإنتاج، إذ يعدّ أنّ ذلك سيحلّ نحو 80% من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في البلاد خلال عام واحد فقط.
الاستثمار القانوني والمستدام
يركز رئيس تجمع رجال الأعمال السوريين في مصر، خلدون الموقع، على أنّ نجاح الاستثمار في سوريا مرتبط بشكل مباشر بقدرة الدولة على توفير بيئة آمنة وتشريعات واضحة ومنافسة. فالاستثمار لا يُقاس فقط بحجم الأموال، بل بمدى خلق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، وتوفير فرص عمل، ودعم التنمية المستدامة.
ويشدد الموقع على ضرورة وضع خريطة استثمارية وطنية تحدد أولويات إعادة الإعمار والتنمية، بحيث يتم التركيز على المشاريع الإنتاجية (الصناعية، الزراعية، التجارية والخدمية) بدلاً من الاعتماد على استثمارات استهلاكية مؤقتة لا تقدّم قيمةً طويلة المدى. ويشير إلى أنّ الاستثمار الجيّد يضمن حقوق الدولة والمستثمر، من خلال قوانين واضحة وبسيطة تحدد الواجبات والحقوق للطرفين، دون جدلية مستقبلية في بنوده.
ويضيف أنّ السوريين في الخارج يمثّلون الرهان الأكبر لإعادة بناء الاقتصاد الوطني، خصوصاً الصناعيين الذين أسسوا مصانع ناجحةً في بلدان الاغتراب، وتمكنوا من جمع فائض مالي وخبرة عملية يمكن توظيفها لإنشاء صناعة وطنية منتجة ومفيدة.
كما يوضح الموقع أنّ نجاح أي استثمار يتطلب أن تكون الدولة قادرةً على تأمين استقرار سياسي وأمني، وضمان حركة الأموال والعمالة، وتبسيط الإجراءات القانونية والتشريعية، بحيث يستطيع المستثمر العمل بثقة على مشاريع مستدامة.
التوظيف السياسي للاقتصاد
تتحدث دراسة قديمة صدرت خلال عهد النظام السابق، للباحث محمود اللبابيدي، عن صعود طبقة جديدة من رجال الأعمال المرتبطين بالسلطة، الذين عملوا على مشاريع إعادة الإعمار بما يضمن الولاء السياسي أكثر من الكفاءة الاقتصادية. وتوضح الدراسة أنّ بعض المشاريع، مثل “ماروتا سيتي”، يمثّل نموذجاً للزبائنية المفرطة في الاقتصاد السوري، حيث يتصرف رجال الأعمال أكثر كمديرين لأموال المتنفذين وليس كأصحاب رساميل حقيقية.
وبرغم أنّ الدراسة تعود لفترة قديمة، إلا أن تحليلها قد يتيح لنا فهم جذور العلاقة بين النخب الاقتصادية والسياسية، وهو ما يمكن مقارنته اليوم مع تصريحات رجال الأعمال المعاصرين، الذين يحاولون تحويل رؤوس الأموال السورية في الخارج إلى مشاريع إنتاجية مستدامة، بعيداً عن الزبائنية والسيطرة السياسية المباشرة.
يبقى المستقبل الاقتصادي السوري مليئاً بالغموض والتحديات، فمع بروز نظام جديد لم تُرسم ملامحه بعد، تظل قدرة الصناعيين والتجار على استعادة دورهم كصانعي قرار اقتصادي حقيقي مسألةً مفتوحةً، يتشابك فيها الولاء السياسي مع الكفاءة الاقتصادية، ويُختبر فيها رأس المال السوري في الخارج ومدى استعداده للتحرك نحو مشاريع إنتاجية مستدامة على الأرض، بعيداً عن المخاطر الأمنية والبيروقراطية.
فهل ستنجح الحكومة الجديدة في خلق بيئة استثمارية واضحة ومستقرة، توازن بين الاستثمار الإنتاجي الذي يعزز الصناعة الوطنية ويوفر فرص عمل، والاستثمار الاستهلاكي الذي قد يرهق المواطن ويحوّل أرباحه إلى الخارج؟ كما يبقى التساؤل حول قدرتها على فرض تشريعات عادلة تحمي المستثمر وتعزز ثقة القطاع الخاص، بعيداً عن الزبائنية الاقتصادية والسياسية التي رافقت السنوات السابقة.
وفي ظلّ بلد مدمّر يحتاج إلى إعادة إعمار شاملة، هل سيتمكن قطاع الأعمال الوطني من أن يتحول إلى رافعة تنموية حقيقية أو ستظل المخاطر والتحديات تحدد مساره وتقيّده بقيود السلطة، ليظل دوره في صناعة القرار الاقتصادي رهين التجارب السابقة وانتظار وضوح ملامح النظام الجديد؟
كل هذه الأسئلة، المفتوحة والمعقدة، تشكل الإطار الذي سيحدد شكل الاقتصاد السوري ومستقبل الصناعة الوطنية والقطاع الخاص في السنوات القادمة، وتلقي الضوء على التحدي الأكبر: تحويل رأس المال والقدرات الاقتصادية السورية إلى قوة منتجة تخدم التنمية الحقيقية وتعيد بناء الوطن بعد سنوات من الحرب والدمار.
رصيف 22
————————————
الاقتصاد السوري بين أنقاض الحرب وفرص النهوض.. هل يبدأ التحول نحو اقتصاد ناشئ؟/ عزيز موسى
4 أكتوبر 2025
رغم سنوات الحرب والعقوبات التي أنهكت البنية الاقتصادية لسوريا وأدت إلى تراجع كبير في مستويات المعيشة وحدوث انهيارات اقتصادية وقطاعية كبيرة، تبرز العديد من الرؤى الجديدة حول إمكانية التحوّل من اقتصاد مُستنزَف مدمر إلى اقتصاد ناشئ. تتقاطع في هذه الرؤى إشارات إلى فرص كامنة في الموارد الطبيعية والزراعة والطاقة المتجددة، مع تحديات معقدة تتعلق بإعادة الإعمار، وعودة رؤوس الأموال، واستعادة الثقة المحلية والدولية؛ وبين آمال المستثمرين وخطط الحكومة ومحاولات القطاع الخاص النهوض من الركام، يبرز سؤال جوهري: هل يستطيع الاقتصاد السوري أن يُعيد تعريف نفسه كاقتصادٍ ناشئ قادر على اجتذاب الاستثمارات وتحقيق نمو مستدام؟ أم أن العقبات السياسية والهيكلية ستظل حجر عثرة أمام أي انطلاقة حقيقية؟
من اقتصاد مُستنزَف إلى فرص ناشئة
يرى الأستاذ المساعد في الاقتصاد الدولي بكلية العلوم السياسية في جامعة دمشق، الدكتور قاسم أبو دست، في حديثه لموقع “الترا سوريا” أن سوريا تواجه تحديات كبيرة في إعادة بناء اقتصادها وتحويله من اقتصاد مدمر إلى اقتصاد ناشئ قائم على التنوع والاستدامة، وهذه التحديات تتطلب إصلاحات هيكلية شاملة وتعاونًا دوليًا. إذ تتمتع سوريا بمقومات أساسية تمكنها من تحقيق هذا التحول مثل الموقع الجغرافي بين ثلاث قارات (آسيا، إفريقيا، وأوروبا)، مما يؤهلها لتكون مركزًا تجاريًا إقليميًا مهمًا، بالإضافة إلى قاعدة بشرية قادرة على إعادة البناء، والموارد الطبيعية المتنوعة بما فيها النفط. في المقابل، هناك عوامل ضعف كثيرة مثل البنية الاقتصادية المدمرة كتحول الاقتصاد السوري إلى اقتصاد حرب تديره شبكات ضيقة، وتحويل سوريا إلى مناطق نفوذ متعددة يعيق تحقيق الوحدة الاقتصادية والسياسية، وفقدان الثقة بمؤسسات الدولة.
من جانبه، يشير الخبير الاقتصادي والمستشار المالي، الدكتور علي محمد، في حديثه لـ”الترا سوريا” إلى أن هناك العديد من التجارب الدولية التي تشبه الحالة السورية من خلال التحول من اقتصاد مدمر أو متراجع بنسبة كبيرة جدًا الى اقتصاد ناشئ، إذ تبلغ تكلفة إعادة الإعمار في سوريا نحو 1000 مليار دولار، وذلك كخسائر مباشرة وغير مباشرة، وبخسارة بلغت نحو 800 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي، إذ كان الناتج المحلي بحدود 62 مليار دولار عام 2010، فيما يتراوح الناتج اليوم بين 4 و8 مليار دولار، بالتالي فإن الخسارة كبيرة في حجم الناتج المحلي الإجمالي، إضافة إلى الخسائر الكبيرة في العقارات والمصانع والكهرباء والطاقة والبنية التحتية وغيرها.
ويضيف الدكتور محمد أن عملية الانتقال إلى الاقتصاد الناشئ قد تحتاج إلى فترة زمنية طويلة ترتبط بسرعة التنفيذ، فعلى سبيل المثال، إن الدول الخارجة من الحروب تمثل فيها عملية الاستقرار الأمني والسياسي مرتكزًا رئيسيًا في النهضة الاقتصادية وتهيئة البيئة الاستثمارية والانفتاح على الاستثمار الأجنبي الخارجي، وذلك بسبب حجم الدمار الذي يكون قد لحق بالبنى التحتية، والذي دفع المستثمرين ورجال الأعمال إلى الاستثمار في الخارج، إضافة إلى ضرورة إصلاح البنية التحتية لأنه لا اقتصاد ولا إنتاج ولا تنمية دون بنية تحتية قوية متينة (الكهرباء، الطاقة، الجسور..إلخ)، وهذا يرتبط بدوره بوجود قطاع مصرفي قوي لإعادة إقلاع العملية الاقتصادية ونظام نقدي سليم وجيد وتنويع المصادر والقطاعات التي يعتمد عليها الاقتصاد الوطني.
ويرى أن سوريا تعتمد على جميع القطاعات بشكل متفاوت سواء على الزراعة أو الصناعات التحويلية أو الصناعات الأخرى، وبخاصة الغذائية، إضافة إلى قطاع الخدمات، وبالتالي تنويع هذه القطاعات وتفعيلها هو ركن أساسي. نحن بلد زراعي بطبيعة الحال، وبالتالي العمل على تكريس أساس الزراعة وتفعيل الصناعات المتوسطة والصغيرة، كل ذلك يجب أن يترافق مع قوة بشرية مؤهلة مدربة قادرة على أن تحمل أعباء التنمية الاقتصادية. وسوريا لديها موارد بشرية مهمة جدًا في الداخل أو التي ذهبت إلى بلاد الاغتراب بسبب الحرب، فبالتالي هذه النقطة يجب أن تكون مهمة وتحظى بالاهتمام بما يتطلبه هذا الانتقال.
هل تستطيع سوريا تحويل المخاطر إلى فرص للنهوض الاقتصادي؟
تتطلب عملية الانتقال إلى الاقتصاد الناشئ مجموعة من العوامل الأساسية، إذ يرى الدكتور أبو دست أنه لتحقيق هذا الانتقال يجب المرور بثلاث مراحل: المرحلة الأولى هي إعادة الاستقرار الأمني، وإصلاح المؤسسات، ورفع العقوبات بشكل جزئي، وبدء برامج الإغاثة وإعادة الإعمار، أما الثانية فتركز على تحقيق نمو اقتصادي مستدام، وجذب الاستثمارات الخارجية، وتنويع القطاعات الاقتصادية، وخفض معدلات البطالة إلى مستويات مقبولة.
ويضيف أنه في المرحلة الثالثة يتم التحول إلى اقتصاد ناشئ متكامل، مع مؤشرات اقتصادية مستقرة، إلا أن هذه العملية تواجه مجموعة من المخاطر التي تبرز على الصعيد الداخلي تتمثل بعدم الاستقرار الأمني، الفساد المالي والإداري، عدم القدرة على إصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية. أما على المستوى الخارجي فتواجه سوريا مجموعة من المخاطر المتمثلة باستمرار العقوبات الدولية، التنافس الإقليمي على النفوذ، وعدم توفر التمويل الكافي لإعادة الإعمار.
ويؤكد الدكتور محمد أنه بمقاربة النماذج العالمية، فإن الفترات الزمنية تعتمد في تحقيقها على مدى تنفيذ الخطوات. كما يمكن افتراض بعض السيناريوهات، مثل التركيز خلال الفترة الأولى، وهي خمس سنوات، على إعادة إعمار الأساسيات في البنى التحتية، وثانيًا زيادة الانفتاح نحو الاستثمار العالمي في سوريا، والتي بدورها ستشجع الاستثمار، وتزيد من الناتج المحلي الإجمالي بنسب محددة قد تصل خلال أول خمس سنوات إلى 5%، يمكن من خلالها استقطاب جزء هام من اليد العاملة وهذا يتعلق بدوره بحجم المشاريع في هذه الفترة.
وتابع حديثه أنه في الفترة الثانية التي قد تمتد إلى نحو سبع سنوات أو ربما 10 سنوات، تتصاعد العملية الإنتاجية وقد تنخفض نسب البطالة إلى 15% أو 17%، حيث تستمر عملية وترتفع معدلات التصدير، ويستقر سعر الصرف ويصبح القطاع المالي أكثر قوة من المرحلة السابقة، نتيجة دخول بنوك جديدة، وزيادة مصادر التمويل واستخدام كل أدوات التمويل في تشجيع العملية الإنتاجية. أما الفترة التالية، فهي الفترة التي ستظهر فيها معالم الاقتصاد بشكل أفضل نتيجة التراكم بالناتج المحلي الإجمالي خلال 10 سنوات الأولى، والذي قد يصل إلى نسبة بسيطة تتراوح بين 2% إلى 4% ، وفي الـ10 سنوات التالية قد تصل إلى 8%، ومن ثم يتزايد بالعشر سنوات الثالثة بمعدل ربما يتجاوز 10% والبطالة قد تنخفض إلى ما بين 10% و12%.
عقوبات تثقل كاهل الاقتصاد
يشير الدكتور أبو دست إلى أن العقوبات تمثل عقبة كبيرة أمام إعادة الاستقرار الاقتصادي في سوريا، إذ تعيق الوصول إلى الموارد المالية الدولية والاستثمارات الأجنبية، وتمنع إعادة بناء القطاع المالي والمصرفي، وتحد من القدرة على استيراد التقنيات والسلع الأساسية لإعادة الإعمار. ولكسر هذه الحواجز لا بد من تنفيذ إصلاحات مؤسسية حقيقية، خاصة في المجال الأمني والقضائي، وإجراء مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لتخفيف العقوبات المفروضة على سوريا، والتي تم رفعها بشكل جزئي منذ أيار/مايو 2025، وبدء الإعلان عن استثمارات ومشاريع في قطاعات حيوية، مثل الطاقة والموانئ، مقابل تنفيذ إصلاحات محددة، وتعزيز التعاون الاقتصادي مع الدول الإقليمية التي لديها مصلحة في استقرار سوريا، وإنشاء آليات تمويل بديلة بالتعاون مع شركاء إقليميين ودوليين لتجاوز تأثير العقوبات على القطاعات الإنسانية والتنموية.
الإصلاح.. طريق محفوف بالتحديات
تبرز مجموعة من التحديات التي تعد عائقًا في عملية الانتقال إلى الاقتصاد السوري، والتي تتطلب بدورها عوامل موضوعية ومرونة في التعاطي، إذ يوضح الدكتور أبو دست أن التحديات التي تواجه هيكلة الاقتصاد والنهوض به تتمثل باستمرار عدم الاستقرار الأمني، والتحديات المؤسسية مثل ضعف القدرة المؤسسية واستمرار ثقافة الفساد، والتحديات المالية مثل نقص الموارد المالية اللازمة لإعادة الإعمار، والتحديات الاجتماعية مثل استمرار حالة عدم الثقة في المجتمع. وبالتالي فإن الانتقال بسوريا من اقتصاد مدمر إلى اقتصاد ناشئ قائم على التنوع ممكن، لكنه يتطلب وقتًا طويلًا قد يمتد لسنوات.
وختم حديثه لـ”الترا سوريا” موضحًا أن نجاح ذلك يتوقف على عدة عوامل أساسية، أهمها إرادة سياسية للإصلاح وتوافق سياسي شامل يحقق الاستقرار ويوحد الجغرافيا السورية، بالإضافة إلى دعم دولي وإقليمي كبير من خلال رفع العقوبات وتقديم المساعدات والاستثمارات. كما أن هناك ضرورة لوجود ضمانات أمنية لحماية المشاريع الاستثمارية وحل النزاعات التجارية، وضمانات مؤسسية من خلال إنشاء هيئات مستقلة لمراقبة أداء المؤسسات الحكومية ومكافحة الفساد، وتأسيس محاكم متخصصة للنظر في المنازعات التجارية والاستثمارية، وإنشاء هيئة مستقلة لضمان حقوق المستثمرين، وإقرار قوانين استثمارية تتوافق مع المعايير الدولية، وتوقيع اتفاقيات دولية لحماية وتشجيع الاستثمار.
الترا سوريا
———————————
منزل بـ300 عام من العمل… هل يختصر القانون 39 الطريق نحو التملك في سوريا؟/ وسيم إبراهيم
2025.10.04
في سوريا، لم يعد امتلاك منزل حلماً مؤجلاً فحسب، بل تحوّل إلى أزمة بنيوية تتشابك فيها اختلالات السوق العقاري مع هشاشة الدخل وتضخم أسعار مواد البناء، في ظل غياب أدوات التمويل الفعّالة. فالعقار الذي يُفترض أن يكون حقاً سكنياً بات سلعة نخبوية ومجالاً للمضاربة والائتمان، في بلدٍ تُعرض فيه شقق في دمشق بأسعار تبدأ من 100 ألف دولار وتصل إلى أكثر من مليون دولار، في حين لا يستطيع دخل المواطن أن يغطي جميع احتياجاته الأساسية.
خبراء في المجال العقاري ذكروا
عبر تقارير إعلامية. أن ربط العقار بالدخل في سوريا بأنه “أمر مستحيل”، وأن الموظف السوري يحتاج إلى نحو 300 عام لجمع ثمن منزل، إذا ما بقيت الأسعار على حالها، ومن دون أن ينفق شيئاً على الطعام أو الشراب. هذا الرقم الصادم يعكس حجم الفجوة بين القدرة الشرائية والأسعار، ويؤكد أن السوق العقاري بات مغلقاً أمام أصحاب الدخل المحدود.
دمشق تنافس طوكيو… والموقع يحدّد السعر
تقارير إعلامية وخبراء عقاريون يؤكدون
أن أسعار العقارات في أحياء دمشق الراقية مثل المالكي وأبو رمانة وتنظيم كفرسوسة وباب توما، باتت تنافس نظيراتها في عواصم أوروبا وأميركا، بل وتقترب من أسعار طوكيو. ففي المالكي، قد يصل سعر شقة بمساحة 100 متر مربع إلى نصف مليون دولار، في حين لا تتجاوز شقة مماثلة في المزة 86 خمسين ألف دولار. هذا التفاوت يكرّس حقيقة أن “الموقع هو الملك”، لكنه يكشف أيضاً عن انفصال السوق عن الواقع المعيشي للمواطن، حيث تحوّل العقار من وظيفة “السكن” إلى أداة للمضاربة والائتمان، في حين أن معظم دول العالم تستخدمه كحق سكني أساسي.
في حين يستطيع المواطن في برلين أو باريس امتلاك شقة عبر قرض طويل الأجل بفائدة منخفضة، فإن المصارف السورية لا تقدّم قروضاً عقارية مجدية، أو تفرض فوائد مرتفعة جداً، ما يجعل التمويل العقاري شبه معدوم. هذا الواقع يدفع المواطن إلى العزوف عن فكرة التملّك، أو اللجوء إلى البناء الذاتي الذي بات بدوره خياراً مستحيلاً بسبب تضخم أسعار الإسمنت والحديد وأجور اليد العاملة.
محاولات حكومية لتوسيع العرض السكني
ورغم هذا الواقع، أعلن وزير الأشغال العامة والإسكان، مصطفى عبد الرزاق، أن المؤسسة العامة للإسكان والتعاون السكني والتطوير العقاري تعمل على برامج لإنشاء 100 ألف وحدة سكنية، رغم التحديات التمويلية التي تواجه القطاع. وأوضح أن تنفيذ هذه المشاريع يتم عبر مسارات متعددة تشمل الدعم الحكومي، والاستثمار، والشراكات، في محاولة لردم الفجوة السكنية المتفاقمة وتوفير حلول واقعية للمواطنين.
الوزير ذاته كشف أيضاً أن سوريا تضم نحو مليون منزل مدمر نتيجة للعمليات العسكرية، إلى جانب ثلاثة إلى أربعة ملايين مواطن يقيمون في مساكن عشوائية تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط السكن اللائق. وبعد سقوط النظام المخلوع، بدأت الوزارة بتقييم أوضاع المحافظات، لتكتشف واقعاً مأساوياً يتمثل في تسرب الكوادر المؤهلة، وبقاء موظفين إما فاسدين أو فاقدين للحافز، وسط تحديات لوجستية تشمل معدات متهالكة وتقنيات تعود إلى ستينيات القرن الماضي.
طلب متزايد على الإسمنت… قبل الإعمار
قبل انطلاق عملية إعادة الإعمار، تواجه سوريا فجوة في إنتاج الإسمنت تصل إلى أكثر من 50%، تُسد عبر الاستيراد من دول مثل تركيا والسعودية والجزائر والأردن ومصر. وتشير
التقديرات إلى أن المشاريع الاستثمارية والسكنية التي أُعلن عنها مؤخراً بالتعاون مع السعودية وقطر والإمارات، ستحتاج إلى أكثر من 200 مليون طن من الإسمنت خلال فترة تنفيذها، مع طلب سنوي قد يرتفع إلى 20 مليون طن إذا تسارعت وتيرة الإعمار.
صندوق تنموي جديد… ووعود بالعودة الآمنة
وفي خطوة جديدة ضمن ملف إعادة الإعمار، كان قد كشف مصدر حكومي عن تحضيرات لإطلاق صندوق تنموي يهدف إلى دعم عودة النازحين إلى مدنهم وبلداتهم، مع إعطاء الأولوية للمناطق الأكثر تضرراً. ويُنتظر أن يشكّل هذا الصندوق نقلة نوعية في تنظيم جهود الإعمار، عبر آليات شفافة وسريعة، تبدأ بإعادة تأهيل البنى التحتية الحيوية مثل شبكات المياه والكهرباء والتعليم، بما يضمن عودة آمنة وممكنة للسكان.
قانون 39… محاولة لبناء نظام تمويل عقاري
وفي السياق ذاته، أكد حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر حصرية، في تصريح له مؤخراً. أنه أسهم في وضع القانون 39 الذي أرسى نظاماً متكاملاً للتمويل العقاري، يستند إلى التجربتين الدنماركية والكندية، ويهدف إلى تلبية تطلعات الشباب السوري للحصول على سكن لائق في سن مبكرة. ويتضمن النظام إحداث هيئة ناظمة، وصندوق للضمان، وتطوير مهنة التقييم العقاري، إلى جانب إطلاق مؤسسة وطنية للتمويل العقاري، وتمكين شركات خاصة تعمل ضمن ضوابط واضحة. وشدد حصرية على ضرورة توفير قروض ميسّرة بدعم من المؤسسات الدولية المانحة، لتمكين من دُمرت منازلهم من إعادة بنائها.
في ظل هذا الواقع العقاري المتشابك، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: كيف يمكن للمواطن السوري أن يحقق حلمه في امتلاك مسكن؟ وما هي الخيارات المتاحة أمامه في سوق بات مغلقاً على أصحاب الدخل المحدود، وبعيداً عن منطق العدالة السكنية؟.
هذا التقرير يحاول أن يقدّم إجابة مهنية وتحليلية لهذا السؤال، عبر تفكيك بنية الأزمة السكنية في سوريا، من كلفة البناء المتضخمة إلى غياب التمويل العقاري الفعّال، ومن تحوّل العقار إلى سلعة نخبوية للمضاربة والائتمان، إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطن العادي، للوصل إلى حلول واقعية.
كلفة البناء في سوريا: أرقام متفاوتة حسب الجودة والخدمات
المهندس ماهر مرهج، صاحب شركة بداية للاستثمارات العقارية، أكد لموقع “تلفزيون سوريا”، أن متوسط كلفة بناء المتر على الهيكل في سوريا حالياً يبلغ نحو 100 دولار، وذلك بجودة فنية عالية، في حين تتراوح كلفة الإكساء بين 50 و150 دولاراً في مشاريع السكن الاقتصادي، وقد تصل إلى 500 دولار في حال السكن المرفّه. أما كلفة “العضم” فهي ثابتة نسبياً، لكن ما يرفع الكلفة هو حجم الخدمات والبنى التحتية المرافقة للمشروع، مثل وجود مرائب سيارات، نوادٍ اجتماعية ورياضية، وحدائق، وهي عناصر تُحمّل على سعر المتر وتنعكس على السعر النهائي للوحدة السكنية.
وأوضح مرهج أن اختلاف التضاريس بين جبل وسهل، ريف ومدينة، وبعد أو قرب الموقع، يؤثر على الكلفة، لكن هذه الفروقات تصبح هامشية في المشاريع الكبرى ذات المساحات الواسعة، حيث تُوزّع التكاليف على عدد كبير من الأمتار، وتظهر بشكل أوضح في الأبنية المنفردة أو ذات الطوابق القليلة. وأضاف: “في الأبراج السكنية التي تتجاوز 30 طابقاً، كما في بعض مشاريع ماروتا سيتي بدمشق، قد تصل كلفة المتر مع الإكساء الخارجي إلى أكثر من 200 دولار، نتيجة للخدمات الإدارية والترفيهية المضافة، والتي تُعوّض لاحقاً من خلال الوحدات التجارية في البناء، ويعود ريعها لجمعية أو هيئة المالكين أو الشاغلين”.
هوامش الربح: المستثمر أولاً والمقاول لاحقاً
في قطاع البناء السكني، تتجاوز نسبة ربح المستثمر غالباً 50%، وقد تصل إلى 80% من رأس المال، في حين تتراوح أرباح المقاول (سواء كان فرداً أو شركة) بين 5 و15% في الظروف الطبيعية. لكن هذه النسب تتأثر بالتضخم، خاصة إذا كانت العقود بالليرة السورية، كما حدث خلال سنوات الحرب، إذ تكبّد المقاولون خسائر كبيرة نتيجة لتدهور سعر الصرف. ومع تحرير الاقتصاد، باتت معظم العقود تُبرم بالدولار أو بعملات أجنبية، ما أعاد التوازن نسبياً إلى القطاع.
التمويل العقاري: الحلقة المفقودة في معادلة التملّك
شدد مرهج على أن ما يهم المستثمر في قطاع البناء ليس تمويل المشروع ذاته، فغالباً ما يمتلك المطورون العقاريون ملاءة مالية كافية، بل ما يهم هو وجود تمويل ميسّر للوحدات السكنية لصالح المشترين. وقال: “هذا النموذج معمول به في معظم دول العالم، حيث تضمن البنوك الحكومية أو التجارية قروضاً طويلة الأجل تصل إلى 25 عاماً، أو تمويلات قصيرة بفوائد معقولة (نحو 10% لمدة خمس سنوات)، ما يتيح للمستثمر تسويق مشروعه واسترداد رأس المال، في حين تبقى العلاقة بين المشتري والبنك الممول”.
وأضاف: “هنا تبرز الحاجة إلى قوانين من المصرف المركزي السوري لتسهيل منح القروض العقارية بضمانة العقار، وترخيص شركات تمويل ورهن عقاري رديفة للبنوك، تسهم في إنعاش قطاع البناء السكني والتجاري”.
الجدوى الاقتصادية: البيع بالتقسيط يحدد دورة رأس المال
تحسب الجدوى الاقتصادية للمشروع وفق آلية البيع، فالتقسيط مثلاً يفرض احتساب دورة رأس المال والأرباح بدقة. وأشار مرهج إلى أن معظم المطورين العقاريين يحيلون موضوع التقسيط إلى البنوك، في حين يفضّل بعضهم البيع المباشر بالتقسيط، مع مراعاة دورة رأس المال. وقال: “في بلد كـسوريا، خرج من حرب طويلة ويعاني من انخفاض شديد في الدخل، يصبح التمويل العقاري المدعوم ضرورة لا ترفاً”.
الأرض المنظمة: التحدي الأكبر أمام مشاريع الدخل المحدود
تحديات مشاريع السكن الشعبي تبدأ من ثمن الأرض المنظمة، خاصة في مراكز المدن أو قربها، حيث تكون الأسعار مرتفعة جداً. وهنا يكمن دور الدولة في تنظيم أراضي أملاكها وطرحها على المستثمرين بأسعار رمزية أو بنظام النسبة، مع اشتراط تنفيذ البناء خلال عام، لمنع تحولها إلى تجارة أراضٍ من دون عمران. هذا النموذج معمول به في دول مثل الإمارات ومصر، ويُعد مدخلاً أساسياً لتوسيع العرض السكني.
أكد مرهج أن خفض التكاليف لا يعني بالضرورة خفض الجودة، فالفروقات بين البناء الجيد والسيئ ليست كبيرة من حيث السعر، لكن يمكن تخفيف المساحات وطرح وحدات صغيرة بأسعار مقبولة، مثل الاستديوهات أو نظام غرفة وصالة، لتلبية احتياجات محدودي الدخل، مع الحفاظ على جودة البناء والخدمات.
مشاريع فاخرة خارج حسابات الأغلبية
انتقد مرهج توجه بعض المشاريع الكبرى مثل ماروتا سيتي وباسيلي سيتي نحو شريحة لا تتجاوز 5% من السوريين، حيث تجاوز سعر المتر فيها ألف دولار، رغم انخفاض كلفة الأرض. وقال: “يفترض بالتوجه الحكومي أن يمنح مزايا للشركات الراغبة بالاستثمار في السكن الشعبي، مثل السماح بعدد طوابق أكبر (حتى 10 أو 12 طابقاً) من دون الحاجة لبنى تحتية خاصة، وتنظيم الأراضي غير القابلة للزراعة وفق قانون تطوير عقاري واقعي، لا مستنسخ من الخارج”.
قانون التطوير العقاري: الحاجة إلى تعديل واقعي
في ختام تصريحه، دعا المهندس ماهر مرهج إلى تعديل القانون الحالي الذي يشترط على المطور أن تكون مساحة الأرض فوق 250 دونماً، واصفاً هذا الشرط بأنه “تعجيزي”. وقال: “في الثمانينيات، كانت الجمعيات السكنية تُمنح حق التنظيم على مساحة 50 دونماً، ونتج عنها مشاريع كثيرة رغم فساد بعضها. فما المانع اليوم من سن قانون يسمح للشركات والمؤسسات والأفراد بتنظيم أراضٍ بمساحة 50 دونماً، وفق ضابطة بناء معقولة، تسمح ببناء 40% من المساحة، بطوابق لا تتجاوز العشرة، من دون مرائب، أو بنظام قرى من طابق أو طابقين؟ مثل هذا التوجه قد يطلق نهضة عمرانية بيد أبناء ومقاولي سوريا، بدل انتظار شركات التطوير الخليجية التي قد تحتاج سنوات لدخول السوق المحلي”.
الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي قال لموقع “تلفزيون سوريا”، إن أزمة الإسكان في سوريا تُعدّ من أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة، نتيجة لتراكمات تنظيمية، وتداعيات الحرب، وغياب سياسات إسكانية فعّالة، ما جعل امتلاك منزل حلماً مؤجلاً لغالبية السوريين.
يشير الدكتور قوشجي إلى أن أسعار الإيجار في دمشق تتراوح بين 650 و800 دولار شهرياً، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف متوسط الدخل السنوي للمواطن السوري. كما تُقدّر كلفة إصلاح منزل واحد بنحو 50 مليون ليرة سورية، في ظل انهيار قيمة العملة المحلية وارتفاع أسعار مواد البناء. وتعكس هذه الفجوة الهيكلية بين كلفة السكن والدخل اختلالًا في العدالة السكنية، وتُضعف قدرة الأسر على التملّك أو حتى الاستئجار.
امتلاك منزل… حلم مؤجل
ويعتبر الدكتور قوشجي أن امتلاك منزل في سوريا بات حلماً مؤجلاً، لا سيّما لفئة الشباب والعائدين من النزوح. فقد أظهر استطلاع أن 76% من الشباب السوري يؤجلون الزواج بسبب غياب السكن المستقل، ما يشير إلى تأثير مباشر على الاستقرار الأسري والاجتماعي. ويضيف أن غياب التمويل العقاري، وتآكل مدخرات المكتتبين، وارتفاع الأسعار غير المبرر، كلها عوامل تجعل التملّك خارج متناول المواطن العادي.
غياب القروض العقارية والبدائل الممكنة
كما أن غياب القروض العقارية طويلة الأجل يعود إلى ضعف البنية المؤسسية، وغياب سوق عقاري موثّق، وعدم استقرار سعر الصرف، ومحدودية قدرة المواطنين على تحمّل الأقساط. ويقترح الدكتور قوشجي عدداً من البدائل الممكنة، منها:
إعادة هيكلة الجمعيات التعاونية المتعثرة.
تأسيس صندوق ضمان للمقترضين.
إطلاق برامج دعم حكومي تشمل إعانات أو قروضًا من دون فائدة.
إدخال نموذج السكن الإيجاري المنظّم كخيار بديل للتملّك.
خطة المصرف المركزي للتمويل العقاري
يشير الدكتور قوشجي إلى أن مصرف سوريا المركزي أعلن عن خطة للتمويل العقاري مستوحاة من نماذج دنماركية وكندية، تتضمن إنشاء هيئة مستقلة لتنظيم السوق العقاري، وتأسيس صندوق ضمان، وتطوير أدوات تمويل طويلة الأجل بفوائد مدروسة. لكنه يلفت إلى أن نجاح هذه الخطة يتطلب تكييفها مع الواقع السوري، وتجاوز العقبات المؤسسية والتشريعية.
يرى الدكتور إبراهيم قوشجي أن فئات محدودة من المستثمرين احتكرت الأراضي المنظمة من دون تطويرها، بهدف رفع قيمتها المستقبلية. كما غابت شركات التطوير العقاري الجادة، مما جعل الملكية العقارية الخيار الوحيد لنموذج السكن في سوريا. وقد أدى ذلك إلى نشوء فقاعة سعرية في السوق العقاري، وتجميد مشاريع التطوير، وإضعاف فرص المواطن العادي في الحصول على سكن لائق.
نحو تحقيق حلم التملّك
يؤكد الدكتور قوشجي أن تحقيق حلم المواطن في امتلاك منزل يتطلب حزمة من السياسات تشمل:
1ـ إعادة هيكلة الجمعيات التعاونية وإدماجها في منظومة التمويل العقاري الجديدة.
2ـ إدخال نظام السكن الإيجاري المنظّم.
3ـ تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
4ـ تطوير التخطيط العمراني وتشجيع البناء الشاقولي، بالتزامن مع إعادة الإعمار الذكي للمناطق المتضررة.
أزمة مركّبة تتطلب حلولًا تكاملية
يختم الدكتور إبراهيم نافع قوشجي بالقول إن أزمة السكن في سوريا ليست مجرد مشكلة عرض وطلب، بل هي أزمة مؤسساتية وتشريعية وتمويلية. ويتطلب حلّها نهجاً تكاملياً يجمع بين الإصلاح المؤسسي، وتطوير أدوات التمويل، وتفعيل الرقابة، وضمان العدالة الاجتماعية في توزيع السكن.
أسعار مواد البناء ارتفعت 20%
الدكتور زياد عربش الخبير الاقتصادي والأستاذ في جامعة دمشق، أكد لموقع “تلفزيون سوريا”، أن السياق الاقتصادي العام في سوريا، بما يشمله من انخفاض القيمة الحقيقية للناتج المحلي الإجمالي، وأزمة السيولة الحادة الناتجة عن نقص العملة الورقية وتآكل القدرة الشرائية، ينعكس بشكل مباشر على قطاع العقارات، ويزيد من هشاشته في ظل غياب سياسات دعم فعّالة.
وأشار عربش إلى أن أسعار مواد البناء شهدت ارتفاعاً غير مسبوق، حيث بلغ سعر طن الأسمنت بين 2.8 إلى 3.5 مليون ليرة سورية، كما ارتفع سعر الحديد إلى مستويات مماثلة. وأضاف أن أسعار مواد أخرى مثل الرمل والبحص والبلوك ارتفعت بأكثر من 20%، نتيجة لزيادة أجور اليد العاملة، وارتفاع الطلب مقابل قلة العرض، فضلاً عن تأثير رسوم الجمارك وتكاليف الوقود.
غياب التخطيط العمراني يعرقل إعادة الإعمار
وحذّر الدكتور عربش من أن غياب المخططات التنظيمية والتخطيط العمراني الشامل لبناء مجتمعات آمنة ومتكاملة يقوّض أي محاولة للانطلاق في النمو الحضري أو إعادة تأهيل المناطق المهدّمة. وأوضح أن التوسع العشوائي، وتراكمات النزوح السكاني، ونقص الخدمات، والمشكلات التخطيطية المزمنة، تمثل تحديات كبيرة أمام أي مشروع إسكان مستقبلي.
وبيّن عربش أن غياب الإقراض، خاصة القروض الشخصية وتمويل المشروعات الصغيرة، ينعكس سلباً على ذوي الدخل المحدود، ويمنعهم من تحسين أوضاعهم الاقتصادية، مما يزيد من تعقيد أزمة السكن. وأضاف أن ارتفاع أسعار مواد البناء بالتزامن مع غياب التمويل الملائم يحدّ كثيراً من فرص إعادة الإعمار وتحسين ظروف السكن، لا سيما للطبقات الأضعف.
واختتم الدكتور عربش بالقول: إن تعقيدات المخططات التنظيمية وتأخر صدورها، إلى جانب الوضع الاقتصادي المتدهور، تجعل من أزمة السكن في سوريا أزمة مركّبة، تتطلب تدخلاً مؤسسياً عاجلاً، وإعادة نظر شاملة في سياسات التمويل والتخطيط العمراني.
نهاية القول: في ظل غياب التمويل العقاري، وارتفاع تكاليف البناء، تبدو أزمة السكن في سوريا أكثر من مجرد خلل عمراني؛ إنها انعكاس مباشر لتراكمات الحرب التي لم تُعالج بعد. وكما أشرنا، فإن تجاوز هذه الأزمة يتطلب إرادة مؤسسية حقيقية، ورؤية تخطيطية شاملة، وأدوات تمويل مرنة تضع المواطن في قلب المعادلة، لا على هامشها. فالسكن ليس رفاهية، بل حقٌ أساسي، واستعادته هو أول الطريق نحو استقرار اجتماعي واقتصادي طال انتظاره.
تلفزيون سوريا
———————–
الاستثمار في التعليم.. أعظم رهان لإعادة بناء سوريا/ أسامة منير ابراهيم
2025.10.03
منذ سنوات، يشغلني سؤال أساسي: ما القيمة الحقيقية للاستثمار في تعليم أطفالنا اليوم؟ وهل يمكن أن يشكّل التعليم، لا السلاح ولا النفط ولا أي مورد آخر، الركيزة الأولى لنهضة سوريا بعد سنوات الحرب المريرة؟
الجواب، بحسب علم اقتصاديات التعليم وتجارب الأمم التي مرّت بنفس أحوالنا وربما بأسوأ، واضح وحاسم: كل دولار يُنفق على التعليم المبكر للطفل يعود أضعافاً مضاعفة على المجتمع والاقتصاد.
العوائد الاقتصادية للتعليم حسب العمر
ووفقاً لأبحاث الحائز على جائزة نوبل جيمس هيكمان، وتقارير البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، يمكن تقدير العائد على كل دولار يُستثمر في التعليم على النحو التالي:
الطفولة المبكرة (0–5 سنوات): 7–13 دولاراً عائداً لكل دولار واحد.
المرحلة الابتدائية (6–12): 4–6 دولارات.
المرحلة الثانوية (13–18): 3–4 دولارات.
التعليم الجامعي (18–24): 2–3 دولارات.
التعليم المستمر للكبار (25 سنة فما فوق): 1–2 دولار.
ربط التعليم بسوق العمل لضمان أن يجد الشاب المتخرج مكانه في الاقتصاد الواعد الذي يتنبأ كثيرون بأن يكون محركاً للنهوض.
وهذا يعني ببساطة أن الاستثمار الأكبر والأذكى يبدأ من السنوات الأولى من عمر أطفالنا، حين يكون الدماغ في ذروة مرونته، وحين تُبنى المهارات الإدراكية والاجتماعية التي تُشكّل أساس التعلم والعمل لاحقاً.
دروس من اليابان وألمانيا
حين خرجت اليابان من الحرب العالمية الثانية منهكة ومدمرة، لم يكن لديها خيار سوى الاستثمار في التعليم ليكون أساس نهضتها الاقتصادية. وكذلك فعلت ألمانيا الغربية التي أعادت بناء إنسانها قبل مصانعها. وكانت النتيجة أن الدولتين أصبحتا قوتين اقتصاديتين عالميتين خلال جيل واحد فقط.
سوريا والفرصة التاريخية
سوريا اليوم، بعد سنوات من الحرب، تواجه لحظة مشابهة. إمّا أن نستثمر في جيلنا الجديد فنصنع منه عماد النهضة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وإمّا أن نكرر الأخطاء ونترك التعليم رهينة للفوضى والعشوائية.
كل دولار يُستثمر اليوم في تعليم طفل سوري عمره أربع سنوات قد يتحول إلى 12 دولاراً غداً من خلال إنتاجيته، وإبداعه، وانخفاض تكاليف البطالة والجريمة والصحة العامة.
أمّا إن تُرك بلا تعليم، فسيكلف المجتمع أضعاف ذلك في صورة دعم اجتماعي وخسارة فرص اقتصادية وعدم استقرار.
سياسات عامة للنهوض بالتعليم
لذلك، لا بد من سياسات عامة جريئة تضع التعليم في صدارة الأولويات الوطنية، ومنها:
تعميم التعليم المبكر عبر رياض الأطفال المجانية أو شبه المجانية.
تأهيل المعلمين بمستوى عالمي، لأن المعلم هو العمود الفقري لأي إصلاح. وهنا علينا الاستفادة من الدول الصديقة أو الراعية التي مرت بتجارب مشابهة، وأقصد تحديداً تركيا التي رقمنت التعليم منذ أكثر من 15 عاماً بالكامل، فأصبح لكل طالب جهازه اللوحي (آيباد) الذي يمثّل منصته للتعلم والتواصل مع مدرسته ومعلميه.
التركيز على المهارات لا الحفظ، وبناء المناهج حول الإبداع والابتكار والتفكير النقدي. ولنا أن نتعاون هنا مع تجارب دول متقدمة صديقة للشعب السوري، مثل فنلندا، التي احتفظت بالمركز الأول عالمياً في التعليم المبكر لسنوات طويلة وفقاً للتقارير الدولية.
إقامة شراكات مع القطاع الخاص والمنظمات الدولية لتأمين التمويل وضمان الاستدامة.
ربط التعليم بسوق العمل لضمان أن يجد الشاب المتخرج مكانه في الاقتصاد الواعد الذي يتنبأ كثيرون بأن يكون محركاً للنهوض، فلا تبقى شريحة الشباب بعيدة عن أن تكون عماد بلدها في مختلف القطاعات. وهنا نجيب عن السؤال الأزلي الذي كرّسه عهد النظام البائد: لماذا بقي التعليم بعيداً عن التطوير الشخصي للمتعلمين، وبالتالي بعيداً عن رفد سوق العمل بالكفاءات؟
كل دولار ننفقه اليوم على تعليم أطفال سوريا، سيعود علينا غداً بسبعة إلى ثلاثة عشر دولاراً.
خاتمة
يمكننا أن نقول كثيراً، لكن لا مندوحة لنا سوى أن نتمسك بالأمل، وأن نضع قاعدة أساس ننطلق منها: إن تعليم الجيل السوري ليس ترفاً ولا مجرد التزام أخلاقي، بل هو أعظم استثمار مالي واقتصادي يمكن أن نقوم به. فاليابان وألمانيا ليستا بعيدتين عن متناولنا إذا امتلكنا الإرادة السياسية والرؤية.
ولعل أصدق ما يمكن أن نختم به هو هذه القاعدة الذهبية:
كل دولار ننفقه اليوم على تعليم أطفال سوريا، سيعود علينا غداً بسبعة إلى ثلاثة عشر دولاراً.
فهل سنفهم قيمة هذه الفرصة التاريخية ونستثمر فيها، أم نتركها تضيع في ضوضاء السياسة؟
تلفزيون سوريا
————————————-
سوريا: بين أفراح النصر وأثمانه/ عمر قدور
السبت 2025/10/04
شهدت سوريا في الأسابيع الفائتة حملات تبرّع في العديد من المدن، حيث كان مهرجان التبرع في كل مدينة يهدف إلى التشجيع على مساهمة السوريين في إعادة إعمار بلدهم. نظرياً، النتائج كانت مشجّعة، فقد سجّل بعض الحملات أرقاماً عالية تبشّر بتحفيز المزيد من أصحاب الأموال على التبرّع. أما واقعياً فكان الأمر مختلفاً، فعلى سبيل المثال نقل موقع “تلفزيون سوريا” قبل أربعة أيام عن أحد المتبرّعين لحملة “دير العزّ”، وهو مقيم في أوروبا، أنه أعلن عن التبرّع بمبلغ مليوني دولار كحصيلة لتعهّدات أشخاص يعرفهم في أوروبا، وأبدوا رغبتهم في المساهمة في الحملة، لكنه عملياً لم يحصل على أي مبلغ مما تعهّد به هؤلاء، وبالطبع يصعب الجزم بالتزامهم (الطوعي) بالتسديد.
كلام مشابه نُقل من متبرّعين في حملات أخرى، يوضّحون فيه أنّ ما أعلنوا عنه هي تعهّدات بالدفع مشروطة بتنفيذ مشاريع على الأرض. أي أن المبالغ المعلَن عنها قد تجد طريقها إلى الواقع، أو قد تبقى في حيّز النوايا الطيبة، وتكون قد أدّت وظيفة معنوية، إذ عمّت الأفراح أثناء مهرجانات جمعها التي قادها “مؤثّرون”، وحضرها مسؤولون لإعطائها جدية وثقلاً إضافيين.
لا يرمي الكلام السابق إلى التبخيس من قيمة التعهّدات، ولا النوايا الطيبة التي لا تُترجم إلى الواقع. وإذا استثنينا النوايا الطيبة التي تعهد أصحابها بما لا يستطيعون أصلاً الوفاء به، فمن المنطقي أن يكون الوفاء بالتعهّدات مرتبطاً بمشاريع ملموسة على الأرض، وألا يدفع كثر أموالهم نقداً، بلا معرفة بمصيرها. يصحّ هذا خاصة، وتحديداً، على أصحاب التبرعات الكبرى، ولا ينتقص من نواياهم أيضاً أن تكون لهم مآرب لدى السلطة، تتعلق بأعمالهم أو بأشخاصهم.
هذا مثال عن أشخاص سوريين، يملكون نوايا طيبة إزاء بلدهم، وإزاء السلطة الجديدة في دمشق. البعض منهم يتفق معها في توجهاتها، والبعض لا يتفق معها تماماً، فيتعاطى بشيء من الحذر، والبعض يراهن على أن الواقع سيدفع السلطة إلى التعاطي معه بتجرّد عن تفضيلاتها المسبقة. وإذا نحّينا ذلك كله جانباً، وأخذنا أرقام التعهّدات بثقة مطلقة، فالرقم الإجمالي يبقى ذا طابع معنوي. لأن مليار دولار من تعهّدات السوريين يبقى رقماً ضئيلاً بالمقارنة مع مئات المليارات المطلوبة لإعادة الإعمار، إذا افترضنا الوصول فعلياً إلى رقم المليار.
يقول المثال السابق بأكمله: تنتهي الأجواء الاحتفالية عندما يبدأ الجد وحساباته، وإذا كان الأمر هكذا بين سوريين متحمّسين، بعضهم يمنح السلطة حباً ودعماً غير مشروطيْن، فالعالم لا يتصرف إزاءها بعاطفية، وإن أبدى لها الكثير من الحفاوة. وقد شهد السوريون احتفالاً خارجياً بالتغيير في سوريا، يجدر الانتباه إلى أن لأصحابه حسابات مختلفة عن حسابات الداخل؛ والأمر لا يتعلق بخبث أو تآمر. الحكومات لا تحب ولا تكره، هي تعبّر عن مصالح شعوبها عادةً، أو عن مصالحها كما يحدث في معظم بلدان المنطقة.
من المفهوم أن الكثير من الحكومات قد رحّبت بسقوط الأسد الذي كان رمزاً للنفوذ الإيراني في سوريا، بموقعها الحساس ضمن خريطة النفوذ. ومن المفهوم أن بلداناً أخرى، ربما أقل اكتراثاً بالنفوذ الإيراني، فرحت بالخلاص من نظام الكبتاغون وتزوير العملات، ومختلف أنواع الجرائم الجنائية. وثمة حكومات أوروبية يجتمع لديها شيء من الدوافع المتعلقة بتحجيم إيران والخلاص من تدفق المخدرات، وقبلهما الخلاص من تدفق اللاجئين.
إلا أن الاحتفاء بعودة سوريا كبلد طبيعي، في أقصى الأحوال، محدودٌ في وقته. ثم إن المكافأة على العودة إلى ما هو طبيعي محدودة أيضاً في التوقيت، لتعود الدول نفسها إلى ما هو طبيعي ودائم في العلاقات بين البلدان. ولا شكّ في أن الشهور الماضية شهدت تبادلاً للتعهدات بين السلطة الجديدة والعديد من الحكومات العربية والأجنبية، إلا أن تبادل التعهدات والنوايا لا يعني تلقائياً تنفيذها، ولا يعني تالياً الالتزام بتنفيذها سريعاً، إذ من المعتاد حدوث هذا على مراحل، وبموجب شروط معلنة أو مضمرة.
من المرجّح أن التغيير في سوريا استقطب اهتمام حكومات متعددة الأهواء والمصالح، والحصول منها على تعهّدات مقابل إعطائها تعهّدات يعني إبداء نوايا عمومية من نوع الحديث عن صفر مشاكل، في بلد مكتظ بالمشاكل، ومكتظ بحضور الخارج. وحتى الرهان على رغبة العالم في استقرار سوريا لا يُعتدّ به، لأنه من قبل راهن بنجاح على بقاء “الفوضى” مضبوطة ضمن حدود سوريا. لعل هذه اللوحة المعقّدة توضّح عدم فائدة الإجابات المبسَّطة، أو التفسيرات التي تتكفل بتحويل النوايا إلى وقائع، رغم بقائها بلا تنفيذ.
الظنّ بأن لسوريا رأسمال لا ينضب، هو موقعها الاستراتيجي، ظنٌّ فيه الكثير من المبالغة على الأقل. والواقع يقول إن العالم، وراء توزيع الابتسامات والصور الدبلوماسية، لم يقرر بعد ملاقاة الآمال التي كانت تنص على أن القوى الإقليمية والدولية متلهّفة للشروع في مرحلة ما بعد الأسد، بل الظن إن بعضها متلهّف لقطاف المنافع الاقتصادية من إعادة الإعمار.
يُذكر على هذا الصعيد أن خطة ترامب لإنهاء الحرب في غزة، بصرف النظر عن الموقف الجزئي أو الكلي منها، قد أشارت في العديد من بنودها إلى الوضع المعيشي والاقتصادي في غزة. الخطة لحظت في بنديها السابع والثامن إدخالَ المساعدات العاجلة إلى القطاع، مع “إعادة تأهيل البنية التحتية (المياه والكهرباء والصرف الصحي)، وإعادة تأهيل المستشفيات والمخابز، وإدخال المعدات اللازمة لإزالة الأنقاض وفتح الطرقات”. أما البنود التاسع والعاشر والحادي عشر فنصّت على إعادة الإعمار وتمويله، ووضع خطة تنمية اقتصادية، وإنشاء منطقة اقتصادية تحصل على تسهيلات دولية خاصة.
لا تغفل المقارنة الني نسوقها مع غزة الوضعَ الإنساني الذي تخلّفه يومياً الوحشية الإسرائيلية، أما جزرة إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية الواردة في الخطة ففيها فَهْمٌ لأهمية الجانب المعيشي والاقتصادي في تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار الأمني والسياسي. أجواء التفاؤل التي يشيعها أنصار السلطة في سوريا لا تسندها نوايا خارجية من هذا القبيل، على صعيد الإنعاش المبكّر، أو على صعيد إعادة الإعمار. والتعهّدات التي وُضِعت في التنفيذ كانت إسعافية بمعظمها، وانصرفت إلى تغطية النفقات العامة بمعظمها.
الأمر لا يتعلق فقط بمذكّرات تفاهم استثمارية تمت تغطيتها باحتفالات كبيرة، ثم تبين لاحقاً أنها لا تملك قيمة تنفيذية تُذكر، ولا بمهرجانات تبرّع داخلية تنقشع على تعهّدات لا يُعرف ما إذا كانت ستُنفّذ أم لا. الأمر بهذا المعنى يتعلق بكون العديد من المستويات الأخرى في وضع مشابه، ما يُبقي البلد في حالة معلّقة من عدم اليقين، وتزداد الفجوة بين الوعود المتفائلة التي تنأى باطراد عن الواقع. المعيار لا يجب أن يكون إطلاقاً بالقياس إلى ما كان عليه البلد أيام العزلة الأخيرة الخانقة، إذا كان أول مزايا التغيير كما يُشاع هو فكّ العزلة.
بعد مرور عشرة شهور على إسقاط الأسد، يجدر الخوض بأسئلة أكثر جدية، منها السؤال عمّا يجعل الخارج يحجم عن تقديم مساعدات وازنة، ومنها تالياً ما إذا كان السوريون لن ينعموا بمزايا النصر، بل سيدفعون الأثمان.
المدن
—————————————
ترشيد الاتجاهات التنموية في سوريا… أولوية الكهرباء والإعمار/ حسين الشرع
الاستثمارات الخليجية تفتح أبواب الأمل… والاعمار وتكامل القطاعات أولوية
تشهد الجمهورية العربية السورية انطلاق حركة استثمارية تقودها المملكة العربية السعودية ودولة قطر ودولة الإمارات العربية المتحدة. وتشمل هذه الاستثمارات بمليارات الدولارات الأميركية مجالات حيوية في البنية التحتية للاقتصاد الوطني، وعلى رأسها قطاع الكهرباء الذي يُعَد المحرك الأساسي لأي نهضة اقتصادية واجتماعية، إضافة إلى تطوير المطارات بوصفها واجهة حضارية لأي دولة، لا من جهة الشكل والبناء فحسب، بل كذلك على صعيد قدرتها على تعزيز حركة المسافرين القادمين والمغادرين، وتنشيط السياحة، فضلا عن تسريع نقل السلع المصنعة ونصف المصنعة التي تحتاج إليها الصناعات الحديثة.
لطالما كانت أزمة الكهرباء من أبرز العقبات أمام التطور الاقتصادي والاجتماعي في سوريا، إذ أُغرِقت المدن في الظلام، وغابت الإنارة عن الشوارع والمنازل، وتوقفت المعامل والمصانع، ولاسيما تلك التابعة للقطاع الخاص. وقد لجأ المواطنون إلى استيراد المولدات وما يتطلبه تشغيلها من مادتي الديزل والفيول أويل، مع ما ينتج عن ذلك من تلوث بيئي. كذلك انتشرت الألواح الشمسية في المدن والقرى لتأمين الكهرباء للمنازل ومزارع الدواجن والصناعة والزراعة وغيرها.
وقد رُصِدت مبالغ ضخمة لهذا القطاع، إذ جرى استثمار أكثر من ستة مليارات دولار على مراحل لزيادة إنتاج الكهرباء بنحو 2.200 ميغاواط، مع العمل على الربط الكهربائي مع المملكة الأردنية الهاشمية، واستقدام الغاز القطري، ثم الغاز من أذربيجان عبر خطوط الأنابيب المارة من تركيا، وصولا إلى المعامل في حلب وبقية المدن. ومن شأن ذلك أن يضيف نحو 1.200 ميغاواط، ما يرفع ساعات التغذية بالتيار الكهربائي خلال الفترة المقبلة إلى ما بين ثماني و10 ساعات يوميا، في انتظار إنشاء المحطات المتفق عليها خلال الأشهر المقبلة لبلوغ تغذية مستمرة 24/24 ساعة، وإن كان ذلك رهنا بعوامل مالية وخلافية وتكاليف مرتفعة.
الكهرباء حاجة استراتيجية للاقتصاد
بناء عليه، يفترض أن يقوم التوجه الاستراتيجي على تحسين إنتاج الكهرباء من المحطات القائمة داخل سوريا، ومن حقول الغاز الوطنية في حقول كونوكو ورميلان وقارة في القلمون، إضافة إلى حقول الغاز المحتملة في القلمون والساحل السوري. فذلك وحده يضمن مصادر وطنية دائمة وأقل تكلفة، بما ينعكس إيجابا على استهلاك الكهرباء في الإنارة والصناعة، ويؤسس لاستدامة هذا المورد الحيوي الذي حُرمت منه البلاد لعقود طويلة من الزمن. منذ عام 1976 بدأ التقنين الكهربائي في المدن، فيما كانت الأرياف شبه محرومة من الخدمة، ما انعكس سلبا على الصناعة التي تعتمد على الكهرباء، وعلى الزراعة التي تراجعت بشكل كبير منذ عام 2005 بسبب ارتفاع أسعار الكهرباء وانقطاعها المتكرر.
والزراعة بدورها تعتمد اعتمادا أساسيا على الكهرباء لتشغيل المضخات والمولدات التي تساعد الفلاح على استجرار المياه من الأنهار أو الآبار أو العيون. وقد أدى نقص الكهرباء إلى تراجع الإنتاج الزراعي وانخفاض أعداد الأغنام والماعز والأبقار نتيجة نقص المياه والأعلاف، ما انعكس ارتفاعا في أسعار اللحوم والقمح والشعير والأعلاف وسائر المنتجات الزراعية والحيوانية. من هنا، يتضح أن الكهرباء هي محرك أساسي لا غنى عنه لأي نهضة اقتصادية واجتماعية. والبداية الجديدة تتجلى في توجه الدولة إلى الاستثمار في هذا القطاع الحيوي بما يدعم النهضة الزراعية، والصناعية والعمرانية والخدماتية.
حماية منشآت الدولة وصيانتها
غير أن ما تحقق حتى الآن لا يزال بعيدا عن مستوى الطموح، فحاجة سوريا الفعلية تقدَّر بما بين 7.000 و10.000 ميغاواط لتأمين متطلبات التنمية. وهذه الأرقام تستلزم جهودا مالية وإنمائية ضخمة، ومردودا بعيد الأجل، وخصوصا أن نتائج الكهرباء لا تظهر فورا لكنها ترتبط عضويا ببقية القطاعات، وهو ما يضاعف أهميتها ويجعل أثرها ملموسا في الاقتصاد الوطني. ذلك أن التركيز على تنمية قطاع الكهرباء يعني بالضرورة تنمية قطاع إنتاج الغاز والنفط والمصافي والمعامل، وتعزيز الصناعات المرتبطة بالمولدات والمحطات الأرضية والكوابل والأعمدة وشبكات النقل التي يجب أن تغطي مختلف المناطق السورية، وخصوصا مناطق الزراعة والصناعة.
وإذا كان قطاع الكهرباء بهذه الأهمية، فإنه يحتاج إلى حماية جدية، سواء لجهة صيانته من اعتداءات اللصوص الذين اعتادوا سرقة الأسلاك، أو تفكيك الأعمدة، أو العبث بمحتويات المحطات، أو لجهة تأمين سلامة المحطات وخطوط الغاز والشبكات. وعندما يتحقق لسوريا هذا المخطط بزيادة إنتاج الميغاواط وضمان استمرارية تدفق الكهرباء لخدمة الصناعة والزراعة وإنارة المنازل والشوارع، سيعني ذلك أيضا دعما لخدمات الإنترنت ووسائل التواصل والإعلام. وليس مبالغة القول إن الكهرباء هي الوسيط الأقوى لبث الحياة وإدامتها، فهي تنير العقول والقلوب، وتفتح الطريق أمام التطور والتقدم في جميع المجالات.
مترو دمشق نقلة نوعية للنقل
ومن مشاريع البنى التحتية الكبرى التي يُعوَّل عليها، مشروع مترو دمشق، الذي يمتد من المعضمية بريف دمشق إلى القابون على مسافة تقارب 16كيلومترا. ويُعد هذا المشروع نقلة نوعية في النقل داخل العاصمة، إذ يخدم سكان القابون وبرزة والمواقف الشمالية، وصولا إلى مواقف السفر في منطقة السومرية. وسيُشكّل المترو وسيلة نقل سريعة ومريحة، قادرة على حلّ كثير من عقد السير في دمشق، والتخفيف من الازدحام الخانق الذي تسببه كثرة السيارات الخاصة. كذلك سيوفّر الوقت والمسافة كونه يسير تحت الأرض، من دون أي تداخل مع حركة السير فوق الشوارع. ومن أبرز النقاط التي يعالجها المشروع، عقدة القابون والكراجات، كما يساهم في تخفيف ضغط السيارات باتجاه ساحة العباسيين ومنطقة الغساني وبرج الروس ودمشق القديمة وباب شرقي، ويمتد ليعالج الازدحام المروري المستحكم عند جسر الثورة، وفوقه وتحته، وصولا إلى جسر فكتوريا وشارع شكري القوتلي وساحة الأمويين حيث تتقاطع طرق رئيسة تتفرع نحو أبو رمانة والمالكي وأوتوستراد المزة والربوة. وبهذا يغدو المترو بديلا عمليا عن السيارات الخاصة.
ويُقترح أن تمتد خطوط المترو إلى مناطق أخرى لتوسيع نطاق الاستفادة، عبر إنشاء خط يبدأ من منطقة القدم مرورا بالميدان وباب مصلى والمجتهد وصولا إلى سوق الحميدية، ثم باتجاه مشفى ابن النفيس والعدوي وأوتوستراد ابن النفيس، فحاميش ومساكن برزة، وينتهي في مدينة التل. هذا الامتداد يضمن حركة مرورية مريحة حتى عام 2050، ويخدم عموم سكان دمشق من جنوبها إلى شمالها، بالتوازي مع خط آخر من غرب العاصمة إلى شرقها وشمالها. ويُرجّح تنفيذ هذه المشاريع من خلال شركة أو شركتين بموجب عقود مقاولة واستثمار لعدة سنوات، وهي مشاريع مربحة تسترد تكاليفها خلال فترة قصيرة، ولاسيما إذا أُرفِقت ببناء محطات تحت الأرض تتضمن محلات يمكن تأجيرها واستثمارها.
وتقوم جدوى هذه المشاريع على دراسة اقتصادية متكاملة تشمل التكلفة والعوائد والتشغيل، فضلا عن تشغيل آلاف العاملين والمهندسين والآليات الثقيلة، بما يعزز الاقتصاد الوطني. ويمكن في مرحلة لاحقة تعميم هذه التجربة في المدن الكبرى الأخرى مثل حلب وحماة وحمص واللاذقية ودير الزور، وربطها بشبكة مترو متطورة تصل المحافظات الجنوبية بالشمالية، والشرقية بالوسطى فالساحلية. وبهذا يقلّ الضغط على الطرق البرية الرئيسة، مثل طريق “إم-5” الواصل بين الجنوب والشمال، وطريق “إم-4” الذي يربط الساحل بحلب والشمال الشرقي.
دور القطاع الخاص للإدارة والتشغيل
وتُعد هذه المشاريع من كبريات مشاريع البنى التحتية في سوريا نظرا إلى ضخامة الاستثمارات المرصودة لها، وتعقيداتها الهندسية، وحاجتها إلى دراسات جدوى دقيقة وتكاليف تشغيل عالية. لكنها، في المقابل، تخلق ما يُعرَف باقتصاديات الحجم أو وفور الحجم (economies of scale) وتدفع عجلة الاقتصاد بقوة، من دون تحميل الدولة أعباء مالية مباشرة، إذ تنفَّذ من خلال عقود استثمارية تؤول بعدها ملكية المشاريع إلى الدولة. ومع الصيانة الدورية للعربات والخطوط، يمكن أن يمتد العمر التشغيلي لهذه الشبكات إلى 50 سنة وأكثر. وتجارب الدول الكبرى تؤكد ذلك، إذ لا تزال قطارات لندن وموسكو ونيويورك تعمل منذ 80 إلى 100 سنة.
وبحسب الدراسات الأولية، يُقدّر أن تبلغ تكلفة مترو دمشق الممتد على 61 كيلومترا نحو ملياري دولار فقط، وهو رقم معقول قياسا بالفوائد الضخمة التي سيحققها. فسوريا ستنعم بخطوط مترو حديثة تربط أحياء العاصمة وتزيد من سهولة تنقل السكان، وتنعكس إيجابا على قطاعات الخدمات والفنادق والمشاريع الصغيرة في عموم المدن السورية، مع إمكانية الربط لاحقا بالدول المجاورة. وبذلك ينخفض الضغط على السيارات والشاحنات والباصات داخل المدن وعلى الطرق الواصلة بينها، ويُنشَّط قطاع النقل بكامله.
مشاريع النقل البحري والجوي والبري
ولا يتوقف الأمر عند المترو، بل يشمل أيضا تجديد أسطول النقل البحري من الموانئ السورية وإليها، إضافة إلى تحديث شبكة السكك الحديدية لربط الجنوب بالشمال، والموانئ والمدن الساحلية بالشرق والشمال الشرقي بخطوط سريعة وعصرية. ويكتسب هذا أهمية خاصة في نقل المحاصيل الزراعية والمنتجات الصناعية وزيادة القدرة التصديرية بسرعة وتكلفة منخفضتين، وذلك أيضا عبر عقود استثمارية مع شركات متخصصة. هذه الشركات تتكفل بالبناء والتشغيل لسنوات متفق عليها وفق دراسات معمّقة، وتحقق أرباحها بالتوازي مع عوائد تذهب إلى خزينة الدولة والمصرف المركزي، مع الالتزام بالصيانة الدورية. وبعد انتهاء فترة العقد، تؤول هذه المشاريع إلى الدولة جاهزة للتشغيل لا منهكة أو متهالكة.
أما في مجال النقل البري بالشاحنات، فستُدَار الخدمات عبر شركات وطنية، أو بالتعاون مع شركات عربية وأجنبية لتشغيل أسطول حديث يغطي كامل الأراضي السورية وصولا إلى الدول المجاورة، وربما إلى أوروبا وأفريقيا وشرق آسيا. وستُجهَّز هذه الأساطيل بشاحنات ذات حمولات مضبوطة وفق المعايير القانونية، بما يضمن عدم تجاوز الأوزان المحددة على الطرقات، حفاظا على البنية التحتية للطريق. ويُفترَض أن تكون الطرق المركزية مأجورة من خلال شركات استثمارية تنشئ محطات لتحصيل الرسوم، على أن تُخصَّص نسبة منها للدولة بصفتها المالك الفعلي لهذه الطرق، حتى لو قامت الشركات بتمويلها. كذلك يمكن اعتماد مبدأ المعاملة بالمثل مع الدول الأخرى في ما يخص الرسوم والتنقل البري.
ويكتسب النقل الجوي أهمية استراتيجية لربط سوريا بالعالم. فالمطارات هي الواجهة الحضارية الأولى لأي بلد، ومن هنا ضرورة تطويرها وتجهيزها وفق أنظمة الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا)، لجهة معايير السلامة، وأطوال المدرجات، واستقبال الطائرات عبر بوابات حديثة، وتحديث أنظمة الأحمال والشحن. ويمكن إجراء هذا التطوير عبر عقود استثمارية تُبرَم مع شركات متخصصة تبني المطارات وتديرها وتسترد تكاليفها خلال سنوات متفق عليها، على أن تبقى إدارة المطار الوطنية للدولة. وتقتصر مهام الشركات المستثمرة على الجوانب الفنية والتشغيلية.
وسوريا في حاجة ماسة إلى تطوير مطار دمشق الدولي ليصبح قادرا على استقبال ما بين 30 و50 مليون مسافر سنويا، وذلك عبر تحديث منشآته وزيادة قدرة استيعابه للطائرات السورية والأجنبية، وتفعيل اتفاقيات عبور الطيران من ضمن الممرات الجوية، ما يحقق دخلا ممتازا لسوريا مع ضمان معايير الأمن والسلامة. ولا يقتصر الأمر على دمشق، إذ يجب الالتفات أيضا إلى مطارات حلب واللاذقية والقامشلي ودير الزور وحماة وحمص. أما مطار المزة، الذي أصبح اليوم محاطا بالأبنية السكنية وسط دمشق، فلا يصلح أن يكون مطارا لرجال الأعمال، بل يمكن استثماره في مشروع ذي جدوى أكبر، كإقامة مدينة جامعية متكاملة أو مشروع سكني يخفف الضغط عن العاصمة.
أحياء سكنية نموذجية بدل الأبراج الفاخرة
وفي هذا السياق، برزت وثائق تفاهم مع شركات خليجية من السعودية وقطر والإمارات لبناء مشاريع عمرانية وسياحية كبرى، من بينها برج الجوهرة المؤلف من 33 طابقا في منطقة ساروجة بدمشق، ومشروع أبراج دمشق بتكلفة 2.5 مليار دولار يتضمن أربعة مولات، وأربعة فنادق، إضافة إلى ملاعب ومسابح دولية ونادٍ للخيل والرماية والغولف. ويمتد المشروع على خمس سنوات، ويوفّر نحو 200 ألف فرصة عمل. كذلك تشمل الخطط إقامة أبراج سكنية في محافظات سورية أخرى لتأمين آلاف الشقق.
لكن السؤال الجوهري يبقى: ما الأولوية في هذه المرحلة؟ هل من الأجدى إقامة برج فاخر بمليارات الدولارات، أم إعادة إعمار الأحياء المدمرة مثل جوبر وداريا والحجر الأسود ومخيم فلسطين والقدم وعين ترما وحي التضامن؟ هذه المناطق وحدها كانت تضم أكثر من مليوني نسمة قبل أن تُدمَّر بيوتهم، فتحوّلوا إلى نازحين أو لاجئين. الأمر ذاته ينطبق على أحياء كاملة في حمص التي تعرضت إلى تدمير شبه شامل. هؤلاء السوريون يتطلعون إلى العودة، لكن أين سيسكنون؟
يكمن الحل في أن تُوجَّه الشركات الاستثمارية إلى بناء أحياء سكنية نموذجية بدل الأبراج الفاخرة، بتكاليف معقولة وشقق تُبَاع بالتقسيط أو تؤجَّر بأقساط شهرية ميسّرة، لكي يتمكّن الأهالي من امتلاك مساكنهم مجددا. أما من يملك القدرة على الدفع النقدي الفوري فيمكن أن يتملك مباشرة. وينبغي أن يشمل هذا النهج المدن والقرى المدمرة جزئيا أو كليا كلها. ذلك أن من يسلك الطريق من إدلب إلى دمشق يدرك حجم الدمار الهائل الذي طال القرى والمناطق الزراعية والصناعية، والتي يجب أن تكون الأولوية في إعمارها.
حتى اليوم، وبعد مرور ثمانية أشهر على سقوط النظام، لم تُسجَّل خطوات جادة في هذا الاتجاه، بينما تُعقَد الاحتفالات ويُروَّج لتوقيع مذكرات تفاهم بمليارات الدولارات لبناء أبراج وفنادق لا تعني معظم السوريين. فالأغلبية تعيش بالكاد، ولا يهمها السكن في أبراج شاهقة بقدر ما تحتاج إلى بيت آمن وكهرباء ومياه وخدمات أساسية. وفي التحليل النهائي، لا تُقَاس التنمية الحقيقية بعدد الأبراج العالية، بل بقدرتها على إعادة الحياة إلى المدن المدمرة واحتضان السوريين الذين ينتظرون العودة إلى منازلهم.
أتذكر هنا مقطعا مصوَّرا للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس دولة الإمارات، حين سأل عن بعض العائلات التي لا تزال بلا مساكن، فأمر على الفور ببناء بيوت لهم، مؤكدا: “لا أريد أن تبقى أية عائلة إماراتية بلا سكن”. وهذا ما حدث بالفعل. وبعدما استقر أهل الإمارات في بيوتهم، بدأ التفكير في بناء الأبراج، انسجاما مع التوسع والتنوع الاقتصاديين اللذين تطلبا منشآت كهذه، وكأن الشيخ زايد كان يقول: “الصعود إلى المئذنة يكون درجة درجة، لا قفزا”.
وفي السعودية، حيث عملتُ كاقتصادي لنحو 10 سنوات، شاهدتُ كيف وضعت الدولة خططا واضحة لتأمين السكن للمواطنين. كان بنك الإسكان يؤدي دورا أساسيا في ذلك: يمنح المواطن قطعة أرض مخططة تتوافر فيها الطرق والمياه والكهرباء والصرف الصحي، ويعطيه فوقها قرضا بلا فائدة لبناء منزل (فيلا). فإذا التزم المواطن بتسديد الأقساط، أُعفِي من جزء منها. بهذه السياسة انتشرت المساكن وتوسعت المدن الصغيرة، وسكنت آلاف العائلات التي كانت تقيم في بيوت متواضعة من الصفيح. أما الأبراج، فلم تكن مطروحة، على الرغم من الإمكانات المادية والتقنية الضخمة التي تمتلكها المملكة. ولم تظهر بعض الأبراج في الرياض وجدة إلا بعدما جرى إسكان معظم العائلات في مساكن وفيلات منظمة من ضمن مدن جديدة متكاملة الخدمات.
التنمية الشاملة من الإسكان إلى الإنتاج
أما نحن في سوريا، فالأولوية يجب أن تكون مختلفة. المطلوب في التخطيط العمراني أن تسكن العائلات المشرَّدة ليس في أبراج شاهقة، بل في مدن ملحقة بالمدن الكبرى تكون ذات طابع ريفي، حيث يمكن للفلاح العمل في الزراعة وتربية المواشي وإقامة المداجن. بذلك يُستعَاد الدور الحيوي لأطراف المدن والريف التي كانت تاريخيا مصدر تموين للمدن الكبرى. يقوم هذا التصور على التكامل بين الزراعة والصناعة التحويلية: زراعة الحبوب والقطن وقصب السكر والخضار التي تغذي معامل التعليب، أو الزيتون الذي يغذي معامل الزيوت والتعبئة والتغليف، كما هي الحال في تونس وإسبانيا واليونان وقبرص وتركيا. في هذه الدول تُرَى عبوات الزيت بأحجام متنوعة ومكتوب عليها التفاصيل كلها من نسبة الحموضة إلى المواصفات الفنية، في حين أن سوريا، التي تنتج أكثر من مليون طن من الحمضيات سنويا، لا تزال تفتقر إلى معامل متطورة للفرز والتوضيب والعصائر.
الأمر ذاته ينطبق على الصناعات الغذائية الأخرى. لسوريا تاريخ طويل في تعليب عصير البندورة والبامية والفاصوليا واللوبيا، لكن الحاجة اليوم أكبر إلى معامل عصرية للتوضيب، وبناء برادات عملاقة لحفظ منتجات التفاح والكرز والحمضيات وغيرها. لدينا مزايا نسبية لا تُحصى، ومعامل الألبان والأجبان يمكن أن تتكامل مع تربية المواشي والمزارع الخضراء. تكامل كهذا يحقق هدفين: تلبية الاستهلاك المحلي، وفتح أسواق للتصدير.
أين الزراعة في مشاريع الاستثمار؟
وعلى الرغم من الاحتفالات بتوقيع مذكرات التفاهم الاستثمارية كلها، لم أشاهد مشروعا زراعيا متكاملا يبدأ من زراعة الأراضي وينتهي بمشاريع صناعية مرتبطة بها، ولم ألحظ مشاريع متخصصة لتربية الأبقار أو تسمين العجول، مرتبطة بمصانع حديثة لإنتاج الألبان والأجبان، كما هي الحال في شركات الألبان الكبرى في الخليج. في سوريا المقومات كلها موجودة: أرض خصبة، وموارد بشرية مؤهلة من مهندسين زراعيين وأطباء بيطريين وعمالة، وخبراء محاسبة وتسويق ودعاية وتصدير. ما ينقص فقط هو الإرادة الوطنية والرؤية الاستثمارية. ليس المشروع الزراعي الصناعي مجرد قطاع إنتاجي، بل هو قطاع دائم يخلق ترابطا أماميا وخلفيا مع قطاعات الاقتصاد كلها، ويشغّل اليد العاملة، ويعزز الصناعات التحويلية التي عُرِفت بها سوريا لعقود من الزمن.
وبذلك، يمكن القول إننا لسنا ضد الأبراج أو مظاهر العمران الحديثة، لكننا أحوج ما نكون اليوم إلى مشاريع إنتاجية حقيقية في الزراعة والصناعة والخدمات، وتكامل وترابط بين المشاريع لخلق دفعة قوية تدفع الاقتصاد الوطني إلى الأمام، وإعمار وإسكان العائلات المتضررة في بيوت مناسبة وبتكاليف مقبولة، لأنها الأساس في تحقيق الاستقرار والطمأنينة. فالبيت للمواطن هو وطنه الصغير. ومن يعِش في فندق يبقَ غريبا عنه، لا يشعر بالاستقرار ولا يملك الطمأنينة. تأمين بيوت للعائلات السورية ممكن تماما، في ظل موجة الاستثمارات المقبلة، شرط أن نُعدّ دراسات جدوى واضحة ومفصلة، بحيث يجد المستثمر أمامه فرصا مدروسة، تحقق له الربح وتحقق لنا في الوقت نفسه التنمية والاستقرار، بعيدا عن فوضى المشاريع غير المدروسة.
تحريك عجلة الوزارات وشركات الدولة
والسؤال الصعب: أما آن للوزارات والمؤسسات أن تضع خريطة إنمائية شاملة لمئات المصانع والشركات المتعثرة نتيجة فساد الإدارات السابقة، وتآكل خطوط الإنتاج، والنقص الفادح في الكهرباء والوقود اللازمين لتشغيلها؟ هذه المؤسسات الصناعية قائمة بالفعل، وتعمل في قطاعات مترابطة أماميا وخلفيا مع الزراعة والصناعة والخدمات.
فلنأخذ على سبيل المثال قطاع النسيج والأقمشة والمغازل، وهو قطاع عريق في سوريا، يمتد أفقيا ورأسيا مع قطاعات أخرى. لدينا شركات قائمة منذ عقود من الزمن، لكنها بانتظار من يعيد إليها الحياة بدلا من أن تظل رهينة الدراسات المؤجلة لاحتياجاتها وقدرتها على التشغيل. الأمر نفسه ينطبق على القطاع الكيميائي، والقطاع الهندسي، وصناعة الإسمنت المرتبطة ارتباطا وثيقا بالنهضة العمرانية، إضافة إلى قطاع إنتاج حديد التسليح الذي يُعَد ركيزة أساسية لقطاع البناء. وعلى هذا المنوال يمكن تعداد الكثير من المجالات الصناعية الأخرى التي تحتاج إلى تحديث وتجديد آليات عملها.
المطلوب إعادة تشغيل هذه المصانع والشركات، شرط أن يترافق ذلك مع برامج تدريب متكاملة للإدارات لضمان الكفاءة والاستمرارية، إلى جانب فحص دوري للإمكانات المتاحة للتشغيل. وإذا كانت الدولة في مرحلتها الراهنة عاجزة عن تحمل هذه الأعباء منفردة، فما المانع من طرح هذه القطاعات أمام الجهات الاستثمارية ذات الخبرة، عبر عقود واضحة وشفافة تبرمها الوزارات المعنية، بما يضمن تشغيل الطاقات المعطلة، وتحويل هذه المعامل من عبءٍ على الاقتصاد إلى رافعة حقيقية له.
المجلة
——————————-
وزارة الطاقة: تهالك البنية التحتية منع الاستفادة من الغاز الأذري ونعمل على إصلاح الأعطال
تشرين الأول 4, 2025
أوضحت وزارة الطاقة، السبت 4 تشرين الأول، سبب عدم تحسن الكهرباء رغم بدء ضخ الغاز الأذري إلى المنظومة خلال الأيام الماضية.
وقال مدير الاتصال الحكومي والمتحدث الرسمي باسم وزارة الطاقة أحمد السليمان، إن منظومة الكهرباء في البلاد شهدت خلال الأيام الماضية تحسّناً ملحوظاً في الإنتاج والتغذية عقب دخول الغاز الأذري، إلا أن خللاً فنياً طرأ في ضواغط محطة التوينان أدى إلى تراجع مؤقت في إنتاج الطاقة الكهربائية.
وأشار السليمان إلى أن الفرق الفنية المختصة تعمل حالياً على إصلاح الأعطال وإعادة تشغيل الضواغط، مؤكداً أن التغذية الكهربائية ستتحسن بشكل ملموس فور الانتهاء من عمليات الصيانة.
وأكد أن تحقيق استقرار دائم في قطاع الكهرباء يتطلب وقتاً وجهداً مستمرين في ظل التحديات الكبيرة التي تواجه منظومات التوليد والنقل والتوزيع، إلى جانب الضياعات والتجاوزات وضعف الترشيد في الاستهلاك.
وأضاف أن الوزارة تواصل العمل بالتعاون مع عدد من الشركات لتوسيع إنتاج الغاز المحلي، وتبحث عن مصادر إضافية لتوريده بما يضمن تحسناً تدريجياً في التغذية الكهربائية واستقرارها على المدى الطويل.
وتوجّه السليمان في ختام حديثه بالشكر للمواطنين على صبرهم وتفهمهم، مؤكداً التزام الحكومة بمواصلة الجهود لتأمين طاقة أفضل تخدم جميع أبناء البلاد.
ووصل الغاز الأذربيجاني إلى محطة جندر جنوب محافظة حمص، التي تغذي مدينة حمص وريفها الجنوبي والجنوبي الشرقي، في 9 آب الماضي.
وافتُتح خط النقل الإقليمي للغاز الذي يربط سوريا بتركيا، بداية آب الماضي، وذلك بحضور وزير الطاقة محمد البشير ووزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار ووزير الاقتصاد الأذربيجاني ميكائيل جباروف.
وأكد البشير خلال حفل الافتتاح الذي أقيم في ولاية كيليس التركية أن الخط سيسهم في توريد ستة ملايين متر مكعب من الغاز يومياً، حيث ستكون البداية بتوريد 3.4 ملايين متر مكعب يومياً، قادمة من أذربيجان عبر الأراضي التركية، وذلك في إطار مبادرة كريمة مقدّمة من الأشقاء في دولة قطر.
——————————–
الطيران المدني السوري يدخل عصر التحديث مع “سيتا”/ دمشق – رهام علي
السبت 2025/10/04
في إطار الجهود المبذولة لإعادة تأهيل قطاع الطيران المدني السوري وربطه بالمعايير الدولية، أعلنت الخطوط الجوية السورية عن توقيع اتفاقية تعاون مع شركة سيتا (SITA) العالمية الرائدة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الخاصة بالطيران.
تهدف الاتفاقية إلى تحسين خدمات الاتصالات والبرمجيات وتطوير أنظمة السفر، بما يشمل إدخال منصات “CUTE” للكونترات المشتركة، تعزيز تتبع الأمتعة إلكترونياً، وتوسيع الربط الشبكي بين المطارات والمحطات وشركات الطيران، إضافة إلى أنظمة الحجز الحديثة والاتصالات الآمنة.
هذه الخطوة تأتي في سياق مرحلة إعادة بناء البنية التحتية للطيران السوري بعد سنوات من التحديات، وتفتح الباب أمام تحديث شامل يرفع الكفاءة التشغيلية ويعزز ثقة شركات الطيران والمسافرين على حد سواء.
التحديات والفرص أمام الطيران المدني
في حديث خاص إلى “المدن”، يقول رئيس المنظمة الدولية لخدمات الطيران، الدكتور منير خليفة، إن قطاع الطيران المدني في سورية يمر بأزمات عميقة خلال الفترة الماضية، أدت إلى تهالك البنية التحتية نتيجة الحرب، حيث تتعرض بعض المدارج للتدمير، كما تتعرض منشآت الملاحة الجوية مثل الرادارات ومعدات الاتصالات وأنظمة مراقبة الحركة الجوية للنهب أو التلف.
ويشير إلى أن الهيئة العامة للطيران المدني تعمل حالياً على إعادة سورية إلى مكانها الطبيعي في عالم الطيران، إذ تناقش خططها مع منظمة الطيران المدني الدولية (ICAO) لإصلاح البنى التحتية والملاحة الجوية وبناء القدرات الفنية. كما يوضح أن هناك استثمارات كبيرة، منها توقيع اتفاقية توسعة مطار دمشق بقيمة 4 مليارات دولار ليستوعب حتى 31 مليون مسافر سنوياً، إضافة إلى خطط لتوسعة المطارات القائمة وبناء مطارات جديدة حتى عام 2030.
ويلفت إلى أن سورية أعادت فتح مجالها الجوي بالكامل في 24 يونيو 2025 بعد إغلاق دام أكثر من أربعة عشر عاماً، وأن بعض شركات الطيران الأجنبية بدأت بالفعل العودة إلى دمشق، من بينها شركات إماراتية وقطرية وأردنية وسعودية وتركية. ويشير كذلك إلى إطلاق شركة طيران جديدة “Fly Cham” برأسمال إماراتي-سوري، ما يعكس بداية عودة النشاط التجاري للطيران.
أبعاد الاتفاقية مع سيتا
يؤكد خليفة أن إعلان الاتفاقية مع سيتا هو خطوة رائدة ستعود بمنافع كبيرة على قطاع الطيران السوري. ويقول إن هذه الشراكة تعزز قدرة الخطوط الجوية السورية على تبني حلول اتصالات متطورة، إدارة بيانات أكثر فعالية، نظم برمجية كفؤة، وربط داخلي وخارجي أفضل، ما يسهم في تقليل الأخطاء وتسريع العمليات مثل الحجز والجداول والصيانة والدعم الفني، إضافة إلى تحسين تجربة العملاء.
ويشير إلى أن محفظة سيتا تضم حلولاً متكاملة، من بينها: منصات CUTE/CUPPS/CUSS الخاصة بالكونترات المشتركة والخدمة الذاتية، أنظمة إدارة الحقائب وتتبعها، أنظمة الاتصالات وتبادل البيانات بين شركات الطيران والمطارات، وحلول الهوية البيومترية ومسار المسافر (Smart Path).
ويؤكد أن الاعتماد على شركة عالمية متخصصة مثل سيتا يرفع المصداقية التقنية للناقل الوطني، ويمكّن من إدخال خدمات رقمية جديدة مثل التطبيقات، التتبع اللحظي للبيانات، والاتصال اللاسلكي. كما يوضح أن العقد يتيح للخطوط السورية الاستفادة من حلول متوافقة مع المعايير الدولية، ما يسهل الربط مع شركات الطيران والمطارات حول العالم.
شروط النجاح
في السياق، يلفت خليفة إلى أن نجاح الاتفاقية يعتمد على عدة عوامل أساسية، أهمها: وضوح الشروط التفصيلية، مثل الالتزام القانوني وحدود المسؤوليات وعقود الدعم والتحديثات وضمانات الملكية الفكرية للبرمجيات، إضافة للقدرة الداخلية على التنفيذ والمتابعة، بما يشمل تدريب الكوادر الفنية، وتحديث البنية التحتية، مع وجود إدارة تغيير فعالة، وتمويل كافي، وبناء كوادر محلية كفؤة من خلال التدريب والتأهيل، بما يضمن انتقال المعرفة داخل المؤسسة الوطنية.
رؤية الطيران قبل سيتا
وكان رئيس الهيئة العامة للطيران المدني، عمر الحصري، قد أجري لقاءً خاصًا مع جريدة “المدن” في تموز 2025، أكَّد فيه على رؤية 2030 للقطاع الجوي السوري. ويشير في حديثه إلى مشاريع طموحة تشمل تطوير البنية التحتية للمطارات، تحويل مطار المزة العسكري إلى مركز للطيران الخاص ورجال الأعمال، وتأسيس شركات طيران وطنية وخاصة منخفضة التكاليف. ويؤكد الحصري أن هذه الخطوات تمثل نقطة انطلاق لإعادة تموضع سوريا كمحور استراتيجي للطيران الإقليمي والدولي، وتعكس رغبة في دمج التحول الرقمي والشراكات الدولية ضمن خطط طويلة الأمد للقطاع.
ويخلص الدكتور منير خليفة إلى أن الاتفاقية مع سيتا تمثل فرصة مهمة لإعادة تأهيل الخطوط الجوية السورية ورفع قدراتها التقنية بما يواكب التحولات الرقمية العالمية في قطاع الطيران. ومع أن التحديات ما زالت كبيرة على مستوى البنية التحتية والتمويل، إلا أن الالتزام بالتنفيذ الجاد يمكن أن يجعل من هذه الخطوة نقطة انطلاق نحو عودة سورية إلى خريطة الطيران المدني الدولي بثقة وكفاية.
————————-
شراكة تركية- سعودية تشمل سوريا ولبنان بالنفط والغاز والتجارة
السبت 2025/10/04
إذا كان المشروع الإسرائيلي السائد والمستمر في المنطقة، يرتكز إلى القوة العسكرية لفرض “السلام السياسي” أو بالأحرى الاستسلام على دول الجوار، فهو حتماً يرتبط بأهداف أخرى بعضها يتصل ببعد الدور الإقليمي أو تعزيز الهيمنة، إلى جانب سعي إسرائيل الدائم لإحراز درجات في التقدم على الجميع في المجالات المختلفة، وهو ما يسميه الإسرائيليون “إسرائيل العظمى” بقوتها الاقتصادية وامتداداتها وسيطرتها على جغرافيات أو ممرات ومعابر. ولأن أي حرب ستكون لها أهداف سياسية واقتصادية، فإن ما تريده تل أبيب هو ربط كل دول المنطقة باقتصاداتها وثرواتها وأمنها بسياساتها وأمنها. وقبل سنوات حاول الإسرائيليون العمل على إنشاء تحالف نفطي شرق أوسطي أطلقوا عليه إسم “ايست ميد” أي تحالف دول شرق المتوسط، وهدف هذا المشروع إنشاء ممر بحري لأنابيب النفط والغاز من دول المنطقة للتصدير إلى أوروبا. ووفق الدراسات، كانت تكلفة هذا المشروع عشرات المليارات من الدولارات. عندذاك، شعرت تركيا بتهديد استراتيجي، هي التي لها مصالحها في البحر المتوسط وحقول نفط وغاز.
لبنان بين خطين للغاز: إسرائيلي أو تركي
كانت إسرائيل تسعى إلى تكريس تحالفها مع قبرص واليونان، إضافة إلى الربط والتشبيك مع مصر والأردن. ولديها طموح إلى أن تكون الحقول اللبنانية مشبّكة مع هذا الخط. حينذاك، أُطلق مسار ترسيم الحدود البحرية في لبنان، وجرى تلزيم شركات نفطية عملية التنقيب، وسط سجال أساسي يرتبط بكيفية تصدير لبنان لمنتجاته من الغاز، لاسيما أن الدراسات الاستكشافية أشارت إلى أن لبنان لا يمتلك كميات تجارية كبرى تتيح للشركات العمل على إنشاء خط أنابيب مستقل. فوُضع لبنان بين خيارين: إما الخط الإسرائيلي وإما الخط التركي. وبعد سنوات من العمل، سقط مشروع “إيست مد” نظراً إلى تكلفته العالية جداً والخلافات السياسية وعدم إنجاز التفاهمات حول خط الأنابيب. في تلك الفترة كانت أنقرة قد نجحت في توقيع اتفاق تشاركي مع ليبيا يمنحها توسيعاً لمداها الحيوي في المتوسط. وبموجب هذا الاتفاق، أصبحت تركيا حاضرة في المتوسط ولا يمكن تجاوزها، أي تمرير الخط من دون التفاهم معها.
مشروع طريق الهند يهتزّ
قبل حصول عملية طوفان الأقصى، جرى الإعلان عن مشروع طريق الهند، والذي يربط آسيا بمنطقة الشرق الأوسط مروراً بالخليج في اتجاه حيفا، ومنها إلى أوروبا. هذا المشروع أيضاً، كان يهدّد تركيا استراتيجياً، نفطياً وتجارياً، ويهدّد مصالحها في البحر الأبيض المتوسط. وقد رفضته تركيا بشكل علني. وبعد الحرب الإسرائيلية على غزة والمنطقة كلها، اهتزّ المشروع، والدول التي كانت الولايات المتحدة الأميركية تريد أن تجعلها على علاقة تشاركية أو تحالفية مع إسرائيل لتمرير هذا المشروع في
مصلحةٌ لتركيا والسعودية معاً
غيَّرت الحرب الإسرائيلية توازنات المنطقة ومعالمها. في الموازاة سقط نظام بشار الأسد، فيما حققت تركيا تقدماً على الساحة السورية، وهي لا تزال موضع منافسة مع إسرائيل. بسقوط الأسد، تعززت فرص تحسين العلاقة بين تركيا ودول الخليج ولا سيما المملكة العربية السعودية، التي تعتبر ما جرى في سوريا ذا أهمية استراتيجية بالنسبة إليها. فعملت على تعزيز حضورها هناك وتثبيته، إلى جانب تعزيز حضورها في لبنان من خلال التوازنات السياسية التي فُرضت. وفي الموازاة التقت المصلحة الإستراتيجية لتركيا والسعودية معاً على أهمية الحفاظ على وحدة سوريا ومركزيتها، لأن الرياض تعتبر أن أي اهتزاز للحكم الجديد سيسمح لإيران بالعودة إلى بسط نفوذها والتأثير في الساحة السورية. أما أنقرة فتعتبر أن أي اهتزاز في مركزية الدولة السورية سيكون له انعكاس عليها، لاسيما ما يتعلق بمسألة “الأكراد” في شمال شرق سوريا.
خطّ الـM5
ليست الحسابات سياسية فقط، بل هي ذات بعد اقتصادي واستراتيجي، خصوصاً بعدما أعلن وزير النقل التركي، قبل أسابيع، العمل على إعادة إنشاء خط قطار الحجاز وتشغيله. وهذا الخط يعني تعزيز وتفعيل العلاقة مع السعودية التي ستكون مركزيتها الساحة السورية، واعتماد خط تجاري جديد يمرّ في البرّ السوري من خلال اعتماد خط الـ M5 الذي يربط جنوب سوريا بشمالها وصولاً إلى الحدود التركية، ومن الجنوب يمتد في اتجاه الأردن ومنه الى السعودية. وهذا الخط الذي يُراد العمل عليه هدفه تركيز اعتماد ممرات التجارة على الطريق البري من السعودية في اتجاه تركيا ومنها إلى أوروبا، كما يمكن الارتكاز إلى الساحل السوري كمنفذ في اتجاه أوروبا. وفي ذلك تتم الاستعاضة عن ممرّات البحر الأحمر والتهديدات التي كانت قائمة ولا تزال وتؤثر على مسار الرحلات التجارية.
“مرفأ بيروت في مواجهة مرفأ حيفا”
ذلك لا ينفصل عن السعي إلى ربط لبنان والعراق بهذا المشروع. فلبنان ينتظر الاستفادة من وصول النفط والغاز عبر الأنابيب السورية في اتجاه المصافي اللبنانية، كما أن خط الـM5 يلتقي في شمال سوريا مع خط الـM4 والذي يصل إلى حدود العراق. ويطمح لبنان إلى تعزيز دور مرافئه، ولا سيما في بيروت وطرابلس، لأداء دور نشط في التصدير في اتجاه أوروبا. وهنا لا يمكن إغفال معادلة برزت قبل سنوات، وهي معادلة “مرفأ بيروت في مواجهة مرفأ حيفا”، هذا المرفأ الذي تريد إسرائيل تعزيز دوره وتكبيره ليكون مرتكز التصدير من المنطقة نحو أوروبا.
منطقة خالية في سوريا واقتصادية حرة في لبنان
كل ذلك يشكل أبرز عناصر التنافس بين تركيا وإسرائيل في سوريا. وأما لبنان فلا يمكنه أن يكون بعيداً. فتل أبيب التي تريد إقامة منطقة خالية من السلاح في سوريا مع ممرات آمنة بالنسبة إليها، تريد في لبنان فرض منطقة عازلة في الجنوب أطلق عليها الأميركيون إسم منطقة اقتصادية حرة، وحتماً لها ارتباط بحقول الغاز اللبنانية في البحر المتوسط، وكيفية التنقيب والاستخراج والتصدير لاحقاً. فمشروع إسرائيل واضح في سعيها إلى السيطرة على ذلك. أما تركيا فكانت لها قبل سنوات محاولة للدخول في شراكة مع لبنان في ما يتعلق بالتنقيب والاستخراج، باعتبار أن الأنبوب التركي في اتجاه أوروبا جاهز.
—————————-
شرق المتوسط عند مفترق طرق… توترات متصاعدة أم نفوذ متجدد؟/ مايكل هراري
آخر تحديث 04 أكتوبر 2025
أدى اكتشاف الغاز الطبيعي في شرق البحر الأبيض المتوسط خلال الخمسة عشر عاما الماضية إلى سلسلة من التطورات السياسية المهمة في المنطقة، وأسهم في تشكيل بنية إقليمية فريدة. ويكمن جوهر هذه البنية في التعاون الوثيق بين مثلث: إسرائيل واليونان وقبرص، إلى جانب إنشاء منتدى غاز شرق المتوسط في يناير/كانون الثاني 2019، والذي تلعب فيه مصر دورا قياديا.
ويضم المنتدى، إلى جانب الدول المذكورة، كلا من الأردن وإيطاليا وفلسطين، ويتخذ من القاهرة مقرا له. لم يكن غياب تركيا عن هذا الإطار أمرا عفويا، إذ برز هذا التكتل الإقليمي في جوانب عديدة كردّ فعل على السياسة التركية، التي اعتبرتها غالبية دول المنطقة عدائية ومتضاربة مع مصالحها. ومن الجدير بالذكر أن لبنان تلقى دعوة للانضمام إلى المنتدى، لكن لم يكن مفاجئا أنه لم يتمكن من ذلك، حتى بصفة مراقب (كما أُشير إلى ذلك بصورة غير معلنة). وعلى الرغم من الاضطرابات التي شهدتها المنطقة منذ ذلك الحين، فإن هذا التوافق الإقليمي حافظ إلى حد كبير على تماسكه، وهو ما يبدو لافتا خاصة في ظل التوترات العميقة التي فجرتها حرب غزة.
على مدى السنوات الماضية، سعت تركيا إلى تحدي هذا الواقع الإقليمي. وفي الآونة الأخيرة، نجحت في إعادة ترميم علاقاتها مع مصر ودول الخليج، ولا سيما السعودية والإمارات. كما شهدت العلاقات بين أنقرة وأثينا تحسنا ملحوظا. وقد منحت التحولات الإقليمية والدولية تركيا ثقة متجددة، وفي مقدمة هذه التحولات انهيار نظام الأسد وصعود أحمد الشرع إلى السلطة في دمشق، ناهيك عن عودة الرئيس ترمب إلى البيت الأبيض في ولاية ثانية.
سعت تركيا في وقت مبكر إلى الردّ على الترتيبات الإقليمية الجديدة، وذلك من خلال توقيعها اتفاقية مع ليبيا عام 2019 لترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة. فمنذ سقوط القذافي عام 2011، غرقت ليبيا في حرب أهلية وانقسام سياسي بين سلطتين متنافستين: الأولى في طرابلس، المعترف بها دوليا، والثانية في طبرق بقيادة الجنرال خليفة حفتر. وقد وُقعت اتفاقية الترسيم البحري مع حكومة طرابلس، ونصّت على تقسيم مساحات واسعة من البحر الأبيض المتوسط بين تركيا وليبيا، متجاهلةً بذلك جزيرة كريت. ولم يكن مستغربا أن ترفض الدول الإقليمية الأخرى والمجتمع الدولي الأوسع الاعتراف بهذه الاتفاقية.
في الأشهر الأخيرة، حققت أنقرة تقدما ملحوظا في علاقاتها مع حكومة طبرق، التي تبدو أقرب من أي وقت مضى إلى المصادقة على اتفاقية 2019. وقد سارعت اليونان إلى محاولة عرقلة هذه الخطوة، إذ زار وزير خارجيتها ليبيا مرتين مؤخرا، سعيا لاستمالة القاهرة التي ترفض أصلا الاتفاقية البحرية التركية-الليبية، لكن هذه الجهود لم تحقق نجاحا يُذكر حتى الوقت الحالي. وبسياسة محسوبة، عززت تركيا تواصلها مع الجنرال حفتر، رغم أنه لم يصادق رسميا على الاتفاقية البحرية حتى الوقت الحالي. واستفادت أنقرة من تراجع الدور المصري النسبي، على الرغم من أن ليبيا شكّلت تقليديا أولوية بارزة في حسابات الأمن القومي المصري. ومع تحسن العلاقات التركية-المصرية في الأعوام الأخيرة، لا يبدو أن القاهرة مستعدة للمخاطرة بتعريض هذا المسار الإيجابي للانتكاس في الوقت الراهن.
في الوقت نفسه، شهدت الأشهر الأخيرة تصاعدا في التوترات بين اليونان وتركيا. فقد اعترضت أنقرة على مشروع الربط الكهربائي بين اليونان وقبرص، مدّعية أن مساره يمر عبر مناطق تقع ضمن مياهها الاقتصادية. وأثار هذا الخلاف سلسلة من التحركات الدبلوماسية في بروكسل، إذ سعت أثينا إلى حشد دعم الاتحاد الأوروبي من أجل فرض قيود على تركيا.
من الواضح أن الهدف الأساسي لتركيا هو تقويض البنية الإقليمية التي تشكلت خلال الخمسة عشر عاما الماضية، والتي جرى خلالها استبعادها. ويُلاحظ أن الموقع الاستراتيجي لأنقرة قد تحسن خلال العامين الأخيرين، بفضل جملة من التطورات الجذرية، أبرزها التحولات في سوريا، وعودة الرئيس ترمب إلى السلطة، إضافةً إلى تزايد الاحتياجات الأمنية الأوروبية في ظل تراجع الالتزام الأميركي تجاه القارة وحلف “الناتو”. كما توظف أنقرة ورقة الهجرة، مستفيدة من القلق الأوروبي، ولا سيما الإيطالي، إزاء تصاعد موجات الهجرة غير النظامية القادمة من ليبيا، لتعزيز مكانتها الإقليمية.
علاوة على ذلك، ساهمت الزيارة الناجحة التي أجراها الرئيس أردوغان إلى واشنطن، وما بدا من انسجام شخصي واضح بينه وبين الرئيس ترمب، في تعزيز ثقة أنقرة بقدرتها على استعادة دورها في شرق البحر الأبيض المتوسط. وأسفرت الزيارة عن اتفاق يقضي باستمرار تركيا في استيراد الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة حتى عام 2045، إلى جانب صفقة لشراء 225 طائرة ركاب من طراز “بوينغ”. ورغم أن ملف مقاتلات “إف-35” لا يزال عالقا، فقد لمح الرئيس ترمب إلى إمكانية حله، مضيفا: “لكن أولا، على الرئيس أردوغان أن يفعل شيئا من أجلنا”. وتمكن الطرفان، كذلك، من تجاوز الخلافات المتعلقة بإسرائيل والأكراد في سوريا.
لا يزال القلق قائما من أن تؤدي هذه التحركات إلى تفاقم التوترات الإقليمية، خاصة بين أنقرة وأثينا. ويعود ذلك بالأساس إلى النزاعات حول تراخيص التنقيب في المياه المتنازع عليها في البحر الأبيض المتوسط، ولا سيما بالقرب من جزيرة كريت، إضافةً إلى الخلافات بشأن مشروع خط الربط الكهربائي الذي يُعد حيويا بالنسبة للاتحاد الأوروبي، والذي تعهّد بتخصيص 670 مليون يورو لتمويله. وفي هذا السياق، اعترضت تركيا قبل أسابيع قليلة سفينة أبحاث ترفع علم جبل طارق، كانت تجري مسوحات لقاع البحر من أجل الكابل المزمع إنشاؤه، وأجبرتها على العودة إلى موطنها.
ترسيم الحدود بين سوريا ولبنان
ستتأثر التنافسات الإقليمية أيضا بالتحولات الجذرية الجارية في سوريا ولبنان. فمع استقرار نظام الشرع في دمشق، يُتوقع أن يسعى البلدان قريبا إلى إبرام اتفاقيات لترسيم حدودهما البرية والبحرية. وتكتسب هذه الحدود البحرية في البحر الأبيض المتوسط أهمية اقتصادية واستراتيجية كبرى. وتشير العلاقات الوثيقة التي تربط أنقرة بالشرع، إلى جانب ثقتها المتزايدة بنفسها، إلى أنها ستسعى للتأثير في مسار هذه المفاوضات بما يخدم تعزيز دورها في شرق المتوسط. ومن المؤكد أن لهذه التطورات انعكاسات مباشرة على مختلف دول المنطقة، ولا سيما إسرائيل واليونان وقبرص ومصر، فضلا عن أوروبا.
ومن بين هذه الأطراف، استأنفت قبرص ولبنان مؤخرا المفاوضات لاستكمال الاتفاقية البحرية الموقَّعة عام 2007، والتي لم يُصدَّق عليها بعد. ويسعى الجانبان إلى التوصل قريبا إلى اتفاق نهائي لا يُتوقع أن يثير عقبات كبيرة، فيما يكتسب هذا الاتفاق أهمية بالغة لكلا البلدين.
ومن المهم أيضا الإشارة إلى الجانب الفلسطيني في مجال الطاقة بالمنطقة، وتحديدا حقل الغاز “غزة مارين”، الواقع على بُعد نحو 35 كيلومترا من قطاع غزة. ويعد هذا الحقل ذا إمكانات كبيرة لفلسطين، شريطة توفر الظروف الملائمة لتسويقه تجاريا.
وقد برهنت إسرائيل على تفكير استراتيجي في قراءة المشهد الإقليمي، فبعد قطيعتها مع تركيا وتداعيات ما يسمى إعلاميا “الربيع العربي”، سارعت إلى المبادرة والاندماج في البنية الإقليمية الناشئة لشرق البحر الأبيض المتوسط. وقد أثبتت هذه الاستراتيجية جدواها على المستويين السياسي والاقتصادي: فعلى الرغم من التوترات القائمة في علاقاتها مع مصر والأردن، لم تُسجّل أي انهيارات كبيرة حتى الوقت الحالي. وبالمثل، لا تزال اليونان وقبرص تدعمان إسرائيل في بروكسل. وفوق ذلك، تُعد إسرائيل مصدرا بالغ الأهمية للغاز الطبيعي لمصر والأردن.
من الواضح أن مستقبل المنطقة سيتأثر إلى حد كبير بمصير الحرب الدائرة في غزة، وإمكانية اقتراب نهايتها في المستقبل القريب. وقد تفتح خطة ترمب لغزة آفاقا جديدة للمنطقة ككل. فقد أصبح شرق البحر المتوسط خلال السنوات الخمس عشرة الماضية منطقة فرعية بالغة الأهمية، تلقى اهتماما دوليا واسعا، ومع ذلك لا يزال خطر تصاعد التوترات واندلاع الصراعات قائما على نحو مستمر.
——————————–
صندوق النقد والبنك الدولي يخصصان جلسة بشأن مستقبل الاقتصاد السوري وإصلاحه
خصص صندوق النقد الدولي والبنك الدولي جلسة لسوريا ضمن اجتماعاتهما السنوية، بين 13 و18 من تشرين الأول الجاري، تهدف لمناقشة مستقبل الاقتصاد السوري وإصلاح مؤسساته المالية.
ومن المقرر عقد الجلسة، التي تحمل عنوان “إعادة بناء سوريا: مسار نحو الاستقرار والازدهار”، يوم 15 من تشرين الأول الجاري، وستناقش مستقبل الاقتصاد السوري وإصلاح مؤسساته المالية، بما في ذلك البنك المركزي السوري، إلى جانب إعادة بناء الثقة في البيانات المالية التي تعدّ ركيزة أساسية لعودة دمشق المحتملة إلى النظام المالي العالمي.
إصلاح البنك المركزي وإعادة الثقة بالبيانات المالية
ووفق برنامج الاجتماعات، ستتناول الجلسة احتياجات الاقتصاد السوري في مرحلة ما بعد الحرب، وسبل إعادة هيكلة النظام المصرفي وتطوير أدوات السياسة النقدية، إضافة إلى تفعيل الشفافية المالية وتعزيز الثقة بالمؤشرات الاقتصادية المحلية التي فقدت مصداقيتها في السنوات الماضية.
كما يُتوقع أن تفتح المناقشات الباب أمام خطط أولية لإعادة دمج سوريا في النظام المالي الدولي، بما يشمل التعامل مع الديون المجمدة وآليات المساعدات التنموية المستقبلية، وذلك في إطار رؤية شاملة تهدف إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي وإعادة الإعمار.
الإصلاح المالي شرط أساسي للعودة
وفي تصريحات سابقة، أكدت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، أن الطريق إلى مؤسسات التمويل الدولية يمر عبر الإصلاح المالي والشفافية، مشيرة إلى أن الصندوق “يعمل بحذر ولكن بإصرار مع شركائه لإعادة دمج سوريا تدريجياً في الاقتصاد العالمي”.
ومن المقرر أن تلقي غورغييفا كلمتها الافتتاحية التقليدية المعروفة باسم “رفع الستار”، والتي ستسلط الضوء على التحديات الاقتصادية في الشرق الأوسط، مع تركيز خاص على الاقتصادات الخارجة من النزاعات، وفي مقدمتها سوريا.
“متقلب جداً”
وقبل يومين، وصف تقرير للبنك الدولي الوضع في سوريا بأنه “متقلب جداً”، وربط التعافي الاقتصادي للبلاد بتحسن الظروف الأمنية، والاستقرار المؤسسي، وتخفيف العقوبات الدولية، وزيادة المشاركة الاقتصادية الدولية.
وبحسب التقرير فإن الاقتصاد السوري قد ينمو بنسبة 1% هذا العام بعد انكماش متوقع بنسبة 1.5% في عام 2024، وهو ما يمثل أول تحسن طفيف منذ عام 2022، مشيراً إلى أن الحكومة السورية تواجه مهمة صعبة تتمثل في إعادة بناء الثقة في الاقتصاد بعد أكثر من عقد من الصراع.
يشار إلى أن الناتج المحلي الإجمالي لسوريا، بين عامي 2010 و2022، انكمش بنسبة 53%، مما دفع البنك الدولي إلى تصنيف البلاد على أنها “منخفضة الدخل” منذ عام 2018، في حين قد يكون الانخفاض الفعلي أعمق من التقديرات الرسمية.
——————————
======================



