كلام بالجيوسياسة/ أحمد نظير أتاسي

اصبح الجميع يعرف ان هناك مستويات متعددة للمشكلة السورية. على المستوى المحلي هناك فقدان الامن والبطالة والدمار والماء والكهرباء وارتفاع الاسعار. وعلى المستوى الوطني هناك هشاشة الدولة وفقدان الموارد وانتشار الفصائل واحتكار القرار وضعف التخطيط والادارة. على المستوى الاقليمي هناك مشكلة القسم الكردي الامريكي والقسم السني التركي والقسم الدرزي الاسرائيلي، وهناك اتفاقيات السلام مع اسرائيل ومشكلة النفوذ الروسي وضمان المصالح الخليجية والتركية. لم تتوضح بعد الابعاد الدولية لكن مشكلة اوكرانيا ومشكلة طريق الصين التي تمر من اسيا والطريق التي تمر من الهند والسعودية هي مشاكل ستظهر قريبا بعد ان تنتهي عقدة تهجير الفلسطينيين من غزة. ولكن ماذا على المستوى الجغرافي؟ قليلون من يتكلمون عن هذا المستوى رغم اهميته القصوى.
للذين يتغنون بأبي بلال العثماني ومساعدته السنية للسوريين، لا بد ان تعرفوا ان الجفاف الذي تعاني منه منطقة الجزيرة في سوريا ليس بالكامل مشكلة بيئية طبيعية، بل هي مشكلة حجب تركيا لمياه الفرات وانشاء عشرات السدود على ذلك النهر لتوليد الطاقة واستصلاح الاراضي في الاناضول من اجل دعم القاعدة الشعبية الاردوغانية الاناضولية. ان الحرب في سوريا لم تكن فقط صراعا بين الشعب وحكم الاسد بل ايضا حربا اهلية نتيجة الجوع والعطش الذي فرضته تركيا. وبنفس الطريقة تتعامل معنا اسرائيل فقد سحبت كل المياه السطحية والجوفية من هضبة الجولان وتركت دمشق والجنوب دون موارد مائية. اضف الى ذلك ارتفاع درجات الحرارة وقلة الامطار وتجفيف الابار العميقة وانحسار الغطاء الاخضر. ان سوريا على حافة وادي جهنم حقيقي علاماتها دراجات حرارة في الاربعينات، شح مياه الشرب والري، انخفاط معدلات الامطار حتى في السنوات الجيدة مما يهدد الزراعة ومياه الشرب بشكل قد تصبح فيه سوريا غير قابلة للسكنى في غضون عقود قليلة من الزمن.
ان سوريا، شئنا ام ابينا لن تستطيع استيعاب عشرين مليون انسان، لا ناحية الماء ولا من ناحية الكهرباء ولا من ناحية الانتاج والعمل وحتى درجات الحرارة والقدرة على التكييف. بالاضافة الى مشروع اعادة اعمار واعادة تشغيل طويل الامد، فان سوريا بحاجة لمخططات اسكانية ومائية وزراعية طويلة الامد ايضا. وهذا بالضرورة له جوانب جيوسياسية. ان الاتفاقات مع اسرئيل او تركيا ليست اتفاقات تكريس حكم الشرع او حكومة السلفيين او تكريس امن اسرائيل واحداث دولة كردية حليفة، ان هذه الاتفاقيات هي وسائل في اعادة صياغة المصائب الجيوسياسية التي تكلمت عنها. اسرائيل تريد التخلص من السكان العرب وزيادة اراضيها الزراعية، تريد الاستحواذ على المنصة المائية الجوفية السورية بالكامل، تريد ان تكون منابع الفرات ودجلة بأيد كردية صديقة، وتريد ضمان امنها من خلال اضعاف القوى العسكرية لدول الجوار الى درجة الصفر، او تحت الصفر كما نرى في الحالة السورية (تحت الصفر هي فصائل همها ممارسة العنف ضد الداخل وليس الخارج). ان اخراج تركيا من سوريا هي مسألة وقت فقط، وتقسيم تركيا واحداث دولة كردية صديقة فيها هي ايضا مسألة وقت. وبالتالي فان تقسيم سوريا سيكون كنتيجة لهذه الزلازل الكبرى وتحصيل حاصل. ليس الان بالطبع ولكن خلال عشرين سنة.
من يعتقد ان الجولاني قادر على اللعب على هذه الساحة كما يلعب البلياردو هو كمن يعتقد ان ازعر الشارع الفلهوي يمكن ان يجلس على طاولة السياسيين والصناعيين. وظيفة الجولاني ليست التفاوض وانما التسليم. واعتقد انه يعرف ذلك تماما ولذلك فهو مقتنع على المدى البعيد بامارة سنية عربية صغيرة. الخطوة الاولى لتحقيق هذا المشروع الطويل الامد هو احداث الفيدرالية في سورية بعد معركة متوسطة الطول مع تركيا، ثم ربط اسرائيل بالقسم الكردي الشمالي، ثم البدء بمشروع تفكيك تركيا الى شرق وغرب. لا يمكن ضمان بقاء اسرائيل وامنها في هذه المنطقة دون هذا المشروع. فماذا يمكن لسوريا ان تفعل، هل هو الانتظار والتنفيذ والتسليم بأمر اولي الامر؟ هل الافضل لسوريا الانضمام الى المعسكر التركي، ام الانضمام الى المعسكر الاسرائيلي، ام اختراع معسكر آخر بين الاثنين؟ هل يمكن لتركيا ان تحمينا من التدخلات الاسرائيلية وان تساعد في اعمار سوريا وتأمين المياه والموارد المالية لاعادة الحياة اليها؟ وهل يمكن لاسرائيل ان تحمينا من تركيا وتأمين المياه والموارد المالية لاعادة الاعمار؟ ام هل الافضل التسليم بالتقسيم وتجزئة سوريا الى اقسام يذهب كل قسم مع دولة جوار اكبر قادرة على الحياة؟ هل هناك حل رابع في ضم ما تبقى من سوريا الى لبنان واختراع دولة ذات توجه متوسطي تعتمد على السياحة المتوسطية والتجارة العالمية لكنها تفتقر الى الزراعة والصناعة؟ بالطبع لا امل في التوحد مع اسرائيل او تركيا فهم لن يريدوا الاخلال بالتوازن الاثني في بلادهم. ولا امل في ضم الاردن، لان اسرائيل ستكون محاطة بدولة عربية كبيرة المساحة.
اليكم مقترحي الجنوني:
التخلي عن تركيا والانحياز لاسرائيل وامريكا وجعل سوريا من اهم عقد الهجوم الامريكي على الصين.
التخلي عن الجزيرة ودعم دولة كردية في الجزيرة وشرق تركيا لانها ستكون دولة ضعيفة مثلنا ويمكن عقد اتفاقيات مياه معها تحت رعاية امريكية اسرائيلية. الاحتفاظ بشواطئ على الفرات والبحيرة وحصة من المياه. تحريض العراق على انتزاع البوكمال والرقة وجزء من الصحراء. السماح لاسرائيل بخلق منطقة عازلة في درعا والسويداء شرط ان تتكفل بطعامهم وشربهم وتنمية اقتصادهم. توحيد سهل الغاب والحولة والبقاع كبديل زراعي عن الجزيرة. انشاء دولة مسيحية في جبل اللبنان. عدم اعادة المهجرين السوريين الى سوريا لتقليل الضغط السكاني. انشاء منتجعات سياحية على الساحل خاصة منتجعات التقاعد للاوروبيين. احداث فيدرالية بين حلب وحمص ودمشق والساحل بحيث تحدد كل منطقة توجهها اما انفتاح على الداخل العربي او انفتاح على الخارج المتوسطي. مركز الانفتاح العربي يجب ان يكون في دمشق ومركز الانفتاح المتوسطي يجب ان يكون في حلب. انهاء السيطرة الدمشقية التجارية والادارية ونقل العاصمة الى عاصمة ادارية كامتداد لمدينة طرطوس. احياء خط التجارة الحلبي الذي يربط اسيا بالبحر المتوسط ومد انفاق من حلب الى اللاذقية ومن سهل الغاب الى طرطوس بدعم اوروبي. السماح بانشاء قاعدة عسكرية ضخمة امريكية في الداخل. منح الجنسية السورية للراغبين من قطر والامارات والسعودية. عقد حلف دفاع مشترك بين سوريا الجديدة واسرائيل. انشاء مشاريع تحلية مياه ضخمة واستصلاح البادية القريبة من حمص وحماة بمساعدة اسرائيلية على ان يكون لاسرائيل الحق بزراعة ثلاثين بالمائة منها. اعادة تأهيل الجبل وتحويله الى منتجعات سياحية خاصة كبيرة ومزارع عنب وانتاج خمور. تحويل حمص الى عدة مدن جامعية ومراكز ابحاث للايجار وخاصة في العلوم الطبية لتدعم مشاريع التقاعد في الساحل.



