لا ماء في الحسكة/ بشير البكر

الاثنين 2025/10/06
تعيش سوريا أزمة مياه عامة، وقد لمست ذلك، خلال زيارتي الأخيرة إلى دمشق وحلب في حزيران الماضي. تنقطع مياه الشرب عن البيوت عدة أيام، ولا تحضر إلا بمعدل يومين في الأسبوع، ولساعات معدودة، ويعود سبب ذلك في دمشق إلى ظروف مناخية، وسوء تصرف النظام السابق، سواء باستنزاف، وسوء ترشيد الاستهلاك، أو عدم صيانة الينابيع الطبيعية، الواقعة في اغلبها، ضمن منطقة وادي بردى، الخزان الذي يغذي دمشق بالماء. أما في حلب، فهي ترجع إلى الخلاف مع قوات سوريا الديموقراطية “قسد”، التي تسيطر على محطات تزويد المدينة بالماء من نهر الفرات.
وجود أزمة من هذا القبيل في الحسكة عمرها أعوام عديدة، أمر لا يبعث على الاستغراب، بعد جفاف نهر الخابور منذ أكثر من عشرين عاماً. لكن هناك سؤالاً جوهرياً لم يجب عليه أحد حتى الآن، بصورة علمية ومقنعة، حتى يتم البحث عن حلول مستدامة لأكثر من مليون شخص يعيشون على ضفافه، يعتمدون في حياتهم عليه، هو مصدر ماء الشراب وسقاية الحيوان والنبات، وخاصة زراعة القطن والقمح.
يتعلق السؤال بجفاف نهر الخابور، الذي كان معدل تدفقه الطبيعي 50 مليون متر مكعب في الثانية. ويشكل ذلك غزارة مهمة جدا كانت كافية لإرواء مساحات شاسعة على امتداد مجراه البالغ نحو 200كلم، من منطقة راس العين على الحدود السورية التركية الى مدينة البصيرة حيث يصب في نهر الفرات.
هناك آراء عديدة متداولة حول أسباب جفاف النهر، ليس من بينها ما يقنع، بل أنها جميعا، تحاول أن ترمي الأمر على ظهر السياسة، والخلافات التي عاشتها المنطقة في العقود الأخيرة. النظام السابق حملً تركيا المسؤولية، وشاركته هذا الاتهام جماعات كردية، على أساس استخدام المياه كسلاح سياسي. والمعارضة السابقة رمتها على ظهر نظام عائلة الأسد، الذي استنفد الموارد المائية على نحو غير عقلاني.
يمكن أن تصح الاتهامات كافة، ولكنها لا تفيد في تشخيص حل المشكلة، التي باتت راسخة وتتمدد. النظام خرج من المعادلة، وحل محله نظام جديد صديق لتركيا، بينما بقيت الخلافات بين تركيا وبعض الأحزاب الكردية. ومن المؤكد أن حل الخلافات السياسية سوف يؤدي إلى تسوية جزئية للمشكلة. والمقصود أن مياه الخابور في حال تفاهم المتنازعين، لن ترجع إلى التدفق كما كانت عليه في الماضي، لكن سماح تركيا بجزء من المياه في سدودها للتدفق نحو سوريا، سوف يضع حدا للمشاكل العاجلة، وهي توفير مياه الشرب، والزراعة المروية شريطة ترشيد الاستهلاك، واستخدام الطرق الحديثة بالري.
الخطوة الأولى هي اقلاع “قسد” عن أخذ الحسكة رهينة في خلاف حزب العمال الكردستاني التركي مع الحكومة التركية. لقد حل الحزب جزءا من مشاكله داخل تركيا، عن طريق تسليم السلاح، ولكنه لا يزال يسيطر على القسم الأكبر من منطقة الجزيرة السورية، محافظتي الرقة والحسكة بالكامل، وجزء من محافظة دير الزور. وما لم تتم تسوية المسائل السياسية بين الطرفين، فإن الجزيرة لن تعود إلى وضعها الطبيعي، ليس على مستوى المياه فقط، بل كل شيء، بما في ذلك التعليم، حيث قررت “قسد” منهاجا دراسيا يناسب رؤيتها السياسية والثقافية، ولذلك أغلقت الأسبوع الماضي ست مدارس تابعة للمكوّن السرياني والمسيحي في مدينتي الحسكة والقامشلي بالقوة، وذلك بعد طرد الطلاب والكوادر الإدارية منها، وذلك بعد رفض الكنائس قبل هذه الخطوة مقترح “الإدارة الذاتية” القاضي بتدريس مناهجها الخاصة، وشرطًا آخر يقصر قبول الطلاب على أبناء المكون المسيحي فقط مقابل السماح بفتح المدارس.
لا يمكن العمل على اخراج الجزيرة من الحال المزرية إلا عبر عدة خطوات. الأولى تفاهم تركيا والكردستاني، على أساس أن حل مشكلة اكراد تركيا مفصولة كليا عن مشكلة اكراد سوريا، الأولى يتم حلها داخل تركيا، والثانية بسوريا. ثانيا عودة الجزيرة الى الدولة، التي يجب أن تتحمل مسؤوليتها عنها كجزء من سوريا، وهنا لا بدّ من اخضاع هذه المنطقة إلى نمط من التمييز الإيجابي، كونها عانت لزمن طويل من التمييز السلبي، في عهد السلطات السابقة، منذ الاستقلال. ثالثا التفاهم بين سوريا وتركيا على التنمية المشتركة للمنطقة، التي لا يمكن النهوض بها من دون توفير المياه، التي تتحكم بها تركيا. وقد تمت مناقشة هذا الأمر في مرحلة سابقة، لكن التطورات السياسية حالت دون تنفيذه.
عرضت قناة بي بي سي العربي ريبورتاجا مصورا عن مشكلة المياه في الحسكة، يعبر عن الوضع الصعب للمدينة بسبب عدم توافر مياه الشرب والاستحمام النظيفة وخاصة في فصل الصيف، ويتجاوز الفيلم وضع المياه ليشاهد المتابع فشل الإدارة الذاتية التي استلمت المنطقة من النظام السابق منذ أكثر من عقد، ولكنها لم تقم بما يفيدها، رغم أنها تسيطر على مواردها الاقتصادية من نفط وغاز، ومنتوج زراعي وثروة حيوانية.
المدن



