لغة أُخرى للسياسيين: كيف تُفقد لغة الجسد غير المناسبة ثقة الجماهير/ سامر سيف الدين

8 أكتوبر 2025
انتشرت في الأيام القليلة الماضية عدة منشورات على صفحات التواصل موضوعها لغة الجسد، حيث مُدح الوزير رائد الصالح لاتخاذه وضعية الرقم 4 بالإنجليزية (الكثيرة الاستخدام في الغرب) كرد على ضيفه الأوروبي الذي اتخذ نفس الوضعية، واعتبر المادحون الأمر إظهارًا للندية. بينما اُنتقد الوزير محمد الشعار لاستخدامه نفس الوضعية، واعتبر شيئًا من التعالي على الجمهور الحاضر في مقابلة له في حلب.
ولكن ما هي أشهر وضعيات لغة الجسد المستخدمة والتي يُساء فهمها في الثقافة السورية والعربية؟ وكيف استخدمها السياسيون في عهد الأسدين ثم الحكومة الانتقالية؟ وما ضرورة أن يتمتع الساسة بمعرفة ممتازة في هذا الأمر الذي يشكل صلب التواصل مع الجماهير؟
تفسير خاطئ
في سوريا والعالم العربي عمومًا، تتجذر لغة الجسد بعمق في الأعراف الثقافية، وقد يُساء تفسيرها من قِبل غير المُلِمّين بتفاصيلها الدقيقة. نذكر منها إيماءات اليد، فغالبًا ما يستخدم السوريون والعرب حركات اليد والذراع الواسعة للتأكيد على نقاط معينة أو التعبير عن المشاعر أثناء المحادثات. وعادةً ما تكون هذه الإيماءات أكثر حيوية من تلك الموجودة في الثقافات الغربية، وتتضمن حركات كاسحة أو إشارة أو حركات أصابع معبرة.
تُعبّر هذه الإيماءات عن الحماس أو الإقناع أو الشدة العاطفية، ولكن قد تبدو هذه الحركات للغرباء، وخاصةً من ثقافات متحفظة كالولايات المتحدة أو شمال أوروبا، عدائيةً أو مبالغةً في التمثيل أو عدم الجدية.
أما التواصل البصري، فيختلف في الثقافات العربية، بما فيها سوريا، باختلاف السياق والجنس والتسلسل الاجتماعي. وبينما يُحافظ الرجال على تواصل بصري قوي مع نظرائهم لإظهار الثقة أو الصدق، إلا أنه يفضل تجنب التواصل البصري المُطول مع النساء أو كبار السن أو الشخصيات ذات السلطة لإظهار الاحترام أو التواضع. وقد يفسر الجمهور الغربي عدم اتساق التواصل البصري على أنه مراوغة أو خداع، بينما قد يُنظر إلى التواصل البصري المفرط، وخاصة في الأوساط الدبلوماسية، على أنه عدواني أو عدم احترام.
ومن الحركات الهامة أيضًا، إمالة الرأس والإيماءات، حيث تتم إمالة الرأس السريعة للأعلى أو الإيماءة، مصحوبة غالبًا برفع طفيف للحاجب أو صوت “تسك”، شائعة في سوريا والعالم العربي للإشارة إلى “لا” أو عدم الموافقة. على العكس من ذلك، يمكن أن تشير الإيماءة البطيئة أو إمالة الرأس للأسفل إلى الموافقة أو الفهم. إن الإمالة للأعلى هي طريقة مباشرة ولكنها قد لا تعبر عن الرفض دائمًا، وقد تُربك الغربيين، الذين قد يظنوها اعترافًا عابرًا أو لفتة إيجابية، لأنها تشبه الإيماءة في ثقافتهم. وقد يؤدي هذا إلى سوء تفاهم في المواقف الدبلوماسية أو العامة، حيث تُفهم إيماءة السياسي خطأً على أنها موافقة بينما تُشير إلى الرفض.
ومن الحركات التي يُساء فهمها كثيرًا، اللمس والمساحة الشخصية، فغالبًا ما تتضمن الثقافات العربية تقاربًا جسديًا أكبر أثناء المحادثات مقارنة بالأعراف الغربية، حيث يُعدّ لمس الجنس نفسه (مثل إمساك اليد، أو التربيت على الكتف) أمرًا شائعًا لإظهار الصداقة أو الثقة. ومع ذلك، غالبًا ما يكون الاتصال الجسدي بين الجنسين محدودًا بسبب الأعراف الثقافية والدينية. يُشير التقارب واللمس (بين الجنسين) إلى الدفء والثقة والرفقة، بينما يعكس تجنب الاتصال بين الجنسين التواضع أو الالتزام بالتقاليد.
كما يستخدم السوريون غالبًا تعبيرات وجهية ذات مغزى، كرفع الحواجب، أو ضم الشفاه، أو الابتسامات العريضة، للتعبير عن مشاعر مثل المفاجأة، أو الاختلاف، أو الود. ومع ذلك، في المواقف الرسمية أو المهمة، قد يتبنى بعض السياسيين تعبيرات محايدة أو متوترة للحفاظ على رباطة جأشهم. وفي هذا السياق قد تبدو التعبيرات المبالغ فيها درامية أو غير صادقة للجمهور الغربي، بينما قد تُفهم التعبيرات المحايدة للغاية على أنها باردة أو خادعة، خاصةً عند اقترانها بتأكيدات لفظية غير متناسقة.
تأثير عدم معرفتها على التواصل مع الجمهور
يُخاطر السياسيون الذين يجهلون الاختلافات في معاني لغة الجسد بتنفير الجماهير، إذ تتعارض اللباقة اللفظية غير المباشرة (لحفظ ماء الوجه وتجنب الإساءة) مع إشارات الجسد المباشرة، مما يُفاقم سوء الفهم في الدبلوماسية عالية المخاطر أو الخطابات العامة.
ومن الأمثلة الصارخة على ذلك الرئيس المخلوع بشار الأسد، الذي غالبًا ما كانت لغة جسده تُظهر التوتر خلال المقابلات والاجتماعات. وتكشف تحليلات تفاعلاته، مثل تلك التي جرت مع تشارلي روز أو فلاديمير بوتين، عن مؤشرات غير لفظية مثل الابتسامات غير المتجانسة، والوضعيات المتوترة، والخضوع الشبيه بالبيتا (مثل شد الذراعين وتباعد القدمين)، مما يُظهر ضعفًا على الرغم من التأكيدات اللفظية بالسيطرة.
أدت هذه الإشارات إلى تآكل الثقة العامة والعالمية، لا سيما في خضم الحرب السورية، حيث غالبًا ما تباينت نبرته اللفظية الهادئة مع تعابير وجهه القلقة أو إيماءاته المراوغة، مما عزز تصورات هشاشة الاستبداد بدلًا من قوته. وفُسِّرت ابتساماته المحرجة أو سلوكه العفوي عند معالجة الأزمات على أنها لامبالاة أو حتى سخرية.
كما أبرز اعتماده على الإهانات في خطاباته هذه الفجوة بشكل أكبر، حيث دلّ الخطاب العدواني المقترن بتعبيرات غير لفظية غير متطابقة على انعدام الأمن الداخلي، مما أدى إلى نفور المؤيدين والمعارضين على حد سواء.
وعلى النقيض، عُرف حافظ الأسد بإلقائه البطيء والمُتأني. وربما أراد من هذا التعبير عن صموده، ولكنه أيضًا أظهر برودةً وانعزالًا. كذلك استخدم القادة العسكريون وشخصيات حزب البعث لغة جسد صارمة وعسكرية (وقفة مستقيمة، تعابير وجه خفيفة، حركات يد مُحكمة)، بما يعبر عن السلطة، الانضباط، الاستقرار. ولكنه فُهم كدليل على التصلب، الانعزال، البعد الاستبدادي.
وبعد عام 2011، ضخَّمت لغة الجسد الجامدة والمنفصلة للقادة الغضب، حيث اعتبر المواطنون القادة غير متأثرين عاطفيًا بالمعاناة. وبينما فسّر السوريون الأكبر سنًا، والذين نشأوا في ظل الاستبداد العسكري، الجمود على أنه قوة، فسّرته الأجيال الشابة على أنه نفاق أو ضعف.
وبعد سقوط النظام، أُسيء تفسير لغة جسد الرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني بسبب ارتباطها بخلفيتهما الإسلامية المتشددة، حيث فُسرت بعض الإيماءات كتعبير عن التطرف أو عدم الثقة، بينما قد تكون في الواقع جزءًا من الالتزام الديني أو الاستراتيجية السياسية في المرحلة الانتقالية. ففي كانون الثاني/يناير الماضي، رفض الشرع مصافحة وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بايربوك أثناء زيارتها دمشق، مما أثار انتقادات إعلامية أوروبية وتم تفسيره كدليل على تطرف إسلامي يعيق الدبلوماسية. ولكن في الواقع هذا السلوك يعكس التزامًا شرعيًا محافظًا.
وفي أيلول/سبتمبر الماضي، أشار الشيباني للرئيس الشرع لإبعاد صحفية أثناء حديث مع أمير قطر في الأمم المتحدة، مما فسره البعض كتوتر أمني أو تجاهل للإعلام، بينما قد تعكس الحركة حذرًا أمنيًا في بيئة دولية حساسة، لا عداءً شخصيًا.
وفي السياق نفسه، تكشف مقاطع فيديو لمسؤولين سوريين يغمزون بأعينهم لتجنب ردود فعل مرتجلة أو يظهرون وضعيات مرتعشة عن قلة خبرة وضعف ثقة، ما يفهمه مراقبون كإشارات إلى عدم الاستقرار خلال المراحل الانتقالية.
ضرورة إتقان لغة الجسد للسياسي
عندما تتعارض لغة الجسد مع التأكيدات اللفظية المُعدّة سلفًا، يفسر الجمهور الإشارات غير اللفظية على أنها أكثر صدقًا، مما يؤدي لتآكل الثقة. كما يعزز أسلوب الجسد المنعزل والاستبدادي صورة السياسيين كحكام، لا كخدم للشعب، مما يعمق العزلة بينهم وبين الجماهير. وتُعمّق هذه الأخطاء، التي تُضخّمها وسائل الإعلام، الانقسامات والشكوك.
كذلك يُعزز عدم تطابق لغة الجسد بيئات التضليل، حيث يُكوّن الناخبون انطباعات متحيزة عن الكفاءة أو الخداع، مما يُقوّض الشرعية الديمقراطية. في السياق السوري المتقلب، على السياسيين دمج الوعي الثقافي والتدريب غير اللفظي لسد الفجوات، وضمان أن تُعزز الإيماءات الوحدة بدلًا من إثارة الانقسام. وبدون ذلك، يُديم فشل التواصل سوء التفاهم ويُعيق المصالحة.
الترا سوريا



