مقالات سينمائيةمنوعات

العنصرية بوجهها الاعتيادي: مراجعة لفيلم «من هبّ ودبّ» التسجيلي اللبناني/ نبيل محمد

03-10-2025

        تستحق لافتة تقول «يمنع تجوّل العمال الأجانب بعد الساعة الثامنة مساء ولغاية السادسة صباحاً» أن تكون موضوع فيلم تسجيلي، فتَوجُّهٌ رسميّ مثل هذا، وعلى أي بقعة جغرافيّة كانت، يتجاوز خلفياته ودلالته، وكتلة الأمراض الاجتماعية والسياسية التي قد تكمنُ خلفه، باتجاه الأرضيات الفرديّة والجمعيّة التي تتلقى لافتةً كهذه بالترحاب، وباتجاه تحليل طبيعة ذلك الستار، الذي يحجب عن الأعين مدى وضوح خطاب الكراهية في لافتة بهذا الحجم وهذه الوطأة.

        كيف يمكن أن تنظر قطاعات مختلفة من المدنيين للعنصريّة كواحدة من ثيمات «المصلحة العامة»؟ سؤال يبحث خلفه فيلم «من هبّ ودبّ» التسجيلي اللبناني الجديد، والذي يهرب من مطبّ الصحافة الاستقصائية ببراعة، نحو سينما شديدة الحساسيّة والذكاء، من خلال تحقيق معادلة «أبلغ حقيقة بأبسط أدوات». وهنا ليس القصد بالأدوات لوجستيات الإنتاج السينمائي فحسب، بل حتى إعداد المحتوى أيضاً قبل وبعد التصوير.

        تنتقل عدسة الفيلم بين ثلاث مناطق لبنانيّة، ضهور الشوير، وبرمانة، والتحويطة، تحتوي كغالبية البقاع اللبنانية على عمال أجانب أغلبهم من السوريين، وعلى مجتمعات فيها من إشكاليات العلاقة مع الآخر، ما هو مزيج من نتاج الحرب الأهلية، والأثر التراكمي للبؤس الاقتصادي، والجهل والعزلة. تختار الكاميرا أن تترك كل أطراف قضية «اللافتة» تدلي بدلوها بأقصى ما يمكن من الشفافيّة، بعيداً عن ثنائية الجاني والضحيّة. بل إن هويّة الضحيّة تتماهى وتضيع في زحام الفقراء ومصابي الرهاب الاجتماعي والمستويات المتعددة من البارانويا، وكذا هويّة الجاني.

        في بحثه عن أساليب وتجليات شرعنة العنصريّة، يحشد الفيلم أمام الكاميرا مجموعات متعددة من سكّان المناطق التي جابها. ليكونوا هم الطرف الأكثر وضوحاً، والذين لا يتملّكهم حرج عن التعبير عن كل ما في دواخلهم ببساطة. كلمات ومصطلحات تجد نفسها من حيث لا تدري تحوّل خطاب الكراهية والتمييز، إلى قيمة مصلحيّة بل وإنسانيّة. تستند هذه الانسيابية والراحة في تبرير العنصريّة إلى أرضيّات صلبة في نفوس كثيرين. أرضيات يغيب معها أي تقييم سلبي لممارسة العنصريّة.

        لا يُجرِّدُ الفيلم شخوصه اللبنانيين في تلك القرى من بساطتهم ولطفهم وإنسانِيتهم، بل يقدّمهم كما هم وكأنهم قطع التراث المتراكم في لبنان الجميل القديم. لكنه يبحث خلف هذه الشخصية البسيطة عن جذور الكره والعنصريّة والطبقيّة. فما أن تبوح تلك الشخوص بكوامنها حتى نجد كتلة معقّدة من القيم والمعتقدات والأفكار، ضرب فيها الجيش السوري عند احتلاله لبنان سكيناً عميقاً فأنتج ندبة، ومهّد لها الجهل والانعزال والخوف من الآخر الطرق نحو تصنيف البشر والفوقيّة، ومنحها الواقع اللبناني بكل مكوناته السياسية والاقتصادية سماداً ينعش كل تلك الإصابات والندوب والعاهات، ويمنع عنها أيضاً مكاشفة واقعية مع الذات.

        لا تشكك غالبية الشخصيات في الفيلم بأن عنصريّة ما، تحضر في اللافتة، بل هي «مصلحة عامة» فقط، ويتجلى ذلك في تعابير بالغة البساطة والمباشرة؛ ستجد من يشتم السوريين، من يميّزهم من وجوههم، من يعطيهم بأريحية كاملة صفات لا إنسانيّة. علّ تلك النقطة بالذات واحدة من أقسى المفاجآت في الفيلم، وتتمثّل بوجود توافق بين عدد من الأشخاص على أن العمال السوريين إن تركوا خارج منازلهم ليلاً سيُهاجمون بعضهم البعض. وأن منع وجودهم هو حماية لهم من أنفسهم. أمام ذلك يبدو تنميطهم بالجهل أو ممارسة السرقة أو التحرّش عادياً، لأن تلك الصفات على مساوئها هي صفات إنسانية.

        تبحث الكاميرا عن المسؤولين المباشرين عن تعليق اللافتات، وعن تطبيق القرار. فتبدأ برئيس البلديّة، الذي يقدّم مشهداً صارخاً للديكتاتوريّة، يؤكّد أنه المسؤول المباشر عن تعليق اللافتة، وأنه لا ينتظر من الأهالي أن يطلبوا ذلك، لأنه هو من يعرّف «المصلحة العامّة». ثم يطرد فريق الفيلم إذ يلمس في أسئلتهم شبهة عدم إعجاب بتلك اللافتات.

        على قارعة الطريق يجلس الشرطي الفقير والذي يُعتبَر مسؤولاً عن تطبيق القرار في قريته. ولعلّها سلطة لا يملك سواها، فيمنح نفسه أهليّة التمييز بين من يُطبَّق، ومن لا يُطبّق، عليهم القرار، فيُميّز بين السوريين وفق أشكالهم، يُقرّ بسهولة التمييز، حيث «النظافة» التي تظهر على الشكل.

        لا يقتصر حضور اللغة السينمائية، التي يُصرّ عليها الفيلم في غالبية مشاهده، هارباً من الأسلوبية الصحفيّة، على حركة الكاميرا، تلك التي تتفاوت جودة أدائها بين موقع وآخر. لكن الأهم كان في جودة الانتقال في السرد، ذاك الذي كان سلساً وواضحاً على مدار الفيلم. البداية دائماً ما تكون مع مجموعة من المدنيين الذين يحتفون بكونهم يعيشون في مناطق تحترم التنوّع، وعُنوانها المحبة والأخوّة، كأي قرية لبنانية قادمة من التراث الفني والشعبي اللبناني. ليُترَك لتلك الألسن ذاتها التي تحتفي بالجماليات، أن تُخرِجَ دواخلَها المحمّلة بالمأساة، والخوف، وأحياناً ترقُّب الحرب الأهليّة.

        في المقلب الآخر يحضر العمال الأجانب بمستويات متعددة من أدوار الضحية المجردة بشكل كامل من أسلحتها في الدفاع عن ذاتها، ومنهم عامل سوري تم اعتقاله لتأخُّره مدة نصف ساعة خارج منزله. الدوريّة التي اعتقلته، نقلته من المقعد الخلفي الفارغ في السيارة، إلى الصندوق الخلفي، وعندما أعادته إلى بيته وضعته في الصندوق أيضاً. تلك قد لا تكون الضحية الأكثر ضعفاً، هناك ضحيّة أخرى تتجاوزها لتصل إلى الدفاع عن قرار المنع، وإعطاء الدولة الحق والعذر فيما أصدرته، إذ «ما الذي يدعو عاملاً أجنبياً للخروج من بيته بعد الساعة الثامنة مساءً أصلاً؟ ثم إن عاملاً سورياً بملابس العمل يظهر في الشارع سيؤذي مظهر الشارع عندما يتجه السكّان إلى المطاعم والمقاهي للسهر». ذلك أيضاً كان من المفاجآت القاسية في الفيلم، فهذه الزاوية تأخذ بُعداً غاية في الأهميّة، يُشير بمكان إلى أن القيم والحقوق الطبيعيّة يُمكن أن تختفي كلياً من قاموس الضحيّة. يُمكن تشكيلُ بنيةٍ قيميّةٍ متكاملةٍ عند من هم في سنِ الطفولة أو البلوغ، تتضمنُ قوانينَ وأعرافاً لا تمتّ للإنسانية بصلة. صورةٌ غاية في المأساة والرمزيّة لأسوأ سيناريو للتشوه الإنساني الذي يُمكن أن يحدثَ للاجئٍ لمجرّد أنه لاجئٌ.

        أحد أهم مشاهد الفيلم، إن لم يكن أهمّها، هو لمجموعة من شبّانِ منطقة التحويطة اللبنانيّة، يبدو أن بعضهم أبناء مقاتلين في أحزاب يمينية مسيحية خلال الحرب الأهليّة. تُشرِفُ تلك المجموعة متطوّعةً على تنفيذ قرار البلدية بمنع تجوّلِ العمال السوريين. بعضُ أعضاءِ تلك المجموعة مارسوا أعمال عنفٍ منظّمة ضدَّ لاجئين، ويستعرضون ذلك علانيةً، مفتخرين بفيديوهات صوروها موثِّقين فيها ضربهم لفلان واعتقالهم لفلان. تجتمع تلك المجموعة على كُره الغرباء، وتتداول شائعات حول مجموعات من الإرهابيين يُشكلها اللاجئون السوريون في أحيائهم. يخشى أحدهم الحرب الأهلية، ويرى آخر أنها قادمة لا محالة، ويشتري ثالث كلاشينكوفاً كان قد باعه سنة 93. آخر يتغنى بأمجاد المنطقة في الحرب الأهليّة، وغيره يتمنى لو أن سياسياً لبنانياً يتبنّى أسلوب هتلر. ينقلب مؤشر الكراهية ليصبح إنسانية خالصة، بسينمائية رشيقة، عندما يحاول أحد أفراد المجموعة نفسها المؤاخاة بين قطّة وكلب، بينما يعفو أكثرهم يمينيّة عن سيدةٍ تقود بلا رخصة قيادة اصطدمت سيارتها بسيارته، فلم يطاوعه قلبه تغريمها بـ 800 دولار، فتجاوز عنها.

        تتفرَّدُ المشاهد الخاصة بهذه المجموعة، عن بقيّة مَحاور الفيلم، بأنها أكثرها وضوحاً وتعبيراً عن التركة المباشرة لفصائل الحرب الأهلية، بكل ما يمكن أن تحتويه من تشوّهات وتناقضات. تبدو تلك المجموعة، بحدّةِ خطابها وتوتّر بعض أفرادها خلال الحديث، وكأنها الوقود الجاهز للاشتعال. تنتظر الشرارة فقط.

        يُقدم الفيلم بمجمل ما فيه جرعةً ثقيلةً من المعالجة الإبداعية للواقع المأساوي والمرعب واللّإنساني. يسير بكآبةٍ خالصة، لا يُؤذيها بأيِّ صورةٍ مُشرقةٍ مُدّعاة. لا يستعدي أحداً ولا يطرح قيمة أخلاقية أو سلوكيّة طالباً من أحد تبنّيها. مُتخمٌ بالضحايا؛ الذين يَتوالَدون من أرحام بعضهم. يزوّدهم لبنان الحقيقي بكل ما يلزمهم لذلك. في عتمة تلك الصورة وكآبتها، هناك جانب مشرقٌ، وجودُ مبدعين متطوّعين بشكل خالص، وهم طاقمُ الفيلم الذي أنتجهُ تَجمُّع يزن، من مخرجه وليد عبد النور إلى بقية أعضاء الفريق، أولئك الذين قرروا بميزانيةٍ قدرها صفر دولار، إنتاج فيلم يُحارب الكراهية بسلاحٍ صلبٍ، هو الاعترافُ بتجذّرها.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى