تاريخ

بلاد الشام في التقارير الأمنية الفـرنسية، 6 أجزاء/ بدر الحاج

بلاد الشام في التقارير الأمنية الفـرنسية [1]

معظم المؤرخين لفترة الاحتلال الفرنسي لبلاد الشام تجاهلوا كلياً التقارير الأمنية السرّية الفرنسية التي تتحدّث عن المحاولات الخفية لبيع الأراضي الواقعة تحت سيطرة الاحتلال الفرنسي للوكالة اليهودية. الواضح من تلك التقارير التي كانت ترفع للمندوب السامي الفرنسي في بيروت، وبدوره يرسلها إلى وزارة الخارجية ورئاسة مجلس الوزراء في باريس، أن الفرنسيين كانوا يخشون المحاولات اليهودية المتواصلة للاستحواذ على الأراضي في جنوب لبنان وفي الشام بشكل عام.

لم يكتفِ الصهاينة بالسيطرة على سهل الحولة وبحيرة طبريا، وهي مناطق كانت تابعة لقضاء مرجعيون، بل إن شهيتم لابتلاع المزيد من الأراضي لم تتوقف، وهذا ما يثبته سيل ضخم من التقارير الأمنية السرّية والتي تواصلت حتى ما بعد رحيل فرنسا عن سوريا ولبنان.

تتحدّث تلك التقارير، التي سأعرض بشكل متسلسل نماذج منها، عن عمليات تهريب يهود قادمين من العراق والشام وتركيا وأوروبا، عبر لبنان، إضافة إلى تهريب المواد الغذائية والأسلحة.

وأكثرية التقارير تتحدّث عن الرغبة الصهيونية في الاستحواذ على ما أمكن من أرض الجنوب والجولان، إضافة إلى محاولات وخطط طموحة للاستيطان على ضفاف الفرات وسهل العمق في الاسكندرون وضفاف نهر الفرات ومناطق أخرى. ورغم الإجراءات الفرنسية الردعية لعدم الموافقة على انتقال الأراضي إلى السيطرة اليهودية، فإن الصهاينة استطاعوا الاستحواذ على المزيد من الأراضي بواسطة أسماء مستعارة محلية أو أجنبية وبتواطؤ من سماسرة لبنانيين وسوريين، ورجال سياسة ودين ومحامين وإقطاعيين.

هذا الأمر مثبت وموثق، ولذلك رأيت أن أنشر بعض تلك الوثائق اليوم، لأن الوضع لم يتبدّل، ففي السابق كانت قوّة الردع لمثل تلك المخططات ممثلة بالاحتلال الفرنسي الذي كان يتوجّس من التغلغل الصهيوني في سوريا ويعتبر الصهاينة مجرد أداة للنفوذ البريطاني الذي كان يهدّد الوجود الفرنسي في بلاد الشام. أمّا اليوم، ومع عودة الاحتلال إلى مناطق إستراتيجية في الجنوب والسيطرة على الجولان وجبل الشيخ وحوران وحتى معظم منطقة الجنوب السوري، فإن خطر الاحتلال الدائم يضع اللبنانيين (أقصد الشعب وليس السلطة على الإطلاق) أمام الحقيقة المرّة، وهي أن لبنان اليوم، كلّه وليس الجنوب فقط، هو عملياً تحت الهيمنة الصهيونية بغطاء أميركي معلن وعربي مستتر.

وعلى ضوء ما يجري حالياً من إصرار صهيوني في هذه المرحلة على البقاء في جنوب لبنان والجولان، فإنّ حجج بعض اللبنانيين للانصياع لرغبات الأميركيين والصهاينة، ومنهم للأسف نوّاب، قد سقطت ولا حاجة إلى مناقشة ترهاتهم. إنّ كل الصراخ اللبناني المدفوع الثمن، وهو عادة مناصفة عند تجار السياسة والموت وحفاري القبور في لبنان، ودعوتهم تدمير سلاح المقاومة اللبنانية كما أمر نتنياهو، لن يحجب الحقيقة المرة وهي أن لبنان مستباح أمام الصهاينة لأنه ممنوع أميركياً تسليح الجيش اللبناني.

العودة إلى التاريخ كما تثبته وثائق «الأم الحنون» هو درس من أحداث سبقت وأحداث مماثلة نعيشها اليوم. في السابق، كان المال المتدفّق من الوكالة اليهودية قد أغرى تياراً كبيراً من رجال الإقطاع والسياسة والدين والسماسرة لبيع الأرض سواء في فلسطين أو في سوريا ولبنان. أمّا اليوم، فإن المال هو الذي يقتني لبنانيين يستميتون لمؤازرة مطالب الصهاينة، وشعارات حماية لبنان بواسطة الديبلوماسية هي مجرد خيانة وغباء موصوف لن يقود إلا لوضع لبنان تحت الوصاية الصهيونية باتفاق مذل شبيه باتفاقية 17 أيار 1983.

بيع الأراضي

لقد رصدت الأجهزة الأمنية والقنصليات الفرنسية في فلسطين وسوريا ولبنان تطوّر المشروع الاستيطاني منذ بداية القرن العشرين. وكانت التقارير تتدفّق على مكاتب المسؤولين الفرنسيين الذين تكوّنت لديهم القناعة أن لا حدود لطموحات الوكالة اليهودية للاستيطان من النيل إلى الفرات. ركزت تلك التقارير على ما يجري في المناطق الحدودية بين لبنان وفلسطين وعلى الجولان بشكل خاص.

بعد الحرب العالمية الأولى وما تلاها من احتلال فرنسي لسوريا ولبنان، كانت خشية الفرنسيين من النشاط الصهيوني في بلاد الشام قد دفعتهم إلى سنّ القوانين التي تمنع الاستحواذ على الأراضي وبصورة خاصة الحدودية منها. لكن، رغم ذلك، لم تكن تلك القوانين حائلاً دون محاولات صهيونية متواصلة للشراء سواء بواسطة لبنانيين أو سوريين، وأحياناً عدة بواسطة مواطنين أوروبيين وفرنسيين بشكل خاص.

استعمل الصهاينة المال كوسيلة ناجعة للاستيلاء على الأراضي، وكانوا في بعض الأحيان يلجأون إلى الرشوة وإلى دفع أسعار خيالية للاستحواذ على الأراضي الإستراتيجية والخصبة.

وكان الفلاحون الفقراء ضحايا رجال الإقطاع والسياسة الذين تجنّدوا لإقناعهم بالتخلّي عن أراضيهم. لكن كبار رجال الإقطاع الذين تملكوا مساحات شاسعة من الأراضي كانوا أكثر المتحمسين لبيع الأرض مقابل المال الوفير. وهناك الكثير من الأمثلة عن مبيعات أسرة سرسق، واليوسف، وسلام وزنتوت وغيرهم.

الوثيقة الأولى

«بيروت، 7 آب/ أغسطس 1930

الأمن العام.

الدوائر العقارية. رقم 5589

من المندوب السامي للجمهورية الفرنسية بالوكالة

إلى السيد مفوض المندوب السامي لدى دولة سوريا، دمشق.

الموضوع: بصدد الإجراءات ضد السيطرة العقارية الصهيونية في سوريا.

في الأقضية المحاذية للحدود الجنوبية اللبنانية – السورية، تحرص المنظمات الصهيونية في فلسطين على بسط نشاطها الاستعماري في منطقة الحولة، ويبدو أنها تنوي الاستحواذ على عقارات واسعة من الأراضي، لذلك ثمة مصلحة كبرى في إعاقة توسع الاستعمار الصهيوني في الأراضي الخاضعة للانتداب الفرنسي.

في تقديري، لتحقيق هذه الغاية يجب أن تطبق على الشخصيات الاعتبارية ترتيبات القرار الرقم 2547 بتاريخ 7 نيسان/ أبريل 1924 (المادة 2) والتي تمنع الاستحواذ على عقارات ريفية في الأقضية المحاذية للحدود الفلسطينية.

لكن، ومن أجل أن يعطي هذا المنع كل ثماره، يبدو لي ضرورياً منع الجمعيات الصهيونية من الالتفاف على ترتيبات القانون عبر الاستحواذ على عقارات في المناطق المحظورة، وذلك عبر وسطاء.

    في السابق، كان المال المتدفّق من الوكالة اليهودية قد أغرى تياراً كبيراً من رجال الإقطاع والسياسة والدين والسماسرة لبيع الأرض سواء في فلسطين أو في سوريا ولبنان. أمّا اليوم، فإن المال هو الذي يقتني لبنانيين يستميتون لمؤازرة مطالب الصهاينة

من المناسب أيضاً توخي الحذر من الاستحواذات الفردية على قطع أراضٍ مفروزة محاذية يقوم بها بفعل الأمر الواقع أعضاء في جمعية بهدفٍ واضحٍ هو تشكيل مركز استعمار بهذه الوسيلة.

تجدون في المرفق نصوص قرارٍ يخضع كل استحواذٍ لعقاراتٍ ريفية، أياً كانت صفة المستحوذ، في المناطق المحظورة لإذنٍ مسبقٍ من رئيس الدولة. ولا يمكن منح عمليات الإذن هذه إلا بموجب خلاصات تحقيق يثبت أنّ المستحوذ ينشط لصالحه الخاص.

سوف أكون شديد الامتنان لكم، وأنتم تبلغون هذا القرار للحكومة المحلية، إن تفضلتم بالتدخل كي يحظر قرارٌ يصدر عن رئيس الدولة، بموجب ما ورد في المادة 2 من القرار الرقم 2547، الاستحواذ في الأقضية المحاذية للحدود الجنوبية اللبنانية – السورية.

أضيف بأنّه من المفيد في الوقت عينه لفت انتباه الحكومة إلى المصلحة في أن يحدد التحقيق المنصوص عليه في القرار الرقم 3243 بعنايةٍ كبيرة حقيقة الاستحواذ وكذلك صفة المستحوذ.

توقيع

الوثيقة الثانية

نشرة معلومات

تهريب أسلحة ومواد غذائية ومهاجرين يهود غير نظاميين إلى فلسطين.

(من وزارة الشؤون الخارجية)

لدى عودة السيد فيليب تقلا وزير الشؤون الخارجية من شتورا حيث التقى يوم 23 من الشهر الجاري سعد الله الجابري، استلم صائب سلام، وزير الداخلية، نسخةً عن تقرير من وزارة الدفاع الوطني في سوريا يتهم أربعة برلمانيين لبنانيين بتهريبٍ غير شرعي للأسلحة والمواد الغذائية والمهاجرين اليهود عبر الحدود اللبنانية الفلسطينية. البرلمانيون المتهمون هم:

أحمد الأسعد، وزير سابق يقوم ــــ وفق هذا التقرير ـــــ بهذا التهريب عبر قرية الطيبة الموجودة ضمن أملاكه الخاصة.

أحمد الفضل وعلي العبد الله، عبر قرية بنت جبيل

الحاج بيضون، عبر مرجعيون.

بيروت، بتاريخ 27 حزيران/ يونيو .1946

الوثيقة الثالثة

بيروت، بتاريخ 19 آذار/ مارس 1934

الأمن العام، نشرة معلومات رقم 1031

المصدر: أمن بيروت

بصدد السيدة كوهين

من بين السياح الذين قدموا مساء السبت من دمشق وبعلبك إلى فندق السان جورج، السيدة كوهين التي كان برفقتها قريبتها الآنسة مانتاغو والسيد تريفون، مدير مستعمرة روتشيلد الموضوعة تحت تصرفه بأمرٍ من البارون روتشيلد لمدة زيارته البحثية في سوريا ولبنان.

وقد استقبلت فور وصولها وبناءً على موعد السيدين جورج تابت وإلياس نمور، بوصفهما وجيهين مسيحيين. تحدثت إليهما عن إمكانيات حدوث هجرة يهودية مقيدة وحاولت إقناعهما بأنّ هذه الهجرة لا تدخل في برنامج التوسع الصهيوني، بل تشكّل عملاً إنسانياً يهدف إلى تسهيل توطينٍ مؤقت لبعض اليهود الألمان. وأضافت بأنّ الوجهاء المسلمين والمسيحيين الذين سبق أن قابلتهم لا يبدون معارضين.

وقد أكّد لها السيدان تابت ونمور أنهما سوف يساعدانها عندما يحين الوقت لذلك. وفي الوقت عينه، طلب منها السيد تابت الاهتمام بالاستثمار والزراعة في هذا البلد لتشجيع السكان. وسألها منحه توصيةً للجنة الصهيونية لشراء ملكيته في المشرفة، قرب حمص، أو كي تبرم معه عقداً لاستثمارها واستصلاحها.

من جانبٍ آخر، أثناء محادثة مع صحافي، صرّحت السيدة كوهين بأنّ شخصيةً إسرائيليةً ربما تصل قريباً إلى هذا البلد، وهي مزودة بكل السلطات. سوف تشكل على الفور لجنةً من المحليين، تتفحص اقتراحاً يهدف إلى قبول عددٍ من رجال الأعمال الإسرائيليين في البلاد، من مصرفيين وصناعيين ومزارعين، الخ.

وفي حال قُبل المبدأ، فسوف تتكفل الليدي كوهين بما يلزم فعله في باريس للحصول على موافقة الحكومة الفرنسية.

كان من المفترض أن تستقبل الليدي كوهين أحمد داعوق ومحمد علي بيهم، وهما مستشاران بلديان، بوصفهما وجيهين مسلمين، ولكنّهما اعتذرا بحجة شؤونٍ يقومان بمعالجتها مع صاحب جريدة «الشرق».

يقال إنّ الليدي كوهين كانت ترغب في زيارة البطريرك الماروني، لكنها صرحت بأنّه ليس لديها الوقت للقيام بتلك الزيارة لأنّها مضطرة لأن تكون في القدس لتناول العشاء مع المندوب السامي البريطاني.

وبالفعل، غادرت هذه السيدة فندق السان جورج البارحة متوجهةً إلى فلسطين.

بيروت، بتاريخ 30 تشرين الأول/ أكتوبر 1933

الوثيقة الرابعة

بيروت، بتاريخ 3 كانون الأول/ ديسمبر 1940

إدارة الشؤون السياسية من السيد غابرييل بيو، المندوب السامي للجمهورية الفرنسية في سوريا ولبنان،

إلى السيد مفوض المندوب السامي بالوكالة لدى الحكومة اللبنانية، بيروت.

بصدد الاستحواذ على عقارات في المناطق الحدودية.

بتاريخ 8 تشرين الثاني/ نوفمبر المنصرم وبرقم 4223، تفضلتم بتوجيه معلومة لي تتعلق باستحواذ الأخوين ديوان من صيدا على مساحات واسعة من الأراضي في لبنان الجنوبي.

أرجو أن تتفضلوا بأن تطلبوا من المستشار الإداري في صيدا إجراء تحقيق سري يهدف إلى البحث عن الشروط التي أجريت فيها عمليات الشراء تلك، ولا سيما إن كانت ثروة الأخوين ديوان تسمح لهما بمثل هذا الشراء وإن كانت الأموال التي استخدماها ليست من مصدر أجنبي. في ما يخص الأراضي الواقعة في قضاءي صيدا ومرجعيون، من المناسب إثبات إن كانت عمليات الشراء قد أجريت بالتماشي مع تعليمات القرار الرقم 16/LR بتاريخ 18 كانون الثاني/ يناير 1934.

من جانبٍ آخر، سأكون ممتناً لكم إن تفضلتم بإبلاغي برأيكم حول احتمال توسيع إجراءات التقييد التي تخص الأراضي الواقعة في الأقضية الجنوبية إذ تشمل قضاءي صيدا وجزين.

التوقيع: بييو

الوثيقة الخامسة

تاريخ الوارد: 8 آب/ أغسطس 1939

الرقم: 7530

نشرة معلومات

يقال إنّ عقداً أبرم أثناء الشهر المنصرم في بيروت بين إبراهيم مملوك وفؤاد حمادي، سني من صور، من جانب وبين المنظمة الصهيونية كيرين كايميت إسرائيل ليمتد، من فلسطين، من جانبٍ آخر. بموجب هذا العقد، يتنازل الأولان للثانية عن مزرعتين فلسطينيتين هما عروبين وإدمث وعن حصتهما في أراضي الجردة ـــــ وكل هذه الأراضي تقع في فلسطين.

تبلغ المساحة الكلية المباعة حوالى 5 آلاف دونم بسعر 5 ليرات فلسطينية للدونم الواحد.

وقيل إنّ الثمن سوف يسدد عند إنهاء معاملة التسجيل.

المستشار الإداري في لبنان الجنوبي

توقيع

الوثيقة السادسة

المندوبية السامية للجمهورية الفرنسية في سوريا ولبنان

بيروت، بتاريخ 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 1938

[المكتب السياسي]

خاتم: مدير الأمن العام، المفتش العام للشرطة في دول المشرق الخاضعة للانتداب الفرنسي

توقيع

نشرة معلومات رقم 108

بصدد: النشاط الصهيوني في فلسطين

المصدر: الأمن العام، بيروت.

رغم تزايد الاضطرابات في فلسطين، تواصل المنظمات الصهيونية بعناد ومنهجية شراء الأراضي في فلسطين.

تتوجه جهودها بنشاط إلى المناطق الحدودية السورية اللبنانية الفلسطينية وكل عرض شراء في منطقة صور ومرجعيون يلفت اهتمام الجمعيات الصهيونية. تبني هذه الأخيرة آمالاً كبيرةً على الود الذي يقال إنّ الرئيس إدّه يكنه لها وكذلك على تصريحات البطريرك الماروني بهدف القيام بتغلغل صهيوني على طول الحدود اللبنانية.

في هذه الأثناء، يتواصل الاستحواذ على الأراضي، رغم كل الصعوبات.

هكذا، اشترى الدكتور فينتشل لحساب الوكالة اليهودية أراضي تقع في خربة سمخ، في الأراضي الفلسطينية (منطقة مرجعيون) من شخص يدعى إلياس قطيط، لاجئ في لبنان، مقابل 20 ألف جنيه إسترليني. جرى توقيع عقد البيع في القنصلية الإنكليزية.

تنوي الوكالة اليهودية أن تشتري أيضاً أراضي تجاور خربة سمخ من شخص يدعى نقولا بنّا، وهو أيضاً لاجئ في بيروت، مقابل مبلغ 21 ألف ليرة فلسطينية.

تجنباً لقيام المتمردين بعمليات انتقامية ضد مصنع الكبريت الذي يدعى «نور» في عكا، وهو ملكٌ للدكتور وايزمان، وظفت الوكالة اليهودية مراقباً لهذه الغاية براتب 20 ليرة فلسطينية شهرياً هو المدعو عادل حسيني، ابن أخ المفتي وزوج أخت جمال الحسيني. من جانبٍ آخر، دفع هذا المصنع لزعيم المتمردين مبلغ 50 ليرة فلسطينية على الحساب.

من المعتقد أنّ الرحلات المتكررة التي يقوم بها السيد خير الدين الأحدب إلى فلسطين تتصل بمفاوضات تجري بين النائب عن بيروت والأوساط الصهيونية.

البحث جارٍ عن توضيحات.

24 آذار/ مارس 1937

—————————————-

بلاد الشام في التقارير الأمنـية الفـرنسية [2] مشاريع للاستيطان في لبنان

في الحلقة الأولى، من هذه السلسلة، عرضنا مجموعة وثائق شملت تقارير أمنية سرية فرنسية، حول صفقات ومحاولات شراء الأراضي الواقعة تحت سيطرة الاحتلال الفرنسي في بلاد الشام لليهود. وفي هذه الحلقة، تتمة لما سبق. المعلومات الواردة في هذه التقارير مصدرها مخبرون كانوا على الأرض، منتشرون في القرى والمدن. بعضها قد يكون مجرد إشاعات، إذ لم يتم التحقق من صحتها. إلا أن غالبيتها بصورة عامة موثوقة.

تؤكد هذه التقارير أن هناك إصراراً يهودياً على الاستيطان في شتى مناطق سوريا، وبصورة خاصة في جنوب لبنان. وإذا أردنا اليوم المقارنة بين المحاولات الصهيونية للتوسع شمالاً خلال القرن الماضي وبين محاولاتهم اليوم، لجعل كل لبنان تحت سيطرتهم، يتضح أن الثابت في الإستراتيجية الصهيونية ليس فقط تجريد المواطنين في جنوب الليطاني من أي سلاح، مع ما يرافق ذلك من تهديم للقرى وإحراق للأرض ومنع السكان من إعمار قراهم المدمرة والعودة إليها، بل إن الهدف الإستراتيجي الأول في هذه المرحلة، هو السيطرة على جنوب الليطاني ثم التقدّم لاحقاً نحو جنوب صيدا.

هذه الأهداف الصهيونية، هي من الثوابت في العقل الصهيوني، وكان ديفيد بن غوريون بعد حرب 1948 قد أعلن أن ما ندم عليه خلال تلك الحرب هو عدم الاستيلاء على جنوب الليطاني ودمشق. واليوم تم دفع بعض اللبنانيين للركض وراء الأوهام، والتصوير لهم بأن كل مشكلاتهم تنحصر في موضوع واحد، هو تجريد المقاومين اللبنانيين من سلاحهم. ولا غرابة في أن تتجاهل السلطة الحالية الخطر الوجودي على الأرض والمياه، والطاقة في لبنان، بل تتجه طوعياً في اتجاه معاكس، فهذا شرط لوجودها. إذ إنه من دون تنفيذ ما تعهدت به من نزع سلاح المقاومة، لن تبقى يوماً واحداً في السلطة. من هبط بها على الكراسي سيقتلعها في حال أخلّت بوعودها له.

المسألة ليست على الإطلاق السلاح، بل التمدد المتوقع لإسرائيل في الأرض اللبنانية من دون أي رادع، والسلاح الوحيد الذي يرفعه أهل السلطة، هو التوسل والتملق للأميركيين وحلفائهم من الأنظمة العربية المتحالفة مع إسرائيل، والذي أثبتت الوقائع في فلسطين والشام، أن سياسة توسيع حدود الاستيطان لا تراجع عنها، ويؤيدها الغرب وحلفاؤه.

وعندما نتمعّن في نماذج التقارير الأمنية الفرنسية أدناه يتأكد لنا التالي:

1- إن السماسرة والمتحمسين لعقد الصفقات وبيع الأراضي، من سياسيين ومحامين ورجال إقطاع وغيرهم، ينتمون إلى طوائف متعددة، توحدوا على هدف واحد، هو الاستفادة من الأموال الصهيونية الضخمة المخصصة للاستحواذ على الأراضي. واليوم يتكرر المشهد، يتوحدون مقابل بقائهم في السلطة، ويرتضون أن يكونوا أدوات للعمل على سحق من قاوم الاحتلال عام 1982، وطرده عام 2000، وهزمه مجدداً عام 2006.

2- ركّزت الشركات الصهيونية وبصورة خاصة «كيرين كميت» (الصندوق القومي اليهودي) على شراء الأراضي في المناطق الحدودية بين لبنان وسوريا وفلسطين، تحديداً شراء المناطق الإستراتيجية والخصبة، مثل أراضي سهل الحولة التي تعود ملكيتها بمعظمها إلى سوريين ولبنانيين. وقد تعددت أساليب شراء الأراضي كما تُظهر الوثائق.

3- الآن، وبعد نحو قرن، يتضح لنا أن المحتلين الفرنسيين كانوا حريصين على عدم السماح للصهاينة بالتغلغل والاستيطان في بلاد الشام، لخشيتهم من خسارة المزيد من أراضي سيطرتهم، في حين أن محامين وإقطاعيين وسياسيين، كانوا يستميتون في محاولاتهم لإقناع المندوب السامي الفرنسي بالموافقة على بعض الصفقات التي كانت، وفق تصوراتهم، «ستجلب الخير والبحبوحة الاقتصادية». وهذا ما عبّرت عنه التماسات المحامين الذين كانوا يعملون لمصلحة «الصندوق القومي اليهودي».

لم يقتصر الترويج للاستيطان الصهيوني على المحامين فقط، بل انتقل إلى الصحافة اللبنانية التي كانت تتلقى التمويل من «الوكالة اليهودية»، وهذا ما سأشير إليه في حلقة مقبلة من هذا العرض. وهو ما يتكرر اليوم أيضاً، ونلاحظه في أداء معظم أجهزة الإعلام اللبنانية والعربية التي تسوّق لمقولة إن تدمير سلاح المقاومة سيجلب المن والسلوى إلى اللبنانيين!

وهذه بعض الوثائق المختارة:

الوثيقة الأولى

مدير الأمن العام للجيوش، المفتش العام للشرطة.

مرجعيون، بتاريخ 28 كانون الثاني 1934

إلى سعادة السيد المندوب السامي للجمهورية الفرنسية، بيروت.

الدوائر العقارية.

يتشرف الملتمس «جمعية الاستعمار اليهودي في فلسطين» (مؤسسة إدموند روتشيلد) بأن يعرض على سعادتكم ما يلي:

تمتلك الجمعية الملتمسة منذ وقت طويل أملاكاً عقارية في سوريا ولبنان. وبما أنّ القانون العثماني لم يكن يسمح بتسجيل عقارات باسم شخصيات اعتبارية، فقد كانت الجمعية مرغمة على تسجيل أملاكها باسم شخصين وسيطين، هما السيدان هنري فرانك وفيليبسون.

وفي ظل التشريع الجديد الذي عدّل القانون العثماني في البلدان الخاضعة للانتداب الفرنسي، تم تعديل التسجيلات في السجلات العقارية السورية منذ ثلاث سنوات، وسُجلت أملاكنا الواقعة في سوريا باسم الملتمسين فرانك وفيليبسون.

يبقى علينا أن نقوم بتصحيح مماثل في ما يخص أملاكنا في لبنان والتي جرى مسحها أخيراً (تعيينات اختيارية للتخوم) الواقعة في قرى الخيام وكفركلا وأبل (قضاء مرجعيون) بموافقة الشخصين الوسيطين السيدين فرانك وفيليبسون، الممثلين بصورة رسمية لنا من أجل هذه العملية، بوصفهما وكيلين قانونيين.

وبما أنّ أمين السجل العقاري في صيدا تردد في إجراء هذا التصحيح لاعتقاده أنّ عليه أن ينتظر تعليمات بهذا الصدد، فقد سمحنا لأنفسنا بالتوجه إلى سعادتكم، ملتمسين أن تتقدم عطوفتكم بأمر من يهمه الأمر كي يقوم في أسرع وقت ممكن بالتصحيح المذكور. وبما أنّ الأمر لا يتعلق بتنازل جديد عن الأراضي المذكورة، بل بمجرد تصحيح مادي (إذ إنّ الأراضي تبقى بين يدي المالك عينه وهذه هي الحجة القاطعة).

تفضلوا بقبول الاحترام

الوثيقة الثانية

بيروت 15 نيسان 1935

خاتم المندوبية السامية، الأمانة العامة، الرقم 8507

من المحامي فيليب ج. صفا

ص.ب. 341، هاتف 101

برقيا، فيليب صفا، بيروت لبنان.

إلى سعادة الكونت دو مارتيل

المندوب السامي للجمهورية الفرنسية في سوريا ولبنان، بيروت

سيدي السفير

كلفني زبوني وصديقي السيد فريد بك هراوي بمتابعة إجراءاته لدى الدوائر ذات الصلة في المندوبية السامية بهدف الحصول، ضمن الشروط الموضوعة لهذا الغرض، على الإذن بالتنازل عن جزء من أراضيه الواقعة في سهل البقاع لمشترين فلسطينيين إسرائيليين.

إن الهدف الذي يسعى إليه السيد هراوي هو الحصول على الأموال اللازمة لاستصلاح أملاك كبيرة سيحتفظ بها في المنطقة عينها، كي يكون مردودها أفضل.

أسمح لنفسي بأن أرفق نسخة من هذا الالتماس الذي سنحت الفرصة للسيد هراوي توجيهه إلى سعادتكم في مطلع شهر آذار المنصرم.

بانتظار قراركم السامي أرجو منكم سيدي السفير تقبل أسمى آيات الاحترام.

التوقيع

الوثيقة الثالثة

إدارة الأمن العام للجيوش، لواء لبنان الجنوبي.

بيروت في 24 آذار 1942

نشرة معلومات رقم 828

تنتشر شائعات في المدينة بأن السماسرة اللبنانيين يعملون على الاستحواذ على أراض في لبنان الجنوبي. وهم يسعون إلى دفع السكان إلى الاعتقاد بأن الانتداب البريطاني سوف يمتد حتى الدامور.

إن المدعوين أدناه ليسوا غرباء عن ممارسة هذه التجارة غير الشرعية وهم:

1- صفي الدين قدورة، من صيدا.

2- خليل فرنسيس ملاك يقيم في بيروت، أصله من القليعة، مرجعيون.

3- الحاج محمد عبدالله، من الخيام، مرجعيون.

4- نصري حداد، يقيم في صور، أصله من روم، جزين.

5- إبراهيم دادا، من صور، صاحب أملاك على الحدود.

6- داوود سرور، يهودي يقيم في بيروت، ويعمل بنشاط كبير في هذا الشأن. ويقال إن هذا الشخص يشجع الأهالي على بيع أراضيهم لليهود.

الوثيقة الرابعة

صيدا في 29 كانون الثاني 1942

المفوضية العامة لفرنسا الحرة في المشرق.

المستشار الإداري في لبنان الجنوبي

مذكرة رقم 116

إلى السادة الضباط قادة الأجهزة الأمنية الخاصة في مرجعيون وصور

بصدد التوضيحات التي طلبت منا حول مسألة الخيارات التي يتخذها يهود من فلسطين بالنسبة إلى الأراضي في لبنان الجنوبي، تلقيت معلومات يبدو أنها يمكن أن تساعدكم في تسهيل تحقيقاتكم.

1- الرهون العقارية:

بعض الأراضي تم شراؤها من قبل وسطاء، وهي مسجلة بأسمائهم. لكن المستحوذين اليهود رهنوا تلك الأملاك (ينبغي إجراء تحقيق في الدوائر العقارية حول هذا الأمر).

2- اليهود المحليون:

اشترى يهود، ولا سيما من صيدا، ومعظمهم من العمال، مساحات كبيرة من الأراضي. ليس هناك أدنى شك في أنهم لم يشتروا لحسابهم الخاص. لا بد من أن الشاري الفعلي قد اتخذ إجراءات وضمانات: رهون عقارية، عقود غير مسجلة، اعترافات بديون وما إلى ذلك.

3- الشركات:

اشترت بعض الشركات (ومن بينها شركة الفاتريدس) أراضي واسعة محاذية للساحل. ويؤكد البعض بأن الغالبية العظمى من الأسهم بيد يهود فلسطينيين.

المستشار الإداري في لبنان الجنوبي

التوقيع: برونو

—————————————-

بلاد الشام في التقارير الأمــنية الفرنسية [3]

في الحلقتين السابقتين، من هذه السلسلة، عرضنا مجموعة وثائق شملت تقارير أمنيّة سرّية فرنسية، حول صفقات ومحاولات شراء الأراضي الواقعة تحت سيطرة الاحتلال الفرنسي في بلاد الشام لليهود. وفي هذه الحلقة، تتمة لما سبق. المعلومات الواردة في هذه التقارير مصدرها مخبرون كانوا على الأرض، منتشرون في القرى والمدن. بعضها قد يكون مجرد إشاعات، إذ لم يتم التحقق من صحتها.

إلا أن غالبيتها بصورة عامة موثوقة. تؤكد هذه التقارير أن هناك إصراراً يهودياً على الاستيطان في شتى مناطق سوريا، وبصورة خاصة في جنوب لبنان. وإذا أردنا اليوم المقارنة بين المحاولات الصهيونية للتوسع شمالاً في القرن الماضي وبين محاولاتهم اليوم، يتضح أن الثابت في الإستراتيجية الصهيونية ليس فقط تجريد المواطنين في جنوب الليطاني من أي سلاح، مع ما يرافق ذلك من تهديم للقرى وإحراق للأرض ومنع السكان من إعمار قراهم المدمرة والعودة إليها، بل إن الهدف الإستراتيجي الأول في هذه المرحلة، هو السيطرة على جنوب الليطاني ثم التقدّم لاحقاً نحو جنوب صيدا.

هذه الأهداف الصهيونية، هي من الثوابت في العقل الصهيوني، وكان ديفيد بن غوريون بعد حرب 1948 قد أعلن أن ما ندم عليه في تلك الحرب هو عدم الاستيلاء على جنوب الليطاني ودمشق. واليوم تم دفع بعض اللبنانيين للركض وراء الأوهام، والتصوير لهم بأن كل مشكلاتهم تنحصر في موضوع واحد، هو تجريد المقاومين اللبنانيين من سلاحهم.

شراء الأراضي… تابع

الوثيقة الخامسة

نشرة معلومات بتاريخ 18 شباط 1942

مقتطفات

أمضى السيد تريفون، من اللجنة التنفيذية الصهيونية، 24 ساعة في فندق نيو رويال، بيروت. وصل يوم السبت 14 شباط، ورحل مجدداً نهار اليوم التالي. وقد تواصل مع السيد (يوسف) فارحي، رئيس المجلس المحلي الإسرائيلي، وكذلك مع بعض الشخصيات اللبنانية التي يُقال إنها تنوي بيع أراض قرب الحدود اللبنانية – الفلسطينية.

وقد زار الأمير خالد شهاب في منزله والتقى أحد أفراد آل طراد، وهو على الأرجح غبريال طراد.

يُقال إن تريفون، وهو أكثر السماسرة نشاطاً، يفاوض وفقاً للأخبار التي انتشرت في الأوساط الصهيونية في بيروت على شراء نصف دزينة من قطع الأرض، المتنوعة المساحة، في قرى الخالصة وفي المرج وقرب كفركلا.

الوثيقة السادسة

مرجعيون، بتاريخ 21 آذار 1943

مخفر مرجعيون

الأراضي المباعة لليهود

لقد تأكد على نحوٍ متزايدٍ أنّ [الياس] كويتر يشتري الأراضي لحساب الإسرائيليين في فلسطين. وهو يقيم علاقاتٍ دائمة مع شركة كراوتيك للشراء اليهودية في تل أبيب، وبفضل ناصيف غبريل، تمكنت الشركة من الاستحواذ على كثيرٍ من الأراضي في الحولة. الأرجح أنّ هذا هو ما يفسّر الاتهام الموجه لنجيب بك شمص والمتعلق بتلك العلاقات مع اليهود، إذ إنّ هذا الوجيه الدرزي صديقٌ حميم لناصيف غبريل.

ثمة تفسيرٌ بسيطٌ بالنسبة إلى بيع أراضٍ في فلسطين تعود ملكيتها إلى لبنانيين. فقد فرضت الحكومة الفلسطينية في السنوات الأخيرة المنصرمة ضرائب باهظة تتجاوز عوائد تلك الأراضي. وبالتالي، يضطر المالكون إلى التخلي عنها.

من المؤكد أنّ ناصيف غبريل قد باع وأقنع كثيرين لبيع مساحات كبيرة من الأراضي في الحولة. وتصعب معرفة أو إثبات ما إذا كان قد باع منها أيضاً في لبنان.

يبدو أنّ هناك قصةً قديمةً تعود إلى ذاكرة بعض أهالي القضاء وهي كما يُقال إنّ ناصيف صبرا، وهو عنصر في الدوائر العقارية في مرجعيون، قد باع بالتواطؤ مع القائمقام الأسبق فريد حبيب أراضي تعود ملكيتها إلى الدولة. ويُقال إنّ خليل حيدر قد اشترى تلك الأراضي وإنّه يمتلك حالياً ما بين 20 و25 قطعة أرض تعود ملكيتها إلى الدولة.

كما يُقال إنّ فريد حبيب تشارك مع خليل حيدر في شؤون التموين (تهريب المواد الغذائية إلى فلسطين). وعندما ترك منصبه قام بتعريف حيدر إلى قريبه القائمقام الجديد.

الوثيقة السابعة

الأجهزة الخاصة في المشرق

مرجعيون، بتاريخ 5 أيار 1943

مخفر مرجعيون، الرقم 340/ME/28

نشرة معلومات.

الموضوع: بصدد استملاكات عقارية قام بها يهودٌ أجانب في دول المشرق

عدس – قرية تقع في فلسطين وتبلغ مساحتها 13 ألف دونم تعود ملكيتها إلى حسن بزّي وشركاه، من بنت جبيل، وسعد الدين فرحات وشركاه، من بليدا، ومحمد مارديني وشركاه، من دمشق. حتى الآن، اشترت شركتا كيرين كميت (بيكا) اليهودية وشركة الأوقاف الصهيونية أحد عشر ألف دونم. تعود ملكية الألفي دونم المتبقية إلى أحد أفراد آل مارديني من دمشق.

العديسة – منذ حوالى أسبوعين، تم بيع ألفي دونم من الأراضي التي تعود ملكيتها إلى قرية العديسة، لكن الواقعة في الأراضي الفلسطينية، وذلك لحساب الشركتين اليهوديتين كيرين كميت (بيكا) والأوقاف الصهيونية بصفة نهائية. البائعون الرئيسيون هم أحمد بك الأسعد ومحمد بك الأسعد ومحمود الأسعد ومحمد السهيل. بيع الدونم الواحد بخمس ليرات فلسطينية.

المنارة – تعود ملكية هذه القرية اللبنانية إلى آل الأسعد وإلى السيد علي الجواد وشركاه من شقرا. باع محمد الأسعد وأحمد الأسعد ومحمود الأسعد والسيد علي جواد من شقرا وورثة خليل خوري من بيروت 3000 دونم تقع في فلسطين، إلى الشركتين اليهوديتين كيرين كميت (بيكا) والأوقاف الصهيونية، وبلغ ثمن الدونم الواحد ثلاث ليرات فلسطينية.

بليدا – تجري حالياً مفاوضات بين داوود فرحات وإخوته من بليدا وبين يوسف نحماني، وهو سمسارٌ يهودي، لشراء 2500 دونم من الأراضي الواقعة في فلسطين. اشترت شركة كيرين كميت يسرائيل اليهودية، ممثلةً بنحماني (طبريا) حوالى 200 دونم من الأراضي التي تعود إلى آل فرحات من بليدا ومن ميس الجبل. تقع هذه الأراضي ضمن محيط كلٍ من القريتين، وهو محيطٌ تقطعه الحدود الفلسطينية.

الوسيط في هذه الصفقة هو إبراهيم درة من دمشق. وقد جرت العملية في قرية هونين أمام الكاتب بالعدل في هذه المحلة الفلسطينية والتي كانت جزءاً من معقل آل الأسعد. سوف تؤدي هذه العملية إلى مطالباتٍ من قسمٍ آخر من العائلة يقول إنّ لديه بالوراثة حقوقاً في هذه الأراضي.

أمّا الأراضي التي اشتراها إلياس كويتر، وهو مسيحي من دمشق، وكان في الماضي مقاولاً في المستودع المشترك للأفواج الأجنبية لأشغال الجيش البريطاني هي الآتية:

في المرج – يوم 23 أيلول، اشترى كويتر بستاناً تبلغ مساحته 17500 م2 تعود ملكيته إلى الحاج خليل عبد الله من الخيام بمبلغٍ قدره 10000 ليرة لبنانية (سجل الجهاز العقاري في مرجعيون، المقسم الرقم 37).

في الخربة – اشترى كويتر منذ خمسة أشهر وبعقدٍ خاص

1 ـ بيتاً بقيمة 1500 ل.ل.

2 ـ أرضاً تعود ملكيتها إلى فرح أبو سمرا 200 ل.ل.

3 ـ أرضاً تعود ملكيتها إلى موسى سليمان 200 ل.ل.

4 ـ أرضاً تعود ملكيتها إلى جريس يوسف 200 ل.ل.

شوهد إلياس كويتر عدة مرات في تل أبيب، في مقر إدارة شركة كيرين كميت اليهودية.

إن لم يكن سمساراً، فثمة ما يوجب الاعتقاد بأنّه يؤمن بإمكانية إلحاق هذا الجزء من لبنان الجنوبي بفلسطين وبأنّه يقوم بعمليات الشراء هذه لحسابه الشخصي على نية إعادة بيعها لاحقاً لليهود.

توقيع ضابط الأجهزة الخاصة، رئيس مخفر مرجعيون – جزين

الملازم بيلمون

الوثيقة الثامنة

نشرة معلومات الرقم 4480

طرابلس، 15-11- 1945

(المصدر: أمن الجيوش)، سرّي

شراء أراضٍ في منطقة النهر الكبير

قابل عبد الله بك المحمد، ملاكٌ كبير من برقايل (عكار)، بعض السماسرة من أجل بيعهم أراضٍي يمتلكها في قرية السماقية قرب النهر الكبير، تقدّر قيمتها بمئة ألف ليرة.

يفترض بعضهم أنّ هذه الصفقة تتم لحساب شركة كبيرة، الأرجح أنها يهودية.

تجري مباحثاتٌ بين حسن بك المحمود من جانب وأبناء الحاج عبد الله وإبراهيم بك المصطفى، من برقايل (عكار) من جانبٍ آخر بهدف شراء أراضٍ يمتلكها هؤلاء وتقدّر قيمتها بحوالى 50 ألف ليرة لبنانية.

يُذكَر أنّ حسن بك المحمود لا يمتلك أي ثروة مالية.

الوثيقة التاسعة

نشرة معلومات الرقم 807، في 28 شباط 1946.

(المصدر: أمن الجيوش)، سرّي، زحلة

الاستحواذ على أراضٍ لحساب يهود

استحوذ المقاول كتّانة، من بيروت، على مساحةٍ كبيرة من الأراضي في حوش الذهب (قضاء بعلبك) تقدّر بـ 2750000 متر مربع.

وقد أجرى هذا الاستحواذ لحساب شركة يهودية، ليس السيد كتانة إلا سمسارها.

الوثيقة العاشرة

المفوضية العامة لفرنسا في المشرق

الجهاز السياسي، سرّي

مخفر مرجعيون

مقتطف من نشرة معلومات الرقم 7، تغطي المدة ما بين 27 ـ 2 إلى 15 آذار 1946

بيع أراضٍ للصهيونيين

بعد أن احتُجز موسى غلمية الكاتب بالعدل في مرجعيون لبضعة أيام في السراي المحلي، نُقل إلى سجن الرمل في بيروت. يُقال إنّ موسى غلمية قد باع بالتواطؤ مع نعيم شقير، القبضاي عند أحمد الأسعد، لشركاتٍ صهيونية 12 ألف دونم من الأراضي الواقعة في فلسطين والتي تعود ملكيتها إلى أشخاصٍ من ميس الجبل (جبل عامل). حدثت عملية البيع هذه منذ ثلاثة أشهر من دون علم المالكين الذين يوجد عددٌ منهم في الخارج. وبالفعل، لم يستخرج الصهاينة حتى الآن سندات ملكية.

أخيراً، احتجّ عددٌ كبيرٌ من الأشخاص برقياً على عملية البيع غير النظامية هذه لدى الحكومة اللبنانية، أمّا نعيم شقير، فيقال إنّه هرب نحو جهةٍ مجهولة. كما يُقال إنّ أحمد الأسعد قد وعد بحماية الكاتب بالعدل بناءً على نصيحةٍ من زوجته.

الحلقة المقبلة: التمويل الصهيوني للصحافة

———————————-

بلاد الشام في التقارير الأمنية الفرنسية [4]: التمويل الصهيوني للصحافة

تزخر تقارير المخابرات الفرنسية في أثناء مدّة الاحتلال الفرنسي لسوريا، بمعلومات عن التمويل الذي حصلت عليه بعض الصحف الصادرة في بيروت ودمشق. وذكرت تلك التقارير تفاصيل دقيقة عن المفاوضات التي جرت بين مندوبي الوكالة اليهودية وأصحاب تلك الصحف.

في أثناء ثورة حائط البراق عام 1929، خصّصت الوكالة اليهودية ميزانية ضخمة لشراء ولاء الصحف العربية لصالح قضية اليهود في فلسطين. وكان الهدف، التأثير على توجّهات الرأي العام العربي المضاد لمشروع الاستيطان.

واللافت للنظر، في ما تكشفه تلك التقارير، أنه بمجرد أن يتمّ شراء ولاء أصحاب صحيفة ما، حتى يبدأ الهجوم على اللجنة العربية العليا في فلسطين واتّهامها بارتكاب المجازر. وهذا ما أشار إليه أحد التقارير الذي تحدّث عن تبدّل موقف جريدة «الأوريان» التي نشرت بياناً كاذباً نسبته إلى المفتي أمين الحسيني، نقلاً عن مندوب من الوكالة اليهودية. وجاء في تقرير آخر، نقلاً عن لسان العميل الصهيوني حاييم غالفارسكي، أنه أبلغ أصحاب «الأوريان»: «هنالك مصالح مشتركةٌ بين القضيّتين الصهيونية واللبنانية. فكلاهما انتصرتا أو يجب عليهما أن تنتصرا ـــــ الصهيونية في فلسطين والموارنة في لبنان ــــــ على قوّتين متعارضتين: الإسلام والاستعمار. وبالتالي، مصالح «الأوريان» في هذا الصدد هي نفسها مصالحنا».

يُلاحظ أيضاً أنّ الصهاينة لم يكتفوا بنشر مقالات مكتوبة من قبلهم بالفرنسية والعربية في الصحف، التي تمّت رشوة أصحابها، بل أنّ بعض تلك الصحف عبّرت عن استيائها من السياسة الصارمة التي يتّبعها المندوب السامي الفرنسي الكونت دو مارتل، والتي تحظر بشكل لا لبس فيه استيطان اليهود في بلاد الشام. وعلى سبيل المثال لا الحصر، نطالع في صحيفة «العلم» الصادرة في بلدة بيت شباب، مقالاً في الصفحة الأولى بعنوان «اليهود في لبنان» جاء فيه: «تتعالى أصوات اللبنانيين من كل جهة طالبين إلى السلطة السماح لليهود بدخول لبنان لاستثمار أراضيه وبذل أموالهم في إحياء المشاريع العمرانية، أسوة بفلسطين التي تقدّمت تقدّماً محسوساً وازدهرت ازدهاراً لم تكن لتحلم به لولا نزول اليهود في بطاحها ووهادها».

ويعترف كاتب المقال بأنّ «فخامة المفوّض السامي الكونت دو مارتل، حتى اليوم من معارضي فكرة إدخال اليهود إلى لبنان وسوريا». لكنّ الكاتب يعبّر عن سروره لخبر دعوة نائب وزير المستعمرات الفرنسية المسيو كونديشن، الجمعياتِ اليهودية إلى الشروع بدخول الأراضي الواقعة تحت الانتداب الفرنسي، معتبراً أنه إذا صحّ الخبر «لا بدّ من أن تنفرج الأزمة قريباً في هذه البلاد، لأنّه بتوطين اليهود في لبنان وسوريا تحصل هذه البلاد على النتائج التي حصلت عليها فلسطين من التقدّم والنجاح والازدهار بفضل اليهود والأموال اليهودية».

منطق أنّ الاستيطان ورأس المال اليهودي يجلب الثروة والتحسّن في الوضع الاقتصادي، كان قد عبّر عنه أيضاً المحامي إلياس نمور، الذي أرسل أكثر من التماس إلى المندوب السامي الفرنسي بوصفه محامي شركة شراء الأراضي التابعة لروتشيلد (بيكا)، ينبّه في التماساته إلى الخير الذي سيجلبه الاستيطان إلى مناطق الانتداب الفرنسي.

واليوم يتكرّر المشهد ويطالب دعاة الاستسلام للعدو الصهيوني بتجريد لبنان من عناصر القوة والانضمام إلى المسيرة الإبراهيمية مقابل وعود بالمساعدات. بمعنى أدقّ: بيع البلاد مقابل المال.

المال كان ولا يزال الحافز الوحيد الذي أدرك الصهاينة أنه الكفيل بشراء العملاء. والفرق بين الأمس واليوم أنه في السابق خصّص الصهاينة ميزانية لشراء الأقلام، أمّا اليوم فإنّ مال النفط العربي هو الذي يقوم بالمهمّة لصالح الكيان الصهيوني.

لم تقتصر الدعاية الصهيونية على تمويل الصحف فقط، بل تمّ تمويل مجموعة من العملاء العرب الذين نشروا كتيّبات تهاجم بشدّة اللجنة االعربية العليا في فلسطين وتحمّلها مسؤولية بدء الاضطرابات و«الاعتداءات الدموية ضدّ اليهود عام 1929».

ويحتفظ الأرشيف الفرنسي في مدينة نانت، بنموذج من تلك المطبوعات نُشرت إحداها باسم محمد الطويل، بعنوان: «كتاب الحقائق المجهولة: اضطرابات فلسطين الأخيرة»، طبع في طبريا عام 1930. يعتبر كاتب النص أنّ «مقاطعة اليهود وبضائعهم تجلب الضّرر على الفلسطينيين فقط، وأنّ وعد بلفور جلب الخير إلى فلسطين حيث ارتفعت أسعار الأراضي»، وأخيراً يشنّ حملة تكفيرية شعواء ضدّ «النصارى أعداء المسلمين الألداء، الذين يتوارثون العداء للإسلام جيلاً بعد جيل، إنهم جواسيس الدول الأجنبية».

الواضح أنّ سبب الحملة على مسيحيّي فلسطين، هو موقفهم الرافض جذرياً للاستيطان الصهيوني، سواء عبر صحافتهم أو قياداتهم السياسية. لكنّ سياسة تكفير المسيحيين في فلسطين التي اعتمدها الصهاينة بواسطة عملائهم، انقلبت في لبنان ــــــ على سبيل المثال ــــــ رأساً على عقب، إذ سوّقوا لأنفسهم أنهم حماة المسيحيين والدروز أيضاً.

والتالي نموذجان من التقارير الأمنية الفرنسية من عام 1929، يرصدان التمويل الصهيوني لصحف صادرة في بيروت:

الوثيقة الأولى

جهاز المعلومات المركزي – المكتب الثاني

بيروت، بتاريخ 7 تشرين الثاني 1929

نشرة معلومات رقم 364

الحركة الصهيونية

باشر مدير مصرف الأنجلو – فلسطين ليرمير، وهو يهودي إنكليزي، مباحثاتٍ مع الصحف اللبنانية ليس فقط لتوقف كل هجومٍ على الصهيونية، بل لتدافع عنها؛ ومن المؤكّد أنّ صحيفة سيري Syrie تلقّت 150 ليرة ذهباً وأنّ صحيفة الأوريان L’Orient تلقّت 300 ليرة.

بدأت هاتان الصحيفتان بنشر مقالاتٍ تشير إلى توجّهٍ جديد، كالهجوم في «الأوريان» على مفتي القدس. إثر ذلك وجّهت الأوساط الإسلامية ملاحظةً بأنّ الصحيفتين الصادرتين بالفرنسية المواليتين للمندوبية السامية تعكسان ما تفكر به وتقوله الدوائر الفرنسية العليا.

سوف ترسل دعوة للقدوم إلى بيروت بعد ظهر اليوم السابع من الشهر إلى غوردون كانينغ [فاشي بريطاني]، الذي وصل في الخامس منه إلى فلسطين.

توقيع

الوثيقة الثانية

نشرة معلومات رقم 2807

المصدر: الأمن العام ـ بيروت.

بصدد: كالفنسكي، العنصر الصهيوني

جاء السيد كالفنسكي، العنصر الصهيوني البارز، إلى بيروت منذ حوالي عشرين عاماً وأقام عند عائلة يهودية من هذه المدينة. وقد تمّ وصله مع مديري عدّة صحف، لا سيّما «الأوريان» التي زارها، ويقال بأنّه جذب هذه الصحيفة إلى القضية الصهيونية عبر دفع مبلغٍ معيّن، وعلى أثر زيارته نشرت «الأوريان» الرسالة المنسوبة للمفتي الكبير في القدس، متّهمةً إياه بالتحريض على المجازر المرتكبة ضد اليهود.

يقال بأنّ جبران تويني، مدير صحيفة الأحرار، تعرّض أيضاً لجسّ النبض بصدد القيام بحملة لصالح الصهيونيين، وبأنّه رفض بسبب موقفه العلني المسبق بتأييده للعنصر العربي. ووردنا أنّه تذرّع بأنّ أي حملة لصالح الصهيونية ستضرّ بصحيفته ضرراً شديداً، وهي الصحيفة التي لديها كثيرٌ من القرّاء في الأوساط القومية والعربية في سوريا وفلسطين والعراق.

ويقال بأنّ كالفنسكي التقى واشترى رياض الصلح، المحرّض الرئيس على التظاهرات المناهضة للصهيونية في بيروت، وبأنّ هذا الأخير قدّمه لصديقه خير الدين الأحدب، مدير صحيفة العهد الجديد، الذي تلقّى مبلغاً معيّناً، ثم وعد بتخفيف حملته على الصهيونيين.

من المعتقد، من جانبٍ آخر، أنّ خير الدين الأحدب، تواصل مع السيد وايزمان، شقيق الزعيم الصهيوني الشهير.

بيروت، بتاريخ 14 تشرين الثاني 1929

توقيع المفتش العام للشرطة بالوكالة

———————————-

بلاد الشام في التقارير الأمنية الفرنسية [5]: الاستيطان في حوران

لم يكن أحد يتخيّل أنّ «بتاح تكفا»، أول مستوطنة يهودية أقيمت على أنقاض قرية أم ملبس الفلسطينية عام 1878، ستكون منطلقاً مع غيرها من المستوطنات لمسيرة منظّمة هادفة لابتلاع كل فلسطين والانتقال إلى مرحلة التوسّع شمالاً، باتجاه تنفيذ مشروع إسرائيل الكبرى. من هنا أرى أنّ قراءة وقائع تطوّرات الأحداث بعيداً عن التاريخ الرسمي الكاذب تضعنا في موقع فهم عميق لأسباب هذا الوضع الكارثي الذي نعيشه اليوم.

في هذه الحلقة من هذه السلسلة سأشير باختصار شديد إلى الاستيطان الصهيوني في حوران في أواخر القرن التاسع عشر، وما أعقبه من تحوّلات جذرية وانهيار وفشل مريع تواجهه الشام اليوم، بعد اجتياح الجيش الصهيوني للأرض وتدميره الجيش السوري ومواصلته القصف اليومي واحتلاله كل منطقة حوران بما فيها جبل الشيخ والوصول إلى أبواب دمشق. وتوّج نتنياهو، كل ذلك بالإعلان مزهوّاً من على قمّة جبل الشيخ «باقون هنا ولن نرحل عن أرضنا».

دوافع تركيز الصهاينة على أولوية الاستيطان في الجولان، تعود إلى أسباب أيديولوجية توراتية وإلى الإمكانيات الاقتصادية الهائلة للمنطقة التي من الممكن أن توفّر السكن والعمل لمئات الألوف من المهاجرين اليهود. ويعتبر الصهاينة أنّ حوران التي ذكرت في «سفر حزقيال»، هي جزء من «أرض إسرائيل»، وأنّ قبيلة منسى اليهودية المسماة نسبة إلى منسى الابن الأكبر ليوسف ابن يعقوب، استوطنت في شمال وجنوب اليرموك. واعتبروا أيضاً أنّ نبي إسرائيل سليمان، كان يفرض الضرائب على تلك المنطقة التي كان يتحكّم بها حكّام اليهود.

أمّا من الناحية الاقتصادية، فالمنطقة غنيّة جدّاً بمواردها الزراعية وتربتها البركانية الخصبة ومواقعها السياحية والأثرية، إضافة إلى منابع المياه المتدفّقة من جبل الشيخ، ناهيك عن الثروات المعدنية ومعظمها غير مكتشف حتى اليوم. هذه الثروات الضخمة التي تتمتّع بها المنطقة، جعلتها هدفاً صهيونياً ثابتاً منذ موجات الاستيطان اليهودية الأولى في فلسطين. وبقدر الاهتمام الصهيوني بضمّ المنطقة نهائياً إلى الدولة العبرية، كان هناك أيضاً اهتمام مماثل ومتواصل بضمّ منابع المياه في جنوب لبنان، والتي تتعرّض اليوم إلى خطر حقيقي.

كانت مواقع الاستيطان المفضّلة لدى القادة الصهاينة الأراضي المحاذية للحدود ما بين مناطق الاحتلال الفرنسي والبريطاني والتي تقع فيها معظم مصادر المياه.

ومنذ بدء عقد التسعينيات من القرن التاسع عشر، توجّهت أنظار الصهاينة كذلك للاستيطان في ما سمّوه «أرض إسرائيل»، وكان سنجق حوران، الذي يشمل مرتفعات الجولان وسهل حوران ومنطقة اللجاة في صلب مخطّطاتهم. لذلك، تولّت «لجنة أرض إسرائيل» التي أسّسها في باريس، البارون إدموند دو روتشيلد، شراء الجزء الجنوبي الغربي من حوران في الجولان وتبلغ مساحته حوالي مئة ألف دونم، كان معظمها من أملاك أحمد باشا أبو الهدى، من أثرياء دمشق، إضافة إلى قسم آخر كان من أملاك الحكومة العثمانية.

جرت عملية الشراء بواسطة سماسرة مقيمين في بيروت أبرزهم إميل فرانك. ورغم أنّ القانون العثماني كان يمنع بيع أراضي «الميري» (أملاك الدولة) في سوريا وفلسطين لليهود من غير الرعايا العثمانيين، إلا أنّ إميل فرانك، بصفته مواطناً فرنسياً، تمكّن من شراء الأراضي في حوران وتسجيلها باسمه الخاص، مستفيداً من نفوذه في دوائر السلطة بدمشق وبيروت.

وكما تشير التقارير الفرنسية، وكيلا تثير السلطات المحلّية غضب الحكومة المركزية في إسطنبول، طالبت إميل فرانك، بالتعهّد بعدم استبدال القرويين المقيمين على الأرض بمستوطنين أجانب. هذا الشرط دفع روتشيلد، إلى التدخّل لإنقاذ مشروع الاستيطان وأرسل في نهاية 1894 إلياهو شديد، المدير العام لشؤونه، إلى إسطنبول مع رسالة إلى الصدر الأعظم، يطلب فيها السماح بدخول 200 إلى 300 عائلة يهودية سنوياً إلى حوران، ومنحهم الحق في الاستيطان. وبعد مدّة تسلّم روتشيلد رسالة من الصدر الأعظم، تسمح للأسر اليهودية في الاستيطان. لكن لم يكن لتلك الرسالة أي أثر عملي، إذ سرعان ما قوّضت السلطات المحلّية الوعد السلطاني، وعمد كاظم باشا حاكم دمشق، إلى طرد المستوطنين المنتشرين في ستّ قرى، وسبق ذلك أنّ ممثّلي القبائل البدوية رفعوا رسائل إلى الصدر الأعظم تطالب بمنع الاستيطان.

أمّا مع بدء الاحتلال الفرنسي، فقد تمّ نقل الأملاك إلى صهيوني فرنسي آخر، هو سالمون رايناخ. وتواصلت المحاولات مع السلطات الفرنسية لتعزيز الاستيطان وانتقال الأراضي إلى شركة «بيكا» التابعة لروتشيلد، والتي تأسّست سنة 1923.

تحدّثنا الوثائق الفرنسية الصادرة عن مراكز المخابرات الفرنسية في جنوب سوريا أنّ عدّة محاولات جرت لشرعنة الوجود الاستيطاني الصهيوني في حوران، جميعها باءت بالفشل. وكانت ردّة الفعل بين السوريين سلبية جدّاً، وقادت الصحف السورية الحملة لفضح عمليات بيع الأراضي من قبل كبار الملّاكين، أمثال أسرة اليوسف وأبناء الأمير عبد القادر الجزائري. وتحفل التقارير الفرنسية بترجمة لافتتاحيات الصحف السورية وأخبارها المضادّة للاستيطان. وكان المندوب السامي الفرنسي دميان دو مارتل، يصرّ على رفض مقترحات ومشاريع متعدّدة للاستيطان، تقدّمت بها جمعيات أوروبية تدّعي ألّا علاقة لها بالحركة الصهيونية.

ورغم الرفض الشعبي لمبدأ الاستيطان، إلا أنّ كبار الملّاكين والسماسرة وبعض المحامين من طوائف مختلفة كانوا من مشجّعي فتح مناطق الاحتلال الفرنسي أمام الاستيطان. وكانوا يزورون دو مارتل، ويحثّونه على السماح بالهجرة التي «ستنقذ سورية من أزمتها الاقتصادية» وفق ادّعاءاتهم. لكن رغم حملة كبار الملّاكين الذين كانوا أقلّية، فإنّ سلطات الانتداب بقيت على موقفها المعادي للهجرة.

في المدّة ما بين 1925 و1930، هناك ما يقارب 22 تقريراً فرنسياً يتحدّث بالتفصيل عن محاولات صهيونية لانتقال الملكية من سالمون رايناخ، إلى شركة «بيكا» التابعة لروتشيلد. أكتفي هنا بنشر خلاصة مقطع من رسالة التماس قدّمها إلى المندوب السامي بتاريخ 31 كانون الثاني 1929، المحامي الياس نمور، بوصفه وكيلاً عن «جمعية الاستعمار الصهيونية». يعرض نمور بنوداً قانونية اعتبرها ملزمة للحكومة كي توافق على عملية انتقال الأملاك. كما يعرب عن تذمّره من «مسؤول الطابو في درعا الذي امتنع عن إجراء معاملات الانتقال، وأنّ إدارة الأجهزة العقارية والأوقاف في دمشق قد تبنّت موقف إدارة الطابو في درعا أيضاً»، لذلك التمس التدخّل لصالح وكيله وإجراء عملية الانتقال.

كل ذلك أصبح من التاريخ، وما التذكير به اليوم إلا للتأكيد على أنّ استماتة حكّام دمشق للاستسلام والتنازل غير المشروط عن الأرض السورية بناءً على نصائح ووساطات أميركية، تركية، أوروبية، قطرية وغطاء كامل من الأنظمة العربية، لن يوقف القصف والقضم الصهيوني للأرض السورية. ويتّضح اليوم من صمت حكّام دمشق أنّ دعم الناصحين لهم، وهم بالمناسبة مَن سلّحهم وموّلهم وغطّى على جرائمهم، هدفه بالدرجة الأولى ضمّ دمشق إلى تحالف أنظمة العرب مع الصهاينة.

وواقع الحال اليوم أنّ ردّ فعل سلطات دمشق على التوحّش الصهيوني، يشبه تماماً ردّ فعل السلطة اللبنانية في بيروت. لا اكتراث للاحتلال ولا للقتل الذي يمارسه الصهاينة، كل ذلك تنفيذاً لتوجيهات رعاة النظامين الغربيين والعرب.

في نهاية المطاف، فشلت محاولات إحياء الاستيطان في حوران، في عهد الاحتلال الفرنسي، وفور إعلان قيام دولة إسرائيل، ألغت الحكومة السورية ملكيّة «بيكا»، وانتقلت جميع العقارات إلى حوزتها. لكنّ إدارة «بيكا» لم تسلّم بالقرار؛ واتّخذت إجراءات قانونية ضدّ الحكومة السورية، وواصلت إيداع المبلغ الذي كانت تدفعه عادة إلى السلطات السورية، كضريبة سنوية لصناديق الوقف والحكومة في بنك في باريس، رغم رفض الحكومة السورية قبول المبالغ المودعة باسمها في المصرف الفرنسي.

واليوم، لا حاجة للصهاينة للمطالبة بمستعمراتهم السابقة، جيشهم اجتاح كل المنطقة بدون طلقة رصاص واحدة. وأمامهم فرصة ذهبية لإعادة إحياء طموحات الصهاينة الأوائل. وإذا كانت أولويات حكّام دمشق قتل شعبهم كما يجري يومياً، فإنّ سوريا اليوم التي «تنعم بانتصار ثورة الناتو» والأتباع العرب، قد تمّ سوقها بإرادة حكّامها إلى مقصلة التشرذم.

———————————-

بلاد الشام في التقارير الأمنية الفرنسية [6\6]: مشاريع الاستيطان في الاسكندرون وأعالي الفرات وتدمر

تدفقت على سلطات الاحتلال الفرنسي المشاريع المتنوعة بهدف الاستيطان في بلاد الشام في عقد الثلاثينيات من القرن الماضي. بعض مقترحات تلك المشاريع حدد المناطق المفضلة للاستيطان والبعض الآخر كان يهدف إلى فتح الباب أمام تدفق المهاجرين اليهود من أوروبا والاستيطان في أي مكان تختاره سلطات الاحتلال. الوثائق السرية الفرنسية العدة تشير بالتفصيل إلى أصحاب تلك المقترحات وتعهّدهم بتخصيص الأموال الضخمة لتنفيذ تلك المشاريع التي ستجلب كما ادعوا «الرخاء الاقتصادي» لسوريا.

لم تكن سلطات الاحتلال في وارد السماح للاستيطان اليهودي وفق أي صيغة، سواء أكانت عبر أشخاص أم جمعيات أوروبية يحمل بعض المشرفين عليها الجنسية الفرنسية ويتستّرون خلفها لتنفيذ المخططات الصهيونية، أم عبر التعهدات بتدفق الأموال وإنعاش البلاد في مرحلة أزمة اقتصادية شهدتها في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي. السياسة الفرنسية المتبعة تجاه الاستيطان كانت الرفض، وهذا ما جرت عليه من عقد العشرينيات باعتبار أن الاستيطان اليهودي هو خطر على النفوذ الفرنسي في سوريا.

نشرتُ في الكتاب الذي أعددته بعنوان «الوثائق السرية الفرنسية للاحتلال الفرنسي، ترسيم الحدود الجنوبية وتطور المشروع الصهيوني في فلسطين 1895-1925» وثائق فرنسية عدة ترفض مبدأ الاستيطان اليهودي في سوريا، وبصورة خاصة قرارات المندوب السامي الجنرال ويغان الحاسمة بمنع الشركات التجارية السورية أو اللبنانية أو الأجنبية الاستحواذ على الأملاك غير المنقولة أو امتلاكها أو التصرّف بها.

تولى ناحوم ساكولوف المقرب من وايزمن ورئيس المنظمة الصهيونية العالمية الإشراف على مخططات المشاريع التي جرى تقديمها للسلطات الفرنسية في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي. واعتبر الصهاينة أن حملات القمع التي تعرضوا لها بسبب صعود الفاشية في أوروبا، وبصورة خاصة في ألمانيا، سبب بديهي لأن تعامل سلطات الاحتلال المهاجرين اليهود أسوة بالمهاجرين الأرمن الهاربين من المجازر التركية والذين استوطنوا في سوريا.

نظرت بعض دوائر السلطات الفرنسية بإيجابية إلى استيطان كبار الرأسماليين اليهود، ولكنها وضعت شروطاً قاسية لقبول هؤلاء الرأسماليين. في المقابل، كانت مخططات المنظمة الصهيونية العالمية استقدام أعداد ضخمة من المهاجرين، لذلك لم تفلح محاولات استقدام المهاجرين الرأسماليين.

سأكتفي بنشر مضمون بضع وثائق تشرح مشاريع الاستيطان المنوي تنفيذها وتطالب بالموافقة الفرنسية عليها.

نقرأ في وثيقة بتاريخ 24 أيلول 1924، بتوقيع إميليو جافيه الذي يدير في بيروت وكالة سفريات وسياحة، موجهة إلى المندوب السامي لفرنسا في سوريا ولبنان من المديرية العامة لشركة دانتسيغر رايز بوروDanziger Reise Buro)) من دانتسيغ تطلب السماح لعشرة آلاف مزارع يهودي من دانتسيغ وبولونيا بالاستقرار في الدول الخاضعة للانتداب الفرنسي. وتشير إلى أنّ «هؤلاء الفلاحين ليسوا أعضاء في أي منظمةٍ صهيونية أو يهودية، وإلى أنّهم لا يتبعون أي هدفٍ سياسي. تقتصر نيتهم على اكتساب أراضٍ في البلد، سوف يستثمرونها بأنفسهم لإحداث تنميةٍ زراعيةٍ محضة.

وهم يقولون إنهم سوف يطورون زراعة المنتجات الزراعية القابلة للتصدير، وهي منتجاتٌ لم يتم العمل عليها كفايةً حتى الآن في البلدان الخاضعة للانتداب. مع وعد بألا ينافسوا سكان البلد، وأن يستثمروا رؤوس أموالٍ لن تقلّ عن مئتي مليون فرنك وسوف يستصلحون في سوريا ولبنان أراضي هي حالياً بورٌ ولا تدرّ شيئاً.

كذلك وعدوا أيضاً أن تودَع مسبقاً رؤوس الأموال التي سوف تستثمر في مصارف محلية قبل وصول الفلاحين، ما يضمن نيتهم النهائية في إفادة البلد برؤوس أموالهم وعملهم. هؤلاء المهاجرون مستعدون لتبني الجنسية السورية أو اللبنانية إن وافقت الحكومة المعنية على ذلك». وفي ختام المذكرة، طلب أن يحظى المشروع بموافقة إيجابية بهدف النهوض الاقتصادي كما ادعوا.

الاستيطان في الاسكندرون، أنطاكية، وتدمر

في 10 تشرين الأول 1934 قدمت جمعية الدراسات الفرنسية – السورية إلى الكونت دو مارتل بتوقيع بوريس غوروفيتش (Boris Gourevitch) الأمين العام للجنة الدفاع عن اليهود في الشرق مذكرة تعرض برنامج الأشغال العامة التي تنوي القيام بها في دولتي سوريا ولبنان والذي يهدف إلى فتح أراضٍ غير مستثمرة حالياً أمام الاستعمار (ولا سيما الاستعمار اليهودي).

من مقترحات الجمعية «جلب مستعمرين فرنسيين، بولونيين أو روس، وكذلك دانماركيين مجبرين على مغادرة أوروبا بسبب البطالة. ولتحقيق ذلك، تنوي الجمعية القيام بأعمالٍ واسعةٍ في مجالات الري والزراعة وتجفيف المستنقعات وتقديم تمويلٍ كبيرٍ لاستصلاح الأراضي القابلة للزراعة وجلب رؤوس الأموال الأجنبية إليها، وستتيح تلك الأموال للمهاجرين البقاء في البلد وخدمة المصالح الفرنسية والسورية فقط. ووعد بإدخال الكهرباء، وإقامة سكك حديدية تفتح منافذ تجارية جديدة، ومؤسسات صناعية».

وبهدف إغراء السلطات الفرنسية بالقبول، اعتبر غوروفيتش أن تنفيذ مشاريع ضخمة ستؤدي إلى عدم مغادرة عشرة آلاف سوري كل عام والهجرة بحثاً عن حياة جديدة. واقترحت الجمعية، بناء على خبراء تم تكليفهم، تجفيف سهل العمق في الاسكندرون والحيلولة دون الفيضانات التي تصيب مزارعي السهل بالإفلاس، وكذلك القيام بمشروع مماثل في بحيرة أنطاكية والتي تؤدي ضحالتها إلى صعوبة إضافية في تصريف المياه.

وتضيف المذكرة أن النشاط الاستيطاني المنوي تنفيذه يشمل أيضاً تحسين الزراعة اللبنانية وري سهل الغاب واحتجاز مياه الشتاء في أعالي نهر الفرات في الممر الواقع في أعالي بيرجيك، وإعادة بناء الري القديم في دير الزور والأراضي التي تمتد بين أعالي الفرات وحتى صحراء تدمر، ما سيسمح بإعادة الحياة للمساحات الميتة التي كانت توجد فيها مئات المدن في الحقبة الرومانية.

وتواصل تدف تقديم مشاريع الاستيطان في أماكن عدة في سوريا ولبنان. ففي نيسان 1934 تقدّم رجل أعمال فرنسي يدعى غابرييل ارنو، المقرب من وايزمن، إلى وزارة الخارجية في باريس باقتراح البدء في تشجيع استيطان الجماعات اليهودية في دولة العلويين نظراً إلى كون المنطقة خصبة وقليلة السكان. واعتبر الموافقة على ذلك بمثابة الخطوة الأولى للاستيطان في سوريا ولبنان.

تم رفض المشروع وكذلك مشاريع مماثلة تقدم بها فون ويل المستشار السياسي للزعيم الصهيوني جابوتنسكي، وكذلك تقدّم في كانون الثاني 1937 الداعية الصهيوني كادمي كوهن بمشروع يهدف إلى فتح مناطق المشرق أمام الاستيطان وبصورة خاصة في جنوب لبنان مطالباً بشكل رسمي رئيسي الجمهورية اللبنانية والسورية الموافقة على توسع حدود الانتداب الفرنسي في فلسطين إلى داخل لبنان وسوريا وفقاً لمذكرة الوكالة الصهيونية التي تقدمت بها الوكالة اليهودية إلى مؤتمر الصلح في فرساي عام 1920.

كل العرض أعلاه هو من التاريخ، ولكن ماذا عن اليوم؟ لا أجد ضرورة لمزيد من الشرح؛ بلادنا مستباحة من العدو الصهيوني الذي يمارس القتل والتدمير يومياً، كما يواصل قضم المزيد من الأرض. في المقابل، صمت مطبق من حكام بيروت ودمشق. كل مقاوم للغزوة الصهيونية متهم وملاحق. من قال إن الصهاينة بحاجة إلى أن يحكموا مباشرة في بيروت ودمشق، ما داموا يحصلون على ما يريدون؟

* كاتب لبناني

الأخبار

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى