كتب الكترونية

تحميل روايات المجري الفائز بجائزة نوبل للأداب لعام 2025 لازلو كراسنهوركاي المترجمة إلى العربية

المجري كراسناهوركاي يحصد نوبل الآداب… روائيّ النهايات في “قلب الرعب”/ أنطوان جوكي

رواياته وقصصه تصور عالم ديستوبي على شفير الفناء

آخر تحديث 09 أكتوبر 2025

بعد الكاتبة الجنوبية الكورية هان كانغ، التي كانت أول امرأة آسيوية تنال جائزة نوبل في الأدب، اختارت الأكاديمية السويدية، أمس، منح جائزتها للكاتب المجري لازلو كراسناهوركاي، “تقديرا لإبداعه الآسر والرؤيوي الذي يجدد تأكيد قوة الفن في قلب الرعب الأبوكاليبسي”، وفقا لتصريحها. خيار لم يشكل مفاجأة، لأن العديد من النقاد الأدبيين الذين استطلعتهم الصحف السويدية خلال الأيام الماضية رجّحوا هذا العام كاتبا أوروبيا، لكن خصوصا لأن كراسناهوركاي يستحق هذه الجائزة بجدارة.

لمن يجهل هذا الروائي والقاص القدير، نشير بداية إلى أنه وُلِد عام 1954 في بلدة غيولا المجرية التي استلهم من إطارها الريفي مسرح روايته الأولى “تانغو الشيطان”. رواية اعتُبرت فور صدورها عام 1985 حدثا أدبيا في وطنه نظرا إلى تصويرها بأسلوب إيحائي بالغ السطوة حياة مجموعة من الفقراء في مزرعة مهجورة في الريف المجري، قبيل سقوط الشيوعية. مكان يسود فيه صمت وترقب، إلى أن يظهر إيريمياش ورفيقه بيترينا، بعدما كان الجميع يظنهما ميتين، فيبدوان رسولي أمل أو نذير حساب أخير.

أما العنصر الشيطاني الذي يشير إليه عنوان الرواية، فيتجلّى في أخلاقية هاتين الشخصيتين المعيبة، وتحديدا في ألاعيب إيريمياش المخادعة التي، بقدر ما هي فعالة، تقيّد الآخرين وتربطهم في دوامة من الوهم. وما يعزّز نجاعة ألاعيبه هو انتظار كل من هم حوله حدوث معجزة، علما أن هذا الأمل يثقبه الكاتب منذ بداية روايته، بفتحها بمقولة كافكا التالية: “في هذه الحال، سأنتظر، وأفقد الشيء المنتظر أثناء انتظاره”.

كآبة المقاومة

بعد هذا العمل، الذي اقتُبس منه فيلم عام 1994، أصدر كراسناهوركاي عام 1989 رواية ثانية بعنوان “كآبة المقاومة”، دفعت الناقدة الأمريكية سوزان سونتاغ، بعد قراءتها، إلى تتويج صاحبها بلقب “سيد الأدب المعاصر الأبوكاليبسي”. رواية هي عبارة عن فانتازيا حلمية مرعبة تدور أحداثها في بلدة مجرية صغيرة تقع في جبال الكاربات، ومنذ صفحتها الأولى، تسقطنا في أجواء توتر شديد، ناتج من حالة طوارئ مدوخة، ومن إشارات مشؤومة تملأ الأفق.

بسرعة يبلغ هذا التوتر ذروته مع وصول سيرك غامض إلى البلدة وعرضه جثة حوت عملاق لا يلبث مشهده المهيب والغامض أن يحرك قوى متطرفة داخل مجتمعها، فتندلع أعمال عنف وتخريب ليس فقط فيها، بل في سائر أنحاء البلاد، ويعجز الجيش عن احتواء الفوضى الناتجة منها، مما يفتح الباب أمام انقلاب يأتي بنظام ديكتاتوري. سيناريو بمشاهد حلمية وشخصيات بشعة، يتيح للكاتب فرصة تصوير، ببراعة نادرة، حياة واقعة بين مطرقة نظام استبدادي وسندان الفوضى.

بعد “كآبة المقاومة”، وضع كراسناهوركاي رواية “حرب وحرب” (1999) التي يخرج فيها من حدود وطنه من خلال بطله، أمين المحفوظات المتواضع كورين، الذي يقرّر، كفعل أخير في حياته، أن يسافر من ضاحية بودابست إلى نيويورك، ليضع نفسه لحظة واحدة في “مركز العالم”، وأيضا لتعريف هذا العالم بملحمة مجرية قديمة عن عودة محاربين إلى وطنهم، كان قد عثر عليها في أرشيف المكتبة التي يعمل فيها. رواية خطها الكاتب بجمل متعرجة وطويلة لا توقف أي نقطة تدفقها، وهو ما سيصبح سمة أسلوبه الكتابي.

في نظر نقاد كثر، مهدت “حرب وحرب” لرواية كراسناهوركاي الكبرى “عودة البارون فينكهايم إلى دياره” (2016)، لأن محور هذه الأخيرة هو أيضا عودة إلى الوطن. نص يعبث صاحبه فيه بتقاليد الرواية الكلاسيكية، ويعيد إحياء شخصية دوستويفسكي الشهيرة، “الأبله”، في صورة بارون مهووس بالحب ومدمن على القمار، يعود إلى المجر من منفاه الطويل في الأرجنتين، بعدما خسر كل شيء، آملا أن يستعيد حبيبته الأولى التي لم يستطع نسيانها. لكن رحلة العودة تنحرف عن مسارها حين يضع البارون ثقته في شخص غدار يدعى دانتي، هو عبارة عن نسخة ملوثة من سانشو بانثا، علما أن الرواية تبلغ ذروتها في مشهد يجمع بين التراجيديا والكوميديا، مشهد الاستقبال الاحتفالي الذي يقيمه أهل البلدة للبارون، ويسعى هذا الأخير بكل الوسائل للفرار منه.

إلى هذه الأعمال الديستوبية، تمكن إضافة رواية كراسناهوركاي الخامسة، “هيرشت 07769” (2021)، التي تدور أحداثها في بلدة ألمانية صغيرة تقع في ولاية توريينغن وتعاني من اضطرابات اجتماعية وجرائم قتل وحرق. رواية بقدر ما تناقض في رعبها إرث الموسيقار يوهان سيباستيان باخ الذي ولد في الولاية المذكورة، تحاكيه في طريقة سرد قصتها بنفس واحد، مبينة في طريقها استحالة التوفيق بين العنف والجمال.

دقة تصوير كراسناهوركاي الاضطرابات الاجتماعية في هذا العمل تفسر اعتباره “رواية ألمانية معاصرة كبرى”. أما بطله هيرشت، فيجسد بدوره “أبله” دوستويفسكي، أي ذلك “الكائن البريء ووديع القلب” الذي يكتشف في النهاية أنه وضع ثقته في القوى نفسها التي تدمر بلدته. عمل يبقى عنصر المفاجأة فاعلا فيه حتى النهاية، كما يظهر ذلك بوضوح في خاتمته.

سليل كافكا وبرنارد

عموما، يُعتبر كراسنهوركاي كاتبا كبيرا في المحيط الأدبي الوسط أوروبي، وسليل كتّاب بحجم كافكا وتوماس برنارد، نظرا إلى التقاء العبث والسخرية في أعماله. لكن ثمة وجها آخر له، أكثر تأملا، يتجلى في استثماره رحلاته إلى الصين واليابان لصوغ أعمال سردية تتسم بنبرة روحية، من أبرزها رواية “من الشمال جبل، من الجنوب بحيرة، من الغرب دروب، من الشرق نهر” (2003)، وهي سردية غامضة تبدأ بصفحات شعرية قوية، وتدور أحداثها في جنوب شرق مدينة كيوتو، حيث ينتظرنا بحث مشوق عن “حديقة سرية”.

هذه الرواية مهدت من دون شك لديوان كراسنهوركاي القصصي “سيوبو زارت الأرض” (2008)، الذي يتألف من سبع عشرة قصة مرتبة وفقا لمتتالية فيبوناتشي، وتقارب دور الجمال والفن في عالم أعمى زائل. ديوان يعد، إلى جانب روايات كراسنهوركاي الملحمية الخمسة، ذروة منجزه الأدبي، ويفتتحه مشهد مؤثر نرى فيه طائر مالك الحزين أبيض واقفا بلا حراك في نهر كامو في كيوتو، ينتظر فريسته في دوامات الماء، بينما يغفل عنه المارة، فيغدو رمزا ميتافيزيقيا لحال الفنان.

أما الخيط الرابط بين قصص هذا العمل، فهو الأسطورة اليابانية التي تتحدث عن الإلهة سيوبو، حارسة الحديقة التي تُثمر، كل ثلاثة آلاف عام، فاكهة تمنح الخلود، علما أن هذه الأسطورة تتحول في هذه القصص إلى استعارة لفعل الإبداع نفسه. ففي سلسلة من المشاهد العابرة للأزمنة والثقافات، يتتبع كراسنهوركاي انبثاق العمل الفني من رحم الصبر والحرفة، أو من ظروف متعثرة وغامضة، كما في قصة نقل لوحة غير مكتملة للرسام الإيطالي بيروجينو من فلورنسا إلى مسقط رأسه في بيروجا، حيث يقع “الحدث المعجزة”.

المثير أيضا في هذه القصص هو غياب الفنان نفسه غالبا، وحلول شخصيات هامشية مكانه: حرّاس، متفرجون، أو حرفيون مخلصون لا يدركون معنى العمل الذي يسهمون في خلقه. ومن خلال ذلك، يقودنا الكتاب، ببراعة سردية مذهلة، عبر “أبواب جانبية”، إلى فعل الخلق الذي يتعذر تفسيره.

ومن بين نصوص كراسنهوركاي القصيرة الأخرى اللافتة، “أعمال أولية من أجل بناء قصر: رحلة إلى جنون الآخرين” (2018)، وهي قصة طويلة نسبيا (تسعون صفحة)، آسرة وغريبة، تدور أحداثها في مانهاتن، بنيويورك، ويتسلط عليها شبح الكاتب الأمريكي هرمان ملفيل، الذي عاش في هذه المدينة، وأشباح معجبيه المتعصبين. قصة ذات جانب هذياني مبهج، تُقرأ مثل تأمل ليست فقط في لعنة المحاكاة أو التقليد في الأدب، بل أيضا في نعمة قدرته على المقاومة.

المجلة

———————————————

التطلع للشرق يمنح المجري لازلو كراسنهوركاي نوبل للآداب 2025

فاز الكاتب المجري لازلو كراسناهوركاي بجائزة نوبل للآداب للعالم 2025، واختارت اللجنة مكافأة كراسناهوركاي (71 عاما) “لنتاجه المذهل والرؤيوي الذي يعيد التأكيد على قوة الفن في وسط رعب أقرب إلى نهاية العالم”.

وجاء في بيان اللجنة أن كراسناهوركاي “كاتب ملحمي عظيم يندرج في تقليد أوروبا الوسطى الممتد من كافكا إلى توماس بيرنهارد، ويتمّيز بالعبثية والمغالاة الهزلية”.

وتابع “لكن ثمة أكثر من وجه لنتاجه، وهو يتطلع أيضا إلى الشرق باعتماده نبرة أكثر تأملا وأكثر رهافة في تعابيره”.

وقال الكاتب نفسه عن أسلوبه الصعب والمتطلب بأنه يعكس “التمعن في الواقع إلى حد الجنون”، كما وُصف بـ”الهوسيّ” بسبب ميله إلى كتابة جمل طويلة وفقرات قلما تنتهي،

ويأتي هذا التكريم تتويجا لمسيرة أدبية فريدة، كرّس صاحبها قلمه لاستكشاف أحلك زوايا الوجود الإنساني، بلغة تتحدى القوالب المألوفة وتنسج من اليأس جمالا قاسيا ومذهلا.

سيد الرؤى المروعة وملحمة الانهيار

وُلد كراسنهوركاي عام 1954 في بلدة جيولا الصغيرة جنوب شرق المجر، وهي منطقة ريفية نائية تركت بصمتها العميقة على أعماله.

كانت انطلاقته الأدبية مدوية مع روايته الأولى “تانغو الشيطان” (Sátántangó) عام 1985، التي أصبحت ظاهرة أدبية في المجر.

في هذا العمل الملحمي، يرسم كراسنهوركاي صورة قاتمة لمجموعة من السكان المعوزين في مزرعة جماعية مهجورة قبيل سقوط الشيوعية. يسود الصمت والترقب، إلى أن يظهر بشكل مفاجئ شخصيتان كاريزميتان، إيريمياس وبيترنا، كان الجميع يعتقد أنهما قد ماتا. يراهم السكان كرسل للأمل أو كنذير بيوم الحساب الأخير، ليقودهم المحتال إيريمياس في رقصة شيطانية من الخداع والأمل الزائف.

هذه الرواية، التي حولها المخرج بيلا تار إلى فيلم سينمائي أيقوني، أسست لسمعة كراسنهوركاي ككاتب للحالات القصوى. سرعان ما أطلقت عليه الناقدة الأميركية سوزان سونتاغ لقب “سيد الأدب المروع المعاصر”، وهو حكم أصدرته بعد قراءتها لعمله الثاني “كآبة المقاومة” (The Melancholy of Resistance).

في هذه الرواية، التي تشبه حلما محموما، يصل سيرك شبحي إلى بلدة مجرية صغيرة، حاملا معه جثة حوت عملاقا. هذا المشهد الغامض والمخيف يطلق العنان لقوى متطرفة من العنف والتخريب، ويصور كراسنهوركاي ببراعة الصراع الوحشي بين النظام والفوضى.

استمر هذا الخط الملحمي في أعمال لاحقة، ففي “حرب وحرب” (War & War)، ينتقل السرد خارج حدود المجر، متتبعا رحلة أمين أرشيف متواضع يسافر إلى نيويورك في محاولة يائسة لنشر ملحمة قديمة اكتشفها.

وفي “عودة البارون فنكهايم” (Baron Wenckheim’s Homecoming)، يقدم كراسنهوركاي نسخة معاصرة من شخصية “الأبله” لدوستويفسكي، في صورة بارون مفلس ومدمن على القمار يعود إلى وطنه أخيرا، ليواجه استقبالا هزليا ومأساويا من مجتمعه. أما عمله “هيرشت 07769” (Herscht 07769)، فينقلنا إلى بلدة ألمانية معاصرة، لكنها تعاني من نفس أعراض الفوضى الاجتماعية والقتل، حيث يتصارع الرعب مع الإرث الموسيقي العظيم ليوهان سباستيان باخ.

نظرة إلى الشرق

لكن عوالم كراسنهوركاي لا تقتصر على هذا الأفق المروع. ففي مرحلة لاحقة من مسيرته، اتجه بنظره شرقا، مستلهما من رحلاته إلى الصين واليابان ليتبنى نبرة أكثر تأملا ورقة.

ويتجلى هذا التحول في روايته الغامضة “جبل في الشمال، بحيرة في الجنوب، دروب في الغرب، نهر في الشرق” (A Mountain to the North, a Lake to the South, Paths to the West, a River to the East)، التي تدور أحداثها في كيوتو وتبحث عن حديقة سرية.

ويصل هذا الاتجاه إلى ذروته في عمله التحفة “سييوبو هناك في الأسفل” (Seiobo There Below)، وهو مجموعة من 17 قصة مرتبة وفق تسلسل فيبوناتشي.

ويستكشف هذا العمل دور الجمال والإبداع الفني في عالم أعمى وزائل. من خلال استلهام أسطورة سييوبو اليابانية، التي تحرس حديقة تنتج ثمار الخلود مرة كل 3 آلاف عام، يتتبع كراسنهوركاي لحظة الخلق الفني عبر أزمنة وبيئات مختلفة، من فنان ياباني قديم يصنع قناعا، إلى رسام من عصر النهضة يكمل لوحته الأخيرة.

غالبا ما يكون الفنان نفسه غائبا، وبدلا منه نرى شخصيات جانبية -عمال نظافة، حرفيين، متفرجين- يشاركون في عمل فني لا يدركون معناه بالكامل، في تصوير للغز الإبداع الذي لا يمكن تفسيره.

ويمثل فوز الكاتب المجري انتصارا لتقليد أدبي أوروبي أوسطي يمتد من كافكا إلى توماس برنهارد، ويتميز بالعبثية والمبالغة، وهو أيضا اعتراف بكاتب لم يخش يوما أن يواجه القارئ بجمل طويلة ومتعرجة، وببناء سردي يتحدى التوقعات، وبعوالم تقف على حافة الانهيار.

المصدر: الجزيرة

———————————

الكاتب الكابوسي المجري لازلو كراسناهوركاي يقتنص جائزة نوبل للآداب

من قرى أوروبا الشرقية يخرج الكاتب عوالم ساحرة في عالم على شفى النهاية.

الخميس 2025/10/09

تدفق سردي يشبه الحمم البركانية البطيئة

في خطوة لم تكن مرجحة اختارت جائزة نوبل للآداب الكاتب المجري لازلو كراسناهوركاي للتويج بالجائزة الأدبية الأبرز في العالم، مبررة ذلك باهمية تجربته وفرادتها، وهو ما سيوسع من دائرة قرائه بشكل لافت، علاوة على تثمين نمط مغاير من الأدب، يخطه الكاتب بوعي حاد.

ستوكهولم – فاز الكاتب المجري لازلو كراسناهوركاي بجائزة نوبل للآداب للعالم 2025، على ما أعلنت لجنة نوبل السويدية الخميس.

واختارت اللجنة مكافأة كراسناهوركاي (71 عاما) “لنتاجه المذهل والرؤيوي الذي يعيد التأكيد على قوة الفن في وسط رعب أقرب إلى نهاية العالم”.

جاء في بيان اللجنة أن كراسناهوركاي “كاتب ملحمي عظيم يندرج في تقليد أوروبا الوسطى الممتد من كافكا إلى توماس بيرنهارد، ويتمّيز بالعبثية والمغالاة الهزلية”. وتابع “لكن ثمة أكثر من وجه لنتاجه، وهو يتطلع أيضا إلى الشرق باعتماده نبرة أكثر تأملا وأكثر رهافة في تعابيره”. وقال الكاتب نفسه عن أسلوبه الصعب والمتطلب بأنه يعكس “التمعن في الواقع إلى حد الجنون”، كما وُصف بـ”الهوسيّ” بسبب ميله إلى كتابة جمل طويلة وفقرات قلما تنتهي.

ولد الكاتب في 5 يناير 1954 في غيولا بجنوب شرق المجر، أي قبل عامين من الثورة الهنغارية التي قمعتها بشدة القوات السوفيتية، وقد قال سابقًا إنه نشأ “في مأزق، وفي بلد لا يمكن لشخص ملعون بحساسية جمالية وأخلاقية عالية مثلي أن ينجو فيه ببساطة”. وصفته الكاتبة والمفكرة الأميركية الراحلة سوزان سونتاج بأنه “سيد نهاية العالم المعاصر”، حيث تدور روايات كراسنهوركاي – التي غالبًا ما تكون في قرى أوروبية وسطى تعيش واقعا متذبذبا– حول سكان يبحثون عن معنى في رموز متناثرة في عالم بلا إله ولا عدالة.

في روايته “كآبة المقاومة”، التي نُشرت عام 1989، يصل سيرك متجول إلى بلدة متداعية، مصطحبًا معه فقط جثة حوت عملاق. يبدو الحوت كرمز قوي – ربما إشارة إلى رواية “موبي ديك” لهيرمان ملفيل، أو حتى إلى قصة النبي يونس في العهد القديم – لكن المعنى الذي يقصده كراسنهوركاي يظل غامضًا.

وترى إحدى سكان القرية، السيدة إيستر، في وصول السيرك فرصة لإحداث الفوضى، ثم تلقي باللوم في هذا الاضطراب على “قوى شريرة”، وتتحرك للقضاء على العنف وتولي السلطة في البلدة. وخلال أسبوعين، تكون السيدة إيستر قد أعادت تشكيل المدينة على صورتها، حيث “كنست القديم وأقامت الجديد”، كما كتب كراسنهوركاي.

وعلى الرغم من أن الرواية تُقرأ كأنها مجاز لصعود الفاشية، فإنه من غير الواضح ما إذا كان كراسنهوركاي يريد من القراء استخلاص درس معين منها. فرواياته غالبًا ما ترفض الحلول الأخلاقية المباشرة. وفي مقابلة هذا العام، قال بصراحة “الفن هو استجابة البشرية الاستثنائية لشعور الضياع الذي يُشكّل مصيرنا”، وليس هناك، على ما يبدو، نصيحة حول كيفية التعامل مع هذا “الضياع”.

مكافأة كراسناهوركاي “لنتاجه المذهل والرؤيوي الذي يعيد التأكيد على قوة الفن في وسط رعب أقرب إلى نهاية العالم”

أول ما يلفت انتباه القارئ في كتابات كراسنهوركاي هو الجمل: طويلة، متعرجة، تراجع نفسها باستمرار. وقد قال الروائي ذات مرة إن “النقطة (علامة التوقف) لا تنتمي للبشر بل لله”. والنتيجة، كما يصفها مترجمه جورج سيرتيس، هي “تدفق سردي يشبه الحمم البركانية البطيئة”. وعلى الرغم من أن عالم رواياته غالبًا ما يكون قاحلًا، فإن جُمله كثيفة كالغرانيت.

في روايته الأولى “تانغو الشيطان” (Sátántangó) الصادرة عام 1985، والتي يحاول فيها سكان قرية تفسير ما إذا كان الوافد الجديد إيريمياش محتالًا أم مُخلّصًا، هناك جملة تصف شروق الشمس تمتد على معظم صفحة كاملةيكتب فيها: “…في الشرق، سريعًا كالذاكرة، يضيء السماء لون قرمزي وأزرق باهت، فتستند إلى الأفق المتماوج، تتبعها الشمس، كمتسوّل يرسم كل يوم طريقه إلى مكانه على درجات المعبد، مليء بالحزن والبؤس، مستعدٌّ لتأسيس عالم الظلال، ليفصل الأشجار عن بعضها البعض، ويُخرج، من التماثل المتجمّد والمربك لليل – الذي بدا أنهم محاصرون فيه كذباب عالق في شبكة – أرضًا وسماءً محددتين بوضوح، مع حيوانات وبشر متميزين، لا تزال الظلمة تهرب على أطراف الأشياء، في مكانٍ ما على الجانب البعيد من الأفق الغربي، حيث يتلاشى رعبها الذي لا يُحصى واحدًا تلو الآخر، كجيش يائس ومربك ومهزوم.”

تم تحويل هذه الرواية إلى فيلم عام 1994 على يد المخرج الهنغاري بيلا تار، الذي تعاون مع كراسنهوركاي في عدة سيناريوهات. ورغم أن مدة الفيلم تصل إلى سبع ساعات، قالت سوزان سونتاج إنه كان “ساحرًا في كل دقيقة منه”.

الإيمان بقوة الفن

أشاد أعضاء لجنة نوبل بنظرته الفنية قائلين: “إن نظرته الفنية خالية تمامًا من الوهم، وتكشف هشاشة النظام الاجتماعي، وهي مقترنة بإيمانه الثابت بقوة الفن”، بحسب ما قاله ستيف سيم-ساندبرغ من لجنة نوبل أثناء الإعلان.

وتستقطب كتب كراسنهوركاي خصوصا القراء في ألمانيا، حيث عاش على مدى سنوات، وفي المجر حيث يعتبر من أعظم كتاب البلاد على قيد الحياة. وسبق للناقد الأدبي جيمس وود أن قال إن كتب كراسنهوركاي كانت تُتداول “مثل العملة النادرة”. لكن هذا تغير لاحقًا.

أول ما يلفت انتباه القارئ في كتابات كراسنهوركاي هو الجمل: طويلة، متعرجة، تراجع نفسها باستمرار

اهتمامات كراسنهوركاي تتجاوز الأدب إلى السياسة إذ هو من المنتقدين الصريحين لرئيس الوزراء الهنغاري الاستبدادي فيكتور أوربان، خاصة بسبب افتقار حكومته للدعم تجاه أوكرانيا بعد الغزو الروسي. وقال في مقابلة مع Yale Review هذا العام: “كيف يمكن لبلد أن يكون محايدًا عندما يغزو الروس دولة مجاورة؟”

لكن، وفي منشور على فيسبوك، سارع رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان إلى تهنئة الكاتب، قائلًا: “فخر هنغاريا، أول فائز بجائزة نوبل من مدينة غيولا، لازلو كراسنهوركاي. تهانينا!”

ويذكر أنه لم يُتمكن من الوصول إلى كراسنهوركاي، البالغ من العمر 71 عامًا، فورًا للحصول على تعليقه، كما أنه لم يُدلِ بأي تصريح خلال الإعلان عن الجائزة.

وفي العام الماضي، مُنحت جائزة نوبل للكاتبة الكورية الجنوبية هان كانغ، التي نالت الثناء على “نثرها الشعري المكثّف الذي يواجه الصدمات التاريخية ويكشف هشاشة الحياة البشرية”.

أما جائزة عام 2023، فقد ذهبت إلى يون فوسه، الروائي والكاتب المسرحي النرويجي، الذي عبّرت “الاختزالية الجذرية في لغته وأفعاله الدرامية عن أقوى المشاعر الإنسانية من قلق وعجز، بأبسط الطرق”، حسبما قالت اللجنة. وتحمل الجائزة مكافأة مالية قدرها 11 مليون كرونة سويدية (حوالي مليون دولار أميركي).

العرب

——————————————-

لاسلو كراسناهوركاي: “أنا كاتب الفشل”!/ ميسون شقير

11 أكتوبر 2025

أعلنت الأكاديمية السويدية في ستوكهولم في نهاية الأسبوع عن فوز الكاتب المجري لاسلو كراسناهوركاي (جيولا، 71 عامًا) بجائزة نوبل في الأدب لعام 2025، وذلك لـ”عمله الآسر والرؤيوي الذي يُعيد، وسط رعب نهاية العالم، تأكيد قوة الفن”.

ويُعد كراسناهوركاي مؤرخًا عظيمًا للمجر الشيوعية وما بعدها، وهو الرسام المثالي لتلك الدولة الناقصة التي ورثت رماد إمبراطورية انهارت في القرن العشرين بجراح بالغة لشعبها، وللكون الغامض الذي أصبحت عليه تلك الأمة بعد اعتناقها الديمقراطية، وهي لا تزال تترنح.

كراسناهوركاي رجل هادئ، ودود، شغوف بالحوار، وهو بارع في أدبٍ هادئٍ يصطدم مباشرةً بإيقاع حياتنا اليوم. لذا، تُقدّر هذه الجائزة العالمية، وهي أعلى جائزة، العمق، والقدرة على التعمق، ولحظة استراحة في هذا النمط المتسارع. كما أشارت لجنة نوبل إلى أنه “كاتب ملحمي عظيم في تراث أوروبا الوسطى، يمتد من كافكا إلى توماس برنهارد، ويتميز بالعبثية والإفراط الغريب”. وأضافت أن “روايته ‘شمالًا الجبل، جنوبًا البحيرة، غربًا الطريق، شرقًا النهر’ هي قصة غامضة ذات مقاطع غنائية مؤثرة تدور أحداثها جنوب شرق كيوتو. وهي مجموعة من 17 قصة تتناول دور الجمال والإبداع الفني في عالم العمى”. وكان الكاتب المجري السابق الذي نال أعلى جائزة أدبية دولية هو إيمري كيرتيس، عام 2002.

هل ما زال هناك مجال للأدب الهادئ في عالمنا اليوم؟ كان هذا هو السؤال الذي طُرح على الكاتب الحائز على الجائزة عندما التقى بصحيفة “إل باييس” الإسبانية قبل عام في مراكش، حيث عُقدت حوارات فورمنتور في أيلول/ سبتمبر 2024. أجاب الكاتب المجري قائلًا: “لا، إطلاقًا. الحياة سريعة الوتيرة، نتلقى كمًا هائلًا من المعلومات بسرعة فائقة لدرجة أننا ننسى كل شيء. وقد أُجريت دراسات على الأطفال خلصت إلى أنهم يشعرون بالتعب وعدم القدرة على التركيز بعد نصف صفحة. هذا الأدب البطيء، وإن كان يكتسب زخمًا لاحقًا، إلا أنه مناسب لجزيرة صغيرة معزولة تمامًا عن القراء”.

في الحقيقة لقد أخطأ كراسناهوركاي، هذه المرة. فإن لم يكن له مكان في قوائم الكتب الأكثر مبيعًا، فله مكان في سماء الأدب العظيم، ذلك النوع الذي يصوّر العصور والأجيال والجغرافيا بتأثيرٍ دائم على الضمير الجمعي. ولهذا السبب، نال جائزة نوبل، تمامًا كما نال جائزة فورمنتور قبل عام.

تحت شمس مراكش، مرتديًا قبعة فاتحة اللون وملابس كتان، مازح الكاتب المجري الناس قائلًا إن قراء كتبه يتناقصون شيئًا فشيئًا، لكن “عددًا متزايدًا من الناس يعرفون اسمي، حتى لو لم يتمكنوا من نطقه”. في الواقع، نُقل عنه ذات مرة لقب “كلاشينكوف”، فأجاب: “أرجوكم أخبروهم أن هذا الكلاشينكوف خالٍ من الرصاص: رصاصاته أدبية”.

الكاتب المجري، الذي يعيش بين ترييستي وفيينا وأورث تراثه الأدبي بالكامل للمكتبة الوطنية النمساوية، قد أضاء المشهد الأدبي بشخصياته الحازمة والمستضعفة، والتي هي أيضًا مظلمة. كتابه الرئيسي هو “كآبة المقاومة” وهو جوهرة تصور عالمًا يخوض معارك خفية ضد فرض النظام واغتراب الحياة في سجل لا يتمكن أبدًا من احتضان العلاج الصحيح للحرية. عمله هو أفضل رادار لذلك العالم في وسط أوروبا الذي فشل في استقرار نفسه في شخصية مميزة ومعروفة، وقبل كل شيء، محط استحسان محيطه: المجر ما بعد الإمبراطورية، التي عانت من حربين عالميتين، انغمست في نظام شيوعي جرّ أجيالًا إلى الظلام لعقود. وصفها في ثمانينيات القرن الماضي، ورغم الديمقراطية، لا يزال يشعر بخيبة أمل تجاه بلاده: “لقد خاب أملي بالفعل في المجر عندما كنا لا نزال نعيش في ظل الشيوعية. لم يكن من المفاجئ أننا، المجريون، عاجزون عن بناء ديمقراطية. كنت أعرف المجريين جيدًا في عهد يانوش كادار، ولم أفهم قط كيف كان زملائي المثقفون من التسعينيات يعتقدون أن من قبلوا تلك الديكتاتورية قادرون على بناء ديمقراطية. في كتابي ‘كآبة المقاومة’، وصفتُ حالنا في الثمانينيات، ولم أكتب عن المجتمع الشيوعي، بل عن الناس بشكل عام، والمنظور الإنساني، ومصير لا يسع المجريين إلا أن يشكروا أنفسهم عليه”، هذا ما قاله أيضًا لصحيفة “إل باييس” قبل عام.

وأكد أن الديمقراطية لا تُجدي نفعًا، لأن المجريين، مواطنيه، “جُبناء؛ يتجنبون الصراع”. وأضاف: “لا يريدون حل المشكلات بالتواصل، بل بالهروب من المشكلة حتى يحين وقت المواجهة، وعندها يلجأون إلى العنف. إن القدرة على التواصل وقبول الرأي الآخر سمة يفتقر إليها المجريون”. وأضاف: “الآن وقد أصبح التوجه نحو اليمين المتطرف رائجًا في المجر، أصبحت الجراح التي يُلحقها الناس بأنفسهم جليةً للعيان. جروح لا تُشفى. جروح مؤلمة. إنهم يُلحقون الضرر بكرامة الآخرين. هذا هو أهم ما يفتقده هذا المجتمع: الاعتراف بكرامة الآخرين”.

أثار هذا الكتاب إعجاب جيل وعالم متعطش إلى قصص الشرق، فتقبله ببطء ولكن باهتمام خاص. وشيئًا فشيئًا، أضاف المؤلف كتبًا رائعة، حُوِّل العديد منها إلى أفلام من قِبَل بيلا تار، وهو أيضًا مجري. أحدثها هو “عودة البارون وينكهايم إلى الوطن”، وهي أطروحة ممتعة تُثير شائعات عن عصور غابرة، وصفها الناقد الراحل خوسيه ماريا جيلبينزو بأنها تتميز بـ”خيال كارثي ذي قدرة تعبيرية استثنائية لا تُقدم أي تنازلات للقارئ”.

أعرب باسيليو بالتاسار، مدير مؤسسة فورمنتور وعضو لجنة التحكيم التي منحته الجائزة التي تحمل هذا الاسم العام الماضي، عن سعادته الغامرة قائلًا: “هذه الجائزة تكريمٌ للأدب العظيم، وتاريخه، وللذكاء المعرفي لنخبة القراء. إنها تكريمٌ لأصول الخيال السردي، ولقوة الكلمة التي لا تعرف الكلل ولا الانحناء. مع لاسلو، استعاد ورثة هذه السلالة الأدبية العريقة المكانة المرموقة التي يستحقها. إنه لشرفٌ عظيمٌ أن نحتفل بهذه اللحظات”، وجاءت أقواله في سياق مقابلة مع صحيفة “إل باييس”.

في مقابلة أُجريت قبل عام في مراكش، حلل كراسناهوركاي وانتقد انجراف الولايات المتحدة والعالم اليوم نحو إيقاع إمبراطورية متفككة. وناشد الجمال في وجه الظلام: “للتواصل مع الجمال، يمكنك الذهاب إلى متحف برادو ومشاهدة لوحات غويا السوداء. وهذا أيضًا جزء من التغيير. هناك جانب قبيح، مظلم، وحشي، جاهل، وغير مثقف، سبق أن تحدثنا عنه، ولكن هناك أيضًا جانب آخر سيجبر الناس على بناء روابط فردية مع العالم بناءً على فضولهم واحتياجاتهم. هذا هو أكثر ما يمكنني قوله تفاؤلًا”. وختم حديثه قائلًا: “أنا كاتب الفشل”.

*****

تألفت لجنة تحكيم جائزة نوبل في الأدب لهذا العام من ستة أعضاء من الأكاديمية السويدية. برئاسة أندرس أولسون، البالغ من العمر 76 عامًا، وعضوية كل من إيلين ماتسون، وآن سوارد، وستيف سيم- ساندبرغ، وآنا- كارين بالم، وماتس مالم، وكانت اللجنة مُشكلة بشكل مشترك. كما سلّطت اللجنة الضوء على تأثير الفلسفة الشرقية: “ينظر الفائز الجديد بجائزة نوبل أيضًا إلى الشرق، مُتبنيًا نهجًا أكثر تأملًا ورقيًا. والنتيجة هي سلسلة من الأعمال مستوحاة من الانطباعات العميقة التي تركتها عليه رحلاته إلى الصين واليابان”.

ضفة ثالثة

—————————————

عن فيلم “تانغو الشيطان

«تانغو الشيطان»: الأدب مصورًا/ أ. فيصل التميمي

٢١ يوليو ٢٠٢٥

مقدِّمةٌ لا بدَّ منها:

«الحرب والسلم»، «الإخوة كارامازوف»، «يوليسيس»، «المسخ»، و«دون كيخوته»… قد يكونُ العامل المشترك بين أهمِّ أعمالِ الأدب العالميِّ هو افتقارها إلى اقتباسٍ سينمائيٍّ بعظمة الأصل الروائي. نميلُ لاشعوريًا إلى التعامل مع الفيلم كبديلٍ مصوَّرٍ للرواية، فكلا الوسطين يقدِّمان قصصًا طويلةً وأكثر تعقيدًا من أيِّ وسطٍ فنيٍّ آخر، لكن يكادُ يكون هذا هو التشابه الوحيد. إنَّ الفروقات بين الفيلم والرواية فروقاتٌ جوهريَّةٌ في أدوات حكاية القصَّة. في العمل الإبداعي، لا تهمُّ الأحداث في قصَّةٍ معيَّنةٍ بقدرِ ما يهمُّ الأسلوب الذي حُكيَت به. ولأنَّ الأدوات الفنيَّة تختلف في حكاية القصَّة الواحدة، نجدُ أنَّ أفضل ما يقدِّمه كلُّ وسطٍ فنيٍّ غير قابلٍ للنقل إلى أوساطٍ أخرى، لأنَّ قمَّة كلِّ وسطٍ فنيٍّ تتجلى في التطويع الأفضل لأدوات هذا الوسط، وفي إيجاد لغةٍ جديدةٍ داخله.

لا يوجد اقتباسٌ سينمائيٌّ يمكنه نقلُ مشاعر آندريه في «الحرب والسلم» وهو ملقى في أرض المعركة مفكِّرًا في عبثيَّتها، أو في صراعات إيفان كارامازوف الداخليَّة لفهم الدين والعالم، فلِوَصف غرفةٍ داخليَّةٍ باستفاضةٍ تحتاج روايةٌ إلى صفحتين كاملتين أحيانًا، في حين يمكن تصويرها في مشهدٍ فيلمي طوله ثانيتين. هذا الاختلاف في طريقة إيصال المحتوى يؤدِّي إلى تولُّد مشاعرَ مختلفةٍ لدى المتلقي. بينما تولي الرواية اهتمامًا خاصًا بالوصف، يميلُ الفيلم إلى التركيز على الحدث معتمدًا على التأثير اللحظي للصورة في توليد المشهد. ماذا ينشأ عن هذا الاختلاف؟ تمنحُ المساحة الواسعة للوصف الرواية هامشًا أكبر من الحريَّة في تناول تفاصيل محوريَّة في شخصيَّاتها بالمقارنة مع الفيلم.

لماذا هذه المقدِّمة الطويلة عن الفيلم والرواية قبل الحديث عن الفيلم الذي أتناوله هنا، أي «تانغو الشيطان» (Sátántangó – 1994)؟ لأنَّ هذا الفيلم هو النموذج المثالي لفيلمٍ يُقدَّم بأسلوب روائي، لذلك أجده أكثر فيلم مقتبَس من رواية كمالًا على الإطلاق. لا يُعتبرُ نجاح الفيلم في نقل الرواية مستغربًا، ذلك لسببين: أوَّلهما مساهمة لاسلو كراسناهوركاي مؤلف الرواية في كتابة نص الفيلم (هذا يذكرني بالتعاون الناجح بين كوبو آبي وهيروشي تيشيغاهارا في «امرأة في الرمال» (Woman in the Dunes – 1964) و«وجه الآخر» (The Face of Another – 1966))، وتعاوَنَ لاسلو أيضًا مع بيلا تار في اقتباس روايات أخرى له كما في كتابة نصوص أصلية كـ«حصان تورينو» (The Turin Horse – 2011)؛ وثانيهما هو مناسبة أسلوب بيلا تار للاقتباسات الأدبية، بمَشاهده الطويلة التي تتمرَّد على التقليد الدارج في السينما والذي يقوم على تقديم المحتوى السريع القابل للاستهلاك من أوساط أكبر.

عن الأسلوب:

يحتوي الفيلم الذي يبلغ طوله ثماني ساعات على 156 مشهدًا فقط، ومتوسط طول اللقطة الواحدة هو ثلاث دقائق، في حين يبلغ متوسط طول اللقطة الواحدة في أفلام هوليوود ثلاث ثوانٍ فقط، أي أنَّ كلَّ لقطةٍ في الفيلم هي أطولُ بستِّين مرَّةٍ من اللقطات المعتادة في الأفلام1، بالإضافة إلى تناسبِ هذا الأسلوب مع نقل روح الرواية في تصوير الشخصيَّات والتفاصيل الحياتيَّة، فهو أيضًا يتلاءم مع طبيعة الشخصيَّات، حيثُ يصوِّرُ الفيلم مجموعةً من الشخصيَّات القرويَّة العالقة في منطقةٍ معزولةٍ عن الحضارة وخارج عجلة الزمن. في السينما التقليدية توجدُ تقنيَّاتٌ مختلفةٌ للتجسيد البصري للتفاصيل المتعلِّقة بشخصيَّات الفيلم (إمَّا عن طريق المونتاج وإضافة لقطاتٍ مكبَّرةٍ سريعة، أو باستعمال زوايا تصويرٍ معينة). في «تانغو الشيطان» (وفي أعمال بيلا تار الأخرى) تقدَّم هذه التفاصيل بصريًا بتنويعاتٍ مختلفة، لكنَّها دائمًا ما تتَّبع نمطًا واحدًا: تطوُّرٌ بطيءٌ لمنظرٍ بصريٍّ يجسِّدُ القصَّةَ كاملةً بلا كلمات، فعادةً ما تنطلقُ الكاميرا من نقطةٍ معيَّنةٍ حيث تركِّزُ على شخصيَّةٍ أو موضوع، ثمَّ تتحرَّك بشكلٍ بطيءٍ داخل المساحة الخاصَّة بالشخصيَّات كي تجسِّد للمُشاهد اللوحة الكاملة لعالمها. يعاملُ بيلا تار  الكاميرا في أفلامه كفرشاة، بالمعنى الحرفي للكلمة.

وهكذا، في كلِّ مشهدٍ من المشاهد الطويلة في الفيلم، يُرسَم كلُّ تفصيلٍ يجسِّدُ نفسيَّة وتاريخ كلِّ شخصيَّة، وتاريخ المكان بالأخص، لكن ليس هذا وحده ما يجعل الفيلم مميزًا، إذ تعمل اللوحات المتفرِّقة (التي تتمثَّل في مشاهد طويلة للغاية) كقطعٍ صغيرةٍ في فسيفساء الفيلم. تصوِّرُ كثيرٌ من المَشاهد وجهةَ نظر إحدى شخصيَّات الفيلم (أو مراقب خارجي)، وفي أجزاء مختلفة من الفيلم نرى عودة إلى تصوير الحدث نفسه من وجهةِ نظرٍ شخصيَّةٍ أخرى. يلعب الفيلم كثيرًا على وتر التنويعات في وجهات النظر في كلِّ مشهد. في أحيانٍ معيَّنةٍ نجدُ تغييراتٍ صغيرةٍ في كيفيَّة تصوير المشهد (وحتى في الحوارات داخله) عندما يتمُّ تصويره من أكثر من وجهة نظر. في أحد المشاهد يغادر القرويون القرية تاركين خلفهم صاحب الحانة الذي يصرخ تجاههم مطلقًا شتيمة. عندما تصوَّرُ نفس اللقطة لاحقًا في الفيلم من وجهة نظر صاحب الحانة وهو يشاهد القرويين يرحلون، يتغيَّر النص حيث تتكرَّر الشتيمة مراتٍ عديدةٍ ويستمرُ المشهد لفترةٍ أطول. إنَّ وَقعَ الموقف أشدُّ مرارةً على المتروك مقارنة بالراحلين.

أحد الفصول الأجمل في الفيلم هو الفصل الذي يصوِّرُ شخصيَّة طبيب القرية، والذي يبدو خاليًا من الأحداث لكنَّه واحدٌ من أهمِّ التجليات الأسلوبيَّة في الفيلم. يبدأ هذا الفصل بلقطةٍ طويلةٍ تُصوَّر من منظارٍ مكبِّرٍ حيث نشاهد ما يحدث في المنزل المقابل (بعد عرض تفاصيل الأحداث من وجهة نظر شخصيَّات المنزل في الفصل السابق) ثمَّ تنتقل العدسة المكبِّرة لتفحصَ كلَّ تفصيلٍ في القرية. هذه اللقطة الاستهلاليَّة تصوِّر العالم كما تراه الشخصيَّة التي سيتناولها الفصل وهوسها المرضي بالمراقبة والإحاطة بكلِّ تفاصيل المكان. تنتهي اللقطة بمشهدٍ مُقرَّب على وجه الطبيب. يُخرج دفاتره ويبدأ مهمَّته اليومية بتدوين تفاصيل تحرُّكات سكان القرية وتحليل نواياهم وأفكارهم. نكتشف لاحقًا أنَّ الطبيب يقضي فتراتٍ طويلةٍ تصل إلى الأسابيع دون أن يغادر منزله، مكتفيًا بمطالعة كتب الفلك والتاريخ وتدوين كلَّ تفصيلٍ يمكن أن يراه من نافذته. نجده أيضًا يُخرج دفترًا ويبدأ برسمِ المشهد الخارجي، المشهد الذي لا بدَّ أنَّه رآه لآلاف المرات في حياته. لا نعرف ما سرُّ هذا الهوس العبثي بتدوينِ كلِّ شيءٍ في مكان قد يكون الأكثر مللًا في العالم، ولكن أليست الحياة في «تانغو الشيطان» عبثيَّة بمجملها؟ يختتم الطبيب تدوينه ليوميات الشخصيَّات في المنزل المقابل بقوله: «هم سيموتون على أيِّ حال، وأنت أيضًا يا فوتاكي ستموت». لا عجب أن كثيرًا من النقاد يقارنون «تانغو الشيطان» بعمل صامويل بيكيت «في انتظار جودو»، فالشخصيات هنا عالقةٌ أيضًا في دوَّامتها الخاصة بانتظار قدوم شيءٍ قد يضفي على حياتهم معنىً ما.

في اللقطة المقربة لوجه الطبيب تنتقل الكاميرا على زوايا مكتبه، أعقاب السجائر المتراكمة وزجاجة الشراب التي يتناولها بِنَهَم. تنتقل الكاميرا ببطء إلى ما هو خلف الطبيب. نشاهده جالسًا أمام النافذة، في حين تنسحب الكاميرا أكثر إلى داخل المنزل لتنكشف التفاصيل شيئًا فشيئًا. ندخل إلى عالم الطبيب في حين تنتقل الكاميرا لرسم تفاصيل منزل إنسانٍ وحيد، مكتئبٍ ومهووس. ننتقل مع الطبيب وهو يغادر مكتبه بصعوبة، نسير معه عبر منزله المتداعي والقذر، يتوقَّف أمام أكوامٍ من الدفاتر المتراكمة ويُخرج دفترين منها، يقارن رسمه الحالي للمشهد برسوماته السابقة ثمَّ يعود للمراقبة والتدوين. في اللقطتين اللاحقتين نرى الكاميرا تصوِّر الشخصيَّة من اليسار أولًا ثم من اليمين، وذلك باتِّباع التقنيَّة نفسها (الحركة البطيئة والمستقيمة باتِّجاه الشخصيَّة أو بعيدًا عنها). عندما يسقط الطبيب على الأرض نتيجةً لاعتلال صحَّته (لأسباب واضحة!) تركِّز الكاميرا على وجهه وهو ملقىً على الأرض: تنتقل ببطءٍ بالحركة الأفقيَّة نفسها على طول جسدِ الطبيب من رأسه حتى قدميه، وبعد جولة مطوَّلة في منزل الطبيب تأخذنا الكاميرا إلى جولة في جسده. تعمل هذه اللقطات الأفقيَّة البطيئة على تقديم رؤيةٍ متمهِّلة وفاحصة للعالم، وتُروى قصَّةٌ كاملةٌ باستعمال الصور فحسب، بلا حواراتٍ ولا راوٍ لشرح التفاصيل للمُشاهد. تنتقل الكاميرا بين تفاصيلِ كلِّ حياةٍ ببطء وحذر؛ الكاميرا هنا هي فرشاة الرسَّام أو قلم الروائي الذي يرسم كلَّ جزءٍ ببطءٍ حتى تكتمل الصورة الكاملة.

هذا الفصل هو نموذج للرؤية العامة في «تانغو الشيطان». لفهم شخصيَّة معيَّنة، يجب أن نراها من زوايا مختلفة حتى تكتمل الصورة، والحال نفسه عند مقاربة مجتمعٍ بأكمله. من خلال تصوير المشاهد من وجهات نظر مختلفةٍ نجدُ أنفسنا أمام عالمٍ مركَّب تتضافرُ جوانب كثيرةٌ لتشكيله، عالمٌ لا يمكن فهمه أو تبسيطه حتى في أكثر المجتمعات بدائيَّةً وانعزالًا (كالقرية التي يصوِّرها الفيلم). الظريف هو أنَّ الفيلم ينتهي بتقريرٍ حكوميٍّ مكتوبٍ على يد المسيح المنتظر في الفيلم -إرمياس- الذي ترقص الشخصيَّات على «تانغو الشيطان» في انتظار عودته إليهم وتخليصهم من ضياعهم. في تقريره، يكتب إرمياس تحليلًا لكل شخصيَّة من شخصيَّات القرية ومدى «فائدتها» للسلطة أو تهديدها لها. يُلاحظُ أنَّ التقرير مكتوبٌ بصيغةٍ أدبيَّةٍ وشاعريَّة، مما يثير ضحكَ ضبَّاط المخابرات الذين يشطبون كل كلمةٍ من التقرير «غير الاحترافي»، مكتفين بأوصافٍ مُقتضَبة: «شخصٌ أبله ذو عينين بليدتين». وهكذا فإنَّ الرؤية المركبة التي يقدِّمها الفيلم تَستبدل بها السلطةُ تقريرًا لا يتجاوز بضع كلماتٍ لتلخيص حياة كلِّ شخصية.

يمثِّلُ «تانغو الشيطان» هجاءً للسلطة الشيوعيَّة في المَجَر في النصف الثاني من القرن العشرين، لجاسوسيتها وللمستوى المادي والاجتماعي المتدني تحت حكمها، فالشخصيَّات المعزولة عن العالم الخارجي والعالقة في تكرارٍ رتيبٍ ودائرةٍ لا يمكن الخروج منها تمثِّل حالة بلدٍ بأكمله. لكنَّه أيضًا عملٌ يتجاوز ذلك بكثير: يمكنُ لكلِّ لقطةٍ في الفيلم أن تكون صورةً فوتوغرافيَّة، وكلُّ شخصيَّةٍ فيه تستحقُ اهتمامًا خاصًا. شاهدتُ الفيلم للمرة الأولى مراهِقًا وفتنني دون أن أعرف لماذا (حينها كتبتُ عنه مراجعة أتمنى أن تكون قد مُحيت من الإنترنت)، وأعدتُ مشاهدته بعدها بعشر سنوات فأذهلني. أليس هذا هو معيار عظمة الأعمال الفنيَّة؟ أن تترك أثرًا أعمق في كلِّ مرَّةٍ تعودُ إليها؟

الهوامش:

    ‘Orders of Time and Motion’ Bela Tarr’s Satantango

—————————–

 لازلو كراسناهوركاي يحصد نوبل للأدب: روائي كآبة المقاومة

الخميس 2025/10/09

أعلنت الأكاديمية الأسوجية، اليوم الخميس، فوز الكاتب المجري لازلو كراسناهوركاي بجائزة نوبل في الأدب للعام 2025، “لأعماله الآسرة والرؤيوية التي تُعيد، في خضم رعب نهاية العالم، تأكيد قوة الفن”. وأضافت الأكاديمية في بيانٍ لها: “لازلو كراسناهوركاي كاتب ملحمي عظيم في تراث أوروبا الوسطى، يمتد من كافكا إلى توماس برنهارد، ويتميز بالعبثية والإفراط الغريب”. وقالت: “لكن لديه جوانب أخرى، وهو يتطلع أيضًا إلى الشرق بتبنيه لهجة أكثر تأملًا ودقة”.

يُعتبر اسم لاسلو كراسناهوركاي جديدًا بعض الشيء أو نسبياً على القارئ العربي، مع أن بعض أعماله ترجمت إلى العربية لدى دار التنوير منها “كآبة المقاومة” و”تانغو الخراب”، لم تأخذ حيزاً في النقد والقراءات الصحفية، بالرغم من مكانة لازلو كراسناهوركاي الأدبية الراسخة عالميًا، فهو نال جائزة بوكر الدولية، ومن المرشحين لنوبل، وأعماله كسيناريست مُحترف قدم للسينما روائع كبيرة، بالاشتراك مع مواطنه المجري بيلا تار، أبرزها “تانغو الشيطان”، عن روايته “تانغو الخراب”، وتعتبر تحفة أدبية سوداوية الطابع تدور أحداثها في قرية معزولة على مدى بضعة أيام ماطرة. قلة قليلة من السكان تبقى في هذه القرية البائسة. مخططاتهم الفاشلة، وخياناتهم، وانكساراتهم، وأحلامهم الضائعة. رقصوا رقصة الموت… ودخل إلى عالمهم شخص أوهمهم أنه مخلّصهم. تتميز هذه الرواية بالوصف الدقيق والمفصَّل لشرح أفكار الشخصيات وأفعالها للقارئ، فندخل بهذا إلى عقول أولئك الأشخاص، ليس فقط بالاستماع إلى كلامهم؛ بل أيضًا بقراءة أفكارهم، حتى إن كانت أفكارًا غير منطقية.

أما الفيلم الآخر فهو “تناغمات فيركمايستير”، عن رواية “كآبة المُقاومة” التي قيل إنها “تماثل ما نراه في أرواح ميتة لغوغول، وتتجاوز أشواطًا كل ما تتناوله الكتابات المعاصرة”. رواية سوريالية لها مكانة فاصلة في عالم الأدب، تصوّر سلسلة حوادث غامضة في مدينة صغيرة في هنغاريا. يصل إلى المدينة سيرك يعرض حوتًا محنطًا هو الأكبر في العالم، فيثير وصوله شائعات عجيبة. تسري أقاويل تزعم أن للعاملين في السيرك غاية سرية خفية، فيتشبث السكان المذعورون بأى شكل للنظام يستطيعون العثور عليه. في الرواية شخصيات يصعب نسيانها: السيدة إيزتر الشريرة التي تهدف إلى الاستيلاء على مقاليد الأمور في المدينة، وزوجها الضعيف؛ وفالوسكا، بطلنا ذو الحظ العاثر صاحب الرأس السابح بين الغيوم، المركز الهش المؤلم في الرواية كلها، الشخص النقي الوحيد ذو الروح النبيلة.

 وُلد كراسناهوركاي، ثاني مجري يفوز بالجائزة، التي تمنحها الأكاديمية السويدية، بعد إمري كيرتيش في العام 2002. في بلدة جيولا الصغيرة جنوب شرق المجر، قبل عامين من دخول القوات السوفياتية إلى بودابست. درس الحقوق واللغة المجرية وآدابها، وبعد تخرجه عمل صحافيًا وناقدًا أدبيًا لفترة قبل مُغادرته المجر في العام 1987، ليُقيم في برلين الغربية لفترات طويلة. كما تنقل بين عدة دول، منها منغوليا والصين واليابان، وأميركا واليونان وإسبانيا، قبل عودته مؤخرًا للاستقرار في بلده. وقد تأثرت نشأة لاسلو بفترة الاضطرابات السياسية والاجتماعية التي عصفت بأوروبا الشرقية، وفترة الحُكم الشيوعي، ثم انهيار الشيوعية، وقد تجلى هذا بشدة في كتاباته. واستلهم لاحقًا من شرق آسيا – وخاصةً منغوليا والصين – لأعمال مثل “سجين أورغا” و”الدمار والأسى تحت السماء”. أثناء عمله على “الحرب والحرب”، سافر على نطاق واسع في أنحاء أوروبا، وأقام لفترة في شقة ألين غينسبيرغ في نيويورك، واصفًا دعم شاعر “البيت” الأسطوري بأنه عامل حاسم في إكمال الرواية.

أما روايته الرائدة “ساتانتانغو” فولدت في العام ١٩٨٥، في منطقة ريفية نائية مشابهة، وحققت نجاحًا أدبيًا كبيرًا في المجر. وصرحت الأكاديمية أنها: “تُصوّر الرواية، بعباراتٍ مُوحيةٍ للغاية، مجموعةً من السكان المُعدمين في مزرعة جماعية مهجورة في الريف المجري، قبيل سقوط الشيوعية”.

يُوصف كراسناهوركاي غالبًا بأنه من رواد ما بعد الحداثة، وهو معروفٌ بجمله الطويلة والمعقدة، ومواضيعه الديستوبية والكئيبة، وشدته التي لا تلين، مما دفع النقاد إلى مقارنته بغوغول وميلفيل وكافكا. وصفت سوزان سونتاغ الكاتب بأنه “أستاذ أدب نهاية العالم المجري المعاصر”، في حين أشاد دبليو جي سيبالد بعالمية رؤيته. كتب الناقد الأدبي جيمس وود ذات مرة أن كتبه “تُتداول كالعملات النادرة”.

———————————-

لاسلو كراسناهوركاي.. نوبل تختار كاتب نهاية العالم

09 أكتوبر 2025

عُرف الكاتب الهنغاري، لاسلو كراسناهوركاي، الذي أعلنت الأكاديمية السويدية، اليوم الخميس، فوزه بجائزة نوبل للآداب لعام 2025، إنسانياً بلباسه الأسود الدائم، وأدبياً بأسلوبه السردي الكثيف والدوّار، حيث تمتد جمله على صفحات طويلة بلا توقف، كما لو كان يملي على القارئ نَفَساً واحداً في مواجهة نهاية العالم.

في هذا النفس الطويل، تنكشف رؤية أدبية تجعل من الرعب والخواء فعلاً جمالياً، ومن الأدب خلاصاً مؤقتاً في مواجهة العدم والرؤية العبثية. لهذا السبب تحديداً، قررت الأكاديمية السويدية منحه جائزة نوبل للآداب لهذا العام، لأن “عمله الآسر والرؤيوي يؤكد من جديد قوة الفن”، فهو، كما جاء على لسان لجنة نوبل “كاتبٌ ملحميٌّ عظيم ينتمي إلى التقاليد الأدبية لمركز أوروبا، الممتدة من كافكا إلى توماس برنهارد، وتتميز بالعبثية والمبالغة الغروتسكية”.

وُلد كراسناهوركاي عام 1954 في مدينة جيولا الهنغارية، لأسرة يهودية من الطبقة البرجوازية، وبدأ مسيرته الأدبية منتصف الثمانينيات بروايته الشهيرة “تانغو شيطاني”، التي سرعان ما وضعته في مصاف كبار الأدباء في أوروبا الشرقية. لاحقاً توالت أعماله مثل “كآبة المقاومة” (صدرت النسختان العربيّتان للروايتين عن دار التنوير بترجمة الحارث النبهان) وغيرها من الأعمال التي حددت موقفه من الكتابة والأدب والثقافة بشكل عام، خصوصاً في عالم يعيش في سباق محموم من المعلومات والتسارع.

تدور أحداث روايته “تانغو شيطاني” (صدرت الترجمة العربية بعنوان “تانغو خرابي”) في قرية مجرية موحلة ومنسية، حيث يعيش مجموعة من البشر المنهارين في عزلة خانقة، إلى أن يظهر رجل غامض يوهمهم بالخلاص. تتحول القصة إلى رقصة شيطانية بين الأمل والخداع، بين الإيمان بالمعجزة والانهيار النهائي.

أما في روايته “كآبة المقاومة”؛ التي تُعتبر أبرز أعماله وأكثرها شهرة عالمياً، فيروي لنا عن مدينة هنغارية صغيرة، يصل إليها سيرك غريب، ترافقه جثة حوت عملاق، فتبدأ الفوضى بالتحرك في أعماق السكان. خلف هذا السرد الرمزي تختبئ رؤية فلسفية مريرة عن السلطة والجماهير والخضوع. يقول الكاتب عن هذه الرواية إنه “كتبها لا عن الشيوعية وحدها، بل عن الطبيعة البشرية ذاتها: العجز عن الحرية والخوف من المسؤولية. إنها رواية تكشف كيف يمكن لجماعة بشرية أن تستسلم للجنون الجماعي، وهي في جوهرها تأمل في المصير الأوروبي بعد انهيار الأيديولوجيات”.

إلى جانب هذه القضايا الكبرى التي يعالجها الكاتب في أعماله، والتي يقول هو نفسه عنها إنها تنتمي إلى “الأدب البطيء”، الأدب الذي يتنفس على مهل، ويتعمّق حتى الجذور في التجربة الإنسانية، لم يتوقف صاحب “حرب وحرب” عن نقد بلده، بل إنه يعيش خيبة أمل كبرى فيه منذ زمن الشيوعية، ولم يُفاجأ بعجز بلاده عن بناء ديمقراطية حقيقية. يرى أنها اليوم تعاني من انغلاقٍ وجبنٍ جماعي. يقول: “نحن نتجنب الصراع، نهرب من المواجهة حتى تنفجر الأوضاع بعنف. ما ينقصنا هو القدرة على الحوار والاعتراف بكرامة الآخر”.

لكن هذه الأزمة التي تعيشها بلاده ليست هنغارية. إنها ظاهرة عالمية. فحتى أميركا، بالنسبة له، فقدت مثاليّتها، وتحوّل العجز إلى غضب، فصعدت الشعبوية، لا بسبب زعيم واحد، بل بسبب الناس أنفسهم الذين تحوّلوا.

هذا تحديداً ما يعالجه في روايته “حرب وحرب”، التي تتبع موظفاً بسيطاً، يكتشف مخطوطاً غامضاً ويقرر أن يخلّده عبر الإنترنت قبل أن ينهي حياته. هنا ينتقل الكاتب من القرية المحلية إلى القرية العالمية، باحثاً عن الخلود في زمن الرقمنة والعبث.

في روايته “البارون وينكهايم يعود إلى الوطن”، وبمزيج من السخرية واليأس، والفلسفة والتاريخ، يروي قصة نبيل هنغاري يعود منفياً إلى بلدته بعد سنوات، فيُستقبل كمخلّص روحي، لكنه سرعان ما يصبح رمزاً للخديعة الجماعية والانهيار الأخلاقي. أما في “إلى الشمال الجبل، إلى الجنوب البحيرة، إلى الغرب الطريق، إلى الشرق النهر” (2003)، فيستلهم رحلاته في اليابان وتأثّره بالثقافة الشرقية والفنغ شوي، ويحكي عن سعي رجل إلى حديقة أسطورية يابانية تمثل الجمال الكامل والسكينة المطلقة، في عمل قصير يُظهر الوجه التأملي من الكاتب، الذي وجد في الشرق توازناً لما يراه من اضطراب في الغرب.

بهذه الروايات وغيرها، والتي يتقاطع فيها مع كافكا في العبث واليأس، ومع توماس برنهارد في السخرية السوداء، ومع الأدب الشرقي في التأمل الهادئ والرغبة في الفهم، يفوز الهنغاري بجائزة نوبل للآداب لعام 2025، لأنه أعاد للكتابة دورها الأصلي: أن تجعلنا نرى العالم كما لو أننا نراه للمرة الأولى، ببطءٍ ودهشة وصدق. فالإبداع، كما يرى كراسناهوركاي لم يعد يقود المجتمع كما في مطلع القرن العشرين، بل تحوّل إلى سلعة، لكن مع ذلك ثمة هامش من الأمل “لروابط فردية مع الجمال، مع المعرفة، مع العالم”.

يردد الكاتب المجري دائماً في لقاءاته الصحافية القليلة أنَّ الناس كثيراً ما يخطئون في نطق اسمه، فيسمّونه أحياناً “كلاشنيكوف”، ويعلّق على ذلك مازحاً “قولوا لهم لا توجد رصاصة في هذا الكلاشنيكوف. إن رصاصي أدبي لا غير”. بعد نوبل للآداب، لن يخطئ أحد اسمه، خصوصاً دور النشر.

العربي الجديد

—————————–

ازلو كراسناهوركاي: «نوبل» لسيد الأبوكاليبس!/ محمد ناصر الدين

الجمعة 10 تشرين اول 2025

تُوّج الكاتب المجري بجائزة «نوبل »‏ للآداب أمس، تقديراً لأسلوبه «الملحمي والرؤيوي» المستلهم من تقاليد أوروبا الشرقية الممتدة من كافكا إلى برنهارد. اشتهر بأجوائه الأبوكاليبتية والديستوبية، وبقدرته على تحويل القلق الإنساني إلى ملحمة أدبية تتأرجح بين العبث والرؤية الفلسفية، مثبتاً حضور الأدب المجري عالمياً

لحظات مشحونة بالغموض والتكهنات سبقت إعلان الأكاديمية السويدية أمس عن اسم الفائز بجائزة «نوبل» للآداب لعام 2025، إذ انشغلت الأوساط الأدبية بترجيح الأسماء حتى اللحظة الأخيرة، مترددة بين الروماني ميرسيا كرتاريسكو، والأسترالي جيرالد مورنان، والهندي أميتاف غوش، والمجري لازلو كراسناهوركاي، مع حضور دائم للشاعر العربي أدونيس ضمن قائمة المرشحين الذكور للجائزة في ظل عُرف اعتمدته الأكاديمية منذ الفضيحتين المالية والجنسية سنة 2018، ويقضي بالتناوب في توزيع الجائزة بين الجنسين.

كاتب ملحمي

مع ذلك، لم يخلُ المشهد من رهانات على أسماء نسائية بارزة مثل المكسيكية كريستينا ريفيرا غارثا، والكندية آن كارسون، والصينية كان شو. ما لبثت الأكاديمية في الواحدة من ظهر الأمس (الأربعاء) أن أعلنت اسم الفائز، وهو المجري لازلو كراسناهوركاي الذي وصفته لجنة الجائزة بأنه «كاتب ملحمي كبير يستلهم من تقليد شرق أوروبا الممتد من كافكا إلى توماس برنهارد»، ويتميز قلمه بـ«العبثية والمبالغة الغرائبية» في خدمة «عمل رؤيوي ومقنع، يعيد وسط الرعب الأبوكاليبتي التأكيد على قوة الفن».

بهذا التتويج، يصبح كراسناهوركاي ثاني كاتب مجري يحصل على «نوبل»، بعد صديقه إيمري كيرتيش عام 2002، هو الذي ترجمت اثنتان من رواياته إلى العربية وهما «تانغو الخراب» (2016) و «كآبة المقاومة» (2020) عن «دار التنوير».

من الريف المجري إلى العالمية

ولد كراسناهوركاي عام 1954 في غيولا، قرب الحدود الرومانية في ترانسيلفانيا، في أسرة من رجال القانون صُنفت «برجوازية»، وبالتالي لا ينظر إليها بعين الرضا من قبل السلطة الحاكمة.

لم يغادر المجر إلا عام 1987 متجهاً إلى برلين، وقد قاده سقوط الجدار الحديدي إلى السفر عبر أنحاء العالم. خلال تسعينيات القرن الماضي، أقام فترات طويلة في آسيا، مضاعفاً مصادر اهتمامه وإلهامه، إذ سيكتب لاحقاً رواية مستلهمة من التاريخ الياباني في القرون الوسطى.

بعد سنوات من الترحال، استقرّ لفترة في ترييستي (إيطاليا) هرباً من الأجواء الشعبوية التي خلقها نظام رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان. البيئة المجرية الريفية تركت بصمتها الأولى على أدبه، إذ اتخذ من قرية بائسة في هذا الريف مسرحاً لروايته البكر «تانغو الشيطان» (1985) وصوّر مخططات أهلها الفاشلة وانكساراتهم وخياناتهم ودخول شخص إلى حياتهم على صورة مخلّص يقودهم في آخر المطاف إلى نهاية مأساوية.

الرواية التي أثارت ضجة كبيرة في المجر فور صدورها سرعان ما أدخلت صاحبها إلى صفوف الكبار، لا سيما بعدما اقتبسها المخرج المجري الشهير بيلا تار إلى السينما عام 1994 في عمل ملحمي استمر سبع ساعات، ليعزّز من مكانة كاتبها على الخريطة الأدبية لأوروبا الوسطى ويدفع بها قدماً نحو العالمية.

عالم غريب وقلق

منذ ذلك الحين، نسج كراسناهوركاي عالماً أدبياً غريباً وقلقاً، تتقاطع فيه عناصر الفانتازيا المرعبة، والأجواء الأبوكاليبتية، والمناخات الملحمية، مع جرعات من الغرابة والديستوبية.

من بين أبرز أعماله رواية «حرب وحرب» (1999) التي تدور أحداثها بين بودابست ونيويورك، وتُصنّف كنص يحمل رؤية أخروية متشائمة يمهّد لعمله الضخم «عودة البارون فينكهايم» (2016)، حيث يعيد تشكيل صورة «الأبله» لدى دوستويفسكي على هيئة بارون مفلس مهووس بالقمار يعود إلى المجر بعد منفى أرجنتيني.

أدب سوداوي بتقاطعات كونية

رغم أنّ بدايات أعمال كراسناهوركاي انطلقت من البيئة المجرية المحلية، إلا أنّه من المجحف حصر عالمه السردي في التاريخ الاجتماعي والثقافي المعاصر لشرق القارة العجوز.

فالكاتب المعارض للمجتمع الشيوعي كما لـ«عالم ما بعده»، الذي تداول القراء كتاباته الأولى عبر «الساميزدات» (النشر السرّي)، يرفض أن يُختزَل أدبه بأنه حامل «الروح القومية» أو بميلانخوليا السهوب المجرية.

لا يلبث المتابع لكتاباته أن يكتشف أرخبيلات تتقاطع مع الأدب العالمي، فهو قارئ نهم لـكافكا منذ طفولته، ولـغوغول وبيكيت، وأساساً لـملفيل الذي شبَّهته به المفكرة الأميركية سوزان سونتاغ (1933-2004) باكراً، واصفةً إياه بأنه «سيد الأبوكاليبس»، وهي عبارة لطالما وصفه بها النقاد.

هذه التقاطعات تظهر في أكثر من عمل لكراسناهوركاي، إذ يجعل من رواية أعمال صغيرة من أجل قصّر موضوعاً لشخصية مهووسة بمؤلف موبي ديك، تبحث في مانهاتن عن كل أثر لـهرمان ملفيل. وليس من سبيل المصادفة أنّ روايته «حرب وحرب» (1999) كان قد كتبها في مانهاتن أيضاً، في شقة صديقه الشاعر الأميركي ألن غينسبرغ.

خيط أريان الذي يمكن تتبعه في رواياته كافة هو سوداويتها، فإحساس النهاية الوشيكة يتنافس فيها مع غياب الأمل، والدستوبيا، وعبثية أدبيات الخلاص سواء كانت لاهوتية أم علمانية: «الإنسان وحش»، هكذا يردد دائماً، في معارضة متعمّدة للبيت الشهير في مسرحية «أنتيغون» لسوفوكليس: ليس هناك أعظم عجيبة من الإنسان.

مع ذلك، رفض كراسناهوركاي دائماً ما يسمّيه «الكتابة التعليمية»، مفضلاً أن يترك للقارئ مهمة العثور بنفسه على الخيط السردي اللاقط داخل «التدفق البطيء للحمم» الذي يميّز نثره.

بفضل عمله الدائم على اللغة وبنية السرد، ساعياً إلى كسر الأنثروبو-مركزية التي تطبع – برأيه – الرواية الغربية المتشبثة بالسارد وذوات الشخصيات، نجا كراسناهوركاي من السقوط في فخ الشكلية أو التكلّف، فجُمله ومونولوجاته قد تمتد مئات الصفحات كما في روايته «كآبة المقاومة » وتظل قادرة على شد القارئ وإغراقه في إيقاع محسوب بإتقان، يشبه مقطوعة موسيقية لبّاخ (الموسيقى المفضلة عند هذا الروائي المجري). رغم ولعه بالجاز والروك، يرى أنّ الموسيقى في انحدار منذ العصر الباروكي.

مع نيله جائزة «نوبل»، يتوّج لازلو كراسناهوركاي مسيرةً طويلةً من الكتابة التي تمزج بين التجريب الفني والقلق الوجودي، وتعيد وضع الأدب المجري في صدارة المشهد العالمي.

————————————————

لمشاهدة فيلم تانغو الخراب اتبع الرابط التالي الترجمة للانكليزية

https://archive.org/details/satantangosub

—————————————–

لتحميل روايات الكاتب “لازلو كراسناهوركاي”: “تانغو الخراب” و “كآبة المقاومة”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى