انتخابات مجلس الشعبتاريخ

صفحات من تاريخ البرلمان السوري/ حسام جزماتي

 

2025.10.06

دأب الباحثون على تأريخ بداية الحياة النيابية والتشريعية في البلاد بانعقاد المؤتمر السوري الأوّل في عام 1919، والذي ضم شخصيات من عموم بلاد الشام؛ سوريا الحالية ولبنان وفلسطين وشرقي الأردن.

وكانت أبرز نتائجه الإعلان عن استقلال البلاد السورية عن الحكم العثماني، ومبايعة فيصل بن الحسين ملكاً دستورياً عليها، ووضع دستور مؤقت لها.

لكن ذلك المشروع قوطع بدخول القوات الفرنسية المنتدِبة لتنفذ اتفاقية سايكس بيكو، مفتتحة عهداً من الصراع بين المجالس النيابية السورية وبين المفوضين الساميين الذين كثيراً ما عمدوا إلى حل هذا المجلس أو تعطيل عمل ذاك بسبب توجه عموم النواب إلى المطالبة بالاستقلال، مدعومين بالثورات المسلحة أو بالمظاهرات والإضرابات.

وبحكم طبيعة المرحلة غلبت على عضوية المجلس النيابي فئة الأعيان، سواء في المدن الكبيرة كدمشق وحلب وحمص حيث أسسوا “الكتلة الوطنية” لتعبّر عن تطلعاتهم، أو من يناظرهم من أبناء العائلات المشتهرة والزعامات في المدن المتوسطة والبلدات وحتى شيوخ العشائر.

وبعد أن وصل الصدام إلى درجة قصف القوات الفرنسية مبنى البرلمان نفسه والقضاء على معظم أفراد حاميته، بتاريخ 29 أيار الشهير من عام 1945؛ استطاع المجلس النيابي، المنتخب بعد أشهر، الحصول على قرار من مجلس الأمن يقضي بجلاء القوات الأجنبية عن البلاد، وهو ما أنجز تماماً في 17 نيسان 1946.

بعد الاستقلال انتقل صراع المجالس النيابية إلى الداخل، لمواجهة الضباط الانقلابيين الذين حلّ أولهم، حسني الزعيم، المجلس المنتخب لأول مرة في العهد الوطني، قبل قيامه بالانقلاب، في عام 1949، بسنتين.

ليتوالى التناحر بين السياسيين الليبراليين وبين العسكر حتى سقوط أديب الشيشكلي وتنظيم انتخابات حرة أتت بمجلس نيابي، في العام 1954، سيُكمل مهامه حتى بعد موافقته على دمج البلاد في وحدة مع مصر عبد الناصر، الذي ارتأى قيام كيان تشريعي جديد للدولة باسم “مجلس الأمة” في عام 1960، ضم 400 عضو مصري، و200 من سوريا (الإقليم الشمالي) كانت بينهم “آنستان” لأول مرة في تاريخ سوريا.

لم يعش “مجلس الأمة” طويلاً حتى فاجأته حركة الانفصاليين الذين نظّموا، عام 1961، انتخابات لما سمّي “المجلس التأسيسي والنيابي”، الذي استمر حتى قيام ضباط حزب البعث بانقلاب في 8 آذار 1963، أطلقوا عليه وصف الثورة التي قالوا إنها قامت “لتفجّر طاقات الشعب الخلاقة”.

لم يكن من هذه الطاقات الخلاقة، في ما يبدو، ما يكفي لتنظيم انتخابات تمثيلية شعبية، فلجأوا إلى تأسيس “المجلس الوطني للثورة”، بعد أكثر من سنتين عليها، عبر تعيين الأعضاء، ثم توسعة المجلس، بالتعيين أيضاً، في نسخته الثانية التي لم تعش سوى أسبوع قبل أن تقضي عليها حركة 23 شباط 1963 وتعطّل أي شكل من أشكال الحياة التشريعية وتحصر السلطات في أيدي “القيادة القطرية” للحزب، حتى قيام أحد أفراد هذه القيادة، وزير الدفاع حافظ الأسد، بالانقلاب الأخير، في تشرين الثاني 1970، مفتتحاً عقود حكمه المديد.

أمسك الأسد بالبلاد عبر رئاسة الوزراء بداية، ومن موقعه ذاك، مستعيناً بالقيادة القطرية الانتقالية التي شكّلها وسيطر عليها، أصدر قراراً بتعيين 173 عضواً في “مجلس الشعب”، التسمية الجديدة في ذلك الوقت من شباط 1971.

وقد اختارهم من أعوانه الموثوقين أو من المتفائلين بوصوله إلى السلطة أو ممن لن يعارضه إجمالاً، وهو ما حصد نتيجته عندما وافق هذا المجلس، بالإجماع، على ترشيحه لمنصب رئاسة الجمهورية، الذي سيحتله لسنوات دهرية طويلة، تتناوب فيها انتخابات دورات “مجلس الشعب” ومبايعته لمدة رئاسية جديدة، إلى الأبد.

    في 2012 واجه الأسد الابن استحقاقاً جديداً هو انتخابات المجلس في ظل الثورة، يوم لم تكن نتيجتها محسومة فكان الأمر يحتاج إلى مغامرين يراهنون على بقائه ليترشحوا في بعض المناطق ولا سيما الثائرة منها..

في افتتاح دور التعيين ألقى الأسد كلمة قال فيها إنه “في حرم هذا المجلس يشع نور الحرية ليملأ أرجاء القطر، وبه تتأكد ممارسة الحرية بمفهومها الصحيح والسليم”، لكنه لم يوفر مناسبة من دون أن يوضح أن نهجه هو الديموقراطية الشعبية، المتبعة في الدول الاشتراكية الشرقية في تلك الأزمان.

وبما أنه يعرف شغله جيداً فقد عمل على هندسة انتخابات “مجلس الشعب” بشكل متصاعد، مستعيناً بالقيادات الحزبية والأمنية في كل محافظة، لتصبح ذات نتائج معروفة سلفاً، تحكمها المحاصصات والمحسوبيات والرشاوى، ولكن في إطار ضمان ولاء المتنافسين عموماً.

وبعد الانقلاب الذي أحدثه حزب البعث في طبيعة أعضاء “المجلس الوطني للثورة” وانتماءاتهم الاجتماعية، طارداً الأعيان إلى خارج المشهد السياسي وربما إلى خارج البلاد؛ تميز حكم حافظ الأسد، وولده بشار من بعده، بتراجع متزايد في مستوى أعضاء “مجلس الشعب”، الذين أصبح كثيرون منهم أسماء عابرة لا تحمل أي معنى سوى التصفيق.

في 2012 واجه الأسد الابن استحقاقاً جديداً هو انتخابات المجلس في ظل الثورة، يوم لم تكن نتيجتها محسومة فكان الأمر يحتاج إلى مغامرين يراهنون على بقائه ليترشحوا في بعض المناطق ولا سيما الثائرة منها.

وفي افتتاح دورة ذلك العام طمأنهم في كلمته: “سأبقى الشخص الذي ينتمي إليكم، يعيش بينكم، يستدل برأيكم ويستنير بوعيكم، ومعكم يداً بيد”، وهو ما لم يفِ به حين فرّ إلى خارج البلاد في الساعات الأولى من 8 كانون الأول 2024، بعد أن عاث فساداً إضافياً في المجلس في دورات 2016 و2020 و2024، بضم عدد من أثرياء الحرب وقادة الميليشيات والضباط المتقاعدين.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى