نقد ومقالات

قراءات في قصيدة النثر.. في مرسم منذر المصري/ إبراهيم الزيدي

 

2025.10.09

تضاربت الأقوال وتباينت الآراء حول الأنشطة الثقافية الحالية في سوريا ومقارنتها بالأنشطة السابقة، دون الإشارة إلى طبيعة هاتيك الأنشطة أو جدواها. وانطلاقا من معرفتي الوظيفية في وزارة الثقافة، وعضويتي في اتحاد الكتاب العرب، أستطيع القول إن غالبية الأنشطة كانت وظيفية؛ تقوم على إعادة تدوير ما هو موجود. تلك المعلبات كانت غايتها أن تبهر ولا تبصر.

الآن صار بإمكاننا أن نفضح الطريقة التي خدعنا بها أنفسنا كي لا نرى الحقيقة، وبإمكاننا أن نبدأ من نقطة الصدق؛ “فالحرية ليست أن نختار، بل أن نعيد تعريف الاختيار”. وهذا ما فعله الشاعر منذر المصري بعد أن صدرت أعماله الشعرية الكاملة عن دار “أثر” للنشر والتوزيع في ثلاث مجلدات. فقد أعلن عن جلسة أسبوعية في مرسمه بحيّ الأميركان في اللاذقية. وحدد الفئة المستهدفة “شعراء وشاعرات قصيدة النثر”. أو كما يقول: “دعوة خاصة للجميع”.

كانت الجلسة من المفترض أن تبدأ بقراءة قصيدة من ديوان “ضوء من الوراء يشوه وجهك” للشاعر جاك الأسود. وباقي الوقت للشاعر الأميركي روبرت فروست 1874-1963. إلا أن ديوان جاك الأسود ضاع في فوضى المرسم، فاستعاض عنه بالحديث عن الرسم، وذكرياته مع التشكيلي سعد يكن، وقرأ مقطعاً من إحدى قصائده:

“ترى أيهما أشد أسى/ أن تكون الصالة ذات المئة والخمسين مقعدا، مظلمة؛ وليس فيها أحد/ أم مضاءة؛ وصاخبة بالموسيقى، وفي وسطها مشاهد وحيد ينتظر الافتتاح”.

كان منذر المصري بارعا في تبديد الانتظار بعفوية، وقدرة على استحضار طرائف الشعراء، وتفاصيل حياة الكثير منهم: عزرا باوند، توماس ستيرنز إليوت، ويليام بتلر ييتس، وغيرهم.

 تذهلني ذاكرة هذا السبعيني، ومعرفته بالفروقات الشخصية والأدبية بين كل منهم!

في النصف الثاني من وقت الجلسة قرأ أربع قصائد لروبرت فروست: قصيدة “الطريق” وقصيدة “الهدف كان أغنية”، و “المدخنة”، وأخيرا قصيدة “إلى شجرة سقطت على الطريق”، مع الإشارة للصور البيانية في تلك القصيدة، والمعاني التي تمثلها.

    انتهت الجلسة ولم يتحدث عن الغاية من “ثلاثاء الشعر”، فلم أجد بدا من سؤاله عنها، وهل ستبقى الدعوة مقتصرة على شعراء قصيدة النثر؟

ليست المرة الأولى التي أحاول بها تكريس جلسة أسبوعية خاصة بالشعر. سبق وأن اجتمعنا مرات، شاعرات وشعراء وأصدقاء. وغالبًا في مرسمي. وغالبًا أيضًا الساعة الواحدة يوم الثلاثاء. نلتقي أسبوعين ثلاثة، نقرأ لشعراء كأمجد ناصر وعماد فؤاد وأحمد الملّا.. ثم ننقطع لأشهر وربما لسنة، لنعود ونحاول اللقاء مرة أخرى! ولكن، حقيقة، هذه المرة ليست ككل مرة، حتى من ناحية الغاية التي كنت أبتغيها من عودة الجلسات. هذه المرة تجيء محاولتي بعد أكبر تغيير في حياتنا جميعًا! التغيير الذي شكل صدمة شديدة، ليس بالنسبة للذين وجدوا أنهم يحيون أسوأ كوابيسهم على الاطلاق، فحسب، بل حتى لمن فرحوا به وهللوا له واعتبروه نهاية لكابوسهم الذي ما كانوا يصدقون أنهم سيحيون ويستيقظون منه! التغيير الذي غير الواقع الذي كانت تقوم عليه حياتنا كلها، ومنها صداقاتنا! أقول لك، الأصدقاء الذين استطعت الحفاظ على صداقاتهم خلال كل هذه السنين، عبورًا بما قبل 2011، ثم عند 2011، وبعده لمدة 14 سنة، خسرت الكثير منهم بعد 8/12/2024. أقول هذا بشعور طاغ من الأسى. وربما، لوم الذات. ففي أمور كهذه عادة، أول من ألوم هو نفسي. رغم أني كنت منتبهًا لهذا، وبذلت ما في وسعي لمنعه. ولكني، كما يبدو، لم يكن ما فعلت كاف. أفكر.. رصيدي عندهم لم يكن على هذا القدر من الحجم الذي يمكن لي أن أعول عليه للحفاظ على صداقاتهم نعم كان لي غاية أخرى أبعد من قراءة الشعر والتحدث عنه. هو أن نعود ونلتقي.. الّا يكون صحيحًا ما يشاع عن قطيعة بيننا، أن يجمعنا الشعر، روح الشعر الطليقة المحلقة.. المحبة المتسامحة.. ولكن.. لم تحدث الجلسة الأولى! لم يأت أحد! مرة أخرى ألوم نفسي، أني كنت متسرعًا في الدعوة، لم أتواصل بشكل شخصي مع الشعراء الذين حصرتهم بشعراء قصيدة النثر. لم أسألهم ما إذا الموعد مناسب لهم. وحتى لم أشاركهم في انتقاء الشاعر. الأمر الذي كنت أعتبره حجة للقاء لا أكثر. غير أني لن أستسلم. الدعوة ما زالت قائمة. وسأقوم بما يجب لإنجاحها حتى إني سأدعو شعراء قصيدة التفعيلة. أما قصيدة العمود. فلا.

    توقفت عند هذا الأسى في كلماته مليّا، “الحال من بعضه” كما يقولون. فتوجهت بالسؤال للشاعرة رماح بوبو. منذر المصري يعود لتفعيل ثلاثاء قصيدة النثر في مرسمه.. أتمنى أن أعرف رأيك؟

لا بأس، سأخفي الانطباع الأول الذي انتابني حين قرأت الخبر على صفحة منذر.. إذ ابتسمت وقلت ها هو صديقي الحالم أو اليائس ربما، لم يزل يحاول دفع مركب الحراك الأدبي، متجاهلاً عنف الموج الهادر حولنا. والذي جعلنا بالكاد “نبلعط” على الرمال، وبالكاد نتناول الأدب كالدواء ملعقة صغيرة في اليوم. أتابع صفحات الأصدقاء، وخاصة من يكتب قصيدة النثر في اللاذقية.. ماهر.. سارة.. عبير.. والعديد غيرهم، فأجدها تقريباً خلت من الشعر، واكتفت بفلاشات سردية حول الأحداث الجارية! في السنوات الأخيرة، قبل سقوط الأسد كنت أترقب اللقاء في مرسم منذر (الغواصة كما يحب أن يسميه) حيث كنا نجتمع كل ثلاثاء. لم تكن الأعداد كثيرة ولا الوجوه ثابتة؛ لكن الأحاديث والقراءات كانت غنية وشاملة، في تلك الأيام؛ حين صدِئ الهواء، وخيّم ثقل الأبد على الروح والاقتصاد والثقافة، كنت أتنفس في ذلك القبو المستطيل هواء مختلفا منعشاً، فتحفّ بي آمال برحابة الأدب عموماً، والشعر خاصة، وأنه القشة الوحيدة القادرة على سحبي من مستنقع الغرق الموحل. جاء السقوط؛ وجاء ما بعد السقوط.. جاء الأمل؛ وانكسر الأمل. جاءت الحوارات والجدال والاختصام. فالمفاجآت والانكسارات والخيبة.. كم من مثقف كوّع.. ومناضل رضخ.. وثائر استسلم.. وبطبيعة الحال النشاط الثقافي توقف، أو تلكأ ريثما يمضي غبار “النقع”.. من تتوقع سيواظب الآن على حضور مجلسك يا صديقي النبيل. وقد صار كل من يشتغل بالشأن الأدبي مهما صغر شأنه تحت المجهر.. إذ استلَّتْ أقلام.. ومُسِحت عدسات.. وتأهبت ألسن.. ولُبٍست دروع.  صارت المراقبة لصيقة بنا، بينما الشعر لا ينبت إلا في الظل.  لا أعرف حقا مدى نجاح دعوتك لإحياء ثلاثاء قصيدة النثر.. لأنني لم أعد أعرفنا جميعا …كنا شعراء، أو هواة شعر وفقط.. أما الآن فقد أصبحنا أوسع من تلك الـ “فقط” صرنا مواقف.. وطوائف وآراء ومبادئ.. ومخاوف و… نحتاج وقتا أطول ريثما نستعيد توازننا ومحاكماتنا المنطقية ومن ثم أقلامنا الشعرية.. عني سأحاول العودة.. سأحاول ألاّ أفوّت فرصة تفتح لي باب العودة الى شغف الشعر.. علّ ريحا تهب فأقلع.. منذرنا العزيز (اسماً ومعنى).. شكراً، أحيي عنادك وانتماءك الأسمى، وإخلاصك للفن إلهاً ومنجى.. ربما هذا هو النضال الأجدى في متاهة هذه العصفورية التي نعيش فيها الآن.

    بنفس العناد الذي وسمت به رماح بوبو منذر المصري، حملت سؤالي للكاتبة مي عطاف.

ما الجدوى من الفن والعالم يميل للتفاهة والحروب؟  ما الجدوى من الشعر في بلد تدخل حواس المرء فيه رائحة الاحتراق، وعيون تترقب بقلق وخوف، ويد على سلاح أبيض كمقص أو سكين، وأذن تسمع جملة الموت والخطف مرارا؟ قلت: ما جدوى الشعر؟ سألت يقيني الدائم بالكلمة، حين سمعت أن الشاعر منذر المصري سيقدم قراءات في قصيدة النثر كل ثلاثاء. وقع السؤال على يقيني الدائم بالكلمة، وكحكمته دوما؛ ابتسم وأجاب ألم ينقذك مقطع بسيط للتاو “طريق السماء حيادي لكنه أقرب للشخص الطيب” حين جاءت طعنة خذلان في الظهر من أقرب الأحبة؟ ألم تكن جرعة صباحية ومسائية كلما فتحت عينيك عليها و “سرسبت” ما بين جفنيك مع النوم.. فعفوت وغفوت بعمق وسلام؟ الكلمة التي ولدت العالم من العماء، ألم تكن هي نفسها الكلمة التي في البدء؟ ما أطول بال يقيني في الكلمة! ما أطول بال الكلمة! وما أمد صبر الشعر والفن علينا! لا يفعل كالكورتيزون فينا، مخفف سريع للألم …فتلك ليست من أصالته؛ بل يمد بحذر يدا وحضنا، ويقترب رويدا منا. هالته الطيبة النوايا تسبقه تلامس قلبنا تقترب.. لنصبح في حضنه هادئين بزمام صحوة العارف.  ألم نقرأ الشعر والقصة والرواية فجنبتنا خطوة رعناء، وانتشلتنا من قاع حزين؟ ألم تقيم أغنية فينا وتقعدنا وتنقلنا من حال لآخر؟ ابتسم يقيني مطمئنا، ففي مدينة تميل لتصحرها سيجتمع الناس على قصيدة النثر، يا له من ملجأ للاجتماع، ويُلقى السلام، وتعود الكلمات تنتشر وتزيح ضباب حريق الغابات، وسيلقى الشعر.. ربما نبكي أو نضحك أو نخجل أو نثار.. سيعيد لنا الشعر انفعالات متعددة متغيرة بعد أن كادت تنحو لانفعال متصحر قاس وجلف. قراءات، تلك كلمة نشتاق لها، قراءات شعرية، إعادة تدفق لدم جديد، قراءات شعرية لمنذر المصري إنه حدث جميل في حياتنا.

    بقي في بالي أن هذه الدعوة هي دعوة قديمة يجددها منذر المصري بين حين وآخر، أردت أن أعرف ملابساتها، وموقف شعراء قصيدة النثر في اللاذقية منها، فلم أجد سوى ماهر الراعي

أن تقرأ شعرا بينما العالم من حولك يشتعل، يبدو الأمر ضربا من السوريالية، لكن هل كان عالمنا يوما بلا حرائق؟ سواء على بعد أمتار، أو أميال. لطالما صدقت أننا في قارب واحد، سواء على المستوى المحلي أو العالمي.. هذا يجعلني أقول: قراءة الشعر جبيرة لا بد منها لمعصم هذا العالم. على الرغم مما أسلفت. إلا أنني اعتدت أن أرفض أي مشاركة بأي ملتقيات وأمسيات تقام لقراءة الشعر، أو حفلات توقيع الإصدارات الجديدة، كان ذلك منذ أيام الجامعة واستمر حتى الآن، بنيت هذا الموقف على أسباب عدة؛ من بينها قناعة خاصة ترى الى أن قصيدة النثر نصا لا يناسبه هذا الأسلوب في الوصول إلى المتلقي -ولهذا حديث يطول ليس مكانه هنا، لكنني خرقت هذه القناعة مرة أو مرتين، وكنت فيها مستمعا، ما دفعني لكسر هذه القاعدة؛ ربما أمور عدة لا أجزم تغلب واحدا فيها على الآخر، منها أن الطاولة صغيرة تقرب المتحلقين، ربما أن بين المتحلقين صاحب الفكرة و الدعوة منذر مصري الصديق الجميل والشاعر الجميل، أو؛ لأنني أحب منذر. ربما الشراب المثلّج والفستق و(النقرشات) الشهية واختراع الضحك مع زياد جبيلي. كانت تجربة (سيدات الثلاثاء) توريطية حتى بهذا الاسم، إذ بدأت الجلسات واستمرت عدة شهور دون وجود سيدة واحدة، ثم لاحقا وقبل أن تتوقف انضمت اليها سيدتان، ولكن ليس على نحو دوري، ومع ذلك كان الاسم لذيذا وساخرا بلطف، كما تشعر أنه الأنسب لجلسات قراءة شعرية. كانت تجربة توريطية لأن منذر هكذا، يستطيع ببساطة أن يورطك، ويجر قدمك إلى إنتاج وتداول الجمال، حتى وإن صادفته على عجل عند ناصية شارع من شوارع اللاذقية، ويذكرك بينما أنت منشغل بأوراق معاملة قرض، أو بالبحث عن شقة للإيجار، أو بخبر موت يتكرر، أو بقصف فاجر؛ أو… من تفاصيل الجريمة السورية الذي كان فيها الجميع عنقا محزوزا، فيذكرك أن الشعر أحد مسارب النجاة.. ربما.

ها هو يعود مجددا لمحاولة جمع واستضافة الناس في (غواصته) مرسمه ذلك القبو الساحر في حي الاميركان باللاذقية. ذلك الفضاء الذي مر به كتّاب ومبدعون من كل حارة في سوريا والبلدان العربية. يدعونا لجلسة دورية نقرأ معا في أوراق الشعر القادم من كل مكان.. كتبنا، وكتب الآخرين.

لم تنته قصة تلك الدعوة، لأنها تشبه قصيدة النثر، فهي قصة إشكالية، وقد جاءت في زمن إشكاليّ أيضا، ومنذر المصري يعرف ذلك، ويعرف إن مهمة الشعر الدائمة هي جعل الأشياء جديدة، وليس بالضرورة صنع أشياء جديدة. كما يقول تي أس إليوت.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى