منوعات

مغرم بمتعة التحليق.. “كشاشو الحمام” شهود على دمشق من سطوحها\/ زيد قطريب

 

2025.10.10

لماذا تطير رفوفُ الحمام، على شكل دوائرَ في سماء الشام؟ وهل تفهم معنى صفير صاحبها، عندما يعطيها إشارةً كي تحط على سطح البيت؟ ماذا تعني القصبة الطويلة، التي يلوح بها الكشّاش للطيور، كي تغذَّ الطيران؟ هل يمكن اعتبارها رايةً وطنيةً للحمامِ، حتى يعود للمنزل، ولا يتوه في السماء؟. لطالما اعتُبر الحمام، رمزاً للسلام والوئام، فلماذا يُظلم الكشّاشون في القانون والنظرة التقليدية للناس؟ حتى عندما يُراد تهويل مستوى الكذب عند شخص ما، يُقال إنه “يكشّ”!.

“كشاشو دمشق”.. عالم خاص

عالمٌ خاص، لكنه لا ينمو في الظل، بل يرفرف في أعالي المدن والقرى، كأنه يراقب كل شيء. هكذا نبدأ الصعود إلى حي ركن الدين والشيخ خالد، هناك بالقرب من قمة جبل قاسيون، سنكون قريبين من الحمامات وهي تطير، بحدقاتٍ أشد مضاءً من زرقاء اليمامة.. لكن الكشّاش، أبا ياسر، يسخر من كل تلك التداعيات التي نسردها، ويقول: “أشعرتني أن هواية كشّ الحمام، عمل مهم له إسقاطاته وتأويلاته العميقة”، فنسأله إن كان قد قرأ، درويش عندما قال: “يطير الحمام.. يحط الحمام”، فيصبّ كأس شايٍ من الإبريق القديم المسودّ، ثم يقول: “ومن درويش هذا.. هل كان كشّاشاً هو الآخر”؟.

يقضي الكشاشونَ، ساعاتٍ عند حماماتهم على سطوح المنازل، يحدثونها كأنها بشرٌ، ويرشّون لها الحنطة والذرة البيضاء، ثم يشعرون بالسعادة عندما تتزاوج وتنجب الفراخ!. يؤكد أبو ياسر، أن شعوراً غامضاً بالامتلاك، ينتابه مع قبيلة الحمام التي يمتلكها، ويضيف: “تخيل أن تتفاهم مع الطيور، وتومىء لها، فتستجيب! في وقتٍ لا تستطيع فيه صياغة تفاهماتٍ صغيرةً مع البشر؟”.

لا يمكن العثور على بيوت الحمام، في المناطق الفارهة بدمشق، وغالباً ما ترتبط تربيتها، بالعشوائيات والبيوت المتهالكة، كأنها شكلٌ آخر لأحلام الناس. يصبُّ أبو ياسر، كأساً ثالثة من الشاي الخمير، ثم يفتح كيس الدخان العربي، ويبدأ لفَّ سيجارة ثخينةٍ، يدكّها في مشرب “المُكْنس” الطويل. ثم يتنهد ويقول: “هنا فضائي، وجوّيَ الخاص. ربما لا أستطيع شرح الأمر كالمثقفين، لكنني أشعر بهدوء روحي واستقرار مع طيور الحمام، أنا أفهمها وهي تفهم علي”.

من عادة الحمام، أن يلتفَّ على بعضه ويتجمع، عندما يظهر باشقٌ في السماء، حتى يجد ذلك الطائر الشرس، مشقة في الانقضاض على المجموعة المتحدة أمام الخطر.. مشهد يستخدمه أبو ياسر للتأكيد على أن أسراب الحمام المحلقة عند سفح قاسيون الأجرد، أشد ذكاء من العرب المتفرقين، سواء في أيام الشدّة أم الرخاء!.

يحاول أبو ياسر، استرجاع ذكرياته مع والده المغرم بتربية الحمام، ويقول إن حرصه على استمرار نسل الطيور التي رباها أبوه، كان من أهم الأسباب التي دفعته للتعلق بالطيور.. لكننا نخبره بأن الطيور، لا يمكنها استرجاع الراحلين!. فيردّ: “يكفي حرصك على تدريب الأحفاد الفراخ، حتى يتابعوا مسيرة التحليق.. شيءٌ يشبه الأمانة في العنق”.

يخوض الكشّاشون، معارك شرسة من أجل طير!. ويعتبرونها معركة كرامة أو وجود، ويؤكد أبو ياسر: “عندي أرجَلَ طيور”، لكن الطيور المحاربة التي تقاتل في السماء، تختلف عن الطيور مرتفعة الثمن المخصصة للاستعراض. فيضحك أبو ياسر ويتابع: “الطيور الباسلةُ، تنهب السماء، بينما طيور الزينة، تقطف ثمار التحليق، دون أن يرفرف لها جناح!”.

حمام صديق وحمام عدو!

تلتقط الكاميرا من بعيد، كشّاشين آخرين في الحارات المجاورة، عيونهم دائماً معلقة بالسماء، حيث رفوف الحمام الصديق والمعادي، ترسم دوائر منتظمةً في الأعلى، كأنها تريد حماية مجالها الجويّ. يؤكد الكشّاش، ثائر، أن لتحليق الحمام من سفح الجبل، متعة مختلفة، عن طيران حمام الأحياء الواطئة في ريف دمشق. فمن هنا، تستطيع رؤية المدينة كاملةً، كأنك تمتلك السماء، في حين لا تستطيع حمامات جوبر وحرستا، الوصول إلى هذا الارتفاع، بسبب وجودها في السهل!.

الحمامُ مسكونٌ بهاجس العودة، وخطأً سماه البشر بالحمام الزاجل، فكل حمامة تتوق للرجوع، فما إن ينبت جناحاها اللذان يقصهما الشاري الجديد، كي تعتاد المكان الذي انتقلت إليه، حتى ترفرف معلنة بداية رحلة العودة. يقول ثائر:

“اشترى أحد الأشخاص مني، زوجي حمامٍ من نوع “بيملي”، ولم أفاجأ أنهما عادا بعد فترة من حمص إلى دمشق.. فهل رأيت أوفى من تلك الطيور؟”.

بعض كشّاشي الحمام، مسكونون بهاجس الثروة، فهناك أنواع من الطيور، يصل ثمنها إلى أكثر من 10 مليون ليرة، لكن الحلم بالمال، يمكن أن يصاب بالخذلان، إذا ما كان الكشّاش، غير مسكون بهاجس حب الطيور. يقول ثائر:

“دخل صديقي مهنة تربية الحمام، من باب اقتصادي ربحي، لكنه تفاجأ بوباء قضى على سرب كامل من الطيور، وربما حصل ذلك بسبب غياب حب الحمام لديه”.

يشعر ثائر، أنه يمتلك المدينة كاملةً، كلما حلقت حماماته من سفح الجبل، فوق البيوت.. يقول: نحن بسطاء، يكفينا هذا المشهد كي نشعر بالفرح، لكن حيتاناً لا يقدّرون ذلك، حتى لو التهموا كل شيء!.

نسأله إن كان مربو الطيور والحيوانات الأخرى، يختلفون عن كشاشي الحمام ومربيه، فيقول: لاشك أن مربي الكلاب والأحصنة والدجاج، لهم مزاج آخر، يختلف عن تربية الطيور وأهمها الحمام.

تخضع أسعار طيور الحمام، لاعتبارات جمالية كثيرة، أهمها ارتفاع الطائر عن الأرض أثناء الوقوف، عدا عن طول الرقبة وشكل الوجه، وتكحيلة العين، والألوان إن كانت واضحة الفصل بين التدرجات، أم عائمة متلاشية ضائعة.. كل هذه الصفات، تفرزها بين حمامات مخصصة للطيران، وأخرى للاقتناء والعناية خوفاً من المخاطر، نظراً لسعرها المرتفع. حتى بين الطيور، هناك طبقات، لكنها جميعاً، تطير وعيونها على الأرض.

ويبرهن ثائر على ذلك بالقول: “حتى لو كانت في كبد السماء، فهي تراني عندما أشير إليها بالهبوط. فكيف لا تريدني أن أتعلق بهذا الطائر الفريد؟”.

يتعرض كشّاشو الحمام، لغبن في الثقافة الشعبية والقوانين، فالبعض يقول إنهم يبيعون العالم من أجل طير، والقانون يشكك بشهادتهم في المحاكم، أما عندما يقبلون على الزواج، فأكبر تهمة يمكن أن توجه للعريس، هي أنه كشاش حمام!. لكن عالم تربية الحمام وكشّاشيه، يحتاج الكثير للكشف عن خباياه، فربما يكون أسطورة أو متلازمة تسمى “رهاب الأجنحة المتكسرة”، تلك الحالة التي تدفع الكشاشين، للشغف بتحليق الطيور، كنوع من التعويض عن سماءٍ، طالما حلموا بالوصول إليها!.

سوق الطيور في المرجة

في سوق الطيور، القريب من ساحة المرجة بدمشق، يكاد أحمد أن يجهش، وهو يحدثنا عن بيت الحمام الذي قضى بالحرب. يقول: “لقد ربى والدي تلك الطيور وكان يعشقها كثيراً، وأنا ورثت تلك العادة، كأنها وصية من أبي الراحل، حتى إنني اقتنيت نفس الأنواع التي أُغرم بها”.

يحكي بعض اللاجئين السوريين في ألمانيا، عن لاجئ كشاش مغرم بالطيور، كان يسرق كل يوم طائراً من الحديقة العامة، ويعود به إلى المنزل، وعندما راقبته الشرطة، وداهمت منزله، وجدت عشرات الطيور تعيش بسعادة وهناء، فما كان منهم، إلا أن يكافئوه ويعينوه مسؤولاً عن الطيور.

عناصر الشرطة، ظنوا في البداية، أنه يأكل الطيور، ثم شعروا بالخجل، عندما اكتشفوا أنه مغرم بمتعة التحليق!.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى