مقالات تخص انتخابات مجلس الشعب التي جرت في سورية تحديث 04-11 تشرين الأول 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي:
——————————
تحديث 11 تشرين الأول 2025
———————————
سورية… مجلس تصريف التشريعات/ بشير البكر
11 أكتوبر 2025
تباينت آراء السوريين حيال التجربة الانتخابية الأولى (5/10/2025) لاختيار ثلثي أعضاء المجلس التشريعي المُقبل. هناك من تحامل عليها، وعاملها انتخاباتٍ ناقصةً شكلاً ومضموناً، وجد فيها من العيوب ما يتجاوز الانتخابات في أعتى الدكتاتوريات، بينما اعتبرها قطاع آخر كاملة الأوصاف، ومنتهى الطموح بعد قرابة ستّة عقود من حكم الحزب الواحد، وعائلة الأسد، ونظامه الذي ابتذل العملية الانتخابية، وحوّل سورية صحراءَ سياسية. وفي واقع الأمر، يفتقر الرأيان للإنصاف والتواضع المطلوبين حيال بلد ينهض من تحت الركام، ويحاول أن يتلمّس طريقه نحو التعافي.
لا يكون حلّ مشكلات سورية الراهنة بإجراء انتخابات تشريعية تمثيلية حرّة وشفّافة، تنبثق منها حكومة تقود البلد. الكل يدرك أن هذا مطلب طوباوي، يستحيل تحقيقه في ظلّ الظرف الحالي والإمكانات المتاحة، وهناك عدّة شروط لتنظيم الانتخابات ونجاحها غير متوافرة في الحال السوري، منها الإحصاء السكّاني، وبسط الدولة سلطتها، ووحدة الجغرافيا، وتحقيق السلم الأهلي، وعودة ملايين المهجّرين المرهونة بتوافر الخدمات الضرورية اللازمة، من خدمات الكهرباء والماء والبنى التحتية، والسكن والتعليم والصحّة.
تمرّ سورية في مرحلة انتقالية، وكل ما تحتاجه، أو تقوم به السلطات، التي تولّت مسؤولية إدارة البلد في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024، يجب أن يبقى داخل هذا الإطار ولا يخرج منه. والمطلوب منها وضع خطط وتصوّرات قابلة للتنفيذ من أجل تلبية شروط التحوّل نحو الوضع الدائم. وعلى هذا الأساس، يمكن النظر إلى التجربة الأولى التي جرت الأحد الماضي، والحكم عليها من هذه الزاوية، لا انتخاباتٍ تشريعيةً من أجل انتخاب مجلس للشعب، بل تشكيل مجلس تشريعي لمهام محدّدة خلال هذه المرحلة، منها تصريف الأعمال الخاصّة بالدولة على المستوى التشريعي، ووضع أسس القوانين التي ستحكم سورية المستقبل، ومن ذلك كتابة دستور جديد، تجري على أساسه انتخابات تشريعية ورئاسية، وتسنّ القوانين الناظمة للحريات، وتنظيم عمل الأحزاب السياسية، ووسائل الإعلام المستقلّة.
مطالب المعترضين وادّعاءات المؤيّدين مبالغ فيها، ولا ترى حجم الكارثة التي تعيشها سورية. البلد مدمّر على المستويات كافّة، والأولوية لوضع خطّة بناء من الصفر. سورية اليوم دولة هشّة، لا يمكنها النهوض بمهمات كبيرة قبل تفعيل ماكينة الدولة وأجهزتها، وليس في وسعها أن تقف على قدميها من دون توفير الخدمات الأساسية، وبسط الأمن، وتحقيق السلم الأهلي، وإطلاق آلية العدالة الانتقالية.
خطوة اختيار هيئة تشريعية مؤقّتة لا تخرج من قواعد المرحلة الانتقالية، وما جرى تمرين تشاركي لا يتجاوز هذه الحدود، والمهمّة المنوطة بالمجلس محصورة في تنظيم التحوّل، وإدارته وضع الأسس لإعادة بنيان الدولة المهدّمة، وليس اختراع شكل جديد للحكم أو أسلوب لاحتكار السلطة، بدليل أن برامج المرشّحين حملت وعوداً تتعلّق بإصلاح وضع الخدمات، والعمل مع السلطات في حلّ مشكلات المجتمعات المحلّية، وإنشاء قناة تواصل يومية مع الأجهزة الحكومية لتحسين الأداء، والحدّ من التجاوزات.
مرّت العملية بهدوء ومن دون مشكلات، وعُوملتْ بإيجابية من القطاع الأوسع من المجتمع السوري. رغم نواقص كثيرة عرفتها، بسبب العامل الزمني والآلية المتّبعة، ولكن الحكم النهائي عليها ليس ممكناً إلا حينما يكتمل تشكيل المجلس ويباشر مهامه. ومع ذلك، فإنها تعكس جملة من المؤشّرات، منها مدى قدرة الأجهزة الجديدة على التنظيم والإدارة، وتحقيق نسبة نجاح فوق المتوسّط في تجاوز أول اختبار ذي طبيعة مختلفة عمّا واجهته في السابق، إذ تولّت مهمات قتالية وأمنية، وهذه المرة الأولى التي تنظّم وتدير عمليةً انتخابية، غطّت القسم الأكبر من البلد، ولم تشهد ما يُعكّر صفوها إلا على نحو محدود.
العربي الجديد
——————————
من نفق الدكتاتورية… انتخابات تشريعية سورية هشّة تبحث عن شرعية/ أنيس المهنا
الجمعة 10 أكتوبر 2025
شهدت سوريا، في الخامس من تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، منعطفاً يُفترض أن يكون تاريخياً، بإجرائها أول انتخابات تشريعية بعد إسقاط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024. جاءت هذه الانتخابات في ظروف استثنائية يعيشها بلد أنهكته سنوات الحرب الأهلية الطويلة، حيث تغيب السيطرة الأمنية على كامل المساحة السورية (التي تزيد عن 185 كيلومتراً مربعاً)، والوضع الاقتصادي ينزف تحت تضخّم جامح وفقدان الليرة السورية أكثر من 99% من قيمتها منذ عام 2011.
في هذا المشهد المعقّد، حاولت الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، تقديم صورة للشرعية السياسية من خلال انتخابات برلمانية وصفتها بـ”التاريخية”، بينما يرى مراقبون أنّ الظروف الأمنية واللوجستية كانت عاملاً حاسماً في تحديد شكل النظام الانتخابي -غير المباشر- الذي تمّ اعتماده، في خطوة أثارت جدلاً حول مدى تمثيلها للإرادة الشعبية.
آلية الانتخاب وأرقام ذات دلالات
اعتمدت العملية الانتخابية على آلية غير مباشرة، حيث تمّ انتخاب ثلثي أعضاء المجلس (140 عضواً)، من قبل هيئات ناخبة محلية، بينما احتفظ الرئيس بحق تعيين الثلث المتبقّي (70 عضواً). وقد تكوّنت الهيئات الناخبة من أكاديميين وشخصيات مجتمعية، مع تخصيص 70% من المقاعد للأكاديميين والخبراء، و30% للشخصيات المجتمعية البارزة.
برّرت السلطة هذا النظام بالإشارة إلى التحديات والعراقيل اللوجستية بما فيها مشكلة النازحين واللاجئين وفقدان الوثائق الثبوتية، حيث أقرّت اللجنة العليا بعدم إمكانية إجراء الاقتراع في بعض المناطق.
ومن بين أبرز الملاحظات على مخرجات العملية الانتخابية، انخفاض التمثيل النيابي ومقاعد مجلس الشعب إلى 210 مقاعد بعد أن كان المجلس يضم 250 مقعداً في عهد النظام الساقط، في ما يؤشِّر على إعادة هيكلة المؤسسة التشريعية. وفيما بلغ عدد المرشّحين 1،578 مرشحاً، شكّلت النساء ما نسبته 14% منهم، وهي نسبة متواضعة لكنها كانت لتمثّل بداية كسر للهيمنة الذكورية التقليدية على المشهد السياسي لولا أنّ الأمر انتهى بفوز 6 نساء فقط في انتظار من يعيّنهنّ الشرع.
وبفعل الثغرات الأمنية، تأجلت الانتخابات في أجزاء من محافظتَي الرقة والحسكة (معدان ورأس العين وتل أبيض)، بينما بقيت جميع مقاعد محافظة السويداء شاغرةً “إلى حين توافر الظروف المناسبة” للاقتراع عليها.
صوت المرشحين وآمال الناخبين
في مشهد يعكس تنوّع الرؤى حول التجربة الانتخابية الجديدة، تعبّر المرشحة عن دائرة دمشق، سهير أومري، عن مشاعر مختلطة، مشيرةً إلى أنّ “هناك كفاءات عظيمةً بين المرشحين”، مستشهدةً بمقولة “إنّ الآلام المريرة تربّي الطاغية فينا”. وتضيف لرصيف22: “اليوم، في هذه التظاهرة الانتخابية، علينا أن نضع حدّاً لهذه الآلام”.
من جانبه، يقول المرشح عن أكراد دمشق، فراس نعمو، إنّ “أيّ نظام انتخابي في العالم أفضل من النظام الانتخابي في عهد الأسد الساقط”، مؤكداً أنّ الأكراد جزء من النسيج السوري، ومشيراً إلى أنّ الحكومة السورية تتحمّل ضغطاً سياسياً كبيراً، متمنياً تطبيق اتفاق العاشر من آذار/ مارس 2025، الذي وقّعه كل من الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مظلوم عبدي، في أسرع وقت ممكن.
أما عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وعضو مؤتمر الحوار الوطني، الشيخ عبد الرحمن كوكي، عضو الهيئة الناخبة، فيلفت إلى أنّ “هذه الانتخابات هي أول انتخابات حقيقية (في سوريا) منذ 60 عاماً”، مشيراً إلى أنّ “الشعب السوري لا يزال نصفه تقريباً مهجّراً والمدن مدمّرة، مع عدم وجود وثائق لكثير من السوريين”.
يضيف كوكي لرصيف22: “ما حدث ليس فريداً. كانت هذه الطريقة تُعتمد في كثير من الجمهوريات الأولى. اليوم، بقي 500 ناخب ترشّح منهم نحو 145، واجتمعنا في المكتبة الوطنية، وجرت نقاشات حامية بين المرشحين والناخبين لكن بودّ وبحرّية”. كما ينبّه إلى أنّ “هناك بعض الأخوة المرشحين للأسف لا يميّزون الفرق بين الحوكمة والإدارة، أو الفرق بين القانون والدستور، وبين الميزانية والموازنة، أو الفرق بين السلطة التشريعية والتنفيذية، فوضعوا في برامجهم الانتخابية خطط عمل تصلح لرئيس بلدية أو لدائرة خدمية”.
ويتابع كوكي بأنّ “هناك كثيرين لا يعرفون واجبات عضو البرلمان، فهناك تصحّر سياسي في سوريا بعد حكم 50 عاماً أو أكثر من الاستبداد”، مستطرداً: “أنا اليوم، كعضو هيئة ناخبة، انتخبت نخبة النخبة”، متوقعاً أن يشهد هذا البرلمان نجاحاً لافتاً للتكنوقراط.
وعن تفاصيل العملية الانتخابية، يشرح: “قلنا لكثير من المرشحين من باقي الأقليات، تعال إلى عندي وقل لي ‘لا’، تعال واطرح مشروعك… في حواراتنا شعرت أننا في برلمان مصغر أو في برلمان تمهيدي للبرلمان الكبير”، متمسّكاً بأنه “لا خشية على أي مكوِّن، ونحن لا نريد أن نكون وحدنا، لن نستطيع إلغاء أي من المكونات وإلا صرنا خارج التاريخ. أشعر بالحزن لعدم وجود بعض الأعضاء من أهلنا في السويداء وغيرها”.
سؤال الشرعية بين التبرير والرفض
ويدافع المتحدث باسم اللجنة العليا للانتخابات، نوار نجمة، عن النظام الانتخابي الجديد، عادّاً في حديثه إلى رصيف22، أنّ “هناك ظلماً كبيراً عندما نعتبر أن النظام الانتخابي الجديد هو صيغة مخفّفة عن صيغة البعث والجبهة الوطنية التقدمية، في العهد البائد”. يضيف نجمة: “النظام الجديد ليس مثالياً بل هو نظام واقعي يتناسب مع الظروف الحالية، وهي فرصة تاريخية أمام الشعب السوري كأول مؤسسة تشريعية بعد انتصار الثورة السورية”.
كما يشير إلى أنّ “المجلس الجديد سيلعب دوراً مهماً في العملية التشريعية والاستمرار في إنعاش الحوار الوطني والمساهمة في عملية السلم الأهلي”، عادّاً أنه “خطوة في طريق طويل ستتلوها خطوات قادمة، بهدف الوصول في نهاية المرحلة الانتقالية إلى دولة طبيعية يستطيع من خلالها الشعب السوري الوصول إلى طموحاته المشروعة”.
انتقادات لاذعة
من جهته، يوجّه رئيس الحكومة المؤقتة الأسبق لقوى الثورة والمعارضة، أحمد طعمة، انتقادات حادةً للنظام الانتخابي الجديد، عادّاً أنّ “نظام اللويا جيرغا في أفغانستان أفضل من النظام الانتخابي الجديد في سوريا”، لأنه “يستند إلى تقاليد اجتماعية، ويمثّل آليةً أكثر أصالةً، ولأن المرشحين الذين يتم تعيينهم هم من علية القوم أو من الحكماء، على عكس ما حدث لدينا”.
ويطالب طعمة بأن تقوم السلطة الحالية بتعيين لجان لمعرفة من هم الأفضل والأكثر وعياً في كل محافظة، فإذا هي عيّنت هؤلاء، لا يعترض أحد عليها. كما ينتقد ما يصفها بـ”الصلاحيات المحدودة” للمجلس الجديد، منبهاً إلى أنّ “أخطر نقطة مؤلمة في هذا المجلس الجديد أنه لا يستطيع محاسبة الحكومة”، ويتساءل: ماذا يعني أنّ المجلس يستطيع استجواب الحكومة ولا يستطيع محاسبتها، أو لا يستطيع حجب الثقة عن وزير أو عن الحكومة؟
يتساءل أيضاً: هل يستطيع الناخبون اليوم، أو هل لديهم الخبرة المعرفية، أو لديهم القدرة على اقتراح مشاريع قوانين حكومية؟ أو هل يملكون القدرة على تعديل بعض بنود مشاريع قوانين سابقة؟
ينتقد طعمة كذلك “ضعف التمثيل الحقيقي”، عادّاً أنّ “الأسماء التي أفرزتها هذه الانتخابات هي أسماء غير معروفة، لا في التاريخ السياسي ولا من حيث الكفاءة، على الأقل بالنسبة إلى محافظتي دير الزور”، كاشفاً أنّ “جميع من انتخبوا اليوم في دير الزور هم من خارج المدينة وكلهم من أهل الريف”.
ويختم طعمة حديثه إلى رصيف22، بالتعبير عن عدم تفاؤله، قائلاً: “لن تكون هناك حياة سياسية طالما أنها ليست قائمةً على الأحزاب السياسية ضمن مفهوم النسبية، وأنّ السلطة الحالية تطلب شرعيةً خارجيةً فحسب”.
من جهته، يرفض مستشار الشرع للشؤون الإعلامية، أحمد موفق زيدان، تشبيه النظام الجديد بنظام اللويا جيرغا الأفغاني، عادّاً أنّ “هذه الانتخابات هي الأولى التي اتسمت بالشفافية منذ خمسين عاماً على الأقل”. ويتابع زيدان: “لو سألنا أهل دوما أو تفتناز أو إدلب: هل أنتم راضون عمن انتُخِبوا لعضوية المجلس؟ لوجدت الناس راضين. فالآلية السورية تختلف جوهرياً عن النموذج الأفغاني، وهذا الأسلوب (المتبع) يعكس المزاج الشعبي وبعيد عن المال السياسي”.
المراقبون بين القبول والرفض
من جهته، يقدّم المحامي الخبير في القانون الدستوري فادي كردوس، تحليلاً متوازناً، حيث يؤكد أنّ “تشكيل المجلس التشريعي خطوة أساسية لسدّ الفراغ التشريعي والقانوني بعد حلّ مجلس الشعب وفقاً لبيان إعلان الثورة”. لكنه يشير في الوقت عينه إلى أنه “لم توجد آليات تضمن التمثيل الحقيقي والفعال للسوريين كافة، خاصةً النساء (6 سيدات فقط)، والمسيحيين (مقعدان فقط)”، عادّاً أنّ هذا “يعطي الإيحاء بأنّ المشاركة لم تكن حقيقيةً في صنع القرار، ولم تتم مراعاة التنوع داخل تلك الفئات”.
المحامي السوري المقيم في باريس، زيد العظم، ينتقد هو الآخر العملية الانتخابية ويصف المجلس الناتج عنها بـ”مجلس الشرع” أو “مجلس شعب الشرع”، مؤكداً أنّ “الرئيس الشرع اختار أعضاء اللجان الانتخابية بعناية وبحنكة وعن قصد”.
يضيف العظم، لرصيف22: “اللجان ومن قاموا بانتخاب مجلس الشرع ليسوا منتخبين بل معيّنين من الرئيس الشرع. هذا النموذج غريب، ربما جرّبته جبهة النصرة أو جبهة تحرير الشام في إدلب، لكنه فشل ولم يمرّ. الـ7،000 عضو في اللجان الناخبة لا يشكّلون أكثر من 1 على 3،000 من الشعب السوري، ما يظهر التقزيم الذي حلّ بالعملية الانتخابية”.
أما الصحافي والناشط السوري إياد شربجي، فيرى أنّ العملية الانتخابية “افتقدت أهم عنصر في العملية وهو الانتخاب”، ما يعني أنها “لم تحقّق تمثيلاً طائفياً أو جندرياً حقيقياً، فكانت الغلبة واضحةً للمنتمين إلى مذهب السلطة وتيارها”.
ويتابع شربجي، في حديثه إلى رصيف22، بأنّ ما جرى لا يمكن توصيفه بأنه تجربة انتخابية حقيقية. فبدلاً من مشاركة الشعب مباشرةً، تم استبداله بلجان ناخبة، هي ذاتها لم تكن منتخبةً شعبياً. “الأمر الإيجابي الوحيد” في رأي شربجي، والذي يعدّه “بارقة أمل”، هو أنّ هذا البرلمان وضع عدداً من السلفيين الذين يرفضون مبدأ الانتخابات ويكفرون بالديمقراطية في مواجهة مباشرة مع أفكارهم ومعتقداتهم، وهو ما يعتقد أنه سيسفر عن مراجعات عميقة داخل التيار الإسلامي، وإن ظهرت نتائجها فستظهر على المدى البعيد.
أما على المدى القريب، فلا يعتقد شربجي أنّ أغلبية أعضاء البرلمان “يفهمون طبيعة مهمتهم الأساسية أو يعرفون من يمثلون بالضبط”، مضيفاً أنّ عدداً منهم صرّحوا بأنهم سيناصرون الحكومة ويقفون إلى جانبها، وهو ما “يُعدّ اعترافاً ضمنياً غير مقصود بأنهم سيمثّلون من أتى بهم إلى المجلس”.
تفاؤل حذر نحو المستقبل
في المقابل، يحلّل الباحث في مركز كرم الشعار للاستشارات، ملهم الجزماتي، نتائج الانتخابات، مبرزاً أنّ “نسبة المرشحات حسب تحليلنا نحو 13.9%، بينما لم تتجاوز نسبة الفائزات فعلياً 4% من إجمالي الفائزين بعضوية مجلس الشعب”. ويرى الجزماتي، أنّ “قيمة الانتخابات الأساسية لا تكمن في مستوى التمثيل الحالي، بقدر ما تكمن في قدرتها على تأسيس مؤسسات قادرة لاحقاً على إنتاج تمثيل حقيقي”.
يضيف الجزماتي، لرصيف22: “المرحلة الراهنة ليست مرحلة التمثيل، بل مرحلة البناء؛ بناء مؤسسات قوية، مستقلة، وفاعلة، تُمهّد لولادة تمثيل حقيقي في المستقبل”.
ممثّلاً وجهة نظر الإسلاميين، يقول حذيفة عكاشة إنّ “الانتخابات الأخيرة كانت خطوةً جيدةً باتجاه الديمقراطية والتمثيل الشعبي، فقد كان شعبنا محروماً من احترام صوته وإرادته”، معرباً عن الأمل في أن “تتبعها خطوات في المستقبل باتجاه التمثيل الشعبي الكامل”.
في حين يعتقد الباحث والأستاذ الجامعي مروان قبلان، أنّ سوريا “تدخل اليوم مرحلةً مفصليةً من تاريخها، قد تؤدي إلى انهيار الدولة وتحوّلها إلى كانتونات طائفية، في حال استمر غياب الحلّ السياسي”، مشدّداً عبر رصيف22، على أنّ “جذور ما يحدث تعود إلى غياب أفق سياسي حقيقي حيث لا يوجد حلّ أمني أو عسكري قد يعيد الاستقرار”.
“كان يُفترض بأول انتخابات لمجلس الشعب السوري بعد إسقاط الأسد أن تكون نقطة تحوّل في حياة السوريين السياسية، لكن هذا لم يحصل، للأسف، إذ جرى ترتيب العملية الانتخابية و’توضيبها’ بطريقةٍ لا تترك مجالاً لأي نقاش حقيقي”، يضيف.
ويردف منتقداً تسريع المراحل الانتقالية: “تمكّنت الإدارة الجديدة من ‘حرق’ كل المراحل في سعيها إلى الإمساك بمفاصل السلطة، حتى إنها لن تحتاج ولا إلى ربع فترة السنوات الخمس التي حددتها لنفسها”.
حلب وهيمنة المحافظين
الفائزون الرئيسيون في حلب وجوه لامعة بينها رجل الأعمال الثري، عزام خانجي، صاحب الشعبية الواسعة والصلات الوثيقة بالمصالح التركية. كما فاز مهيد عيسى، المتحدّر من أصول تركمانية والمعروف بقربه من سياسات حكم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى جانب عبد الكريم عقيدي. ومن بين الفائزين البارزين أيضاً الشيخ علي الجاسم، الشخصية الدينية والاجتماعية المؤثرة في ريف حلب الجنوبي والقريب من تركيا، وعبد القادر خوجة المنتمي إلى عائلة تركمانية معروفة، ويجمع بين الاعتدال السياسي والاتجاه الاقتصادي الليبرالي.
كما ضمّت قائمة الفائزين الجرّاح الشهير عارف رزوق، الذي لمع نجمه خلال حصار حلب الشرقي، وركزت حملته على قضية إعادة الإعمار، والناشط في العمل الأهلي، تمام اللودعمي، القريب من جماعة الإخوان المسلمين دون انتماء رسمي إليها، والمعارض المخضرم ورئيس المجلس المحلي سابقاً عبد العزيز المغربي، والأكاديمي المتخصّص في الأدب والفقه، محمد رامز كرج، والمحافظ المعتدل ذا الميول الإسلامية والعلاقات التركية، عمار طاووز.
تكشف هذه النتائج بحسب محللين ومراقبين، عن هيمنة ملحوظة للمحافظين المعتدلين والليبراليين الاقتصاديين على مقاعد حلب، حيث لم يحقّق الإخوان المسلمون النتائج التي كانوا يطمحون إليها، برغم فوز بعض المقرّبين منهم. في المقابل، برزت تركيا رابحاً رئيسياً من هذه الانتخابات على المستويين المحلي والبرلماني، في مشهد يختلف عن الصورة التقليدية لحلب.
ختاماً، يمكن القول إنّ الانتخابات السورية الجديدة تمثّل محاولةً للخروج من النفق المظلم الذي دخلته سوريا خلال سنوات الحرب، لكنها تبقى خطوةً أولى في مسار طويل نحو بناء نظام ديمقراطي حقيقي. التمثيل المتواضع للنساء والأقليات، والطبيعة غير المباشرة للانتخاب، والاستبعاد الجغرافي لمناطق كاملة من التمثيل، كلها عوامل تضع علامات استفهام كبيرةً حول قدرة هذا المجلس على تمثيل التنوّع السوري الحقيقي.
وبرغم الانتقادات كافة، تبقى الانتخابات التشريعية الأولى بعد إسقاط الأسد، علامةً على محاولة الخروج من دولة القبضة الأمنية نحو دولة المؤسسات، لكن النجاح الحقيقي سيكون بقدر ما تستطيع هذه المؤسسات الجديدة تمثيل إرادة السوريين، واحترام تنوعهم، وبناء مستقبل يتسع للجميع دون إقصاء أو تهميش.
رصيف 22
——————————–
“انتخابات” سوريا كانعكاسٍ لمخاوف الشرع من التجربتين المصرية والعراقية/ جاد يتيم
2025.10.11
شهدت سوريا في الخامس من تشرين الأول/أكتوبر الجاري أول عملية انتخابية بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر ٢٠٢٤. وإذا كان ما جرى لا يرقى إلى كونه انتخابات مكتملة الأركان، كما هو متعارف عليه في الأنظمة الديمقراطية الراسخة، فإنه شكّل مشهديةً وخطوةً هائلةً بنظر الكثير من السوريين، واختبارًا لعملية انتقالٍ سياسي تتوافق مع الظروف السورية الحالية، ويريدها النظام الجديد أن ترسّخ حكمه الطريّ.
حقيقة الأمر أن طريقة اختيار أعضاء “الجمعية الوطنية” السورية، سواء عبر هيئات ناخبة تم اختيارها مسبقًا من قبل السلطات، تعكس خوفًا عميقًا لدى النظام من تكرار تجارب العديد من ثورات ٢٠١١ العربية التي سبق أن نجحت في إسقاط رأس النظام في أكثر من بلد، لكنها سرعان ما فشلت في مواجهة الدولة العميقة للنظام الذي كان يحكم، وبالتالي تم إما إقصاء التيارات السياسية التي تمثل الثورات الجديدة، أو حتى زجها في السجون.
ولعلّ التجربة المصرية القصيرة بعد ٢٠١١، وصولًا إلى إسقاط حكم “الإخوان المسلمين” عام ٢٠١٣، اتخذت طابعًا دمويًا في نهاية المطاف، وهي من أكثر التجارب رسوخًا في عقل الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع. ولا نقيصة أو عجب في ذلك. لا نقيصة، لأن دولةً إقليميةً كبرى مثل تركيا تأثّرت بما حصل في مصر إلى درجة أن انقلاب تموز/يوليو ٢٠١٦ أظهر أن النظام السياسي، ممثّلًا بحزب العدالة والتنمية، كان قد استعدّ – تأثرًا بما حصل مع “إخوان” مصر – لسيناريو انقلابي من قبل الجيش، وأعدّ قواته الخاصة شديدة الولاء داخل الأجهزة الأمنية الرسمية، وكذلك مجموعات من الميليشيات الرديفة الرسمية الموالية للحكم بشكلٍ مطلق.
ولا عجب، لأن تركيا هي المهندس الرئيسي لمشروع التغيير العسكري في سوريا، وبالتالي سيكون الشرع متأثرًا حتمًا ومستعدًا لتفادي التجربة المصرية، سواء بدافعٍ شخصي أو تأثرًا بما فعلته تركيا.
إلى جانب “التجربة المصرية”، يبرز عاملٌ أساسيٌّ آخر في تفكير الشرع، وهو تفادي “التجربة العراقية”، والمقصود هنا تجربة عراق ما بعد صدام حسين بعد التدخل الأميركي عام ٢٠٠٣. فإصرار الشرع على مركزية الدولة السورية الجديدة، والذي أدى إلى حمّاماتٍ من الدم في كلٍّ من السويداء والساحل السوري، لا يرجع فقط إلى ضغطٍ تركي يتمسك بالمركزية من أجل منع أي انفصالٍ كرديٍّ سوري، ستكون له تداعيات مباشرة على الأمن القومي التركي، بل يمكن تفسير ذلك من خلال فهم عقلية الشرع الذي يعتقد أن الشراكة الواسعة للمكونات السورية كلها ستؤدي إلى حكمٍ جديدٍ عاجزٍ وغير فاعل، وبالتالي حكمٍ هشٍّ يسهل تعطيله وربما إسقاطه.
لكن فاتت الشرع نقطتان أساسيتان:
1- أن تشابهه مع “إخوان” مصر يقوم فقط على أن الجهتين لا تمثلان كل قوى وشخصيات ثورة ٢٠١١ التي أطلقت الشرارة الأولى وتحملت عبء البطش الأول، والذي طال في سوريا حتى ٢٠١٢ – ٢٠١٣.
بعيدًا عن هذا التشابه، فإن خوفه من التجربة المصرية غير مبرر، لأن ما قامت به “هيئة تحرير الشام” هو انتصارٌ عسكريٌّ أسقط النظام كله مع دولته العميقة. ومن قرر “التكويع” أو البقاء في المشهد، خصوصًا من الشخصيات المعروفة بولائها لنظام الأسد، فعل ذلك بشروط النظام الجديد.
2 – أما المقارنة مع العراق، فكذلك مبالغٌ بها، لأن التنوع السوري تسوده غالبيةٌ سنّية واضحة جدًا، وبالتالي فإن توسيع المشاركة السياسية لن يؤدي بالضرورة – خصوصًا إذا تمت إدارة التنوع واستيعابه – إلى حكمٍ هزيل.
بالطبع، وبعيدًا عن هذه الثوابت في عقلية الشرع، تبقى هناك مشروعيةٌ للسؤال عمّا إذا كانت سوريا قادرةً على إجراء انتخاباتٍ نيابيةٍ كاملة الأركان، وليس مجرد عملية انتخابية كما جرى في الخامس من تشرين الأول/أكتوبر، حيث لم يشارك إلا نحو ٧٠٠٠ سوري في العملية كلها.
ذلك أن الإصرار الغربي على إجراء الانتخابات سريعًا وبأيّ ثمن، خصوصًا في بلدان فقدت كل مقومات الدولة فيها، أو ما تزال شخصياتٌ وقوى النظام السابق ممسكةً بالشارع بحكم باعها الطويل في الحكم، وإظهار هذه الانتخابات كـ”درة تاج” الثورة وإنجازها الوحيد، لم يؤدِّ إلى بناء دولةٍ قويةٍ متماسكة، بل تحوّل الناس إلى “الترحّم” على الأنظمة السابقة بسبب عجز الحكام الجدد عن تخليص شعوبهم من عقودٍ من إرث الأنظمة السابقة.
نتج عن هكذا انتخابات – والشواهد واضحة بعد عراق ٢٠٠٣ وليبيا ٢٠١١، وكذلك مصر – ارتداد الناس إلى النظام الذي سقط، والكفر بالثورات، وبالتالي القضاء على أي أملٍ بتغييرٍ سياسيٍّ مستقبليٍّ، لأنه بالنسبة للناس مجرد وعودٍ فارغة.
التحدي الأساس، ربما اليوم، هو ألّا تطول الفترة الانتقالية في سوريا. وستكون كيفية استخدام الرئيس الشرع لحقّه بتعيين ثلث الجمعية الوطنية الجديد مؤشّرًا لجدية وشفافية الحكم الجديد بما يخدم الصالح العام.
لكن الأساس، بالتوازي مع ذلك، وفي خضم بناء التجربة السورية الجديدة، هو أن يستمر السوريون في توسيع هوامش الحرية والنقد والانخراط السياسي لبناء تجربةٍ ناضجة تخوض انتخاباتٍ مقبلة بكلّ قوة.
من حق النظام الجديد أن يرسّخ حكمه، وما يعتقد أنه يتماهى مع ترسيخ الاستقرار السوري، لكن، وحتى لا تتحول المركزية إلى نوعٍ من تغوّل السلطة الجديدة، فإن كلَّ سوريٍّ مطالبٌ بالتمسك بحقه كإنسانٍ ومواطن. والإعلان الدستوري يشكل إطارًا لذلك في الوقت الحالي.
هنيئًا لرفاق ثورة ٢٠١١ الذين فازوا في العملية الانتخابية الأخيرة، وهنيئًا للسوريين كمية التجارب التي يخوضونها للمرة الأولى، مهما كان نوعها، بحريةٍ كبيرة يجب أن يدفعوا دائمًا باتجاه تكريسها.
تلفزيون سوريا
—————————
مجلس الشعب السوري الجديد.. خطوة نحو الديمقراطية؟/ أحمد العقلة
السبت 2025/10/11
تشهد سوريا، بعد سنوات طويلة من الصراع الدامي والتحولات السياسية مرحلة جديدة تتمثل في تشكيل مجلس الشعب الجديد، الذي يُعدّ نقطة تحول مثيرة للجدل في المشهد السياسي السوري.
يُنظر إلى هذا المجلس على أنه خطوة قد تمهّد الطريق نحو بناء دولة ديمقراطية تلبي تطلعات الشعب السوري، أو على النقيض أداة لتكريس الإقصاء السياسي تحت غطاء إجراءات شكلية.
ينقسم المراقبون والناشطون بين متفائلين يرون في المجلس فرصة لإعادة هيكلة النظام السياسي وتصحيح مسار العملية الديمقراطية، ومشككين يعتبرونه امتداداً لممارسات استبدادية تُروّج بثوب جديد.
في هذا السياق، تبرز أسئلة ملحة حول مدى استقلالية المجلس، وعدالة التمثيل فيه، وقدرته على مواجهة تحديات بناء دولة عادلة وسط إرث الحرب والانقسامات الاجتماعية والسياسية.
تعقيد المرحلة الانتقالية في سوريا
يُعرب رئيس المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية أنور البني، في حديثه لـ “المدن”، عن ترحيبه الحذر بالعملية الانتخابية التي أسفرت عن نجاح عدد من الأشخاص “المعقولين والمقبولين”.
ومع ذلك، يشير إلى اختلالات واضحة في التمثيل الشعبي، لا سيما في ضعف تمثيل النساء الذي لم يتجاوز 3% من الناجحين. يؤكد البني أن التعيينات اللاحقة ضرورية لضمان تمثيل كافة مكونات الشعب السوري، مشدداً على أن استقلالية المجلس، رغم النص عليها في الإعلان الدستوري، تعتمد على أداء أعضائه”.
“استقلالية المجلس لا تعني بالضرورة استقلالية الأعضاء أنفسهم، الذين قد يكونون مرتبطين بانتماءات سياسية أو حزبية” يقول البني، مشيراً إلى أن بعض الأعضاء قد يدعمون السلطة التنفيذية، بينما يسعى آخرون لمواقف مستقلة أو معارضة.
في المقابل، يرى المحامي زيد العظم، في تصريحات لـ”المدن” من باريس، أن المجلس الذي يُطلق عليه السوريون في دمشق اسم “مجلس شعب الشرع”، لا يمثل إرادة الشعب.
ويوضح أن اختيار أعضاء اللجان الانتخابية، وعددهم نحو 7000 شخص، تم بعناية من قبل الرئيس أحمد الشرع بناءً على ولائهم، مما يجعل قراراتهم خاضعة لتوجيهاته. “هذه ليست انتخابات غير مباشرة، لأن هذا المصطلح يفترض وجود أشخاص منتخبين أصلاً، يقول العظم، مشيراً إلى أن تمثيل البرلمان لا يتجاوز واحدًا من كل 3000 مواطن مع تهميش واضح لمدن مثل دمشق، التي اقتصر اختيار أعضائها على 400 إلى 450 شخصاً فقط.
تكشف الآراء المتضاربة حول مجلس الشعب الجديد عن عمق التحديات التي تواجه سوريا في مرحلتها الانتقالية. فمن جهة، يرى البني أن المجلس يمكن أن يكون أداة لتصحيح المسار السياسي إذا ما تم تعزيزه بتعيينات تمثل مختلف مكونات المجتمع السوري، مع التركيز على دور المجتمع المدني في مراقبة أدائه.
ومن جهة أخرى، يحذر العظم من أن المجلس ليس سوى واجهة لتكريس سلطة جديدة تستند إلى الولاءات بدلاً من التمثيل الحقيقي، مما يعيد إنتاج ديناميكيات الإقصاء السياسي.
يعكس هذا التباين حالة من عدم اليقين حول قدرة المجلس على تحقيق توازن بين تطلعات الشعب السوري للديمقراطية والعدالة، وبين الواقع السياسي المعقد الذي لا يزال يعاني من إرث الحرب والانقسامات.
وفي هذا السياق، تظل الأسئلة مفتوحة حول ما إذا كان المجلس سيتمكن من تجاوز التحديات الهيكلية والسياسية ليصبح أداة لبناء دولة عادلة، أم أنه سيبقى مجرد انعكاس للتوازنات القائمة بين القوى المتنافسة.
بناء الدولة بين الطموح والواقع
يرى البني أن المرحلة الحالية تتجاوز الصراع التقليدي بين النظام والمعارضة، وتركز على بناء الدولة. وأكد أن هذا الهدف يتطلب خبرات سياسية وقانونية قد لا يمتلكها الكثير من ناشطي الثورة، الذين ركزوا على المطالبة بالحرية والكرامة.
ويشدد على دور المجتمع المدني في مراقبة أداء المجلس، داعياً إلى اعتماد معيار “المجرم والضحية” بدلاً من التقسيم التقليدي بين نظام ومعارضة. “هذا المعيار هو الأنسب لبناء دولة عادلة تحاسب المجرمين وتحمي الجميع”، يقول البني.
على النقيض، يرى العظم أن المجلس الحالي يعكس استمراراً للنهج الاستبدادي. ويقارن بينه وبين تجربة فاشلة لهيئة تحرير الشام في إدلب، معتبراً تصريحات د الشرع، التي تصف الانتخابات بأنها “غير مكتملة لكنها تتناسب مع المرحلة الانتقالية”، نوعاً من “التقية السياسية” لتبرير ممارسات سلطوية. وأشار إلى أن محافظات مثل السويداء أُقصيت بدعوى “الأسباب الأمنية”، مما يكشف عن استمرار تداعيات الحرب الأهلية.
ويحذر العظم من انقسام الشارع السوري بين مؤيدين لسلطة الشرع، بدوافع مادية أو طائفية، ومعارضين يمثلون جزءًا كبيرًا من الشعب. “الشعب الذي كسر جدار الخوف خلال ثورة استمرت 14 عامًا لن يتقبل هذه الإجراءات بسهولة”، يقول العظم، مشيرًا إلى أن السلطة تبني نظامًا قمعيًا جديدًا عبر برلمان وهمي. في المقابل، يبقى البني متفائلًا بحذر، مؤكدًا أن أداء المجلس ودور المجتمع المدني سيكونان حاسمين في تحديد مسار العملية السياسية.
المدن
————————————
لجنة انتخابات البرلمان السوري: العملية لم تكن انتخابات ولا تعييناً
المتحدث باسم اللجنة: العملية الانتخابية كشفت نقاط ضعف المجتمع السوري
دبي – العربية.نت
11 أكتوبر ,2025
لا يزال السوريون يناقشون نتائج عملية اختيار أول برلمان في سوريا بكل تفاصيلها، خصوصاً أنها الأولى بعد الإطاحة بحكم بشار الأسد، وانتهت الأسبوع الماضي.
لجنة الانتخابات: الشرع سيعمل على تصويب الثغرات
سوريا لجنة الانتخابات: الشرع سيعمل على تصويب الثغرات
“ليست انتخابات حقيقية مباشرة”
فقد رأى المتحدث باسم اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، نوار نجمة، أن العملية ليست تعييناً، ولا انتخابات حقيقية مباشرة، موضحاً أنها مرت بتحديات كبيرة.
وأوضح في منشور عبر X، أن التحدي الأول كان وضع النظام الانتخابي المؤقت بشكل مقنع بعيد عن الشخصانية وقريب من هموم الناس وآرائهم بعد الاقتناع بعدم القدرة لا من قريب ولا من بعيد على إجراء انتخابات مباشرة تقليدية لظروف لوجيستية وأخرى ديموغرافية وأخرى سياسية.
وأضاف أن التحدي الثاني كان بإرضاء الناس في ظل ثقافة شعبية تغير الولاءات، الصفة الشائعة أصلاً في التاريخ السوري، وفق تعبيره.
رغم ذلك، لفت إلى أن إصلاح الأخطاء أفضل من التعنت في المضي بها، كما أن احترام مبادئ أساسية في قانون النظام الانتخابي المؤقت قد يكون أهم من إعلانات عن أسماء رسمية أو غير رسمية، بحسب قوله.
أيضاً شدد على أن النجاح الباهر الذي شهدته صناديق الاقتراع كان كفيلاً بكشف أمراض المجتمع السوري ونقاط ضعفه، والعمل على تصحيحها، مقراً بأن سوريا ما زالت بعيدة إلى حد كبير عن مشاركة المرأة لحين تغيير العقليات.
ولفت إلى أن الثورة حضرت في مجلس الشعب بشخصيات لا غبار على ثوريتها مع بعض الاستثناءات، وشخصيات لا غبار على كفاءتها، مشدداً على ضرورة وجود ثقافة برلمانية سريعة وأفكار جديدة وقدرة ورغبة حقيقية بتحويل البرلمان لمكان حقيقي للمشاركة والتنوع كي لا تضيق الحلقة ويتحول البرلمان لأقلية سياسية بعيدة عن هموم الناس واحتياجاتهم الأساسية التي لم تعد قادرة على الانتظار وتعرقل قطار التنمية.
إلى ذلك، ختم بأنه لا بد من اندماج حقيقي للمجتمع والانتقال من شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” إلى شعار “الشعب يريد بناء الوطن”.
6000 شخص
يذكر أن عملية اختيار أول برلمان في سوريا بعد الإطاحة بحكم بشار الأسد كانت انتهت، الأحد الماضي.
وكان حوالي 6000 شخص شاركوا في عملية اختيار النواب، بعدما نافس أكثر من 1500 مرشح، 14% منهم فقط من النساء على عضوية المجلس، الذي ستكون ولايته قابلة للتجديد لمدة 30 شهراً، وفق اللجنة العليا للانتخابات.
ومن المقرر أن يتم تشكيل البرلمان المقبل بآلية حدّدها الإعلان الدستوري وليس بانتخابات مباشرة من الشعب، إذ انتخبت بموجب هذه الآلية هيئات مناطقية شكلتها لجنة عليا، ثلثي أعضاء المجلس البالغ عددهم 210، على أن يعيّن الرئيس السوري الثلث الباقي.
فيما تأجل اختيار أعضاء المجلس في محافظات السويداء والرقة (شمالاً)، والحسكة (شمال شرق) بسبب “التحديات الأمنية”، وفق ما أعلنت سابقاً لجنة الانتخابات.
——————————
======================
تحديث 10 تشرين الأول 2025
——————————–
الكرسي الفارغ.. حين لم تمثل المرأة بشكل حقيقي في مجلس الشعب الجديد/ وفاء علوش
2025.10.10
في أول انتخابات لمجلس الشعب بعد سقوط نظام الأسد، كانت الأنظار تتجه إلى صناديق الاقتراع بوصفها علامة على ولادة مرحلة جديدة، لا مجرّد تبدّل في الأسماء.
لكن النتائج حملت خيبةً مزدوجة: خيبةً في التغيير السياسي الذي وُعِد به السوريون، سواء بتعويم وجوهٍ قديمة أو بمحاولة تسلّق بعضهم لسُلَّم المرحلة، وأخرى أعمق في تمثيل النساء اللواتي غبن تقريبًا عن المشهد، رغم كل ما قدّمنه خلال سنوات الحرب وما بعدها.
فبدت العملية السياسية وكأن التحوّل المأمول أعاد إنتاج الإقصاء نفسه، ولكن بوجهٍ أكثر نعومة وأقلّ صخبًا.
ربما كان من المفترض أن تكون المرحلة الانتقالية في سوريا امتحانًا لقيم العدالة والمواطنة، وأن تشكّل الانتخابات الأولى اختبارًا حقيقيًا لقدرة السوريين على كسر القوالب التي صاغها نظام الأسد لعقود.
فبعد سنواتٍ من الخطاب الإنشائي عن مكانة المرأة ومساهمتها في المجتمع، كانت اللحظة الديمقراطية المنتظرة فرصة لتثبيت حضور النساء في القرار السياسي بوصفه حقًا لا منّة.
غير أن ما جرى كشف عن هشاشة البنية الاجتماعية والسياسية التي لم تتغير جذريًا بعد.
فحتى مع سقوط النظام، بقيت آليات التفكير القديمة تحكم الفعل السياسي، وبدا أن المجتمع الذي انتفض ضد سلطة الفرد ما زال أسير السلطة الأبوية.
وعلى الرغم من محاولات الإدارة الجديدة إضفاء طابعٍ “ديمقراطي” على العملية الانتخابية، فإن الواقع السياسي والقانوني في البلاد يجعل من هذه الانتخابات شكليةً أكثر منها حقيقية.
فغياب البيئة الآمنة والمستقلة، وعدم الوضوح في رسم ملامح المرحلة الانتقالية، إلى جانب ضعف مؤسسات الرقابة، كلها عوامل تجعل العملية الانتخابية تفتقر إلى الشفافية.
كما أن المشاركة السياسية في ظل هذا المناخ تبقى محدودة الأثر، ولا يمكن اعتبارها تعبيرًا صادقًا عن إرادة السوريين الحرة.
هل في هذا ما يدعو للدهشة؟ ليس تمامًا.
فالبلاد خارجة من سجنٍ كبير أعاق حرية التفكير، وتسبّب بشللٍ في ممارسة الحريات والحقوق الطبيعية. وما زلنا مبتدئين جدًا في تنظيم البرامج الانتخابية والمقارنة بينها والاختيار، ويبدو من ضروب الخيال أن يُتهيأ لنا أن التحول الديمقراطي سيتحقق بين ليلةٍ وضحاها.
ولا أقصد هنا مسألة الحياة السياسية فحسب، بل أيضًا تعامل المجتمع مع المعطيات والشروط التي تمهّد لحياةٍ سياسيةٍ صحية.
إن غياب النساء عن البرلمان لم يكن مجرد صدفةٍ انتخابية، بل انعكاسًا لتاريخٍ طويل من التمثيل الشكلي.
ففي العقود السابقة، استُخدمت المرأة بوصفها رمزًا تجميليًا لحداثة النظام، عبر مقاعد “كوتا” محددة وواجهاتٍ نسائية تابعة للأجهزة السياسية.
ومع أن هذه المقاعد وفّرت حضورًا شكليًا في المشهد العام، فإنها لم تمنح النساء سلطةً حقيقية أو صوتًا مستقلًا.
في الانتخابات الأخيرة، غابت حتى تلك الواجهة الرمزية.
لم تُسعف الوعود ولا الخطابات الداعية إلى المشاركة الشاملة في تصحيح اختلالٍ بنيوي عميق، ليس في التمثيل الجندري فقط، وإنما في بنية المجتمع ذاته، الذي لا يؤمن بالنساء على أنهنّ شريكاتٌ حقيقيات.
لقد غاب التمثيل النسائي كأن الكرسي البرلماني ما زال محجوزًا لذكورةٍ سياسيةٍ تعيد تعريف نفسها في كل مرة، لكنها لا تسمح لغيرها بالدخول.
وعند قراءة خريطة الأصوات، يتضح أن المشكلة لم تكن فقط في القوائم الانتخابية أو القوى السياسية التي نظّمتها، بل في المزاج الاجتماعي ذاته.
فالمجتمع الذي واجه طغيان السلطة لم ينجح بعد في مواجهة طغيان العرف، فصوت الناخب ظلّ محكومًا بنمطيةٍ راسخة ترى في السياسة شأنًا رجاليًا، وفي المرأة كائنًا رمزيًا يصلح للتمثيل في المناسبات، لا في مواقع القرار.
الناخبات أنفسهنّ لم يخرجن كثيرًا عن هذا الإطار؛ فالتنشئة الاجتماعية والسياسية أقصت النساء عن الحيّز العام لعقود.
لذلك ذهبت كثير من الأصوات النسائية بدورها إلى المرشحين الرجال، إما بدافع العرف أو بدافع “الواقعية السياسية” التي أقنعت الناخبات بأن “الكرسي ليس لهنّ بعد”.
تعتمد كثير من المنظمات السياسية والمدنية على ما يُسمّى بـ“الكوتا النسائية” كآليةٍ لضمان الحد الأدنى من المشاركة، لكن هذه الآلية، كما أظهرت التجربة السورية، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى غطاءٍ رمزي أكثر من كونها وسيلة تمكين.
فالكوتا، عندما تُفرض دون معالجة الأسباب العميقة للتهميش، تصبح مجرد ديكور في مشهدٍ لم يتغير.
في الغالب، لم تتغيّر العقلية الداخلية في الإدارة، فالمناصب القيادية ظلّت حكرًا على رجالٍ يحملون صيغة الخطاب الجديد لا مضمونه.
ربما أمامنا اليوم تجربةٌ ناطقة تخبرنا أن الكوتا لا تصنع المساواة، بل تكشف غيابها.
فهي أشبه بمرآةٍ تُظهر بوضوح حجم الفجوة بين الخطاب والواقع، فحين تُمنح المرأة مقعدًا محجوزًا مسبقًا، تُمنح أيضًا رسالةً ضمنية: هذا حجمك، لا تتجاوزيه.
ليس سهلاً على مجتمعٍ عاش عقودًا من السيطرة الأبوية والسياسية أن يُعيد تعريف ذاته في بضع سنوات.
فالإقصاء الذي مارسه النظام السابق لم يكن سياسيًا فقط، بل ثقافيًا واجتماعيًا أيضًا.
استخدم النظام “التمكين النسائي” كواجهة لتلميع صورته، لكنه في الوقت ذاته حاصر المرأة داخل أطرٍ شكلية ومنظماتٍ رسميةٍ تابعةٍ له.
هذا الإرث لن يُمحى بسهولةٍ بسقوط النظام، لأن الذهنية التي أنتجته لم تُستبدل بعد.
فتجارب الأحزاب الجديدة التي ظهرت بعد التحرير لم تكن، في معظمها، مختلفة جوهريًا، إذ غلب عليها الطابع الذكوري في الإدارة والتفكير وحتى في الخطاب العام.
وهكذا استمرّ الغياب النسائي بوصفه نتيجةً منطقية لمنظومةٍ لم تتعلم بعد كيف ترى المرأة كفاعلٍ سياسيٍّ مستقل، وكأن المجتمع لا يزال يتعامل مع الطموح السياسي للمرأة بوصفه خروجًا عن المألوف لا ممارسةً طبيعيةً للحق.
لوحظ في الآونة الأخيرة مزيدٌ من التراجع في مواقف النساء أيضًا، إذ تركن الميدان تحاشيًا للمنافسة غير العادلة، في حين أعلنت أخريات أنهنّ يُفضّلن العمل المدني على السياسي، في محاولةٍ لتجنّب الصدام مع بيئةٍ لم تتصالح بعد مع حضور المرأة في الميدان السياسي.
لكن هذه الحالات الفردية، وإن بدت بسيطة، تعبّر عن خوفٍ جمعي من التغيير، وعن مجتمعٍ لا يزال يختبر حدود تقبّله للمساواة.
لقد شكّلت مشاركة النساء في كثير من الدول الخارجة من النزاعات بوابةً لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
ففي بعض التجارب، كان حضور النساء في البرلمان رافعةً للمصالحة وتجاوز الانقسام، لأن المرأة مثّلت صوت الضحايا لا صوت المنتصرين.
في الحالة السورية، ما زال الخطاب السياسي متمركزًا حول صراعات السلطة، لا حول إعادة بناء النسيج الاجتماعي.
وبالتالي، غابت النساء عن التمثيل لأن معايير القوة لا تزال ذكوريةً في جوهرها.
فلم يُنظر إلى الكفاءة أو الرؤية أو الخبرة، بقدر ما يُنظر إلى الانتماء والقدرة على الحشد، وهي معايير لا تمنح النساء مساحةً عادلةً للمنافسة.
ليس التمثيل النسائي ترفًا ولا مطلبًا فئويًا، بل شرطٌ أساسي لأيّ ديمقراطيةٍ حقيقية.
فالمجتمع الذي يُقصي نصف أفراده من القرار لا يستطيع أن يدّعي الشمولية أو العدالة.
وغياب النساء عن البرلمان الجديد لا يعني فقط خسارةً في الأرقام، بل خسارةً في نوعية النقاش السياسي، في اللغة التي تصوغ السياسات، وفي القيم التي تُبنى عليها الدولة.
لطالما كانت النساء في الخطوط الأمامية للمجتمع: في الإغاثة، والتعليم، والطب، والإدارة المحلية.
وعندما جاءت اللحظة السياسية، أُعيد وضعهنّ في الصفوف الخلفية.
ويبدو أن هذه المفارقة تلخّص جوهر الأزمة السورية الجديدة: إنها أزمة وعيٍ لا تزال تُكرّس التهميش بدل أن تُفكّكه.
وفي مواجهة هذا التهميش، لم تكن معركة النساء فقط مع المجتمع، بل مع ذواتهنّ أيضًا.
فسنواتٌ طويلة من التلقين الاجتماعي جعلت كثيراتٍ يشككن في كفاءتهنّ السياسية، وكأن الإقصاء المتكرر تحوّل إلى قناعةٍ داخلية بوجود سقفٍ لا يجوز تجاوزه.
وبهذا لم يعد التحدي هو انتزاع الفرصة من يد الرجل فحسب، بل إقناع الذات بأن هذه الفرصة ممكنةٌ أصلًا.
لقد خاضت المرأة السورية أقسى تجارب الحياة في فترة الحرب، لكنها تجد نفسها اليوم أمام جدارٍ صلبٍ من الأحكام المسبقة، بعضها صادرٌ من محيطها وبعضها يتسلل إلى داخلها.
فتواجه في كل محاولةٍ للتقدم نحو موقع قرارٍ بنظرات تشكيكٍ أو نبرات استهجان، وأحيانًا بتخويفٍ مُقنّعٍ يُعيدها خطوةً إلى الوراء.
ومع ذلك، فإن هذا الصراع الداخلي يكشف أن التحوّل الحقيقي لن يبدأ من صناديق الاقتراع، بل من داخل الوعي النسائي نفسه؛ من إعادة بناء الثقة بالذات، لا انتظار اعتراف الخارج.
إن فشل التمثيل النسائي في أول برلمانٍ بعد الأسد ليس مجرد انعكاسٍ لتقصير الأحزاب أو ضعف المشاركة، بل اختبارٌ أخلاقي للمجتمع السوري بكامله.
فالتغيير الحقيقي لا يُقاس بعدد المقاعد أو الأسماء، بل بمدى قدرة المجتمع على إعادة تعريف السياسة بوصفها شأنًا إنسانيًا لا ذكوريًا.
الكرسي الفارغ في البرلمان هو أكثر من مقعدٍ لم تشغله امرأة؛ إنه رمزٌ لغياب وعيٍ جمعي لم يدرك بعد أن العدالة لا تُجزّأ، وأن الديمقراطية بلا نساء ليست سوى وجهٍ آخر للسلطات القديمة.
وربما سيحتاج السوريون إلى وقتٍ طويل كي يتصالحوا مع هذه الحقيقة، لكن الخطوة الأولى تبدأ بالاعتراف بأن الكرسي الفارغ ليس عيبًا في المرأة التي لم تصل، بل في المجتمع الذي لم ينضج بعدُ بالقدر الكافي ليكون منصفًا.
تلفزيون سوريا
———————————–
تركيا: “قسد” لا تلتزم باتفاقها مع دمشق وانتخابات البرلمان خطوة مهمة وإيجابية
2025.10.10
قالت وزارة الدفاع التركية إن “قوات سوريا الديمقراطية” لم تلتزم بالاتفاق المبرم مع الحكومة السورية، مؤكدة أنها شنت خلال الأيام الأخيرة هجمات في عدة مناطق من ريفي منبج وحلب ضد قوات الحكومة.
وفي تصريحات لوسائل إعلام تركية، قالت مصادر من وزارة الدفاع التركية إن الهجمات التي تشنها “قسد” تمثل دليلاً جديداً على عدم التزامها بمذكرة التفاهم الموقعة في 10 آذار 2025 مع الحكومة السورية، مشددة على أن تلك الهجمات تشكل “تهديداً واضحاً للسلام والاستقرار الإقليميين”.
وأكدت وزارة الدفاع التركية أن أنقرة تتابع عن كثب وبحذر المحادثات والاتصالات الجارية بين الحكومة السورية و”قسد”، موضحة أنّ موقفها يقوم على “تقييم النتائج العملية لهذه المفاوضات على الأرض، وليس مجرد انعقادها”.
“دولة واحدة وجيش واحد”
من جانب آخر، قالت المصادر التركية إن أنقرة ترى في الانتخابات البرلمانية التي أُجريت في سوريا خطوة مهمة وإيجابية من حيث دعم وحدة البلاد وأمنها واستقرارها، مشيرة إلى أنّ تركيا تعتبر هذه الانتخابات “خطوة تخدم وحدة الدولة السورية وأمنها واستقرارها والسلام الإقليمي”.
وجددت الوزارة دعمها لمبدأ “دولة واحدة وجيش واحد” في سوريا، مؤكدة استمرار دعمها لوحدة الأراضي السورية وسيادتها، وعدم قبولها بأي ترتيبات تهدد وحدة البلاد أو تنشئ هياكل موازية للجيش السوري.
والأربعاء الماضي، أجرى وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، زيارة رسمية إلى تركيا، التقى خلالها نظيره التركي، هاكان فيدان، وذلك في سياق ترتيبات سياسية وأمنية بين دمشق وأنقرة، حيث استضافت تركيا اجتماعاً سياسياً رفيعاً بين مسؤولين من الجانبين، لبحث مستقبل “قسد”، وتنفيذ اتفاق 10 آذار.
وفي مؤتمر صحفي مشترك، قال وزير الخارجية التركي إن الوقت حان لإلزام “قسد” باتفاق 10 آذار، مشيراً إلى أن العناصر التي تهدد أمن سوريا تهدد أمن تركيا كذلك ومن بينها “قسد”.
وأضاف فيدان أن “قسد تتبع أجندة انفصالية تحت غطاء محاربة داعش ويجب عليها أن يتخلى عن هذا النهج الآن”.
وأشار الوزير التركي إلى أنه “على الأطراف في سوريا أن تحل مشاكلها بنفسها تركيا تساعد فقط”، معرباً عن أمله في أن “يتحقق اندماج قسد بصورة سلمية”.
من جانبه، شدد وزير الخارجية السوري على أن الحوار مستمر مع “قسد”، مجدداً رفض دمشق لكل أشكال التقسيم، “تحت أي مبرر أو إطار”.
وأشار الشيباني إلى أن “قسد تمضي ببطء عكس تحركات الحكومة السورية السريعة”، داعياً “قسد” إلى الالتزام بما جاء في اتفاق 10 آذار “الذي ما زال حبرا على ورق”، وفق تعبيره.
—————————-
=======================
تحديث 09 تشرين الأول 2025
——————————–
أي برلمان “منتخب” تنتظره سورية؟/ عمار ديوب
09 أكتوبر 2025
لا تكتمل سلطات الدولة (لتكون دولة، وإن شكلياً) من دون السلطة التشريعية. هذا هو السبب لإجراء الانتخابات النيابية أخيراً في سورية، في الخامس من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري. المشكلة أن هذه الانتخابات ليست مباشرةً، وهو ما تقوله السلطة. والمقصد هنا أن الرئيس الانتقالي أحمد الشرع كلّف لجنةً عليا للانتخابات الإشراف على تشكيل اللجان الفرعية في المحافظات كلّها، وشكّلت المحافظات الهيئات الانتخابية (ضمنها فقط حصل الترشّح والانتخاب)، ويعود إقرار تلك الهيئات إلى اللجنة العليا. إن مجموع أعضاء الهيئات الانتخابية سبعة آلاف شخص في المحافظات السورية التي انتخبت، ولم تُجرَ الانتخابات في ثلاثٍ منها، هي الحسكة والرقة والسويداء. إن سبعة آلاف اختاروا 119 عضواً، وسيعيّن الرئيس أحمد الشرع (وفق الإعلان الدستوري) 70 عضواً. ولكن مشكلة المحافظات الثلاث قائمة (لها 21 عضواً) تظلّ أنها لم تنتخب، لوجود خلافات سياسية بين ممثّليها وسلطة دمشق، وتتعلّق بكيفية إدارة الدولة والسلطة، والإصرار على أن تكون السلطة شاملةً وممثِّلةً للسوريين كافّة. العدد الإجمالي للسوريين هو 23 مليوناً، وهناك من يقول أكثر، وبالتالي، لا يمكن أن يشكل عدد سبعة آلاف تمثيلاً جادّاً، وبأيِّ صيغة من الصيغ للسوريين، وضمناً الانتخابات التي انتهت.
كان هناك اقتراح يسدّ ثغرة فراغ السلطة التشريعية، ووفق الحالة الانتقالية والمُعقّدة التي تمرّ فيها سورية، وهو أن تشكّل جمعية تأسيسية بإشراف أحمد الشرع، من خبرات سورية في المجالات كافّة، ومن شخصياتٍ مستقلّة ووطنية، وبما يلبّي حاجات التشريع، وتترافق معها الدعوة لانتخابات مجالس وإدارات محلّية، ومجالس النقابات واتحادات للطلبة وللفلاحين، وبما يُدرِّب الناس على الانتخاب الحرّ، وفي الوقت نفسه يتعرّف الشعب إلى الكفاءات، والشخصيات النزيهة والوطنية، وينتخبها لاحقاً لمجلس النواب، وتمتلك سياسات وبرامج تتجاوز المحلّيات والطائفية والقومية المتعصّبة والعشائرية، وهذا يراعي وجود كتلة سكّانية في المنافي، لم تعد بعد إلى منازلها، وأيضاً غير حائزة على وثائق رسمية كما تدّعي السلطة.
هناك اعتراضاتٌ على العملية المسمّاة بـ”الانتخابية”، وتتصل بعدم تمثيل مناطق كثيرة أو نسبة معقولة من الناشطين الثوريين منذ 2011، ولا نتكلّم عن المحافظات الثلاث، وأن هناك تحالفات مالية وسياسية تمّت لإقصاء الناشطين، وهناك تأثير للأمانة العامة للشؤون السياسية، وهي الجهة السياسية الوحيدة الفاعلة في سورية، والتابعة لوزارة الخارجية (!)، وللمحافظين، وللقادة العسكريين، وأن كل آليات تشكيل اللجان الفرعية والهيئات الناخبة كانت تتعرّض لضغوطٍ من هذه الجماعات المرتبطة بالسلطة…
لم يُنتخَب من أصل 119 نائباً سورياً سوى ستّة نساء، وهذا يعني سيطرة ذكورية كاملة على المجلس، قبل تعيينات الرئيس الشرع المرتقبة. بعد قراءة عديد من البرامج الانتخابية في وسائل التواصل الاجتماعي، فإن هناك مشكلة كبيرة في فهم دور المجلس التشريعي سلطةً مستقلّةً، وهناك بند في الإعلان الدستوري يمنعه من مساءلة الحكومة أو المطالبة بطرد وزير أو المطالبة بحلّ الوزارة بأكملها. إن وظيفته هي الاستماع والإنصات لها، وإذا علمنا أن الأحزاب غير ممثّلة في المجلس، وبما يعاكس الشروط الأولى للمجالس التشريعية في العالم، وأن يتمثّل فيها مرشّحو الأحزاب السياسية، وأن يتنافسوا برنامجيّاً ويناقشوا كيفية تلبية شؤون المواطنين، وبدءاً من إقرار القوانين الأكثر واقعية، فإن الحصيلة هنا أن البرلمان المقبل لن يكون ممثّلاً للشعب، بل للسلطة، ولتمرير القوانين التي تشاء. الكلام هذا معطوف على أن أغلبية من فازوا بالانتخابات هم في الأصل مرشّحون من الجماعات أعلاه أو هي راضية عنهم، ولدينا 70% من الأعضاء المعيّنين من الرئيس الانتقالي. وبالتالي، يأتي تشكيل المجلس هذا لغايات تتعلّق بتشريعات وقوانين أصبحت السلطة بحاجة إليها، وكذلك دعايةً إعلاميةً لها أمام العالم بأنّها أصبحت شرعية: ألا يمثّل المجلس التشريعي الشعب؟
هناك لقاءات جديدة ستجريها اللجنة العليا والرئيس والشخصيات المقرّبة منه لمناقشة الانتخابات التي أجريت. وبالتالي، على الرئيس ملء الفراغات، وتذليل المشكلات التي برزت، بدءاً من زيادة عدد التمثيل النسائي، وإجراء مفاوضات جادّة لتعيين أعضاء المحافظات الثلاث، وبموافقة القوى الفاعلة فيها، وليس فرض شخصيات موالية للسلطة، فهذا سيعزّز الفرقة والجفاء وعدم الثقة بالسلطة، وتمثيل المناطق التي لم تتمثّل بشكل جادّ في الانتخابات، فهل سيفعل ذلك أحمد الشرع، أم سيتّجه نحو تعيين شخصيات ثقاة منه، يساهمون في إقرار قوانين أو تعديل قوانين قديمة، وبما يتوافق مع رؤيته لقيادة سورية عبر الخطوات السياسية السابقة (مؤتمر النصر، والحوار الوطني، والإعلان الدستوري، والآن… الانتخابات غير المباشرة)، وفي تعزيز سلطته الفردية، والمحاسيب الدائرين في فلكه.
رفضت “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) الانتخابات، وتحت سيطرتها هناك خمسة ملايين سوري، في الرقة والحسكة ومناطق في دير الزور وحلب. وطبعاً هناك رفض كامل من السويداء للانتخابات. تؤكّد “قسد” أن الانتخابات كان يجب أن تجري تحت إشرافٍ دوليٍّ، وأن تكون حرّةً وديمقراطيةً. ابتعدت السويداء كثيراً، وهناك مطالبات بحقّ تقرير المصير، وربّما الانفصال. وبالتالي، ليست المحافظة معنيةً بما يسمّى بـ”العملية الانتخابية”. ما العمل الآن، وهل سيتمكّن الشرع من ترميم ما حدث من أخطاء منذ الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024، وليس في الانتخابات النيابية فقط؟ لا يمكن للعالم أن يتعامل مع هذه الانتخابات بجدّية، لا سيّما أن هناك ثلاث محافظات لم تُجرَ فيها الانتخابات. وأيضاً، لم ينتخب الشعب ممثّليه مباشرة، وهناك تشكيك واسع في جدوى هذه العملية.
الدول التي تبنّت الانفتاح على الشرع وسلطته ستتعامل مع الحدث باعتباره انتخاباتٍ “استثنائيةً”، في ظروفٍ استثنائية. ولكن هذا لن يعطي السلطة شرعية تمثيل الدولة بشكلٍ حقيقي. يستطيع أحمد الشرع شرعنة سلطته في الحالتَين أعلاه بأن يستغلّ الثلث الخاصّ به، وأن يُعيِّن 70 شخصية وطنية، وبذلك يُدعّم الثقة به من جديد، ولا بدّ من استقطاب المحافظات الثلاث أيضاً، وهناك العودة إلى الجمعية التأسيسية بدلاً من هذه الانتخابات، ولكن، وفي حال استغلّ النوابَ السبعين، يستطيع أن يُغيّر بهم التمثيل الفاشل في الانتخابات الحالية. فهل تغيّر السلطة رؤيتها للانتخابات الحالية التي تراها ضروريةً لـ”ثورة تشريعية” من أجل مصالحها الخاصّة، إلى رؤية تمثّل مصالح السوريين كلّهم. إن رفض الاعتماد على الأسس الوطنية في الانتخابات الراهنة، وعبر كتلة أحمد الشرع، سيشكّك في شرعية السلطة، وستظلّ تواجه مشكلةَ بقاء ثلاث محافظات خارج سيطرتها، ليتراجع الدعم الدولي، ولم يرفع قانون قيصر بل جمّد فقط، وهذا يؤثّر في الانفتاح الدولي، وفي الوقت ذاته، يؤمّن دعماً لـ”قسد” وللسويداء، وسيثير الأمر مزيداً من الابتعاد الشعبي عن السلطة. إذاً هناك طريقان لتفعيل مسألة الانتخابات وتمثيل الشعب، وعليهما سيكون مصير السلطة الانتقالية في دمشق؛ فأيهما ستختار؟
العربي الجديد
—————————–
وهم الانتخابات وخديعة النيابة/ محمد صبرا
2025.10.09
يقول هربرت ماركيوز في كتاب الإنسان ذو البعد الواحد إن “الإنسان ذا البعد الواحد لا يرى إلا ما يُقدَّم له، ويظن أنّه يختار بحرية”.
تتحدّد طبيعة المرحلة الانتقالية، بوصفها معبراً إجبارياً من الاستبداد والفساد إلى نظام جديد، من خلال وضوح الهدف النهائي لهذا العبور، فالانتقال السياسي ليس مجرد فاصلة زمنية بين نظامين، بل هو إعادة تأسيس لمنظومة الاجتماع السياسي، تُعاد فيها صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، والمواطن والسلطة، والحرية والمسؤولية، ومن دون تحديد غاية هذا الانتقال، يصبح كلّ حديث عن ضوابطه ومؤسساته ترفاً لغوياً ، وسفسطة أكاديمية لا تمسّ جوهر المشكلة، فالسؤال الجوهري الذي يجب أن يوجّه المرحلة الانتقالية في سورية هو: أيّ دولة نريد؟ وأيّ مواطنة نسعى إلى بنائها؟
غير أنّ هذا السؤال ما زال معلّقاً في فراغ الرؤية، فالسلطة الانتقالية تتصرّف وفق سياسة يومية مؤقتة، بلا مشروع واضح أو تصوّر نهائي، مكتفية بشعارات برّاقة من قبيل: “نريد أن نصبح سنغافورة، أو نريد دولة يُحترم جواز سفرها”، وهي عبارات تصلح للتحفيز الإعلامي، لكنها لا تصلح أساساً لبناء مشروع سياسي متكامل، ويتسع نطاق الغموض أكثر مع غياب حوار وطني حقيقي، واقتصار ما يُسمّى بـ”الحوار الوطني” على مشهدية استعراضية جمعت أشخاصاً اختيروا بعناية لتمثيل ما يشبه التنوّع دون أن يكونوا تنوّعاً حقيقياً، في صورة تنطبق عليها عبارة غي ديبور في كتابه مجتمع الاستعراض: “في مجتمع الاستعراض، كل ما كان يُعاش مباشرة أصبح يُمثَّل كمشهد”، وهكذا غدت السياسة كلها في صيغتها الراهنة مسرحاً مفتوحاً، تحكمه رمزية الحدث لا واقعية المضمون، من إطلاق الهوية البصرية إلى إعلان الصناديق السيادية، وصولاً إلى اختيار أعضاء المجلس التشريعي الانتقالي، الذي اكتملت به مؤسسات السلطة الانتقالية رسمياً، غير أنّ ما اكتمل في الشكل يخفي خطراً في الجوهر، إذ يُروَّج لما حدث وكأنه “انتخابات”، ما يخلق وهماً ديمقراطياً خطيراً يوحي بأنّ الشرعية الجديدة قد وُلدت من صناديق الاقتراع، بينما هي في حقيقتها “صناعة فوقية للقبول” على حدّ تعبير أنطونيو غرامشي.
تكمن الخطورة في أنّ هذا الوهم يمنح السلطة مظهراً تمثيلياً زائفاً، فتتحرّر من ضوابط المرحلة الانتقالية وتُضفي على قراراتها مشروعية مزيّفة باعتبارها صادرة عن “نواب منتخبين عن الشعب”.
وحتى يُفهم هذا الكلام بدقّة، فقد وجّهتُ منذ صدور الإعلان الدستوري انتقادات متكرّرة لحالة الفراغ التشريعي التي تسبب بها الإعلان نفسه، حين حرم رئيس الجمهورية من إصدار مراسيم تشريعية في الفترة الفاصلة بين صدوره وبين تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي، وقد أدى هذا الفراغ إلى اضطرار رئيس الجمهورية لمخالفة نص الإعلان، بإصدار مراسيم لا يحق له إصدارها طبقاً لأحكامه، لذلك، فإنّ خطوة اختيار أعضاء المجلس التشريعي الانتقالي كانت في جوهرها صحيحة من حيث استكمال مؤسسات الحكم، غير أنّ الإشكال الحقيقي يكمن في تسمية آليات اختيار الأعضاء بـ”الانتخابات”، إذ خلق ذلك وهماً بالتمثيل الشعبي والنيابة عن الأمة، هذا الوهم سيمنح الأعضاء شعوراً زائفاً بالشرعية النيابية، ويدفع بعضهم إلى تجاوز حدود صلاحياتهم، بوضع تشريعات تتخطّى مهمّتهم الانتقالية، وكان الأجدر ـ كما قلت سابقاً ـ أن يُصار إلى تعيين أعضاء المجلس بشكل مباشر من قبل رئيس الجمهورية، بدل إيهام الناس بوجود انتخابات، خاصة وأنّ السلطة هي التي اختارت مسبقاً الهيئة الناخبة وعددها المحدود من الأفراد المعروفين سلفاً، والذين تولّوا بدورهم اختيار الأعضاء، ففي دمشق، مثلاً، اختار خمسمئة عضو من الهيئة الناخبة عشرة أعضاء فقط، ولا يمكن تحت أي مفهوم أن يُطلق على ذلك اسم “انتخابات”، لأنّ عدد الأصوات التي حصل عليها كل عضو لا يتجاوز مئتي صوت، الأمر ذاته ينطبق على بقية المحافظات التي شهدت ما سُمّيت انتخابات وهي مجرد “آليات اختيار أعضاء المجلس التشريعي الانتقالي”، كما هو الاسم الحقيقي لها.
فالواقع يكشف أن هذه “الآليات” لم تكن انتخابية بالمعنى الحقيقي، بل أقرب إلى التعيين المقنّع، إذ حُدّدت مسبقاً هوية المشاركين، وعددهم، ومجال حركتهم، لذا فإن الادعاء بأنّ من تمّ اختيارهم هم “نواب عن الأمة” لا يقوم على أيّ أساس من أسس النيابة السياسية أو المشاركة الشعبية.
فالنيابة، في معناها السياسي الأصيل، لا تقوم على مجرّد وجود ممثلين، بل على عقد تفويض إرادي يمنح الشعب بموجبه بعض الأفراد سلطة التصرف باسمه ضمن حدود واضحة ومشروطة، النيابة بهذا المعنى لا تنشأ إلا بوجود إرادة حرة ومشاركة عامة، لأنّ النائب لا يمثل ذاته ولا السلطة التي عينته، بل الإرادة العامة التي اختارته، أما حين يُفرض الممثل من الأعلى، فإنّ مفهوم النيابة يتحوّل إلى قناع قانوني يخفي علاقة تبعية لا علاقة تمثيل، ولهذا، فإن ما يجري في الحالة السورية لا يمكن وصفه بأنه تمثيل نيابي، لأنّ شرط الإرادة الحرة غير متحقق، كما أن مصدر التفويض ليس الشعب، بل السلطة نفسها.
وفي هذا السياق، ينبغي التمييز بين النيابة والوظيفة التشريعية في المرحلة الانتقالية، فالأولى تتعلق بشرعية التمثيل السياسي وبنية العقد بين الشعب وممثليه، أما الثانية فتتصل بمهمة مؤقتة محددة: سنّ القوانين الضرورية لتيسير عملية الانتقال وضمان عبورها الآمن، وأعضاء المجلس التشريعي الانتقالي، لا ينبغي أن يتصرّفوا كنواب للأمة، بل كمكلّفين بمهام إجرائية وتشريعية محدودة، مقيدة بزمن المرحلة وأهدافها، لا يملكون سلطة تأسيسية، ولا حقاً في رسم الملامح الدائمة للدولة المقبلة.
إن الخلط بين النيابة والتشريع يُعدّ من أخطر أشكال الالتباس السياسي، لأنه يفتح الباب أمام توسيع صلاحيات السلطة الانتقالية إلى ما يتجاوز نطاقها المشروع، فتتحول المرحلة المؤقتة إلى حكم دائم مقنّع، وهنا يُعاد إنتاج ما سمّاه ماركيوز “الإنسان ذو البعد الواحد”، الذي يُمنح وهم الاختيار دون أن يختار فعلياً، فيتواطأ وعيه مع بنية السيطرة وهو يظن أنه يمارس الحرية.
إن المرحلة الانتقالية ليست مسألة مؤسسية فحسب، بل مشروع متكامل تتقاطع فيه ملفات أربعة تشكّل أركانها الأساسية من:
إعادة بناء النظام السياسي بما يتضمنه من تهيئة بيئة آمنة وحرة تسمح للسوريين بالتعبير عن إرادتهم، وإطلاق حوار وطني حقيقي يوحّد البلاد تحت سلطة مركزية جامعة، وتحقيق الأمن والاستقرار بما يشمل العدالة الانتقالية ومحاسبة المجرمين وتوحيد القوى العسكرية واحتكار الدولة للسلاح، ثم إعادة الإعمار وعودة المهجّرين واستئناف الدورة الاقتصادية بما يعيد الحياة إلى المجتمع ويصون كرامة المواطن، وأخيراً إدارة العلاقات الدولية لسورية على نحو يراعي حدود السلطة الانتقالية ويمنعها من إبرام اتفاقات طويلة الأمد تمسّ مستقبل البلاد.
غير أنّ السلطة لم تقدّم حتى الآن أي تصور واضح لهذه الملفات الأربعة، إمّا لغياب الرؤية أو لوجود رؤية مضمرة تعمل على هندسة المجتمع وفق مقاسها، والأخطر أنّ تعاملها مع هذه الملفات لا يقوم على تكاملها، بل على الانتقاء المصلحي، إذ تُركّز اليوم على الجانب المالي الريعي، ساعيةً إلى تحقيق وفرة نقدية تُبقي على أجهزتها قائمة، دون أي رؤية اقتصادية أو اجتماعية شاملة، وهكذا تحوّلت إدارة المرحلة الانتقالية من مشروع وطني متكامل، إلى حساب مصرفي مفتوح، غايته ضمان استمرار السلطة لا بناء الدولة.
إن أخطر ما تولّده السلطة في مثل هذه المراحل ليس القهر المادي، بل الوعي الزائف، الوعي الذي يجعل الناس يصدّقون أنهم شركاء في عملية التغيير وبناء المستقبل، من دون أن يكون لهم دور حقيقي في ذلك، الأمر الذي يتطلب منا جميعاً مواجهة الذات وتفكيك أوهامها، وتحرير الوعي الجمعي من خطاب الخضوع الذي يُعيد تدوير الماضي باسم “الاستقرار” أو “الحفاظ على المكاسب”.
إن مراقبة عملية التشريع التي سيقوم بها المجلس التشريعي الانتقالي، يجب أن تكون شاملة ودقيقة، وأن يكون الجميع على أهبة الاستعداد للتعامل بكل جديّة مع هذه المرحلة الدقيقة، التي يغيب فيها التمثيل الديمقراطي لأسباب موضوعية، لكن يجب أن لا يغيب الوجود الشعبي بشكله الأولي الواعي من دون تزييف ومن دون الانجرار لخطاب إيهامي بأن ما نقوم به هو “عرس ديمقراطي” أو أنه ” أفضل الممكن”، فما نحتاجه الآن ليس “اللعبة الوحيدة في المدينة”، بل مدينة جديدة تتّسع لأحلامنا جميعاً.
تلفزيون سوريا
———————————-
محنةُ الحرية الأولى: لحظةُ ولادة السياسة السورية/ وائل ميرزا
تعيش سوريا اليوم واحدةً من أكثر اللحظات حساسية في تاريخها الحديث: انطلاق العملية الانتخابية التشريعية الأولى في ظل سوريا الجديدة. هذه ليست مجرد انتخابات دورية بالمعنى التقليدي، وإنما هي تجربةٌ تأسيسية لإعادة تعريف السياسة نفسها بعد عقود طويلة من الانغلاق السلطوي. إنها لحظة اختبار، لا لآليات الاقتراع فحسب، وإنما لوعيٍ جمعيٍ تشكّل في رحم الثورة والتحولات الكبرى التي حايثتها ونتجت عنها، ولقدرة هذا الوعي على التكيف مع متطلبات بناء مؤسسات راسخة. ما يحدث اليوم، باختصار، هو بدايةٌ أولى وصغيرة، لكنها حاسمة استراتيجياً، لمرحلة التحول الديمقراطي، حيث يتم الانتقال من الشرعية الثورية إلى الشرعية المكتسبة عبر صناديق الاقتراع.
وأول ما يلفت النظر في هذه اللحظة هو المفارقة بين الزهد الشعبي العام في مقابل الاندفاع المحموم لقوى «الفلول» من أنصار النظام السابق لجهة الاهتمام والمشاركة. فالكثير من السوريين، حتى من المتعاطفين مع مسار الدولة الجديدة، لا يزالون أسرى الثقافة السياسية القديمة التي طُبعت في عقولهم خلال ستة عقود، حيث لم تكن السياسة إلا مشهداً مصطنعاً وقراراً فوقياً. هذه اللامبالاة ليست، بالضرورة، دليلاً على رفضٍ واعٍ بقدر كونها انعكاساً لعجز المخيلة الشعبية عن استيعاب الجديد بهذه السرعة، خاصةً بعد أكثر من ستة عقود على رسوخ القديم. في المقابل، أدركت قوى الفلول ـ بتجربتها الطويلة ـ أهمية المجلس النيابي القادم أكثر من غيرها. فسعت بكل الوسائل لاختراقه، بعملٍ منظم وتنسيق خفي، كما تفعل القوى المضادة في كل تجارب الانتقال السياسي. وهنا يتبدى معنى الشرعية التمثيلية، فالمقاعد القادمة ليست مجرد كراس، وإنما هي أدوات لصياغة المجال السياسي بأكمله. وتركُ الساحة فارغةً لا يعني سوى السماح لخصوم التجربة بأن يملؤوها، وهو ما يحوّل فرصة الانتقال إلى تهديد مباشر. فالمبادرة إلى المشاركة ليست، هنا، مجرد خيار، وإنما هي التعبير العملي عن الإرادة الحرة بعد طول مصادرة، وهي الشرط الفلسفي والسياسي معاً لحماية المجال العام الوليد.
وعليه، ثمة حاجةٌ، أقربَ لأن تكون وجودية، ليقتنع السوريون بأن خوض الانتخابات ليس تكراراً لمشهدٍ قديم، وإنما هو تجربةٌ «تأسيسية» مختلفة، تسعى لإعادة تعريف السياسة في حياة السوريين. يصدق هذا تحديداً على أهل الفكر والكلمة الذين تزخر بهم البلاد! فالترشح اليوم ليس هروباً من عالم الفكر إلى عالم السياسة، وإنما استمرارٌ له في شكل جديد، وداخل هامشٍ أوسع يجمع النظر بالعمل، ويفتح أفق الفعالية والإنجاز. فالمثقف لا يتخلى عن أدواته حين يترشح، بقدر ما يأخذ معه رصيد الفكر والخبرة إلى ساحة الممارسة. وما يُقال عادةً إن «المثقف لا يصلح لممارسة السياسة» ربما يجد في سوريا الجديدة استثناءً تاريخياً جديراً بأن يُكتب، وبحيث يثبت أن الفكر يمكن أن يصبح مؤسسة، وأن السياسة يمكن أن تكون امتداداً للفكر لا نقيضاً له.
وفي تقديرنا أن هذه المقولة لم تعد تنظيراً مجرداً، وإنما تتحول اليوم إلى مشروع عملي: فالمجلس النيابي الجديد يمكن أن يكون تجربة غير مسبوقة، حيث يتساوق الإبداع السياسي مع الإبداع الفكري، بما يؤسس لبرلمانٍ لا يقل أصالة وفرادة، في مقياس الأداء العام، عن فرادة أداء السلطة التنفيذية بقيادة الرئيس أحمد الشرع. بهذا المعنى، لا يعود الترشح مجرد خطوةٍ شخصية بقدر كونه محاولة لبناء سلطةٍ تشريعيةٍ وطنية موازية للسلطة التنفيذية في دورها، ومكملة لها في مشروع إعادة تأسيس الدولة.
لكننا نبقى، في معرض دراسة التعقيد، وعلى المستوى الاجتماعي والنفسي، أمام ما يمكن تسميته بمحنة الحرية الأولى. فبعد عقود من الإقصاء، تبدو طموحات سوريي الثورة وكأنها انفجرت دفعة واحدة. فهناك مئات الآلاف ممن يعتبرون أنفسهم ثواراً، ويرون أن لهم الحق الطبيعي في الترشح لبرلمان لا يتجاوز 210 مقاعد. وكل واحد منهم محاط بدائرة أصدقاء ومناصرين تمنحه شعوراً بالجدارة الوطنية. والنتيجة فيضٌ من الطموحات الفردية يفوق أي قدرة مؤسسية، ليس فقط على الاستيعاب، وإنما أيضاً على الضبط والتنظيم. وهذه الظاهرة تعكس أزمة التنشئة السياسية، حيث لم يمر المجتمع بمرحلة تدريجية لتعلم قواعد اللعبة الديمقراطية، فاندفع مباشرة من الصمت إلى انفجار يتمثل في ضجيج الاعتراضات والاحتجاجات والانسحابات، وبيانات التضامن والتأييد مع المعترضين والمحتجين والمنسحبين. مع كل الملابسات الثقافية والإعلامية التي تنتج عن مثل ذلك الاشتباك!
ما انتخابات اليوم إلا مقدمة عملية لإرساء ثقافة الدولة الحديثة التي تتعلّم كيف تستمع إلى مواطنيها، وكيف تُدير تنوّعها من دون خوف
إلى ذلك كله، قد يمكن، من زاوية فلسفية وتاريخية، قراءة هذه الظاهرة عبر ابن خلدون. فبينما لم تترسخ بعد العصبية الجامعة للدولة الجديدة، برزت العصبيات الصغيرة ـ حزبية أو شللية أو مناطقية ـ لتملأ الفراغ. وهذه، في علم الاجتماع السياسي، مرحلة انتقالية طبيعية، حيث تتنافس الولاءات الجزئية قبل أن تنصهر تدريجياً في ولاء وطني جامع. إنها مرحلة تفكك العصبيات الأولية وإعادة تشكيلها ضمن هويةٍ سياسية عليا. وهذا يحصل في لحظةٍ تأسيسية تتسم بالفوضى الانتقالية، لكنها فوضى بنّاءة إن جرى استيعابها وتوجيهها نحو مسار مؤسسي.
الجدير بالذكر هنا أن ثمة درجةً من التبسيط والاختزال في تحميل الدولة وحدها مسؤولية كل الارتباكات، إذا أردنا التعامل مع الظاهرة، بشمولها، وبمنطقٍ يجمع لغة العلم ومعرفة الواقع. فالانتخابات ليست مجرد إجراءات إدارية، وإنما هي اختبار لمجتمعٍ يخطو خطواته الأولى في السياسة. وما واجهته اللجان الفرعية من صعوبات ـ تضارب مصالح، صراعات محاور، انسحابات، تقارير كيدية ـ كبيرٌ بشكلٍ ملحوظ. ومع ذلك، فإن هذه التحديات ليست صناعة الدولة بقدر كونها انعكاساً لحيوية المجتمع الناشئ. هنا يظهر مفهوم الحوكمة الانتقالية، حيث تكون مسؤولية تنظيم العملية السياسية موزعة بين الدولة والمجتمع المدني والقوى الاجتماعية، ضمن إطارٍ من الشراكة والمساءلة.
بالإجمال، قد تبدو جوانب الفوضى في مشهد الانتخابات السوري مربكةً في عيون البعض، لكنها في العمق مؤشرُ صحة وحيويةٍ سياسية مبكّرة، وتحديداً في مجتمع الثورة السوري، أكثر منها في عموم المجتمع. فالأمم لا تُبنى بالصمت والعزوف، وإنما بالحضور والمشاركة. وحتى حين تأتي هذه المشاركة في صور متشابكة وصاخبة، فإنها أفضل بكثير من الفراغ السياسي. والمشهد الحالي، بكل تناقضاته، يعكس عودة السوريين إلى ساحتهم العامة بعد غياب طويل. وهو ما يسميه علماء السياسة التسييس الجماعي الذي يُعتبر مؤشراً على دخول أعداد واسعة من المواطنين إلى ساحة الفعل العام لأول مرة، بما يحمله ذلك من طاقةٍ وفوضى في آن واحد.
ويمكن النظر إلى نتائج الانتخابات في مدينة حلب، الكبرى والعريقة، كنموذجٍ كاشفٍ لاتجاهات المزاج السياسي السوري في هذه المرحلة الانتقالية. فوفقاً لقراءاتٍ تحليلية دولية، من بينها سلسلة التغريدات التي نشرها الباحث الفرنسي سيدريك لابروس، تبدو حلب وكأنها قدّمت لوحة سياسية متوازنة تؤكد أن الناخب السوري بدأ يتجه تدريجياً نحو الاعتدال البراغماتي بعد سنواتٍ من الاستقطاب الحاد.
إذ لم تُفرز الانتخابات في المدينة شخصياتٍ متشددة أو من التيارات العقائدية الصلبة، بل إن الكفة مالت بوضوحٍ لصالح التيار المحافظ المعتدل والليبراليين الاقتصاديين، وهو ما يعكس وعياً متنامياً لدى الناخبين بأولوية الاستقرار والتنمية على الشعارات الأيديولوجية. فالمشهد الحلبي، كما أشار لابروس، خالٍ تقريباً من الانتماءات الصلبة التي ميزت المراحل السابقة، وجاءت الشخصيات المنتخبة أقرب إلى النهج المؤسساتي الجديد للدولة، حيث تتقدّم الكفاءة والخبرة على الانتماء الضيق.
ورغم أن بعض التيارات المنظمة، كالإخوان المسلمين، نجحت في إيصال عدد محدود من الحلفاء إلى المجلس، غير إنها لم تحقق النتائج التي كانت تأملها. وهو ما يشير إلى بداية انحسار تأثير البنى الأيديولوجية التقليدية أمام صعود نخب جديدة تُمثّل مزيجاً من الحسّ المدني والقدرة التنفيذية. أما الملاحظة الأبرز، فتكمن في أن الرئيس أحمد الشرع، حسب لابروس، يتهيأ لبرلمانٍ يغلب عليه الطابع الوطني التوافقي، بعيداً عن التيارات الأيديولوجية الضيقة، بما يسمح له بإطلاق مرحلةٍ تشريعيةٍ أكثر توازناً وانفتاحاً.
إن قراءة نتائج الانتخابات في حلب لا ينبغي أن تُفهم بمعزلٍ عن السياق الوطني العام، وإنما بوصفها نموذجاً مصغّراً للتحول السوري الأكبر. فكما بدأت حلب تُعيد تعريف السياسة المحلية على قاعدة الكفاءة والاعتدال، ثمة شواهد على أن البلاد بأكملها تدخل طوراً جديداً من إعادة هندسة الحياة العامة، تُختبر فيه مفاهيم المواطنة، والمشاركة، والمساءلة، لا كشعاراتٍ، وإنما كممارساتٍ مؤسسيةٍ تتجذر يوماً بعد يوم.
بهذه الروح، تبدو سوريا الجديدة وكأنها تتدرّب على ممارسة الديمقراطية من داخل التجربة نفسها، لا من على منصات التنظير. فكل صندوق اقتراع، وكل دائرة انتخابية، وكل نقاشٍ حول النتائج، هو جزء من عمليةٍ طويلةٍ لإعادة بناء المجال العام بعد عقودٍ من التكلّس السياسي. وما انتخابات اليوم إلا مقدمة عملية لإرساء ثقافة الدولة الحديثة التي تتعلّم كيف تستمع إلى مواطنيها، وكيف تُدير تنوّعها من دون خوف، وكيف تحوّل اختلافها إلى مصدر قوّةٍ وتجدّد.
كاتب من سوريا يقيم في امريكا
القدس العربي
———————————–
الانتخابات البرلمانية بين الفعل والشرعية/ الانتخابات البرلمانية بين الفعل والشرعية/ ميسون محمد
9 أكتوبر 2025
في الخامس من تشرين الأول/أكتوبر الجاري، جرت انتخابات لملء ثلثي مقاعد مجلس الشعب ضمن نظام اقتراع غير مباشر ثم تُكمل السلطة الثلث المتبقي بتعيينات رئاسية هذا الحدث صنّفَ خطوة تأسيسية في مرحلة ما بعد سقوط الحكم السابق لكنه أيضاً كشف هشاشة التمثيل السياسي للمرأة إذ نسبة النساء الفائزات تراجعت إلى مستوى لم يتجاوز ثلاثة في المئة بعد عمليات الفرز الأولية وهذا أمر يستدعي وقفة تحليلية عاجلة.
التمثيل النسائي في البرلمانات ليس إضافة شكلية بل مقياسٌ حقيقي لمدى نضج المجتمع وقدرته على الاعتراف بدور نصفه الآخر. ففي سوريا التي تنهض من ركام سنوات طويلة من القمع والاستبداد والظلم، لم تكن المشكلة في النصوص أو الوعود، بل في الذهنية التي ما زالت ترى في السياسة حكرًا على الرجال. الأمس لم يكن مجرد انتخابات، بل اختبارٌ لمدى استعداد مجتمعنا لأن يُنصف النساء اللواتي قدّمن وضحين ووقفن في الصفوف الأولى في كل مراحل التحرر. وما أفرزته النتائج لا يكشف ضعف المرأة، بل يكشف عمق الأزمة الذكورية التي ما زالت تحجب صورتها عن مواقع القرار.
طبيعة العملية الانتخابية وتأثيرها المباشر على تمثيل المرأة
أول ملاحظة استراتيجية هي أن شكل الاقتراع غير المباشر ووجود حصة تعيين رئاسية يؤثران بقوة في مخرجات التمثيل فالإجراءات التي تعتمد على مجالس انتخابية منتخبة محلياً أو على هيئات ناخبة تضيق مجال وصول المرشحات إلى دوائر التأثير إذ غالباً ما تُشكّل شبكات الرجال فيها أغلبية ساحقة أما التعيينات فتمثل فرصة مزدوجة فهي إما أن تعمل على تصحيح العجز أو أن تُثبّته حسب خيارات السلطة الحاكمة وقد أعلن القائمون على العملية أن الرئيس سيستخدم حصته لتصويب الثغرات لكن هذا التصويب يظلّ احتياطياً ولا يعوّض غياب قواعد مؤسسية تضمن المشاركة المتكافئة.
عند تفحّص جذور ضعف التمثيل النسائي، يتضح أن المشكلة لا تكمن في غياب المؤسسات أو ضعف المجتمع المدني، فهذه الكيانات، رغم الحرب والظروف القاسية، كانت حاضرة في الميدان، تقود حملات وتدعم النساء وتدافع عن حقوقهن بإصرار لافت. إن العائق الحقيقي أعمق من ذلك بكثير، وهو ذهنيةٌ ذكورية مترسّخة ما زالت تنظر إلى المرأة بوصفها استثناءً في السياسة، لا شريكًا طبيعيًا في صنع القرار.
التمثيل النسائي في البرلمانات ليس إضافة شكلية بل مقياسٌ حقيقي لمدى نضج المجتمع وقدرته على الاعتراف بدور نصفه الآخر
هذه الذهنية تُقصي النساء بوسائل ناعمة أحيانًا وفجّة أحيانًا أخرى، فتُحاصر طموحهن بمعايير اجتماعية محافظة تجعل المشاركة السياسية نوعًا من المغامرة غير المحسوبة. كما أن غياب الأطر التشريعية الواضحة، سواء في قانون الانتخابات أو في تنظيم الأحزاب، يُبقي تمثيل النساء رهينةً للمجاملات لا للحقوق. وفي ظل هذا الوضع، تتراجع فرص النساء لا لضعفٍ في قدرتهن، بل لأن ميزان التقدير ما زال مائلاً لصالح الذكور، حتى حين تكون النساء هنّ الأكثر كفاءة والتزامًا.
صوت مختزل وحلول ممكنة
إن انخفاض تمثيل النساء في المجلس إلى نسبة تقارب ثلاثة بالمئة له انعكاسات سياسية واجتماعية عميقة، تتجاوز مجرد الإحصاءات لتصل إلى جوهر فعالية الدولة في معالجة القضايا الحياتية للمجتمع. من الناحية السياسية، يضع هذا التراجع مجلس النواب في موقف ضعف أمام الملفات الحيوية المتعلقة بالأسرة والصحة والتعليم وقوانين الحماية من العنف، إذ يفتقر المجلس إلى صوت نسائي قادر على طرح وجهات نظر متخصصة وشاملة تعكس الاحتياجات الفعلية لنصف المجتمع. أما على المستوى الاجتماعي، فإن ضعف التمثيل النسائي يحد من آفاق المصالحة والعدالة المجتمعية، فوجود النساء في مواقع القرار يعزز صياغة سياسات شاملة توازن بين الأعباء والحقوق، ويخفف الانطباع بأن القرارات محصورة في دائرة الهيمنة الذكورية، ما يسهم في بناء شرعية مجتمعية أوسع وأكثر استدامة.
لمعالجة هذه الفجوة البنيوية، يمكن تبني مجموعة من الإجراءات العملية والممنهجة التي تراعي خصوصية السياق السوري الحالي وتوازن بين الواقعية السياسية والطموح الإصلاحي. فمن جهة، يمكن إدخال كوتا أو حصة محددة للنساء تُصان دستوريًا أو مؤقتًا بما يسمح به الواقع السياسي، وهو حل أثبت فعاليته في تجارب مشابهة حول العالم في مراحل إعادة البناء بعد الصراع. ومن جهة أخرى، ينبغي تحسين آليات تشكيل الهيئات الناخبة لتكون أكثر شمولية وتمثيلاً، مع إلزامية الشفافية في قوائم الترشيح والإعلان عن نسب التمثيل قبل يوم الاقتراع، بما يتيح مراقبة مجدية وضمان عدالة المشاركة. كذلك، يُمكن استثمار الثلث التعييني من قبل الرئيس كآلية تصحيحية مؤقتة لتخصيص مقاعد نسائية محددة، ما يوفر مخرجات فورية قابلة للقياس.
إضافة إلى ذلك، تعتبر برامج التمويل والتدريب المدعومة من المجتمع الدولي ومن منظمات محلية، إلى جانب حملات التواصل المجتمعي، أدوات أساسية لتعزيز قدرات المرشحات وكسر الحواجز الثقافية والأمنية التي قد تعيق مشاركتهن. وأخيرًا، لا بد من وضع آليات حماية قانونية واضحة للمرشحات ضد أي شكل من أشكال العنف أو التهديد، سواء الإعلامي أو الاجتماعي أو حتى القضائي، لضمان بيئة سياسية آمنة تمكن النساء من المشاركة الفاعلة دون المخاطرة بحياتهن أو سمعتهن. كل هذه الإجراءات مجتمعة لا تعمل على معالجة النقص الرقمي فقط، بل تهدف إلى إعادة بناء ثقافة سياسية أكثر عدلاً، وتأسيس قاعدة متينة لمشاركة نسائية حقيقية ومستدامة في عملية صنع القرار.
وفي نهاية المطاف، يبقى تمثيل المرأة معيارًا حقيقيًا لمدى نضج المجتمع وقدرته على بناء مستقبل شامل، فتمكينها اليوم يعني إحياء جهودها وتضحياتها وإعطاء صوتها المكانة التي يستحقها في كل جوانب صناعة القرار.
9 أكتوبر 2025
امرأة تدلي بصوتها في انتخابات مجلس الشعب
امرأة تدلي بصوتها في انتخابات مجلس الشعب (اللجنة العليا للانتخابات/ الترا سوريا)
ميسون محمد
في الخامس من تشرين الأول/أكتوبر الجاري، جرت انتخابات لملء ثلثي مقاعد مجلس الشعب ضمن نظام اقتراع غير مباشر ثم تُكمل السلطة الثلث المتبقي بتعيينات رئاسية هذا الحدث صنّفَ خطوة تأسيسية في مرحلة ما بعد سقوط الحكم السابق لكنه أيضاً كشف هشاشة التمثيل السياسي للمرأة إذ نسبة النساء الفائزات تراجعت إلى مستوى لم يتجاوز ثلاثة في المئة بعد عمليات الفرز الأولية وهذا أمر يستدعي وقفة تحليلية عاجلة.
التمثيل النسائي في البرلمانات ليس إضافة شكلية بل مقياسٌ حقيقي لمدى نضج المجتمع وقدرته على الاعتراف بدور نصفه الآخر. ففي سوريا التي تنهض من ركام سنوات طويلة من القمع والاستبداد والظلم، لم تكن المشكلة في النصوص أو الوعود، بل في الذهنية التي ما زالت ترى في السياسة حكرًا على الرجال. الأمس لم يكن مجرد انتخابات، بل اختبارٌ لمدى استعداد مجتمعنا لأن يُنصف النساء اللواتي قدّمن وضحين ووقفن في الصفوف الأولى في كل مراحل التحرر. وما أفرزته النتائج لا يكشف ضعف المرأة، بل يكشف عمق الأزمة الذكورية التي ما زالت تحجب صورتها عن مواقع القرار.
طبيعة العملية الانتخابية وتأثيرها المباشر على تمثيل المرأة
أول ملاحظة استراتيجية هي أن شكل الاقتراع غير المباشر ووجود حصة تعيين رئاسية يؤثران بقوة في مخرجات التمثيل فالإجراءات التي تعتمد على مجالس انتخابية منتخبة محلياً أو على هيئات ناخبة تضيق مجال وصول المرشحات إلى دوائر التأثير إذ غالباً ما تُشكّل شبكات الرجال فيها أغلبية ساحقة أما التعيينات فتمثل فرصة مزدوجة فهي إما أن تعمل على تصحيح العجز أو أن تُثبّته حسب خيارات السلطة الحاكمة وقد أعلن القائمون على العملية أن الرئيس سيستخدم حصته لتصويب الثغرات لكن هذا التصويب يظلّ احتياطياً ولا يعوّض غياب قواعد مؤسسية تضمن المشاركة المتكافئة.
عند تفحّص جذور ضعف التمثيل النسائي، يتضح أن المشكلة لا تكمن في غياب المؤسسات أو ضعف المجتمع المدني، فهذه الكيانات، رغم الحرب والظروف القاسية، كانت حاضرة في الميدان، تقود حملات وتدعم النساء وتدافع عن حقوقهن بإصرار لافت. إن العائق الحقيقي أعمق من ذلك بكثير، وهو ذهنيةٌ ذكورية مترسّخة ما زالت تنظر إلى المرأة بوصفها استثناءً في السياسة، لا شريكًا طبيعيًا في صنع القرار.
هذه الذهنية تُقصي النساء بوسائل ناعمة أحيانًا وفجّة أحيانًا أخرى، فتُحاصر طموحهن بمعايير اجتماعية محافظة تجعل المشاركة السياسية نوعًا من المغامرة غير المحسوبة. كما أن غياب الأطر التشريعية الواضحة، سواء في قانون الانتخابات أو في تنظيم الأحزاب، يُبقي تمثيل النساء رهينةً للمجاملات لا للحقوق. وفي ظل هذا الوضع، تتراجع فرص النساء لا لضعفٍ في قدرتهن، بل لأن ميزان التقدير ما زال مائلاً لصالح الذكور، حتى حين تكون النساء هنّ الأكثر كفاءة والتزامًا.
صوت مختزل وحلول ممكنة
إن انخفاض تمثيل النساء في المجلس إلى نسبة تقارب ثلاثة بالمئة له انعكاسات سياسية واجتماعية عميقة، تتجاوز مجرد الإحصاءات لتصل إلى جوهر فعالية الدولة في معالجة القضايا الحياتية للمجتمع. من الناحية السياسية، يضع هذا التراجع مجلس النواب في موقف ضعف أمام الملفات الحيوية المتعلقة بالأسرة والصحة والتعليم وقوانين الحماية من العنف، إذ يفتقر المجلس إلى صوت نسائي قادر على طرح وجهات نظر متخصصة وشاملة تعكس الاحتياجات الفعلية لنصف المجتمع. أما على المستوى الاجتماعي، فإن ضعف التمثيل النسائي يحد من آفاق المصالحة والعدالة المجتمعية، فوجود النساء في مواقع القرار يعزز صياغة سياسات شاملة توازن بين الأعباء والحقوق، ويخفف الانطباع بأن القرارات محصورة في دائرة الهيمنة الذكورية، ما يسهم في بناء شرعية مجتمعية أوسع وأكثر استدامة.
لمعالجة هذه الفجوة البنيوية، يمكن تبني مجموعة من الإجراءات العملية والممنهجة التي تراعي خصوصية السياق السوري الحالي وتوازن بين الواقعية السياسية والطموح الإصلاحي. فمن جهة، يمكن إدخال كوتا أو حصة محددة للنساء تُصان دستوريًا أو مؤقتًا بما يسمح به الواقع السياسي، وهو حل أثبت فعاليته في تجارب مشابهة حول العالم في مراحل إعادة البناء بعد الصراع. ومن جهة أخرى، ينبغي تحسين آليات تشكيل الهيئات الناخبة لتكون أكثر شمولية وتمثيلاً، مع إلزامية الشفافية في قوائم الترشيح والإعلان عن نسب التمثيل قبل يوم الاقتراع، بما يتيح مراقبة مجدية وضمان عدالة المشاركة. كذلك، يُمكن استثمار الثلث التعييني من قبل الرئيس كآلية تصحيحية مؤقتة لتخصيص مقاعد نسائية محددة، ما يوفر مخرجات فورية قابلة للقياس.
إضافة إلى ذلك، تعتبر برامج التمويل والتدريب المدعومة من المجتمع الدولي ومن منظمات محلية، إلى جانب حملات التواصل المجتمعي، أدوات أساسية لتعزيز قدرات المرشحات وكسر الحواجز الثقافية والأمنية التي قد تعيق مشاركتهن. وأخيرًا، لا بد من وضع آليات حماية قانونية واضحة للمرشحات ضد أي شكل من أشكال العنف أو التهديد، سواء الإعلامي أو الاجتماعي أو حتى القضائي، لضمان بيئة سياسية آمنة تمكن النساء من المشاركة الفاعلة دون المخاطرة بحياتهن أو سمعتهن. كل هذه الإجراءات مجتمعة لا تعمل على معالجة النقص الرقمي فقط، بل تهدف إلى إعادة بناء ثقافة سياسية أكثر عدلاً، وتأسيس قاعدة متينة لمشاركة نسائية حقيقية ومستدامة في عملية صنع القرار.
وفي نهاية المطاف، يبقى تمثيل المرأة معيارًا حقيقيًا لمدى نضج المجتمع وقدرته على بناء مستقبل شامل، فتمكينها اليوم يعني إحياء جهودها وتضحياتها وإعطاء صوتها المكانة التي يستحقها في كل جوانب صناعة القرار.
الترا سوريا
————————-
“خطوة نحو تعزيز الاستقرار”.. الخارجية الروسية تعلق على انتخابات البرلمان السوري
2025.10.09
أعربت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، عن أمل موسكو في أن يسهم تشكيل مجلس الشعب السوري الجديد في بناء نظام حكومي فعّال ومستقر يلبي تطلعات السوريين ويعزز الاستقرار في البلاد.
وفي إحاطة صحفية من موسكو، أكدت زاخاروفا أن روسيا تعتبر الانتخابات الأخيرة لمجلس الشعب السوري “حدثاً مهماً في جهود القيادة السورية لإقامة مؤسسات دولة فاعلة وتعزيز الاستقرار الوطني”.
وشددت زاخاروفا على ضرورة أن تكون الدورة الجديدة لمجلس الشعب “ذات طابع تمثيلي حقيقي”، وأن يوفّر عملها “الظروف اللازمة لضمان الانسجام الوطني وحماية حقوق ومصالح جميع المواطنين، بغضّ النظر عن انتماءاتهم العرقية أو الدينية”.
وأضافت المسؤولة الروسية أن موسكو تتوقع أن تهيئ تشكيلة مجلس الشعب الجديدة الظروف الملائمة لتحقيق توافق وطني أوسع، يمهّد لبناء مؤسسات دولة شاملة ومستدامة.
قلق من التوترات وتجديد الدعوة إلى الحوار
من جانب آخر، أعربت زاخاروفا عن قلق روسيا من تجدد التوترات في سوريا، مشيدة بما وصفته بـ”الإرادة السياسية للأطراف لإنهاء العنف”.
وقالت زاخاروفا إن موسكو “تأمل أن تُهيّأ الظروف اللازمة لتجنّب المزيد من إراقة الدماء وتحقيق خفض مستدام للتصعيد”، مشددة على ضرورة حماية المدنيين ومنع وقوع إصابات بينهم.
وأكدت أنّ “الاستقرار الدائم في سوريا لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال حوار وطني واسع يعزّز الوئام بين المكوّنات العرقية والطائفية مع احترام سيادة البلاد ووحدتها وسلامة أراضيها”.
تشكيل مجلس الشعب في سوريا
والأحد الماضي، أجرت الحكومة السورية عملية انتخابية لاختيار أعضاء مجلس الشعب الجديد، هو الأول بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع، بشار الأسد.
وجرت هذه الانتخابات وفق آلية استثنائية تقوم على اختيار هيئات ناخبة ممثِّلة عن المناطق، تمّ تشكيلها بناءً على التوزيع السكاني والتقسيمات الإدارية لعام 2010.
وبرّرت الحكومة السورية اللجوء إلى هذه الآلية بعدم وجود إحصاءٍ سكاني في البلاد، وعدم توفّر إمكانية لتنظيم انتخابات تقليدية في عموم سوريا، ولا سيما مع وجود مناطق خارج سيطرة الدولة واستمرار عدم استقرار الوضع الأمني.
————————
=======================
تحديث 08 تشرين الأول 2025
——————————–
صندوق انتخابات صغير ومحكم الإغلاق/ سلمان عز الدين
8 أكتوبر 2025
كانت آخر انتخابات أشارك فيها منذ نصف قرن تقريبًا. لست عجوزًا إلى هذا الحد حتى تكون انتخابات رئاسية أو برلمانية. كانت ببساطة انتخابات العريف في الصف الثالث الابتدائي. يومها قرر معلمنا أن علينا أن ننتخب عريفنا بأنفسنا. ولا أتذكر كيف تمت العملية الانتخابية بالضبط، غير أن ما لا أنساه هو أن المعلم بعد أن أنهى فرز الأوراق الموضوعة في الدرج الخشبي، الذي اُرتجل على ما يبدو ليكون صندوق الانتخابات، ضرب كفًا بكف، وقال بلهجة يشوبها شعور الخيبة: “لقد انتخبتم أكثركم بلاهة”. قبل أن يسارع إلى تمزيق الأوراق مهمهمًا: “على كل حال أحببت فقط أن أعطيكم فكرة عن الانتخابات”. ثم أردف: “كان عليكم انتخاب زميلكم نضال، فهو الأكثر كفاءة واستحقاقًا”، وهو ما أقدم عليه بالفعل وبنفسه، ليغدو نضال عريفنا حتى نهاية المرحلة الابتدائية.
منذ ذلك اليوم أدركت أنني غير مؤهل لاختيار الأكثر كفاءة واستحقاقًا، وتركت الأمر لآخرين ظلوا طيلة خمسين عامًا يختارون نيابة عني، ولا شك أن من اختاروهم كانوا على قدر كبير من الكفاءة والاستحقاق، بدليل هذا النعيم الذي وصلنا إليه اليوم.
لم يكن السوريون، في أي وقت، بحاجة إلى الوقوف في طابور أمام صندوق انتخابات قدر حاجتهم إلى ذلك الآن، تمامًا كما كانوا، منذ سبعة أشهر، بأمس الحاجة إلى مؤتمر حوار وطني، حقيقي وجدي، أكثر من أي زمن مضى.
غير أن أهل الحكم، وللأسف، تعاملوا مع الاستحقاقين باستخفاف شديد، والأدهى أنهم أدرجوا استخفافهم هذا في باب البدهيات، منطلقين من فلسفة غريبة تضع الحديث عن المشاركة والحوار والانتخابات والديمقراطية بمواجهة الحديث عن بناء الدولة. وبالطبع فإن الأَولى والأجدى هو التفرغ للبناء، وبالطبع كذلك فهم وحدهم المؤهلون القادرون على وضع الأسس ورصف الحجارة وتشييد الأعمدة، دون أن يحق لنا أن نوجه لهم ولو سؤال واحد عن أسلوب هذا البناء وصحته وسلامته أو عن الشكل النهائي للمبنى الذي يُراد لنا أن نقيم تحت سقفه.
وتحت كلماتهم الناعمة ونظراتهم الحليمة ثمة غيظ مكتوم وضيق بنا، نحن الثرثارين المتطلبين، لا ينجحون في إخفائهما، إذ نقترف في نظرهم ذنبًا مزدوجًا، فإضافة إلى كوننا غير بارعين في أعمال البناء مثلهم، فإننا نشوش عليهم باللهو العابث بهذه الأحاديث الفارغة عن ضرورة المشاركة والحوار والتمثيل الديمقراطي.. وهرطقات أخرى.
وسوف يشتد غيظهم ويزداد ضيقهم إذا ما قلنا لهم إن مصائب كثيرة، من تلك التي ألمت بالبلاد في الأشهر الأخيرة، كان سببها مؤتمر الحوار الهزلي ذاك، وإن العملية الأخيرة التي سميت انتخابات سوف تجر مصائب أخرى عديدة.
لقد دمر نصف القرن الأسود المنصرم، من بين الأشياء الكثيرة التي دمرها، مفاهيم الوطن والمواطنة والانتماء الوطني. صار مصطلح “مواطن” مفردة أساسية في إيفيهات نرددها في أعمالنا الدرامية الكوميدية وكتاباتنا الساخرة وعلى مقاهينا. وصار “الوطني” دلالة على نماذج ثلاثة: ساذج يردد ببغائيًا ما تلقنه إياه وسائل الإعلام الرسمية، وموظف مرتش يخفي فساده وراء شعارات جوفاء هو آخر من يصدقها، وخائف من أجهزة الأمن يهتف بالأهازيج الوطنية كتعويذة ربما تطرد عنه الأشباح الشريرة.
وقد اُختزل كل ذلك في قول تبناه معظمنا، عن وعي أو عن غير وعي، مفاده: هذه البلاد ليست لنا. إنها مزرعة لها أصحابها، وما نحن إلا أجراء في أسوأ الأحوال، أو ضيوف عابرون في أحسنها، وصار طبيعيًا بالتالي أن يقرر “المُلّاك” نيابة عنا، ودون استشارتنا، كل شؤون حياتنا: نظامنا السياسي، شكل اقتصادنا، تحالفاتنا، قضايانا، معاركنا، أغانينا وهتافاتنا، مخاتيرنا ورؤساء بلدياتنا..
غياب الشعور بالانتماء تجلى في مظاهر وصور كثيرة، بدءًا من الطفل الذي يتشفى بكسر “لمبة” الإنارة العمومية وتحطيم مقاعد الحديقة والعبث بكل محتويات مدرسته، إلى الشاب الذي يمزق كل ما يشير إلى هويته حالما يصل لاجئًا إلى مطار أي دولة، وصولًا إلى أولئك السياسيين الذين لا يتوانون عن الانخراط في مشاريع دول أجنبية ودون أن يرف لهم جفن.
وكان على السلطة الجديدة أن تدرك أن هذه هي أولوية الأولويات: أن تعيد إلينا شعور الانتماء إلى وطن، أن تجعلنا شركاء في تقرير مصيرنا، أن تحملنا مسؤولية بناء بلاد لنا فيها تاريخ ويجب أن يكون لنا مستقبل. وما كان أفضل لذلك من مؤتمر حوار وطني حقيقي يتمثل فيه كل السوريين على اختلاف شرائحهم وطبقاتهم ومشاربهم، وانتخابات فعلية نساهم عبرها، ولأول مرة منذ عقود طويلة، في اختيار ممثلينا ومسؤولينا، في اختيار حياتنا؟!
تقول الحكومة وأنصارها إن إجراء انتخابات برلمانية فعلية اليوم مسألة صعبة جدًا. ربما يكون هذا صحيحًا ولكنها، على الأرجح، لن تكون أكثر صعوبة من هذا الطواف الماراثوني على عواصم الدنيا كلها لإقناع العالم بأننا طيبون ووديعون، ولعلها أكثر سهولة من إيصال الغاز الأذربيجاني الذي لا نعرف إن كان قد وصل وإلى أين أو إن كان سيصل يومًا، ولعلها كذلك أكثر يُسرًا من بناء أبراج مهولة على رمال خيالاتنا المتحركة، كما أنها بلا شك أسهل بما لا يقاس من خوض هذه المعارك المتنقلة بين أرجاء البلاد.
ولقد اعتادت أنظمة عديدة على دفع شعوبها إلى انتخابات صورية مع وجود مرشحين محددين وفائزين سلفًا، وأنظمة أخرى واظبت على “تصويب” خيارات شعوبها، فتفعل كما فعل معلمنا في الابتدائية: تمزق أوراق الاقتراع وتضع أخرى “أكثر حكمة” عوضًا عنها. أما حكومتنا فابتكرت أسلوبًا جديدًا: اختارت هي الشعب الذي يحق له أن ينتخب ممثليه. هكذا، في يوم الانتخابات، وبينما كان جميع السوريين جالسين في بيوتهم، قام شعب ما بانتخاب مجلس الشعب. ويا للمفاجأة، صار لدينا، مع ذلك، فائزون جديرون وخاسرون يتمتعون بروح رياضية ويباركون لزملائهم الأوفر حظًا.
أحد المرشحين وقد صار نائبًا في البرلمان الجديد خرج ليشكرنا، نحن الشعب، على الثقة الغالية التي منحناه إياها! عفوًا يا أخي، هذا واجبنا، ولكن بالله عليك متى حدث ذلك؟!
الترا سوريا
—————————–
عن “مجلس الشعب” السوري ومسار “الانتقال” العتيد/ مروان قبلان
08 أكتوبر 2025
كان يُفترض بأول انتخابات لمجلس الشعب السوري (البرلمان) بعد سقوط الأسد، ونظامه، أن تكون نقطة تحوّل في حياة السوريين السياسية، يمارسون فيها بإرادتهم الحرّة حقهم الأصيل في الترشح، واختيار ممثليهم، بما يجسّد حالة انتقالية حقيقية من عهد الاستبداد إلى عهد الحرية. هذا لم يحصُل، للأسف، إذ جرى ترتيب العملية الانتخابية و”توضيبها” بطريقةٍ لا تترك مجالًا لأي نقاش، رقابة، أو مساءلة، حقيقية تحت قبة البرلمان. تقول الإدارة الجديدة أن الظروف لا تسمح بتنظيم انتخابات عامة، بمستوى الطموح، نتيجة الدمار، والتهجير، وانزياح كتل سكّانية بأكملها، وعدم وجود سجلات للناخبين، واستمرار وجود نحو مليوني سوري في مخيمات داخل البلاد، عدا عن الخارج. هذا كله صحيح، ولا جدال فيه، لكن كان الأجدر، لهذا السبب تماماً، بدلاً من التعيين المباشر وغير المباشر، تأجيل الانتخابات ريثما تتوفّر ظروفُ إجرائها، خلال عام أو عامين، ربما، طالما أن الإعلان الدستوري (الدستور المؤقت) يحدّد الفترة الانتقالية بخمس سنوات، علماً أنه لا توجد ضغوط فعلية، سواء من الداخل أو الخارج، لإجراء انتخابات يتفق الجميع على صعوبة تنظيمها في الظروف الراهنة. كان يمكن، فوق ذلك، استخدام الفسحة الزمنية المقترحة لإطلاق حياة سياسية طبيعية، تبلغ ذروتها بالانتخاب وتشكيل البرلمان. ما حصل عكس ذلك تماماً، إذ جرى تشكيل البرلمان في غياب كامل لأيٍّ من مظاهر الحياة السياسية، فلا تيارات ولا أحزاب، بحكم عدم وجود قانون ينظّم عملها، ولا توجد، فوق ذلك، نقاشات جدّية حول خطط المرشّحين وبرامجهم، ولا حتى نقاش سياسي عام، خلا حملات السب والشتم التي تملأ وسائل التواصل الاجتماعي. أما القول بالحاجة إلى مجلس تشريعي لإقرار القوانين وإصلاح الموجود منها فيمكن دحضه بسهولة، ذلك أن السلطة التنفيذية تمارس منذ لحظة استلامها السلطة فعلياً مهامّ السلطة التشريعية، في خرقٍ واضحٍ لنص الإعلان الدستوري الذي وضعته بنفسها، عدا عن أنها هي من يعيّن السلطة التشريعية ويسمّي كل شخص فيها.
لكن هذا كله على أهميّته لا يمثل النقطة المحورية التي تستوقفنا، بل جرت الانتخابات في غياب إجماع وطني عليها، وهي تمثل، لذلك، خطوة إضافية في مسار ما فتئ، منذ انطلاقته، يعزّز انقسامات السوريين، يؤجّج صراعاتهم، ويهمّش الجزء الأكبر منهم، رغم ادّعاء تمثيل أغلبيتهم، وتصرّ، مع ذلك، الإدارة الجديدة على الاستمرار فيه، رغم كل الاعتراضات عليه. بدأ هذا المسار بـ “مؤتمر النصر” في 29 يناير/ كانون الثاني الماضي، الذي اقتصرت الدعوة فيه على الفصائل العسكرية، مروراً بـ “مؤتمر الحوار الوطني” الشكلي، الذي جرى ترتيبه على عجل، في 25 فبراير/ شباط، لإصدار بيانٍ مكتوب سلفاً، يرسم مسار “الانتقال” العتيد ويمحضه شيئاً من الشرعية، ثم الإعلان الدستوري، في 13 مارس/ آذار، الذي حدّدت الإدارة الجديدة فيه السلطات التي تريدها لنفسها، قبل أن تعهد بصياغته إلى مجموعة من الخبراء القانونيين، وصولاً إلى تشكيل “الحكومة المؤقتة”، نهاية مارس، تحت مسمّى “حكومة تكنوقراط”، حتى لا تحصل مشاورات بشأنها، وأخيراً مجلس الشعب الذي جرى تشكيله، رغم اللغط، واستبعاد ثلاث محافظات سورية، وفي غياب معايير واضحة لاختيار أعضاء الهيئات الناخبة، ما سبّب انقساماً وتناحراً حتى بين أبناء الحي الواحد. المحطّة الأخيرة في هذا المسار، كما يبدو، هي كتابة “الدستور الدائم”، والتي يتوقّع أن تجرى بالطريقة نفسها، بحيث لا نصل إلى الذكرى السنوية الأولى لسقوط النظام (8 ديسمبر) إلا وقد أنهت الإدارة الجديدة ترتيبات المرحلة الانتقالية بالكامل، وهذا ما قصده الرئيس أحمد الشرع، في الكلمة القصيرة التي ألقاها في زيارته إلى المركز الانتخابي في المكتبة الوطنية، بقوله: “استطعنا خلال بضعة أشهر، أن نحقق إنجازاً”، يسجل للسوريين الذين “أبدعوا في إنجازاتهم على مر التاريخ”. الرئيس الشرع محقٌّ تماماً، فما حصل إنجاز لم يسبقنا إليه أحد. فرغم التحدّيات، تمكّنت الإدارة الجديدة من “حرق” كل المراحل في سعيها إلى الإمساك بمفاصل السلطة، حتى إنها لن تحتاج ولا إلى ربع فترة السنوات الخمس التي حدّدتها لنفسها في الإعلان الدستوري، بغض النظر عن الثمن المترتّب على ذلك، وانعكاساته على وحدة البلد، واستقراره السياسي والأمني وتعافيه الاقتصادي. لكن هذا كله لن يهم، إذا لم يكن القصد أن يكون الحكم رضائيّاً، ومستنداً إلى توافق وطني، حول الدولة، ونظامها السياسي وكيفية تداول السلطة.
العربي الجديد
———————————
الانتخابات التشريعية السورية بين الشكل والمضمون/ محمد السكري
2025.10.08
تُعدّ العملية الانتخابية، في السياقات الانتقالية، أكثر من مجرد حدث سياسي دوري، فهي تعبير مركّب عن التوازن بين الإرادة الشعبية من جهة، وبنية الدولة ومؤسساتها من جهة أخرى. فالانتخابات، بوصفها إحدى آليات التداول السلمي للسلطة، لا تكتسب معناها الحقيقي إلا عندما تصبح جزءًا من مشروع سياسي يسعى إلى ترسيخ مبادئ المشاركة والمساءلة والمواطنة. غير أنّ هذا المعنى غالبًا ما يتراجع في المجتمعات الخارجة من أزمات سياسية كبرى، حيث تُختزل العملية الديمقراطية في شكلها الإجرائي دون أن تُستكمل بمضامينها المؤسسية والاجتماعية.
في الحالة السورية، تمثل الانتخابات الأخيرة اختبارًا لنضج البنية السياسية وإمكانيات إعادة بناء المجال العام بعد سنوات طويلة من الانقسام والصراع، فهي من جهة تعبّر عن محاولة لاستعادة مفهوم الدولة بوصفها إطارًا جامعًا للفاعلين، ومن جهة أخرى تكشف عن حدود التحول الديمقراطي حين تغيب الأرضية الاجتماعية والسياسية القادرة على إنتاج مواطنة فاعلة. فبحسب ماكس فيبر، فإنّ “العقلنة السياسية لا تُقاس بوجود المؤسسات وحدها، بل بقدرة تلك المؤسسات على تنظيم الفعل السياسي وفق منطق الشرعية والفعالية لا الولاء والانتماء”.
هذا التناقض بين الشكل والمضمون، بين الإجراء والجوهر، هو ما يجعل العملية الانتخابية في سورية بحاجة إلى قراءة موضوعية تتجاوز التوصيفات العامة. إذ لا يمكن النظر إليها بوصفها دلالة مباشرة على تحول ديمقراطي بالمعنى الحرفي، بقدر ما هي مرحلة تأسيسية في مسار طويل لإعادة تعريف السياسة نفسها. من هذا المنطلق، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في نتائج الاقتراع، بل في بناء فضاء سياسي يسمح بولادة قوى اجتماعية جديدة قادرة على تمثيل مصالح المجتمع والدفاع عنها.
إنّ الانتخابات السورية الأخيرة تُظهر، في جانب منها، تحسّنًا نسبيًا في معايير الشفافية والإدارة، لكنها في الوقت ذاته تكشف استمرار تأثير البنى التقليدية؛ العائلية والطائفية والمناطقية، في تشكيل المشهد الانتخابي وتوجيه سلوك الناخبين. وهنا يصبح من الضروري النظر إلى هذه العملية كـ”مدخل للتأسيس السياسي” أكثر من كونها “مؤشرًا للتحول الديمقراطي”. فهي تؤسس لتجربة جديدة يمكن أن تفتح الباب أمام بناء مؤسسات أكثر تمثيلًا، إذا ما رافقها تطور حقيقي في الوعي الجمعي والسياسات العامة.
يرى أنطونيو غرامشي، “إنّ الأزمة تظهر عندما يعجز القديم عن الاستمرار، ويعجز الجديد عن أن يولد”، أو عندما يرسخ مصطلح “الواحدية” داخل عملية فصل السلطات، والذي يعود للمفكر الفرنسي مونتسيكيو وهو توصيف يدخل في سجالات الملف السوري بوضوح، حيث تتنازع الإرث السياسي القديم والتطلعات الحديثة نحو بناء دولة المواطنة والحقوق. ومن هنا، تأتي أهمية تحليل العملية الانتخابية الأخيرة ليس بوصفها حدثًا تقنيًا، بل باعتبارها مرآة للواقع السياسي والاجتماعي، تكشف حدود التحول الممكن وتضع أسس النقاش حول مستقبل التعددية والمشاركة في سورية الجديدة.
تشير العملية الانتخابية الأخيرة في سورية إلى مرحلة انتقالية دقيقة في مسار تشكّل النظام السياسي، إذ جرت الانتخابات ضمن مستوى مقبول من الشفافية والنزاهة، قياسًا بالظروف السياسية والإدارية الراهنة. ومن غير الدقيق تحميل الحكومة السورية مسؤولية مباشرة عن نتائج الفوز أو الخسارة، بقدر ما يمكن تحميلها مسؤولية توفير البيئة المؤسسية التي مكّنت من سير العملية الانتخابية بحدٍّ أدنى من التنظيم والمراقبة. ومع ذلك، تبقى الانتخابات خطوة أولى قابلة للتطور، لكنها لا تعبّر بالضرورة عن تحول جوهري ما لم تُدمج في منظومة سياسية رشيقة ومتجددة، قادرة على استيعاب المتغيرات السياسية والاجتماعية. إذ قد تتحول الانتخابات إلى فرصة لإنتاج قواعد عمل وطني جديدة، كما قد تنقلب إلى أداة شكلية تُعيد إنتاج مجتمعات الديكور السياسي التي تعيق التحول الديمقراطي الحقيقي.
لم يتبلور في سورية بعد مجتمع مواطنة راسخ، إذ ما تزال الهويات التقليدية والهشة “العائلية والطائفية والمناطقية” هي التي تضبط إيقاع التحالفات السياسية وتوجّه سلوك الناخبين والمرشحين على السواء. وقد ظهر ذلك بوضوح في نتائج الانتخابات الأخيرة، مع تسجيل بعض
الخروقات المحدودة التي لا تكفي لتأسيس بنية سياسية جديدة. كما يصعب توصيف العملية الانتخابية بأنها ديمقراطية بالمعنى الكامل، فالديمقراطية ليست حدثًا انتخابيًا، بل منظومة قيم وممارسات تتجاوز الاقتراع إلى ترسيخ مبادئ المشاركة والتعددية والمساءلة والشفافية. ما جرى هو حالة انتخابية انتقالية هجينة، صغيرة الحجم مقارنة بالإطار الأوسع لمفهوم الديمقراطية، لكنها رغم ذلك تمثل بداية ضرورية لتصحيح المسار السياسي.
وفي سياق النقاش النظري، تطرح قضية “الكوتا” أو الحصص المخصصة للفئات والجندر سؤالًا مهمًا حول موقعها ضمن الفلسفة الديمقراطية، فهي لا تنتمي إلى جوهر المفهوم الديمقراطي التقليدي، بل ظهرت ضمن الجدل الليبرالي الحديث، نتيجة التمازج بين الديمقراطية والليبرالية في العقود الأخيرة، ما أنتج مفهوم “الليبرالية الدستورية” التي تسعى إلى الموازنة بين العدالة التمثيلية والمساواة الحقوقية. وعلى الرغم من أنّ “الكوتا” أداة تصحيح مرحلية ضرورية في المجتمعات الخارجة من الصراع، فإنّ استمرارها دون إصلاح مؤسسي بنيوي قد يكرّس التمثيل الرمزي ويحول دون التمكين السياسي الحقيقي للفئات المهمشة.
في المقابل، ما زالت التيارات السياسية الناشئة، خصوصًا في دمشق، تعاني من ضعف واضح في البنية التنظيمية والفاعلية الحركية، إذ تفتقر إلى برامج سياسية ناضجة ورؤية فكرية متكاملة قادرة على التأثير في الرأي العام. وهو ما يستدعي تطوير أدوات العمل السياسي وبناء ثقافة حزبية جديدة تتجاوز السلوكيات الفردية والمصلحية الضيقة نحو مقاربة أكثر نضجًا وتكاملًا. أما في بانياس، فقد مثلت المدينة نموذجًا واضحًا لعودة الاستقطاب الطائفي، حيث تمترست الهويات ما قبل الدولتية في الفضاء الانتخابي، وهو ما يعكس هشاشة البنية الوطنية واستمرار ضعف مشروع الهوية الجامعة. وفي المقابل، تعاني مدينة حلب من تشتت التيار الثوري الشبابي نتيجة غياب مشروع تياري جامع يجمع الفرقاء الحركيين ضمن رؤية حداثية، ما يجعل الحاجة ملحّة لتأسيس إطار سياسي يستوعب الطاقات الشبابية ويمنحها هوية سياسية معاصرة تتجاوز الانقسامات التقليدية.
وبالحديث عن سجال التمثيل النسائي، فقد أظهرت الانتخابات مؤشرات إيجابية جزئية، غير أنّ ضعف التحالفات النسوية حال دون تحقيق تمثيل نوعي متقدّم. ففي حلب مثلًا، لو أن المرشحات اتحدن ضمن قائمة توافقية لتمكّنّ من تجاوز الحد الأدنى لعدد المقاعد، غير أنّ استمرار هيمنة الهويات التقليدية والميل الاجتماعي لصالح الرجال يعوق المشاركة النسائية الفاعلة. ويستدعي ذلك تعزيز التحالفات النسائية المؤسسية، وتفعيل آليات الجندرة السياسية ضمن الإطار الحزبي والمدني، لضمان مشاركة حقيقية لا رمزية.
إنّ البرلمان في سورية لا ينبغي النظر إليه كمؤسسة تمثيلية فحسب، بل كرافعة لتحول سياسي بنيوي، ومساحة لإنتاج مجتمعات سياسية ومدنية جديدة، تسهم في الانتقال من الحالة الطبيعية القائمة على الولاءات والانتماءات الضيقة، إلى الحالة الوضعية القائمة على التنظيم والتعددية والمواطنة. فالبرلمان، في هذه الحالة، لا يشكل غاية بحد ذاته، بل وسيلة لتأسيس قواعد دستورية وقانونية ناضجة تمهّد للمرحلة القادمة من إعادة بناء الدولة السورية. ومن المهم التوقف عن مقارنة هذه الانتخابات بانتخابات نظام الأسد السابقة، إذ إن المقارنة العادلة تكون مع انتخابات مرحلة الاستقلال الأولى، من حيث الرمزية التاريخية والبداية التأسيسية لمسار سياسي جديد، ولو على مستوى البنية الأولية.
أخيرًا، يلاحظ أنّ الحكومة السورية استخدمت مصطلح “الديمقراطية” بشكل مكثّف في خطابها الرسمي والإعلامي، في تحول لافت يعكس سرعة التدرج في الخطاب السياسي، إمّا نتيجة لطبيعة السياق الجديد أو كجزء من استراتيجية تكيّفية فرضتها ضرورات المرحلة الانتقالية. ومع ذلك، فإنّ استدامة هذا التحول تتطلب نقل المفهوم من الاستخدام الخطابي إلى التأسيس المؤسسي عبر إصلاحات قانونية وسياسية شاملة تعيد تعريف العقد الاجتماعي على أسس المشاركة والمواطنة وسيادة القانون.
تُظهر التجربة الانتخابية الأخيرة في سورية أن التحول الديمقراطي ليس حدثًا انتخابيًا بقدر ما هو عملية تراكمية تتطلب إعادة هندسة العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالمجتمع السياسي السوري ما زال في طور التشكل، في ظل تحديات ترتبط بضعف المؤسسات، واستمرار الولاءات ما قبل الدولتية، وغياب ثقافة سياسية حديثة قادرة على إنتاج فاعلين مؤسسيين حقيقيين. وفي هذا السياق، يشكّل البرلمان نقطة ارتكاز مركزية في بناء بنية سياسية جديدة، ليس بوصفه ساحة للتمثيل فحسب، بل كمنصة لإعادة تعريف مفهوم الشرعية السياسية على أسس المواطنة والتعددية.
إن نجاح التجربة البرلمانية المقبلة مرتبط بمدى قدرة النخب السياسية على تجاوز الخطابات الأيديولوجية والهويات الضيقة، والتوجه نحو بناء توافقات وطنية كبرى تؤسس لحياة سياسية مدنية مستقرة. فالبرلمان القادم، إذا ما أدير بكفاءة مؤسسية، يمكن أن يتحول إلى فضاء لإنتاج السياسات العامة، وصياغة القواعد القانونية الناظمة للانتقال السياسي، بما يرسخ تدريجيًا مفهوم الديمقراطية التشاركية بدلاً من الديمقراطية الشكلية.
ومن هنا، فإن جوهر التحول لا يكمن في صناديق الاقتراع فحسب، بل في بناء ثقافة سياسية مؤسساتية تضمن استدامة المشاركة، وتؤطر التنافس ضمن حدود المصلحة الوطنية. وفي ضوء ذلك، تبدو المرحلة المقبلة في سورية اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة النخب والفاعلين السياسيين على تحويل البرلمان من منصة رمزية إلى أداة لإعادة بناء الدولة الحديثة، عبر ترسيخ قيم الشفافية، والمساءلة، وسيادة القانون، والعدالة التمثيلية.
تلفزيون سوريا
——————————-
نوَّابٌ من دون الشعب/ مضر رياض الدبس
2025.10.08
“انتخابات مجلس الشعب”. جملةٌ تكررت بوفرة في الأيام الأخيرة الماضية، ومن دون شك، تعني هذه الجملة الكثير للمرشحين، واللجان الناخبة، وفئةٍ ممَّن رأت أن حضورَ كلمة “الانتخابات” في الحياة السياسية السورية أمرٌ إيجابي يستحق الفرح، ويقلِّل من أهمية الفكرة التي تقول إن السلطة الحالية تخاف من الديمقراطية. وقد ذهبت بعض الأقلام إلى مكانٍ أبعد، فاستخدم أحدُ مسؤولي السلطة عبارة “العرس الانتخابي” في سياق كلامه عن الواقعة. وقد يكون لكلٍ فهمه، وغاياته، التي يبني عليهما رأيه، وهذا حقٌ ما دامات النيات صافية والمقاصد تصب في مصلحة الوطن كما يراها صاحب الرأي، ولكن غاية هذا النص هي أن يشير إلى المعنى السياسي لهذه الجملة المكوَّنة من ثلاث كلمات “انتخابات مجلس الشعب”، لكي يذكِّر نفسه بهذا المعنى، ولكي يتحدث إلى من يريد أن يسمع شيئًا بعيدًا عن هذا الضجيج الحاصل بين تضخيم الحدث، والرفض المطلق له.
كلُّ كلمةٍ في هذه الجملة يمكن التوقف عندها والتفكير في الشيء الذي يعنيه استخدامها؛ فإذا بدأنا بالكلمة الأولى “انتخابات”، يمكن أن نقول بثقة إنَّ ما حصل – كما ما نعرف جميعًا – ليس انتخابات، وهذا ما لا تنكره السلطة أيضًا، فقد قالت لنا في أكثر من مرة أن الانتخابات غيرُ مُمكنة، ونحن ندرك أن الانتخابات لو كانت مُمكنة لمَّا تَفهَم الرأي العام هذا الإخراج لتشكيل مجلس شعب، لذلك ينبغي أن تخرج أصواتٌ لتذِّكر السلطةَ، والرأيَّ العام، بهذه الحقيقة المتفق عليها من الجميع. واستنادًا إلى ذلك، فإن توصيف “عرس انتخابي” قد لا يكون موَّفقًا، وقد يُذكِّرنا بما لا نريد أن نتذكَّره، لأن “العرس” كلمة لا تصلح للانتخابات حتى مجازًا، وتوصيفًا ينتمي إلى حزمةِ تراكيبٍ نتفق جميعنا بأنها كانت نهجٌ لا نريده مرةً أخرى في حياتنا..
وعلى أيّة حال، وصلت العملية الآن إلى النتيجة المأمولة منها وتنتظر تعيينات رئيس الجمهورية لتكتمل ويباشر المجلس مهمَّاته، ولكن تظلُّ المُشكلة في تحميل الأشياء أكثر مِّما تحتمل؛ فنحوِّل التدابير الاستثنائية لاختيار مجلس الشعب إلى “عرس انتخابي”. إذًا أوَّل نقطة يمكن أن نتفق عليها هي أننا في الوقت الذي نتفهم فيه أن الانتخابات غير ممكنة، وأن اللجوء إلى هذا الخيار مسوّغٌ بالحدود المقبولة على مستوى الرأي العام السوري، ينبغي ألَّا ننسى أنَّ ما حصل ليس انتخابات، ولا شيء إلى الآن يستحق الاحتفال، وهذا بطبيعة الحال ليس تقليلٌ من أهمية ما حصل إنما تعظيمٌ لعقلانية فهمه تفاديًا للمبالغة والوقوع في فخ التضخيم كي نكسب أنفسنا ومستقبلنا فلا نتوّهم، وفي هذا خيرٌ للجميع.
وننتقل إلى الكلمة الثانية في هذه الجملة وهي “مجلس”. وبحدود معرفتنا لم يتم نقاش معنى هذه الكلمة سياسيًا، حتى إن التنويه في أكثر من مناسبة إلى ضرورة تغيير الاسم لم يتضمن تغيير كلمة “مجلس”، وحتى إذا غابت الكلمة في الاسم الجديد، فلن ينفي ذلك عن هذه المؤسسة أنها “مجلس”. ولذلك من حق السوريين أن يُقدّم لهم تصورٌ جديدٌ وحديثٌ لهذه الكلمة لكي يكونوا على درايةٍ بمعناها الذي ستعمل بموجبه، ولكي يتأكدوا من تجاوز السلطة الحالية لمعنى الكلمة الذي كان في فترة حكم النظام البائد، والذي لا يعني أكثر من أعضاءٍ يجلسون ويصفقون أكثر ممّا يتكلمون، وإن تكلموا كان أكثرُ من ثلاثة أرباع كلامهم “تمسيحَ جوخ”.
المجلس في هذا السياق رمزٌ للفضاء العمومي، ومجالٌ لممارسة الحرية السياسية، وما بات يسمى على نطاقٍ واسع باسم “العقلانية التواصلية”. يعني هو مكانٌ يُفترض أن يتضمن المعاني الآتية بالحد الأدنى:
1) ممارسة الفعل السياسي (Action) بما يُدشِّن معنى جديدًا للسلطة لم نعرفه في تاريخنا المُعاصر وينبغي أن نعتاد عليه ونتمرن على وجوده، وهو سلطة المحكومين على الحُكَّام.
2) اختبارٌ أوَّلٌ لمدى قدرتنا على احتمال فكرة الحرية بعد عقودٍ من غيابها، وتمرينٌ على ممارسة الحرية في فضاء عمومي حقيقي.
3) تأسيس الإرادة العامة في البرلمان، أو ترجمة الرأي العام إلى إرادة عامة تنظُم القوانين، فالحديث عن إنتاج القوانين لا معنى له إلا إذا كانت هذه القوانين تعبِّر عن الإرادة العامة وعن روح الأمة، وهذا التأسيس يتم بالخطاب، والتداول، والحوار، وترسيخ الفردانية بوصفها حقًا سياسيًا أصيلًا؛ فمن حق الجميع أن يكونوا أفرادًا في منطق الدولة وهذا شرطٌ لازمٌ ليصيروا مواطنين. ويعني ذلك أنَّ المجلسَ فكرةٌ مضادةٌ للمُحاصصة، ولتمثيل القبائل والطوائف وما إلى ذلك؛ ففكرة الأعيان مثلًا تتناقض مع فكرة المجلس بالمعنى السياسي لأن “العين” مفهومٌ يحيل على نفوذٍ عصبي من نوعٍ ما مثل القبيلة وما ينتمي إلى حقلها الدلالي، وهذه الفهم لا يخلق روح الشعب ولكن يُلطِّف مشكلة التمثيل كما تفعل مسكنات الألم التي تلطف الألم ولا تعالج المرض.
4) مأسسة قانونية للعقل العمومي التداولي، أو كما يقول كانط “الاستعمال العمومي للعقل”. وهذه مسألة تحتاج إلى تأسيسٍ وتمرينٍ مستمرٍ لا ينتهي. حتى إنَّ أعرقَ برلمانات العالم ما تزال تقوم بهذا التمرين.
هذا كلُّه من معاني كلمة “مجلس”، وثمة غيرها الكثير من النوع الذي نحتاج إلى الكلام عنه والنقاش فيه حتى لا يعود المعنى الركيك الذي تمكّن من المكوث بيننا لأكثر من خمسين عامًا، ولكي نشطب كلماتٍ مثل “العرس” من معجم المصطلحات السياسة بحيث لا نعود إلى زمانٍ لم نكن فيه قادرين على التمييز بين التشريع والزَّفة وما فيها من “طبلٍ وزمر”.
ونصل إلى الكلمة الأخيرة في الجملة، الأعمق والأهم، وهي كلمة “الشعب” التي تبدو في عمقها الفلسفي مترادفةٌ مع مأسسة فعل الحرية، ومأسسة التعددية؛ فالسياسة والتشريع يقومان على مفهومٍ أساسي هو التعددية. ولو لم يكن البشر مختلفين لما كان للسياسة حاجة، ولصار مفهوم القبيلة أو الطائفة أو الملة مفهومًا قادرًا على استبدال مفهوم الشعب. والتعددية تشير إلى استحالة اتفاق آراء البشر في مقاربة موضوعٍ واحد، ولكنَّ وحدتهم تكمن في هذا الاختلاف؛ وكما قال فيرجيل “الوحدة في الكثرة”. يعني ذلك أن التعدد لا يكون بأن كلَّ جماعةٍ لديها قاسمٌ مشترك مثل الدين أو الطائفة أو الإثنية تتكتل كلٌّ على حدة، ثم يكون الشعب مجموعًا حسابيَّا لها؛ بل يعني ذلك أن التعدُّد لا يكون إلا عندما يصير المختلفون واحدًا، وحينها فحسب يصبح للكلام عن التعددية معنى، لأن التعددية هي فلسفة تدبيرٍ للواحد المتعدِّد، وليس للواحد المتجانس، أو للمختلفين المنفصل بعضهم عن بعض، هذا الواحد المُتعدد هو “الشعب” وهو مفهومٌ سياسي بالضرورة. هذا يعني أن ترتيب الواحد، سابق على التعددية، ولكنّه مرتبط بها، وفي عمق هذه العلاقة يكمن مفهوم الشعب ويعيش؛ فلا شعب من دون اختلاف، ومن دون حرية في التعبير عن ذلك، ومن ثم مأسسة الاختلاف في تدابير وقوانين وثقافة وتاريخ ومشترك ومصيرٌ واحد، تشكِّل مجتمعةً روح الشعب.
مبارك للذين نجحوا في الوصول، وللذين سيصلون بالتعيين، وكان الله في عونكم وعوننا..
تلفزيون سوريا
—————————–
كيف نظر السوريون لصلاحية ثلث الرئيس؟/ علاء الدين الكيلاني
شهدت سوريا في الـ5 من أكتوبر/تشرين الأول الجاري انتخابات مجلس شعب جديد، تتويجا لمرحلة جديدة طوت صفحة الاستبداد السياسي الذي عانت منه البلاد لأكثر من 6 عقود.
وعكست الانتخابات -وفق مراقبين- حرص النظام السياسي الجديد على الانتقال من “شرعية الثورة إلى شرعية الدولة”، وتأسيس مرحلة تتسم بالتوافق، ومشاركة الشعب في صنع القرار، واعتبرت بمثابة رهان على مستقبل يتطلع فيه السوريون إلى مسار ديمقراطي حقيقي.
وجرت الانتخابات في مختلف أنحاء البلاد، عدا مدينة السويداء التي تعرضت لاضطرابات أمنية، ومنطقة شمال شرقي سوريا الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وتنافس فيها 1578 مرشحاً، بينهم 14% نساء، على 140 مقعداً من أصل 210 مقاعد، يعيّن الرئيس الثلث المتبقي.
دور المجلس
وكان الإعلان الدستوري الذي صدر في 13 مارس/آذار الماضي، قد حدد دور المجلس بمنظومة مهام على رأسها:
تولي السلطة التشريعية لحين إقرار دستور دائم وتنظيم انتخابات جديدة.
اقتراح القوانين وإقرارها، وتعديل أو إلغاء القوانين السابقة.
والمصادقة على المعاهدات الدولية.
إقرار الموازنة العامة للدولة، والعفو العام.
في حين منحت المادة 24 منه رئيس الجمهورية صلاحية تعيين لجنة عليا تشرف على تشكيل هيئات فرعية تنتخب ثلثي أعضاء مجلس الشعب، ويعين الرئيس الثلث المتبقي لضمان التمثيل العادل والكفاءة.
ضمان التوازن
فتح منح الرئيس صلاحية تسمية ثلث الأعضاء، نقاشات واسعة على وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، تراوحت بين مؤيد لهذه الصلاحية ومتحفظ عليها ومعارض لها.
ومن منظور حقوقي، يرى الخبير في القانون الجنائي الدولي وقضايا حقوق الإنسان المعتصم الكيلاني أن منح رئيس الدولة هذه الصلاحية، هو خطوة دستورية استثنائية ومؤقتة، تهدف إلى ضمان توازن القوى السياسية، وتحصين العملية الانتقالية من الاضطراب، في ظل ظروف ما بعد النزاع وانهيار البنية المؤسسية السابقة.
علاوة على أنها أداة قانونية، معترف بها خلال المراحل الانتقالية، تهدف إلى تحقيق التوازن بين الحاجة إلى توسيع المشاركة السياسية، وضمان تمثيل مختلف المكونات الاجتماعية والسياسية، وبين الحاجة إلى استقرار مؤسسات الدولة وتجنّب فراغ تشريعي في ظل عدم وجود أحزاب وتنظيمات سياسية، أو ضعف أدائها.
ونفى الكيلاني في حديثه للجزيرة نت أن ينتقص استخدام هذه الصلاحية من حق المشاركة السياسية، ما دامت مقيدة بمدة محددة، ومرتبطة بمرحلة انتقالية واضحة، تنتهي بإجراء انتخابات ديمقراطية حرة ومباشرة.
معتبرا مشاركة الرئيس في اختيار جزء من أعضاء المجلس، إجراء مشروعا وضروريا لتأمين انتقال دستوري سلس، وتحصين مؤسسات الدولة من الانقسام في المرحلة الحرجة.
ويرى مؤيدوا هذه الخطوة أنها تسهم في:
تثبيت دعائم الاستقرار المؤسسي في فترة إعادة بناء الدولة.
تأمين تمثيل وطني متوازن يضم كفاءات وخبراء مستقلين قد لا يملكون أدوات الترشح الانتخابي في هذه المرحلة.
تهيئة البنية التشريعية والإدارية الضرورية لإجراء أول انتخابات ديمقراطية عامة لاحقاً.
تحفظات
في المقابل، انتقد السياسي السوري وعضو مجلس الشعب المنشق عن النظام السابق عماد غليون الترجمة العملية لبعض مواد الإعلان الدستوري، حيث سجلت الوقائع نقاط ضعف عديدة، كالتباس الصلاحيات الدستورية والقانونية الممنوحة للسلطة المؤقتة، وعدم الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، ودمجها في المحصلة تحت سلطة الرئيس.
وتحفظ غليون في حديثه للجزيرة نت على الطريقة التي تم من خلالها تشكيل هيئات ناخبة مصغرة في المناطق، لاختيار أو انتخاب ممثليها، حيث ترك أثرا سلبيا تجلى مع قبول ورفض ترشيح عدد من المرشحين دون أن يخضع القرار لضوابط قانونية واضحة.
ويرى غليون أن ذلك أدى إلى قبول ترشيح شخصيات موالية للنظام البائد، وأبعاد شخصيات ثورية معروفة، الأمر الذي كاد أن يعطل العملية الانتخابية برمتها في بعض المناطق.
وحول الثلث الذي سيعينه رئيس الجمهورية، قال غليون إن بإمكان الرئيس من خلال هذه الصلاحية أن يعيد التوازن لتركيبة المجلس، وتصحيح أي خلل، عبر تعيين شخصيات تسد النقص الحاصل سواء على صعيد الكفاءات أو الخبرات أو التمثيل، وذلك قدر الإمكان.
مخاطر وضوابط
من جهته، أوضح الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي أن المرحلة التي تمر بها البلاد، تتطلب أن يعبّر مجلس الشعب الجديد عن سلطة الشعب، كركيزة أساسية في النظام السياسي الجديد، وأن يأخذ دوره كأداة مركزية لإعادة بناء الدولة وفق أسس دستورية وقانونية ومؤسساتية حديثة.
وأشار إلى أن عدم فاعلية الكفاءات داخل المجلس، لن يكون مجرد خلل، بقدر ما يشكل تهديدا مباشرا لمسار التحول الديمقراطي.
وبين أن غياب الخبرة التشريعية أو تغليب المصالح الضيقة أو العجز عن صياغة سياسات واقعية، من شأنه أن يؤدي إلى تعطيل الإصلاح المؤسسي، وخلق فراغ قانوني يضعف ثقة المواطنين، ويفتح الباب للفوضى المؤسسية، ويعيق جذب الاستثمار وإعادة الإعمار والاندماج في المجتمع الدولي.
وأوضح الباحث قوشجي في حديثه للجزيرة نت، أنه من المفترض أثناء العمل بآلية الثلث المكمل، ضمان عدم اختلال التوازن أو المسّ بشرعية التمثيل الشعبي، فالتعيين المباشر بصيغته المفتوحة يحمل أخطارا، لكنه قد يقدّم فوائد محددة إذا نُفّذ بضوابط واضحة، مثل:
إدخال خبرات تقنية ومهنية مفقودة في التشكيلة الممثلة انتخابيا.
تمثيل فئات ضعيفة استُبعدت مؤقتاً بسبب ضعف البنية الانتخابية.
تسريع عمل المجلس بتوفير عناصر قادرة على صياغة التشريعات اللازمة.
أما بالنسبة للمخاطر، فلابد -حسب الباحث- من إجراءات للحد منها، تتطلب:
الإعلان عن معايير أهلية واضحة لاختيار الأعضاء المكملين، تشمل الخبرة والسيرة الوطنية وسجل الحياد أو الالتزام بمبادئ العدالة الانتقالية.
تشكيل لجنة متنوعة من ممثلين مدنيين وقانونيين ومنظمات مجتمع مدني لتقديم قوائم مقترحة.
تحديد مدة ولاية الأعضاء المعينين وشروط إنهاء التكليف مبكراً بموافقة أغلبية تشريعية أو آلية قضائية مستقلة.
إشراك هيئة قضائية مستقلة أو هيئة دستورية مؤقتة لمراجعة الطعون المتعلقة بالتعيينات.
آلية مرحلية
وفي الإطار ذاته، يرى الخبير الكيلاني أنه من المهم النظر إلى هذه الصلاحية، بوصفها مرحلة تأسيسية مؤقتة، لا تتعارض مع مبدأ السيادة الشعبية، بل تمهد له، ونوه بضرورة وجود معايير شفافة للتعيينات تضمن التوازن الجغرافي والاجتماعي، وتمثيل المرأة والأقليات.
وقال إن القانون الدستوري المقارن ينظر إلى هذه الصلاحية، بوصفها آلية مرحلية، لبناء الشرعية التمثيلية، على أن تكون الخطوة التالية -كما ينص الإعلان الدستوري نفسه- إجراء انتخابات حرة ومباشرة، لتشكيل مجلس شعب منتخب بالكامل عبر صناديق الاقتراع.
وخلال فترة حكم عائلة الأسد بين عامي (1970 وحتى 2024) شهدت سوريا 12 دورة انتخابية، كرست حكم حزب البعث، وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية المتحالفة معه.
وحسب رأي الخبير المختص بعلم الاجتماع سعيد البني في حديثه للجزيرة نت لم يتمكن أي مرشح مستقل في ظل حكم عائلة الأسد من الفوز بالانتخابات دون موافقة أمنية مسبقة، تؤكد وقوفه إلى جانب السلطة في مواجهة خصومها.
بين الرفض والقبول
يشبّه الحقوقي السوري المحامي فراس الجمال تعيين الثلث الأخير لمقاعد المجلس، بالثلث المعطل، ويقول إن منح الرئيس سلطة تعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب يدفع المؤسسة التشريعية إلى حضن السلطة التنفيذية، وقد يعطل بدوره أي قرار يتخذه المجلس لا ينسجم مع رغباتها.
وعبّر للجزيرة نت عن مخاوفه من أن يضعف التعيين الدور الرقابي للمجلس على أعمال الحكومة ورئيسها، ويحول دون محاسبة السلطة التنفيذية، على أدائها، أو تقصيرها خلال الفترة القادمة، مما يحوله كسابقيه إلى مجلس للتصديق والإقرار.
بدوره، استبعد الفنان التشكيلي أسعد الحداد أن يؤثر الثلث المعين على توازن المجلس، طالما كان الهدف من التعيين معالجة أوجه القصور في التمثيل، أو ترميم النقص في الكفاءات.
وأوضح في حديثه للجزيرة نت أن نتائج الانتخابات عززت أهمية هذه الصلاحية، فعلى سبيل المثال بلغ عدد النساء المنتخبات 6 نساء فقط، وهذا يقلل من فرص مشاركة المرأة في المجلس، في حين تراجع تمثيل بعض الفئات المجتمعية إلى مقعد أو مقعدين، مما يستدعي إعادة تقييم هذه النسب في ضوء الخطوط العريضة التي أقرها النظام لمبدأ التشاركية، ومعالجتها من خلال الصلاحية الممنوحة للرئيس.
من جهته، أكد الناشط المدني حسام الشعار على أهمية المسار الديمقراطي الذي يتبناه النظام الجديد، مشددا على أن نجاح الحياة السياسية في البلاد، وعودة القرار إلى الشعب، يتوقفان على جديته في التعاطي مع مبدأ فصل السلطات.
وأوضح للجزيرة نت، أهمية وجود سياسات هادفة، تضع السلطة التنفيذية تحت أنظار السلطة التشريعية، وليس العكس، لافتا إلى أن تعيين الثلث المتبقي، من شأنه أن يضعف استقلالية المجلس، ويحد من المهام التي تنتظره على أكثر من صعيد.
المصدر: الجزيرة
———————–
انتخابات سوريا.. شبه غياب للمرأة والأقليات
08 تشرين الأول 2025
في خطوة وُصفت بأنها بداية التحول نحو الحياة السياسية الجديدة في سوريا، أعلنت اللجنة العليا للانتخابات أسماء 119 عضوا في أول مجلس شعب يُنتخب بعد سقوط نظام بشار الأسد، يمثلون جميع المحافظات باستثناء السويداء والرقة والحسكة، التي سيمثلها 21 عضوا في انتخابات “تستكمل لاحقا بقرار رئاسي”.
ويُعدّ هذا المجلس أول مؤسسة تشريعية تُشكَّل بموجب الإعلان الدستوري الانتقالي، وتستمر ولايته 30 شهرا قابلة للتجديد، ليكون -وفق مراقبين- خطوة تأسيسية على طريق بناء نظام تمثيلي جديد بعد عقود من الحكم الفردي.
خريطة الفائزين
كشفت النتائج عن تحوّل واضح في المشهد السياسي والاجتماعي، تمثل في غياب كامل للوجوه التقليدية المرتبطة بالنظام السابق وصعود قوى جديدة تمثل روح المرحلة الانتقالية.
وحظر المرسوم الانتخابي ترشح أي شخصية متورطة في الفساد أو مرتبطة بالنظام البائد، مما أنهى عمليا عهد “النواب المحسوبين” على السلطة القديمة، وفتح المجال أمام وجوه شابة وأكاديميين ونشطاء مدنيين دخلوا الحياة العامة لأول مرة.
ويوضح المحامي عبد الرحمن علاف، وكان أحد المرشحين لعضوية المجلس عن مدينة حلب، أن هذه الانتخابات أنهت زمن شراء المقاعد بالمال والنفوذ، لتفسح المجال أمام نخبة من التكنوقراط وأصحاب الكفاءات الذين يحملون رؤية وطنية لإعادة بناء مؤسسات الدولة وكتابة الدستور الجديد.
خلفيات متنوعة
ويشير المحامي علاف في حديثه للجزيرة نت إلى أن المجلس يضم اليوم وجوها من خلفيات ثورية ومهنية تمثل الطبقة الوسطى والمجتمع المدني، مما يعكس بداية تشكّل نواة سياسية جديدة بعيدة عن المحاصصة الحزبية والمنافع الشخصية.
من ناحيته، يرى الباحث في المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة محمد السكري أن نتائج الانتخابات تكشف عن تحولات تدريجية في البنية السياسية والاجتماعية للبرلمان، أبرزها صعود وجوه تعبّر عن فاعلين اجتماعيين محليين وشبابيين أكثر حيوية مارسوا نشاطات شبابية خلال الثورة السورية.
ويوضح السكري في حديثه للجزيرة نت أن هذه القوى الصاعدة على قلتها لا تنتمي إلى أحزاب راسخة أو قوى تقليدية، بقدر ما تمثل تحالفات مدنية ومناطقية ناشئة، بعضها يعبر عن التيار الثوري الحداثي، لا سيما في المدن الكبرى مثل حلب.
بالمقابل، شكل ضعف التيارات الحركية المنظمة، وغياب المشروع السياسي الجامع، من هذه الصعودات حالات فردية أكثرها من تيارات مؤسسية، بحسب السكري.
تمثيل الأقليات
لم تحقق الأقليات الدينية والإثنية في سوريا تمثيلا واسعا في أول انتخابات برلمانية بعد سقوط النظام، مما أثار تساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء ذلك، خاصة في ظل الوعود الحكومية ببناء نظام تمثيلي شامل.
فقد أعلن المتحدث باسم اللجنة العليا للانتخابات، نوار نجمة، أن المسيحيين حصلوا على مقعدين فقط من أصل 210، وهو رقم يُعدّ متواضعا مقارنة بنسبة وجودهم في المجتمع السوري، كما لم يفز المرشح اليهودي الوحيد الحاخام هنري حمرة في الانتخابات.
وأوضح نجمة أن “تمثيل بعض المكونات لا يتناسب مع نسبها السكانية”، مشيرا إلى أن الرئيس أحمد الشرع قد يعمد إلى تعويض هذا الخلل عبر الثلث المعيَّن من أعضاء المجلس.
ويرى الباحث السياسي نادر الخليل أن السبب الرئيس وراء ضعف تمثيل الأقليات هو تأجيل الانتخابات في محافظات الرقة والحسكة والسويداء، مما أدى إلى غياب الأكراد والدروز فعليا عن المجلس.
رفض محلي
ويشير الخليل في حديثه للجزيرة نت إلى أن هذا الغياب لا يعكس ضعف المشاركة فحسب، بل يكشف عن رفض بعض المرجعيات المحلية وسلطات الأمر الواقع في تلك المناطق للمشاركة في العملية الانتخابية، الأمر الذي قد يفاقم التوترات ما لم يُعالَج من خلال التعيينات الرئاسية أو جولات انتخابية تكميلية.
ويُقدّر الخليل توزيع القوى داخل البرلمان الجديد بنحو 60% من الكفاءات المدنية (نشطاء، مهنيين، ممثلي المهجرين)، و20% من الإسلاميين المعتدلين، و15% فقط من الأقليات، بينهم عدد محدود من المسيحيين وقلة من الأكراد، دون أي تمثيل فعلي للطائفة اليهودية.
وكان مجلس سوريا الديمقراطية (مسد) الجناح المدني لقوات “قسد” قد وصف عملية تشكيل مجلس الشعب السوري بـ”المسرحية السياسية”، معربا عن رفضه إياها، كما اعتبر بأنها تزيد من الانقسام داخل المجتمع السوري.
وكان من المقرر منح محافظة الحسكة 10 مقاعد والرقة 6 مقاعد، لكن اللجنة قررت تأجيل عملية التشكيل في المحافظتين، بسبب “الوضع الأمني”.
وقال المتحدث باسم اللجنة نوار نجمة في تصريحات إعلامية، إن تأجيل الانتخابات يهدف إلى تحقيق تمثيل عادل للمحافظات الثلاث في مجلس الشعب، موضحا أن المقاعد المخصصة للمحافظات ستبقى محفوظة إلى حين إجراء الانتخابات فيها.
ورغم محدودية حضورهم في المجلس الحالي، فإن مراقبين يرون أن الأقليات ما زالت تحظى بفرص لتعزيز تمثيلها عبر التعيينات الرئاسية أو الإصلاحات الدستورية المقبلة، خصوصا في ظل تعهّد الحكومة السورية بترسيخ مبدأ المساواة والمواطنة الكاملة لجميع السوريين دون تمييز ديني أو عرقي.
تمثيل نسائي محدود
ظل تمثيل النساء في أول انتخابات برلمانية بعد سقوط النظام محدودا للغاية، إذ لم تتجاوز نسبة الفائزات 4% من مجموع الأعضاء المنتخبين.
وقد أثار ذلك تساؤلات واسعة حول استمرار التحديات البنيوية والثقافية التي تعيق مشاركة المرأة في الحياة السياسية السورية.
وكشف إحصاء أجرته وكالة “رويترز” وتحقق منه مراقبو الانتخابات، فوز 6 نائبات، وبحسب الوكالة فإن 4 منهن يمثلن أقليات دينية، ففيهن مسيحية ومسلمة من الطائفة الإسماعيلية واثنتان من الطائفة العلوية.
وقد أثارت هذه النسبة المتدنية للحضور النسائي في مجلس الشعب القائم ردود سلبية بين السوريين، حيث عبّر السياسي السوري سمير نشار عن أسفه، وخلص إلى أن المجتمع السوري “ذكوري” لا سيما في دمشق وحلب، حسب وصفه.
وكتب على صفحته بموقع فيسبوك “بغض النظر عن تقييم العملية الانتخابية من حيث صدقيتها وصفتها التمثيلية للمجتمع السوري عموما، لكنها أثبتت بصورة قاطعة ذكورية المجتمع السوري تجاه دور المرأة السورية، رغم عطاءاتها في كافة مجالات العلم والمعرفة والعمل والمشاركة في كافة حقول العمل”.
هيمنة الهويات العشائرية
من جهته يرى المحامي عبد الرحمن علاف أن ضعف تمثيل النساء يعود أساسا إلى هيمنة الهويات التقليدية والعشائرية التي ما زالت تفضل المرشحين الذكور، وإلى غياب التحالفات النسائية المنظمة القادرة على دعم المرشحات.
كما أن قصر مدة الحملات الانتخابية وضيق دائرة الهيئات الناخبة حرما كثيرا من المرشحات من الوصول إلى جمهور واسع، لذلك يرى علاف أن الحل المستدام يكمن في تبني “كوتا” نسائية دستورية تضمن لهن ما لا يقل عن 20% إلى 30% من المقاعد في المراحل الانتقالية، مستلهما تجارب دول عربية مثل تونس التي “ساهمت قوانينها في رفع التمثيل النسائي بشكل ملموس”.
ووفقا للاتحاد البرلماني الدولي الذي يجمع بيانات عن برلمانات دول العالم، كان تمثيل المرأة في مجلس الشعب منخفضا في عهد بشار ووالده حافظ الأسد وشكل ما بين 6% إلى 13% فقط من أعضاء المجلس منذ عام 1981 وحتى الإطاحة بالنظام المخلوع.
ويُتوقع أن يسهم الرئيس أحمد الشرع في رفع نسبة النساء عبر تعيين عدد إضافي من الكفاءات ضمن الثلث الرئاسي، ما قد يمنح المرأة منبرا أوسع لإثبات حضورها السياسي.
لا محاصصة
أبرزت نتائج انتخابات مجلس الشعب السوري تحولا جوهريا في طبيعة التمثيل السياسي، إذ جاءت خالية من أي محاصصة طائفية أو حزبية أو عرقية، في خطوة اعتبرها المراقبون تأكيدا على التوجه نحو دولة المواطنة.
وشدد الناطق باسم اللجنة العليا للانتخابات، نوار نجمة، على أن العملية الانتخابية لم تعتمد أي نظام للمحاصصة، موضحا أن “كل عضو في المجلس يمثل المجتمع السوري بأكمله، بغض النظر عن انتمائه الطائفي أو العرقي”.
وعكس هذا التصريح محاولة واضحة لتكريس مبدأ المساواة السياسية ورفض إعادة إنتاج الاصطفافات التي عمّقت الانقسام خلال العقود السابقة.
من جانبها قالت النائبة المنتخبة نور الجندلي، وهي ناشطة حقوقية من مدينة حمص، إن “المسؤولية الملقاة على أعضاء المجلس كبيرة، خصوصا في سنّ التشريعات التي تؤسس لدولة قائمة على الحرية والمواطنة والعدالة”، مؤكدة أن تجاوز الهويات الضيقة هو الشرط الأول لبناء مؤسسات دولة عادلة وشاملة.
ويرى الباحث نادر الخليل أن نتائج الانتخابات تمثل تحولا في مفهوم الشرعية السياسية، إذ لم تعد قائمة على الولاء للحزب أو الفرد كما في الماضي، بل على التمثيل الشعبي والتنافس البرامجي، مما يعزز فكرة أن الشرعية الجديدة في سوريا تنبع من الشعب لا من السلطة.
تيارات سياسية
أما الباحث محمد السكري فيعتبر أن غياب المحاصصة يضع على عاتق النواب الجدد مسؤولية كبرى في إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، من خلال الشفافية والمساءلة، وتأسيس فضاء سياسي حرّ يعبر عن جميع السوريين دون تمييز.
ويرى السكري أن هذه المرحلة الانتقالية قد تمهّد لولادة تيارات سياسية متعددة الأقطاب تعبّر عن تنوّع المجتمع السوري ضمن إطار وطني جامع.
وهكذا تشكّل نتائج هذه الانتخابات نقطة انطلاق نحو حياة سياسية تتجاوز الانتماءات الضيقة، وتفتح الباب أمام تجربة ديمقراطية جديدة، يكون فيها الانتماء للوطن هو المعيار الوحيد للتمثيل السياسي.
ويذكر أن هذا المجلس سيتولى دورا تأسيسيا عبر تشكيل لجنة لإعداد دستور دائم يُنتظر أن يُعرض على استفتاء عام عندما تتوفر ظروف الأمن والاستقرار لإيصاله إلى جميع المواطنين، وبعد اعتماده تُجرى انتخابات برلمانية ومحلية ورئاسية.
المصدر: الجزيرة
————————————
ضعف التمثيل النسائي في مجلس الشعب.. بين ثغرات العملية الانتخابية وغياب الوعي الاجتماعي/ بتول الحكيم
8 أكتوبر 2025
قالت المرشحة السابقة لمجلس الشعب ومديرة الوحدة المجتمعية في مركز الحوار السوري المهندسة، كندة الحواصلي لـ”الترا سوريا”، إن ضعف التمثيل النسائي في مجلس الشعب، يعود لآلية الانتقاء، التي منحت “كوتا” لتمثيل النساء في الهيئة الناخبة، ولكنها لم تضمن هذه الكوتا ضمن مجلس الشعب، مشيرة إلى أنه على سبيل المثال في دمشق وهي الدائرة الانتخابية التي ترشحت لها، والتي لم تصل أي امرأة للمجلس فيها، كان يجب إعطاء 8 مقاعد لأكثر الرجال الذين حصلوا على أصوات، وبالمقابل منح مقعدين لأكثر سيدتين حققتا أصواتًا، بغض النظر عن الفجوة والفارق بينهم.
وتضيف أن الانتخابات لم تكن فعليًا انتخابات لأشخاص مستقلين كما ظهر علنًا، إذ لم يكن المرشح يعرض برنامجًا انتخابيًا لإقناع الهيئة الناخبة، بل اتخدت الانتخابات في دمشق بُعد التحالف والقوائم، حيث ظهرت التحالفات المناطقية إلى حد ما ذات طابع خاص في دمشق، وللأمانة كانت هذه التحالفات حريصة على وجود اسم سيدة ضمن قوائمها، إلا أن هؤلاء السيدات لم يكن لهن ظهور واضح في الحملات التي قام بها الناخبون، فأغلب الناخبين كانوا على معرفة بأسماء الرجال من هذه القوائم، موضحة أن الأيام الخمسة التي سبقت الانتخابات، لم تكن كافية، فلم تستطع الكثيرات الوصول إلى أكثر من نصف الهيئة الناخبة، والتي أيضا لم تبد حرصًا على حضور الاجتماعات لسماع البرامج، فأغلب الناخبين جاؤوا يوم الاقتراع وانتخبوا أسماء يعرفونها.
وفي السياق ذاته قالت الإعلامية والناشطة في المجتمع المدني رزان أمين الطبيش لـ “ألترا سوريا” إن تجربة انتخابات مجلس الشعب في سوريا تعد لحظة تاريخية، معبرة عن فخرها بالمشاركة في الانتخاب والانتقاء لممثلين عن الشعب، في البرلمان السوري الأول بعد سقوط النظام الأسدي.
وتعزو رزان عدم فوز السيدات بدمشق خاصة، وضعف التمثيل النسائي بسوريا عامة، إلى الصورة النمطية التي يعتمدها المجتمع السوري “الذكوري”، والتي تتمثل في عدم قدرة النساء على اتخاذ قرارات حقيقية، وضعف الثقة بفعاليتهن في البرلمان السوري خاصة في مواقع صناعة القرار والقيادة عموماً، مشيرة إلى وجود النساء في البرلمانات السورية منذ حوالي 75 سنة، داعية إلى منح المرأة هذه المساحة التي تستحقها، مؤكدة أن ماجرى في التصويت لعضوية مجلس الشعب، هو انعكاس مباشر لعقلية الرجل السوري، مضيفةً أن الوقت القصير ما قبل الانتخابات، لم يكن كافيًا للحملات الانتخابية، بينما الأسماء التي فازت، تعود لأشخاص متمكنين شعبيًا، في ظل غياب دعم النساء المرشحات لبعضهن، وعدم قدرتهن على صناعة تحالفات في الاجتماعات التي جرت قبل الانتخابات، حيث راهنت بعض المرشحات على وجودهن ضمن قوائم قوية معظمها من الرجال المتمكنين، مؤكدة أن بعض النساء لا تراهن أصلاً على النساء.
الصيدلانية شيماء دلعو، إحدى المرشحات والناشطة في المجتمع المدني، أكدت لـ”الترا سوريا” أن المنافسة بين الأعضاء الرجال كانت كبيرة، فالمرشحون الدين يمتلكون الكفاءة والخبرة والتوافق في المعايير كانوا كثيرين، ما جعل المنافسة بين النساء وبينهم بالدرجة الأولى غير ممكنة، وكذلك المنافسة بين النساء، إلى جانب انعدام الخبرة بين المرشحات وعدم المعرفة بقواعد لعبة الانتخابات، مؤكدة أن فكرة التحالفات والقوائم لم تكن واضحة المعالم لها شخصيا، بالإضافة إلى قصر المدة الممنوحة لعرض البرامج الانتخابية، حيث لم يتسن لكافة المرشحين والناخبين التعرف والاستماع.
وتلفت شيماء إلى أنهن كمرشحات لم يلمسن أي اهتمام من الرجال بسد فجوة وجود المرأة في المجلس، وعدم فهم الحاجة الملحة لوجود المرأة في البرلمان، والغاية من وجودها للحديث عن حقوق المرأة ومطالبها، وأن وجود المرأة لم يتعد تحقيق الكوتا المطلوبة، بالإضافة لعدم وجود حاضنة شعبية من الناخبين حيال المرشحات، وردًا على عدم تكتل النساء تقول شيماء إنه ليس بالأمر السهل في دمشق تحديدًا؛ لوجود عدد من التيارات، والتباين الواضح في التوجهات والأفكار.
وأكدت مديرة منظمة سوار هداية هيب لـ”الترا سوريا” أن الحضور النسائي في الانتخابات كان خجولًا رغم الكفاءة، ورغم ترشح نساء يتمتعن بمؤهلات وكفاءات عالية، إلا أن أعدادهن ضمن الهيئة الناخبة لم ترق لمستوى تواجدهن حقيقة وحضورهن في ميادين الثورة والعمل، وعلى الرغم من حصول بعضهن على دعم عائلي أو تحالفي، فإن موازين القوى داخل الكتل لم تُنصفهن، والعقلية الجمعية للمجتمع لم تفسح لهن المجال الفعلي بنزاهة، مضيفة أن النساء أنفسهن لم ينجحن في التوافق على أسماء موحدة أو تشكيل تكتل انتخابي نسائي داعم، واكتفين غالبًا بالاعتماد على وعود تحالفات ذكورية، تبيّن لاحقًا أن معظمها كان وعودًا شكلية لا تستند إلى التزامات حقيقية، وهذه الظاهرة ليست خاصة بالنساء فقط، بل طالت أيضًا مكونات مجتمعية أخرى، طائفية وعرقية، لم تُحسن تنظيم صفوفها.
ما الذي نحتاجه لدعم تمثيل النساء؟
ترى كندة أن تدارك هذه الثغرات، يتطلب خطوات عدة أهمها العمل على تمكين المجتمع من خلال رفع الوعي، وليس تمكين النساء فقط، فالمشكلة لم تكن بعدم وجود كفاءات بين المرشحات، والخبرات المتواجدة بين النساء كانت تماثل نظيرتها من الرجال وتتفوق عليها في بعض الأحيان من ناحية الشهادات والخبرة، بالإضافة للحاجة الملحة للتدريبات لكلا الجنسين، مؤكدة أهمية تغيير الصورة النمطية لعمل المرأة خاصة في السياسة، من خلال إيجاد نساء على مستويات القيادة المتقدمة، لتتمكن من المنافسة، كما أن شكل المنظومة الانتخابية، ينعكس سلبًا على وصول النساء والأقليات وذوي الإعاقة أيضًا، ما يجعل من فرض الكوتا على البرلمان أمرًا مهمًا.
انعكاس ضعف التمثيل النسائي على الواقع
وعن انعكاس ضعف التمثيل النسائي في مجلس الشعب السوري، توضح رزان أن لذلك تأثيرًا كبيرًا، على القوانين والقرارات التي يتم تشريعها أو إلغاؤها، خاصة فيما يتعلق بالقضايا التي تمس حقوق المرأة والطفل، والمساواة، والقوانين الاجتماعية والاقتصادية، مضيفة: “لن يكون هناك فهم عميق في مناقشة القضايا كالعنف الأسري، حقوق المرأة في العمل، وقضايا الطلاق من جانب الرجل، وإن لم يكن هناك ضغط نسائي في تلك القضايا، لن تستطيع المرأة نيل حقوقها من التشريعات والقوانين التي تنصفها، وبالتالي لن يكون هناك تقدم اجتماعي في مجال حقوق المرأة”.
وحسب هداية ينعكس ضعف التمثيل النسائي في مجلس الشعب بصورة مباشرة على إقرار الدستور، فالكثير من بنود الدستور متعلقة بشكل مباشر أو غير مباشر بالمرأة، كما أن التشريعات التي سيتم إقرارها عبر مجلس الشعب، والمتعلقة منها بواقع النساء والأسرة، كقوانين العمل والجنسية، يجعل رأي المرأة في هذه النواحي ضرورة ملحة، ستتأثر بضعف التمثيل النسائي في المجلس، بالإضافة للتشريعات العامة في مجالات الحياة. يجب أن تكون للمرأة بصمة واضحة فيها، مضيفة أن ذلك سينعكس أيضًا على الدور الرقابي الذي هو من ضمن أدوار المجلس، والمؤكد أن المرأة تمارسه بشكل مختلف تمامًا عن الرجل.
وتضيف هداية أنها لا تزال ترى أن هناك نضجًا ووعيًا في المجتمع السوري بأدوار المرأة، ولكن الانتخابات الاستثنائية المرتبطة بالمرحلة الانتقالية ووجود هيئة ناخبة، فرضت شكلًا من أشكال محدودية المشاركة، في ظل غياب فئات كثيرة من المجتمع عن المشاركة، وعدم معرفة عامة الشعب بضوابط العملية الانتخابية، مرجعة ذلك للتقصير الإعلامي في نشر الوعي المتعلق بالعملية الانتخابية وتشجيع الناس ليكونوا ضمن الهيئة الناخبة، مؤكدة الحاجة لرفع هذا الوعي بضرورة مشاركة المرأة.
الترا سوريا
——————————–
هل كانت المرأة العنصر الأضعف في التحالفات المناطقية بانتخابات مجلس الشعب؟/ رغد الشماط
2025.10.07
كانت سوريا من أوائل الدول العربية التي أقرت للمرأة حقوقها السياسية لكن الطريق من النص القانوني إلى التمثيل الفعلي لم يكن سهلاً. إذ بدأت مسيرة المرأة السورية في الوصول إلى قبة البرلمان بمنحها حق التصويت بموجب قانون الانتخابات العامة لعام 1949، رغم أنه جاء مقيداً بشرط الحصول على شهادة التعليم الابتدائي بينما لم يفرض هذا الشرط على الرجال بعد ذلك رسخ دستور 1950 حق المرأة في التصويت والترشيح أسوة بالرجال.
ورغم هذا الإنجاز التشريعي المبكر لم تصل أي امرأة للمقعد البرلماني عبر الاقتراع المباشر في تلك الفترة. وكانت الناشطة ثريا الحافظ أيقونة هذه المرحلة Gكونها أول امرأة تترشح لمجلس النواب السوري في الخمسينيات وإن لم تفز. أما أول تمثيل نسائي فعلي داخل هيئة تشريعية فجاء بالتعيين ضمن مجلس الأمة (برلمان الوحدة مع مصر) عام 1958 حيث دخلته كل من وداد هارون وجهان موصلي ممثلات عن سوريا.
أما في ظل حكم البعث فكان تمثيل النساء بحدود 12 % ولكنها لم تصل لمواقع صنع القرار الفعلي مع الأخذ بعين الاعتبار أن دور المجلس عموماً اقتصر على التصديق الشكلية.
وبعد سقوط نظام الأسد أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع في 13 يونيو/حزيران الماضي المرسوم رقم 66 لعام 2025، القاضي بتشكيل “اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب” استناداً إلى المادة 24 من الإعلان الدستوري التي نصت على أن يتولى المجلس السلطة التشريعية حتى اعتماد دستور دائم وإجراء انتخابات تشريعية جديدة في حين ستبلغ مدة ولاية المجلس عامين ونصف قابلة للتجديد.
ونتيجة لظروف المرحلة الانتقالية والمشكلات المتعلقة بالوثائق الرسمية والسجل المدني، إضافة إلى غياب قاعدة بيانات متكاملة للناخبين تم اعتماد نظام انتخابي مؤقت وهو غير مباشر عبر اللجان الفرعية والهيئات الناخبة، ونص الإعلان الدستوري على اختيار ثلثي أعضاء المجلس (140 من 210) عبر هيئات ناخبة فيما يعيّن الرئيس الثلث لمعالجة أي نقص في التمثيل، وكانت اللجنة العليا للانتخابات قد حددت نسبة 20 % لتمثيل النساء في المجلس.
وفي 26 من أيلول/سبتمبر الماضي أصدرت اللجنة العليا للانتخابات القوائم النهائية لأعضاء الهيئات الناخبة للدوائر الانتخابية في المحافظات، الذين يحق لهم الترشح والتصويت وبلغ عددهم 1578 مرشحاً، شكلت النساء ما نسبته 14% منهم، وقد تباينت نسبة حضورهن بين محافظة وأخرى.
لكن نتائج الانتخابات شكلت مفاجأة فيما يتعلق بالحضور النسائي إذ قال رئيس اللجنة العليا للانتخابات محمد طه الأحمد أن حصة المرأة لم تتجاوز 3% بعد عمليات الفرز، وغابت النساء تماماً عن محافظات مركزية مثل دمشق وريف دمشق وحلب، رغم حضورهن الواسع في الهيئات الانتخابية وخاصة في دمشق التي بلغ عدد النساء في هيئتها الانتخابية ما يقارب 150 امرأة من أصل 500 عضو. في حين تصدرت المرشحة مؤمنة عربو قائمة الفائزين عن دائرة مدينة حماة.
تمثيل فشل في تخطي التحالفات
وفي حديثها لموقع تلفزيون سوريا عن نتائج الانتخابات التي جرت لأول مرة في بيئات تفتقر إلى الحرية والتجربة الديمقراطية الراسخة أشارت المهندسة كندة حواصلي، إحدى المرشحات البارزات عن دائرة دمشق، إلى أن التمثيل النسائي كان واضحاً في الهيئات الانتخابية لكنه فشل في ترجمة نفسه إلى نجاح ضمن التحالفات والوصول إلى المقاعد واتسمت هذه العملية الانتخابية الأولى بالتنافسية الشديدة التي لم تركز على الكفاءات بقدر ما ركزت على “من سيمثل ماذا”.
في حين قالت المرشحة شيماء مازن دلعو إن التحالفات الانتخابية لم تكن قائمة بالضرورة على معيار الكفاءة، بل كانت غالباً مناطقية أو مرتبطة بحجم الأصوات المضمونة وهو ما اعتبرته المرشحة غير منصف وغير عادل.
وأضافت دلعو في تصريحات لموقع تلفزيون سوريا أنه في خضم هذه “اللعبة السياسية” القائمة على الأرقام والتوافقات السريعة كانت المرأة عنصراً أضعف إذ لا يمكنها دائماً ضمان كتلة تصويتية كبيرة مما أبعدها عن مراكز القوة في التحالفات.
ما أسباب ضعف التمثيل النسائي؟
تعزو حواصلي ضعف التمثيل النسائي إلى عدة عوامل هيكلية ومجتمعية وإدارية. على المستوى الهيكلي رأت أن تقسيم المناطق بحاجة إلى إعادة دراسة، مستشهدة بدمشق التي اعتبرت كتلة واحدة وخُصص لها عشرة مقاعد رغم اشتمالها على 16 منطقة. ضمن هذا التقسيم أن 6 مناطق على الأقل لن تحصل على أي تمثيل وهو ما ظهر جلياً في النتائج حيث فاز أكثر من مرشح من بعض الأحياء بينما لم يفز أي مرشح في مناطق أخرى. أما بخصوص تحالف النساء؛ فأكدت حواصلي أن فكرة تكتلهن لدعم مرشحة واحدة كانت غير عملية لأن عدد أصواتهن (150 صوتاً من الهيئة الانتخابية) غير كافٍ لضمان الفوز مما يضع حظوظ المرشحة “في منطقة الخطر” حتى في الحالة المثالية.
على المستوى المجتمعي، أشارت حواصلي إلى أن أسباب التمثيل الضئيل تحتاج إلى دراسة معمقة وتختلف من محافظة لأخرى لكن السمة الأبرز هي استمرار الرؤية التي ترى أن الرجال “أجدَر” بالمناصب القيادية وقادرون على التفرغ لها. ويعود هذا الأمر إلى أن المرأة السورية، كما في كثير من البلدان، لم تصل بعد إلى مراكز صناعة القرار وظلت محصورة في المستويات القيادية الثانية والثالثة أو وراء الكواليس. هذا الغياب لتجارب حقيقية لنساء أثبتن كفاءتهن في دوائر القرار أضعف الدعم الشعبي لهن.
من ناحيتها قالت دلعو التي حصلت على 67 صوتاً إن التنوع الكبير في الشرائح النسائية في دمشق تسبب في انقسام حاد في الأصوات وأضافت أن هذا التنوع إضافة إلى بنية المجتمع الذي يصعب عليه التوافق على دعم مرشحة واحدة وتراجع المرشحين الرجال لصالحها جعل من الصعب جداً على أي امرأة أن تحظى بالتوافق المناطقي أو الفئوي القوي الذي كان عاملاً حاسماً في فوز الرجال.
أما على صعيد إدارة العملية الانتخابية ووعي الناخبين، فقد كان هناك تأخير واضح في الجدول الزمني أثر على فرصة المرشحين لعرض برامجهم. والأهم من ذلك حملت حواصلي مسؤولية جزء من النتائج على الهيئات الناخبة نفسها. فمن بين 500 ناخب في دمشق لم تستطع فرق العمل التواصل إلا مع نصفهم تقريباً والنصف الآخر ظل بعيداً عن الأنشطة الانتخابية. كما أن المشاركة الفعلية في الاجتماعات الحضورية كانت ضعيفة جداً (بين 50 و 70 شخصاً فقط من الـ 150 المتفاعلين). وأدت هذه اللامبالاة بأداء واجب التصويت واختيار الأجدر إلى ظهور وجوه جديدة وخاصة من النساء يوم الانتخابات لم تتعرف على برامج المرشحين مما يثير تساؤلات حول أساس اختياراتهم مشيرة إلى أن البعض ربما اعتمد على التحالفات “في الظل” أو الكواليس بدلاً من إقناع الناس بالبرامج الانتخابية.
إلا أن حواصلي لا تتفق مع من يعزو نتائج الانتخابات إلى ذكورية المجتمع بشكل مطلق، مؤكدة على وجود وعي ورغبة في تمثيل المرأة، ولكنها رأت أن التنافس الانتخابي في دمشق غلب عليه الطابع المناطقي ونتيجة لذلك هيمنت تكتيكات وتحالفات الرجال الذين كانت تحركاتهم أسهل وأكثر مرونة مما جعل اختراق النساء لهذه التحالفات صعباً. فرغم وجود الاهتمام بالمرأة إلا أنه ظل في “الدرجة الثانية”. وقد عزز هذا التهميش اعتقاد البعض بأنهم ليسوا مسؤولين عن ضمان فوزها حيث رأوا أن قائمة الرئيس يمكنها “ترميم” هذا النقص لاحقاً.
وتتابع حواصلي أن معالجة ضعف التمثيل النسائي في العملية الانتخابية تتطلب حزمة من الحلول تبدأ بالتدخل المؤقت وتنتهي بالإصلاح الثقافي والسياسي العميق، مضيفة أنّ المتابعة تظهر أن غياب الكوتا الفاعلة قد وضع النساء في منافسة مباشرة غير متكافئة مع المرشحين الرجال، الذين يتفوقون في العدد والخبرة مما أدى إلى غياب الحاجة المُلحة والواضحة لوجود المرأة كقوة فاعلة وليست مجرد شكل وهو ما أكدته المرشحة شيماء دلعو. لذا، لا يمكن انتظار النضج التلقائي للمجتمع لضمان تمثيل المرأة في ظل هذا التنافس المحتدم.
وأشارت حواصلي إلى ضرورة تبني نظام الكوتا النسائية كحل مؤقت ومطلوب لـ دورتين أو ثلاث دورات انتخابية على الأقل. ولتجنب عيوب التطبيق التقليدي للكوتا يجب تطبيقها في عملية احتساب الأصوات أي بتخصيص نسبة محددة من المقاعد (مثل 20%) لتذهب لأكثر النساء حصولاً على الأصوات مما يحقق عدالة أكبر ويساعد الكفاءات المستقلة على الوصول.
أما على المدى المتوسط والبعيد فيجب، بحسب حواصلي، أن تنصب الجهود على الإصلاح الجذري ويشمل ذلك بناء الوعي المجتمعي من القواعد للرجال والنساء وذلك لمعالجة الممانعة الثقافية القائمة ضد دخول النساء مراكز القيادة. والأهم هو ضرورة تنظيم الحياة السياسية عبر إطلاق قانون للأحزاب لضمان أن تكون التحالفات قائمة على الأفكار والبرامج السياسية الواضحة بدلاً من التحالفات المناطقية أو القائمة على الحسابات الكمية للأصوات وهو ما يفتح المجال لتمكين النساء المؤهلات بناءً على الكفاءة والبرنامج السياسي.
مشاركة نسائية ما تزال محدودة
وتشير نتائج تشكيل مجلس الشعب الأخيرة إلى أن مشاركة المرأة السورية في الحياة السياسية وصناعة القرار لا تزال محدودة وتواجه تحديات هيكلية عميقة. فعلى الرغم من النص على مبادئ المساواة والديمقراطية في المواثيق، بقي دور المرأة شكلياً في الغالب وغير ممثل لإرادة نصف المجتمع.
وتظهر المعطيات أن النظرة التقليدية للمرأة وإخضاع مشاركتها ضمن آليات مثل الكوتا يجعل صوتها تابعاً وغير مستقل لأنه يجبر المرشحات على الانضمام إلى قوائم انتخابية لضمان وصولهن إلى البرلمان ويفرض هذا الإلزام عليهن تبني أجندة اللائحة بالكامل، وهذا ما يجعل حضورها باهتاً وغير مؤثر وينعكس سلباً على دورها في صياغة التشريعات والقوانين التي تمس حياتها بشكل مباشر.
وتُظهر التجارب الانتخابية عموماً أنّ المشاركة الكاملة والفاعلة للمرأة على جميع المستويات تُعدّ ضرورة أساسية لعدالة التشريع وشمولية القرار، وأن بناء مستقبلٍ سياسي مستقرّ يتطلّب تجاوز النظرة القاصرة، والعمل على ضمان أن يكون للمرأة صوتٌ وازن ومسموع في مختلف مسارات صناعة القرار، بما يحقق المصلحة العامة ويعزز فرص التحول الديمقراطي في أي مجتمع يسعى لترسيخ قيم المساواة والمواطنة.
تلفزيون سوريا
——————————–
فشل الكتل النسائية في حلب بإيصال مرشحاتها إلى البرلمان.. انقسام وضياع للأصوات
2025.10.07
برغم الزخم الذي رافق الحملات النسائية في محافظة حلب خلال الانتخابات الأخيرة لمجلس الشعب السوري، فإن النتائج النهائية كشفت عن إخفاق واضح للكتل النسائية في معظم الدوائر الانتخابية، حيث توزعت أصوات الناخبات على المرشحين الرجال، فيما لم تفز سوى امرأة واحدة في منطقة عفرين بمقعد برلماني، لتكون الوحيدة التي تمثل نساء حلب في المجلس الجديد.
وفي الدوائر الانتخابية الأبرز، دوائر مناطق سمعان وجرابلس ومنبج واعزاز والباب، فشلت القوائم النسائية في تحقيق الحد الأدنى من الأصوات المطلوبة للفوز، رغم مشاركة عدد من الوجوه المعروفة في العمل المجتمعي والسياسي، وبدا أن السبب الأبرز لهذا الإخفاق هو تشتت أصوات الناخبات أنفسهن، حيث لم تلتف النساء حول مرشحاتهن، بل اتجهت أصوات كثيرة نحو المرشحين الرجال الذين ينتمون لعائلات أو تكتلات عشائرية وجغرافية قوية.
ما سبب تراجع نسبة تمثيل النساء؟
قالت علياء الأحمد، إحدى المرشحات لعضوية مجلس الشعب عن دائرة اعزاز، والتي لم تفز في الانتخابات الأخيرة، إن النساء في سوريا واجهن خلال سنوات الثورة كل أشكال التهميش والإقصاء، رغم ما بذلنه من جهود كبيرة لاكتساب الكفاءات والخبرات التي تؤهلهن لتولي مواقع صنع القرار.
وأضافت الأحمد لموقع تلفزيون سوريا أن الآلية المعتمدة في الانتخابات الحالية ساهمت في تراجع نسبة تمثيل النساء في النتائج النهائية، موضحة أن من أبرز الأسباب قلة عدد النساء ضمن الهيئات الانتخابية، إلى جانب انخراط نساء غير فاعلات في الشأن العام ضمن تلك الهيئات، وهو ما جعل أصواتهن تتوجه في النهاية من قبل أقربائهن لصالح المرشحين الرجال، دون دعم المرشحات أو تشكيل تكتل نسوي متماسك.
وأشارت الأحمد إلى أن المراكز النسوية لعبت دوراً سلبياً في هذه العملية، من خلال تشتيت الجهود وتبعثر الأصوات، بدلاً من دعم وتمكين المرشحات وتوحيد الخطاب النسوي في الانتخابات، ولفتت إلى أن تراجع مشاركة النساء الفاعلات في الهيئات الناخبة، إلى جانب ضعف عدد الرجال المناصرين للتمثيل النسائي، أدى إلى تفكك القوة النسائية واستغلالها من قبل تكتلات انتخابية محددة في المنطقة. وبينت الأحمد أن إصرار بعض النساء غير المنخرطات في العمل المجتمعي على الترشح ساهم أيضاً في تفتيت الأصوات النسائية، وأضعف إمكانية تشكيل قائمة موحدة قادرة على تحقيق حضور مؤثر في مجلس الشعب.
وترى الأحمد أن غياب نظام “الكوتا” النسائية كان عاملاً حاسماً في إقصاء النساء من التمثيل البرلماني، مؤكدة أن اعتماد كوتا واضحة يضمن تمثيلاً حقيقياً وصحياً للمرأة السورية، ويمنحها الدور الذي تستحقه في الحياة السياسية وصنع القرار.
غياب التنسيق وضعف الثقة
بمجرد تحليل نتائج الانتخابات في حلب يظهر بوضوح غياب التنسيق بين الكتل النسائية كان عاملاً حاسماً في الفشل، بالإضافة إلى مجموعة من العوامل، أهمها، ضعف الدعم اللوجستي والإعلامي للمرشحات، سيطرة شبكات نفوذ الرجال على المشهد الدعائي، وغياب التدريب الانتخابي والخبرة التنظيمية لدى كثير من المرشحات، كذلك ضعف الثقة المجتمعية في قدرة النساء على خوض العمل السياسي.
وترى المهندسة صبا محمود (عضو في الهيئة الناخبة) أن “النساء في حلب لم يمنحن الفرصة الكافية لإقناع الناخبات والناخبين ببرامجهن، الفترة المحددة لإجراء الانتخابات كانت قصيرة جداً، ولم يكن من السهل جمع النساء في كتل منظمة ومتماسكة يمكن من خلالها تحقيق نتائج ملموسة” وأشارت إلى أن الكتل النسائية في مختلف الدوائر الانتخابية بمحافظة حلب كن منقسمات، وأصوات معظمهن موزعة على المرشحين الرجال، حتى من اللحظة الأولى التي قررن فيها الترشح للهيئة الناخبة، وهذا ما صعب من مهمة جمع النساء في تكتل قوي، أو العمل على التنسيق بينهن، ناهيك عن وجود انقسامات جوهرية بين النساء، فمثلاً كانت النساء منقسمات على عدة مجموعات في وسائل التواصل بسبب رفض بعضهم وجود أخريات لا يتفقن معهن في مجموعة اتصال واحدة.
يبدو أن المشكلة بالفعل ليست في ضعف المرشحات، بل في ضعف التنسيق بينهن، إذ كان من الممكن للكتل النسائية أن تشكل جبهة موحدة وتدخل الانتخابات بقائمة توافقية قوية، لكن الانقسام، وتعدد الطموحات الشخصية، أضعف الموقف النسائي بشكل كبير، ففي دائرة منطقة اعزاز مثلاً كان هناك عدة مرشحات لعضوية البرلمان وهو ما فرق أصوات النساء القليلة أصلاً، ولم تحصل كل واحدة منهن إلا على أعداد قليلة من الأصوات في مواجهة التحالفات التي كان يقودها الرجال والتي كانت مبنية على التكتلات المغلقة والانتماءات المحلية، ما جعل المرشحات النساء خارج هذه المعادلات، وهو ما دفع أيضاَ معظمهن إلى تفضيل دعم كتل الرجال على أساس مناطقي محلي وترك كتلهن النسائية بلا أصوات.
تجربة مهمة
قالت المرشحة لعضوية مجلس الشعب عن مدينة حلب، إيمان هاشم، في تصريح لموقع تلفزيون سوريا، إن الفترة الزمنية التي خصصت للانتخابات كانت قصيرة وغير كافية للتواصل الفعّال أو تنظيم ورشات عمل تجمع التكتل النسائي” وأضافت “حاولنا خلال تلك الفترة القصيرة عقد أكثر من اجتماع، لكن للأسف لم تتجاوب غالبية المرشحات، وكانت نسبة كبيرة من النساء خارج إطار اللقاءات والاجتماعات، الأمر الذي أفقدنا جزءاً مهماً من الحلقة التي كنا نحاول من خلالها بناء تحالف متماسك”.
وأوضحت هاشم أن ضعف التواصل بين عضوات الكتلة النسائية شكّل عقبة حقيقية أمام التنسيق، قائلة: “بالنسبة لي، لم أكن على تواصل مباشر مع أغلب عضوات الكتلة النسائية، ولا أعرف خلفياتهن أو طبيعة عملهن، وهذا صعب علينا إمكانية تنظيم لقاءات سريعة أو الاتفاق على خطوات مشتركة، كما لم يكن من السهل طرح فكرة انسحاب بعض المرشحات لصالح أخريات، لأن اللقاءات المحدودة لم تسهم في بناء ثقة أو علاقة متينة بيننا”.
وأضافت أن العدد الكبير من المرشحين الرجال في حلب شكل تحدياً إضافياً أمام فرص النساء في المنافسة، وأشارت إلى أنه في منطقة سمعان وحدها كان هناك أكثر من 200 مرشح من الرجال من أصل نحو 700 هيئة ناخبة، وهذا العدد الكبير جعل من الصعب على حتى أولئك الرجال الذين كانوا يرغبون بدعم مرشحات نساء أن يلتزموا بذلك، بسبب كثافة المنافسة.
ورغم التحديات، وصفت هاشم تجربة الترشح بأنها خطوة إيجابية ومهمة نحو ترسيخ المشاركة النسائية المستقبلية، قالت: “الانتخابات البرلمانية كانت تجربة رائعة، ومفتاحاً لانتخابات مقبلة، أمامنا استحقاقات أخرى كالمجالس المحلية والبلديات والنقابات، وقد بدأنا بالفعل كنساء بالتحضير لها من الآن، ونعمل على تنسيق الجهود مع الفاعلات في المجتمع لضمان جاهزية أفضل عندما تبدأ تلك الانتخابات”.
فوز في عفرين
على النقيض من باقي الدوائر، تمكنت مرشحة واحدة في منطقة عفرين من الفوز بمقعدها البرلماني، في سابقة يمكن تسجيلها كالإنجاز النسائي الوحيد في محافظة حلب، وتشير مصادر محلية إلى أن المرشحة الفائزة استفادت من توازنات خاصة داخل الكتلة الانتخابية في عفرين، إضافة إلى دعم من منظمات مدنية نسوية وشخصيات محلية مؤثرة، وبرغم رمزية هذا الفوز، إلا أنه لا يعكس واقع التمثيل النسائي الضعيف، إذ تبقى محافظة حلب، بثقلها السكاني والسياسي، من أقل المحافظات تمثيلاً للمرأة في البرلمان السوري الجديد.
————————————–
=======================
تحديث 07 تشرين الأول 2025
——————————–
برلمان أم غرفة تصفيق؟/ شعبان عبود
07 أكتوبر 2025
في هذه الأيام التي نعيشها، وفي هذه المرحلة من التاريخ السوري، يبرز الدور المنتظر من السلطة التشريعية واحداً من أكثر الأدوار حساسيةً وتأثيراً في رسم ملامح المستقبل، فالبرلمان لم يعد مجرّد مؤسّسة تشريعية تقليدية تؤدّي أدوارها ضمن سياق بيروقراطي مألوف، بل أصبح معنيّاً بتحمّل مسؤولية تأسيسية عميقة، تتجاوز كتابة القوانين إلى المساهمة في بناء الدولة نفسها.
المسار الذي تمرّ به سورية اليوم، بكل تعقيداته وتناقضاته وآماله، يضع على عاتق أعضاء البرلمان مهمة غير مسبوقة: قيادة التحوّل من دولة مدمّرة ومنقسمة إلى دولة قابلة للحياة، مدنية، ديمقراطية، جامعة.
من أبرز السمات التي ينبغي أن تميز البرلمان السوري في هذه المرحلة التعدّدية السياسية والاجتماعية. ليس من الضروري، ولا من الصحيّ، أن يكون أعضاء المجلس على رأي واحد، أو خلفية واحدة، أو رؤية موحّدة. بل على العكس، اختلاف التوجهات، وتنوع المرجعيات، وتباين الأولويات، هو ما يعطي العمل البرلماني قيمته وحيويته، ويُحوله من سلطة صامتة إلى سلطة فاعلة تمثّل الشعب فعلياً.
ليست سورية كتلة واحدة متجانسة، بل مجتمع غني بتنوّعه الطائفي، الديني، الإثني، الجغرافي، والسياسي. والبرلمان، بصفته المعبّر الأرفع عن الإرادة الشعبية، مطالبٌ بأن يعكس هذا التنوّع، لا أن يُقصيه أو يختزله. التمثيل الحقيقي لا يُقاس بعدد المقاعد، بل بمدى قدرة المؤسّسة التشريعية على احتضان كل الهويات ضمن إطار وطني جامع.
اللحظة الراهنة تُحمّل البرلمان السوري مسؤوليات مضاعفة، فالمطلوب منه ليس فقط سنّ قوانين جديدة تلائم واقع ما بعد الحرب، بل الإسهام في صياغة معايير الدولة الجديدة: دولة المؤسسات، والمواطنة، والحريات.
يتعيّن على المجلس أن يعمل على إعداد تشريعات تُرسي أسس العدالة الانتقالية، وتُنظّم العلاقة بين السلطات، وتضمن استقلال القضاء، وتُعيد تعريف دور الجيش والأجهزة الأمنية ضمن أطر قانونية ودستورية. كما ينبغي أن يفتح الباب أمام قوانين جديدة للأحزاب، والانتخابات، والإعلام. وتقع على عاتق البرلمان مسؤولية الإشراف السياسي على مسار كتابة دستور جديد، يُعبر عن العقد الاجتماعي المقبل، ويُترجم آمال الناس في الحرية، والكرامة.
لا يمكن الحديث عن دور تأسيسي للبرلمان من دون أن يكون أعضاؤه مستقلين في قراراتهم، نزيهين في مواقفهم، وعابرين لمنطق الولاءات الضيقة. فالمجلس التشريعي لا يمكن أن يؤدّي دوره التاريخي إذا بقي رهينة التوجيه من السلطة التنفيذية.
تتطلب المرحلة المقبلة نمطاً جديداً من النخبة السياسية، قادراً على التفكير الاستراتيجي، واتخاذ مواقف مسؤولة، والقيام بدور رقابي وتشريعي يعكس مصالح الناس لا مصالح القوى المتنفذة. فالمساحة الزمنية المتاحة لإحداث التغيير محدودة، وأي تلكؤ أو تساهل سيُفاقم من فقدان الثقة الشعبي، ويُعيد إنتاج الفشل. سيعيد التذكير بمجلس التصفيق الذي كان سائداً في عهد النظام السابق.
ليس الدور المنتظر من البرلمان السوري اليوم فنياً ولا إدارياً، بل وجودي. نحن أمام لحظةٍ لا يُعاد فيها تعريف الدولة السورية فقط، بل هويتها، ووظيفتها، وعلاقتها بمواطنيها.
البرلمان القادر على أن يتحوّل إلى منصّة وطنية للتفاوض الداخلي، وللإجماع السياسي، هو البرلمان الذي يمكنه أن يُخرج سورية من طور الدولة الهشّة والضعيفة إلى الدولة الراسخة.
لا تنتظر المرحلة المقبلة سلطة تصادق، وتصفّق لكل ما يأتي من “فوق” كما عهدنا من قبل، بل سلطة تُبدع وتُشرّع. لا تنتظر أصواتاً تُجمّل الواقع، بل ضمائر ترى الواقع على حقيقته وتقدم اقتراحات وحلول ومشاريع قوانين.
باختصار: إما أن يكون هذا البرلمان بداية لسورية جديدة، أو حلقة أخرى في سلسلة من الفرص الضائعة.
العربي الجديد
———————————–
البرلمان السوري الجديد أمام استحقاقات جديدة/ حسن النيفي
2025.10.07
مع غروب شمس يوم الأحد، الخامس من شهر تشرين الأول الجاري، يكون السوريون قد أتمّوا إنجازاً يُعدّ من أهم الاستحقاقات التي تواجههم في مسار بناء الدولة؛ أعني المسار التشريعي الذي يجسّد كثيراً من القيم الاعتبارية للشعب والدولة معاً.
لن يفيد الكلام الآن حول المعايير والاجتهادات التي أفضت إلى أن تكون الانتخابات البرلمانية بتلك الطريقة التي رأيناها؛ ففي ذلك آراء متعددة واختلافات كثيرة، وكذلك من غير المفيد تكرار الحديث عن المعايير التي بموجبها اختيرت الهيئات الناخبة وكذلك المرشحون؛ فذلك أمر من العسير إيجاد تقاطعات جامعة حوله. ولكن الأهم من ذلك كله هو التفكير والعمل معاً على كيفية مواجهة هذا الاستحقاق ليكون ذا جدوى، ليس من الناحية الشكلية فحسب، بل من حيث تداعياته العملية على حياة المواطنين أيضاً.
مسألة إيجاد برلمان جديد بعد سقوط نظام الأسد تبدو مسألة مركبة؛ يكمن في جانبها الأول نشوء فهم جديد لطبيعة عمل البرلمان وكذلك لطبيعة المهمة الموكلة إلى أعضائه. نحن أمام إرث ممتلئ بالموبقات القانونية والأخلاقية التي رسّخها النظام الأسدي، انطلاقاً من الوظيفة الشكلية لمجلس الشعب الذي كان فاقداً لصلاحياته الجوهرية ومجرّداً من أي فاعلية حقيقية. فقد أريد لهذا الكيان التشريعي من جانب السلطة الحاكمة البائدة أن يكون كياناً شكلياً تنحصر مهمته بإعادة إنتاج خطاب السلطة والتصديق على سلوكها عبر تبريرات لا يختارها الأعضاء بل يتلقَّونها تلقيناً، وعليهم تلاوتها كما يشاء هرم السلطة. فمجلس الشعب – وفقاً للعهد السالف – ليس معنيّاً بأي جانب تشريعي أو خدمي أو سياسي؛ بل هو جوقة رديفة للكيانات الداعمة للسلطة، غير معنية بمحاسبتها أو مراقبة عمل الحكومة أو إقرار القوانين والمراسيم ذات الطابع المصيري للشعب.
ولعلّ هذا الأمر انعكس على الطريقة أو المعايير التي يتم بها اختيار الأعضاء. ولا حاجة للحديث عن سيرورة المسرحيات الانتخابية؛ إذ إن تكرارها على مدى ما يقارب ستين عاماً كان كافياً ليعلم السوريون جميعاً أن المسألة الأهم لأي نائب هي وصوله أو حيازته العضوية فحسب، سواء من خلال التزكية الأمنية أو الحزبية أو النفوذ المالي الذي أتاح للكثيرين شراء العضوية وفقاً لتسعيرة يحدّدها النافذون في السلطة. وبعد ذلك لا يبقى ما يؤرق النائب سوى الحصول على الامتيازات واستغلال النفوذ من أجل السمسرة والنصب والاحتيال على المواطنين. فضلاً عن أن معايير الكفاءة والمهنية لم تكن في وارد أرباب السلطة، وإنما معايير الولاء والمبالغة في الاستزلام. ولا ينسى السوريون الصورة النمطية لأعضاء مجلس الشعب التي اختزلها أحدهم بمخاطبة بشار الأسد قائلاً: “سورية قليلة عليك يا سيادة الرئيس، أنت لازم تحكم العالم”.
ولعلّ تراكم هذا الإرث السيئ بات يوجب على أعضاء البرلمان الجدد في سوريا الجديدة التزوّد بوعي جديد من شأنه القطيعة التامة مع الوعي السلطوي السابق، والانطلاق من مفاهيم جديدة قرينة بالكشوفات الثقافية والفكرية للثورة السورية. فما ينبغي أن يعيه النائب الجديد أن وجوده في البرلمان ليس تكريماً لشخصه ينتهي بمجرد وصوله إلى قبة البرلمان، بل هو تكليف ينطوي على استحقاقات عديدة؛ لعلّ أهمها أن البرلمان ليس كياناً رديفاً للسلطة، وأن علاقة النائب بالسلطة أو القائد ليست علاقة ولاء أو حب أو كره، بل هي علاقة تنظمها قوانين وضوابط دستورية. وبناء عليه يقف النائب دوماً موقف المراقب والناقد والموجّه للسلطة، لا موقفَ المحابي والمتملّق. فالسلطة لا يحصّنها سوى التزامها بالدستور والقوانين، والقائد ليس مالكاً للبلاد بل خادمٌ لها، ونجاح السلطة في الالتزام بمهامها وتحقيقها لأي منجز هو واجبها الذي وجدت لأجله، وليس مِنّةً أو إنجازاً يوجب على النواب أو المواطنين التقديس وتقديم آيات الشكر.
أما الجانب الثاني من المسألة فيكمن في ما يحمله الأعضاء الجدد من أفكار ومشاريع يرونها ضرورية في المرحلة الراهنة. وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى ظاهرة لا تزال تستمد مضامينها من ثقافة بائدة، كاللجوء إلى الاستثمار بالشعارات والاختباء خلف وعود غير واقعية لا يراد منها سوى جانبها الدعائي غير القابل للتحقيق. ومن المؤسف أن يكون معظم من ترشّحوا إلى البرلمان الجديد، بمن فيهم من فازوا بالعضوية، قد جعلوا من برامجهم “مانشيتات” تكاد تكون متطابقة فيما بينها؛ فالجميع يعد بتحقيق العدالة الانتقالية وتحقيق السلم الأهلي والارتقاء بالواقع التعليمي والصحي وازدهار الحريات والتعددية السياسية وتعزيز العدل والمساواة وسيادة القانون، وإلى ما هنالك من شعارات تضخها وسائل الإعلام منذ عام 2011 حتى الآن، وذلك دون النظر إلى الواقع الراهن ومحاولة الوقوف عند الحاجات الأولية للمواطن السوري العادي الذي لا يرى أن أزمته وأولوياته تنحصر فيما ذُكر من شعارات، بل في قضايا حياتية ربما يراها السادة النواب الجدد أقل مستوىً من تطلعاتهم ذات السقوف العالية.
ومع التأكيد على أن مجلس الشعب ليس كياناً تنفيذياً أو خدمياً، إلا أن العمل على إيجاد تشريعات تمسّ أولويات المواطنين وتلامس معاناتهم اليومية لهو أمر في غاية الأهمية. وبناء عليه، أجد أن المطالبة والعمل على تفعيل مجالس المدن والبلديات من أجل ترحيل القمامة وتنظيف المدن والبلدات والقرى من الأكوام الهائلة والمخيفة من الأوساخ، أهم وأشد أولوية من التغني بالشعارات المشار إليها. فالمطالبة بتطوير النظام الصحي وبناء المستشفيات أمر مهم جداً، ولكن إزالة المخلفات التي تهدد بانتشار أمراض مخيفة ومرعبة أكثر أهمية. وليس بعيداً عن ذلك مسألة شيوع الأمان والتصدي لحالات السطو والسرقة والاغتصاب الناتجة عن تفلت السلاح وانتشاره بكثرة خارج نطاق القانون؛ فافتقاد المواطن للأمان وانتشار حالات الانتقام والقتل في وضح النهار وشيوع الفوضى الأمنية لا يمكن أن تكون أساساً لقيام سلم أهلي كما تسطره البرامج الانتخابية، إلا إذا كان النواب يجدون تطلعاتهم أكبر من معاناة المواطنين، ويرون أن الشأن الحياتي للمواطن لا يوازي طموحاتهم الكبيرة؛ فتلك مشكلة بل معضلة كبيرة.
فما ينتظره السوريون من نوابهم الجدد هو القليل من التواضع، والاستعداد للتخلي عن ثقافة التلطي خلف الشعارات الكبيرة الرنانة. وليعلم السادة النواب أن معظم السوريين لن ينخدعوا أو يتوهّموا بقدرة هؤلاء النواب، في الظرف الراهن وضمن المعطيات الحالية، على أن يكونوا صانعي قرار أو أصحاب قدرة على تحقيق برامجهم الدعائية التي منها ما تعجز عن تنفيذه الحكومات في الدول المستقرة.
دعكم من الشعارات، أيها السادة النواب؛ فلن يطالبكم الشعب بإنجازات كبرى تعجز عن تحقيقها دول. وإن شئتم النجاح في مهامكم، فعليكم الاقتراب من الجمهور العام وملامسة أولوياته الحياتية. إن الصورة التقليدية أو النمطية للنائب، التي يمكن اختزالها بالاستعراض والجلوس في المقاهي والمطاعم الفارهة وحيازة السيارات واستغلال النفوذ، باتت صورة مقززة، نتمنى ألا نراها مرة أخرى في سوريا الجديدة.
تلفزيون سوريا
—————————–
مجلس الشعب السوري الآن ومن قبل/ عمر قدور
الثلاثاء 2025/10/07
عرفت سوريا بعد الاستقلال نظاماً يمكن وصفه بالنظام البرلماني الناشئ، وكما هو معلوم تخللت التجربة الديموقراطية الوليدة انقلاباتٌ عسكرية، آخرها انقلاب البعث الذي أتى بعد أقل من سنة ونصف على استئناف الحياة الديموقراطية الوطنية، حيث كانت قد تعرّضت للقطع بانقلاب أبيض أدى إلى الوحدة مع مصر. بعد انقلاب الأسد على رفاقه في حزب البعث، أُنشأ مجلسَ الشعب، ومن المرجَّح أن يكون قد أخذ التسمية من الدستور المصري الذي اعتمدها، وكان آنذاك في طريقه إلى الإقرار عبر استفتاء شعبي.
اختار الأسد أعضاء مجلس الشعب لأول مرة، فلم تكن هناك انتخابات شكلية حتى، وبالطبع لم يقم هو نفسه بتعيين الأعضاء المختارين من مختلف أنحاء البلاد. كان لدى الأسد هيكلية تساعده، تتمثّل بالحزب الحاكم وتنظيمه الهرمي الممتد في المحافظات السورية كلها. وينقل بعض الذين عاصروا تلك الفترة، أن الأسد كان حريصاً في توجيهاته، لانتقاء الأعضاء، على إرضاء مجتمعات أهلية مثل العشائر والطوائف، وعلى إرضاء التجار خصوصاً من ضمن الفعاليات الاقتصادية، بخلاف عقيدة البعث الانقلابية التي كانت تدعو إلى إطاحة البنى التقليدية.
بدءاً من عام 1971، اكتسب مسمَّى مجلس الشعب صيتاً سيئاً، إذ قُدِّم تحت الاسم نموذج لا يمتّ بصلة إلى التجربة البرلمانية بعد الاستقلال. فضلاً عن ادّعاء تمثيل الشعب، في حين كانت العملية الانتخابية المزعومة غطاءً لتعيينات تهدف إلى توزيع أجزاء من كعكة السلطة، لكسب ودّ بعض الفئات الاجتماعية. الأمر لا ينحصر بالمجلس ذاته، ويجوز القول إن ما كان يحدث في تشكيله هو انعكاس لمنع الحياة السياسية، فلا يستقيم أن تكون هناك حياة برلمانية في بلد لا يوجد فيه حراك سياسي، وتجارب حزبية علنية بصرف النظر عن قوتها ورسوخها.
من المؤكد أنه، في غياب الحياة السياسية، ستنتعش في الكواليس أنواع المحسوبيات والزبائنية السلطوية. ففي غياب التنافس البرامجي تتقدّم الصلات الشخصية كبديل عن الشبكات التي تصنعها التجربة السياسية والحزبية، وعمليات التفاوض أو المساومة، أو تدوير الزوايا، التي تحدث من خلال النشاط السياسي العام والشفاف تنتقل جميعاً إلى الظل لتكون مقايضات من نوع مختلف تماماً.
وحتى ما كان وبقي يُشاع عن ضعف تمثيل بعض الفئات في انتخابات حقيقية، هو افتراض لا تسنده تجربة عملية. فالتجربة السياسية العملية هي التي تدفع بالمتنافسين إلى محاولات كسب ودّ مختلف الشرائح الاجتماعية، بما فيها الأقل عدداً، إذ ربما تلعب أصواتها دوراً مرجِّحاً. أيضاً، هذه اعتبارات تختفي تماماً عندما تكون علاقة الطامحين بالسلطة التي حلّت مكان الناخب، إذ تقتضي الوضعية البديلة سعي الطامح إلى إرضاء السلطة، والصراع بينه وبين المتنافسين الآخرين يكون على مَن منهم قادر على كسب ودّ السلطة أكثر من الآخر. ومن المعهود في هذه الحالات أن يُظهر الطامح إلى المنصب أنه ملكي أكثر من الملك، وهكذا تستفيد منه السلطة مرتين، مرة على قاعدة الولاء، ومرة بإظهار نفسه أمام العموم على أنها أفضل الخيارات المتاحة واقعياً.
في التجربة الحالية، وبصرف النظر عن الموقف الإجمالي من السلطة ككل، فهي لم تُظهر منذ الإعلان الدستوري عزماً على طي صفحة الماضي بأركانه لا بشخوصه فحسب. تجربة “مجلس الشعب” فيها استنساخ للماضي، بدءاً من الاسم الذي ينتمي إلى منظومة فكرية هي في أحسن أحوالها ابنة زمن انقضى، بخلاف تسميات تقنية ليس لها بعد أيديولوجي مثل المجلس النيابي، أو المجلس التشريعي. وفي ظروف المراحل الانتقالية عموماً تكون التسمية الأخيرة هي الموافقة للواقع، من حيث لزوم سد الفراغ التشريعي وعدم الجهوزية لإجراء الانتخابات التي يقتضيها مفهوم النيابة عن الناخبين.
وصفُ ما جرى بعملية اختيار للأعضاء هو الوصف الواقعي، لأن اختيار ما سُمّي بالهيئات الناخبة تم من قبل السلطة، ولا يستقيم أن تختار السلطة الناخبين ثم يُوصف ما حدث بأنه عملية انتخاب. ومن المستحسن هنا ألا يُقابل هذه الكلام بسفسطة لغوية تتعلق بجذر الكلمة، لأن الحديث يدور دائماً حول الدلالات السياسية المعاصرة. إن استخدام التعبير المناسب يغني عن الكثير من الجدالات التي تثيرها كلمة الانتخابات، وأيضاً عن تداعيات عملية الاختيار ككل.
في واحد من الأمثلة، توقّفَ كثر عند تدني حضور المرأة ضمن اختيارات الهيئات الناخبة لعضوية المجلس، مع أن هذه الحصيلة تنسجم مع تدني تمثيلها ضمن الهيئات الناخبة التي شكّلتها السلطة، ويمكن النظر في الوظائف العليا عموماً للتأكد من أن النساء لا ينلن حصة من الحضور تتناسب مع ثقلهن المجتمعي ونسبتهن من عموم المواطنين. في هذه الحالة، إذا كان تصحيح خلل التمثيل مناطاً بالحصة التي يختارها رئيس المرحلة الانتقالية، فهو يعطيه ميزة إذا ظهرت تعييناته المباشرة أفضل مما ظهر عليه الانتخاب الصوري. بدورها، هذه الصورة تحيل إلى الماضي، إذ يبدو الرئيس ضامناً للتنوع الاجتماعي، بينما الذين حوله أقل قبولاً به، لتنعكس الخلاصة (من دون جهر بها) على عموم المسائل المتعلقة بالاجتماع السياسي السوري.
في الاصطفافات التي ظهرت على السوشيال ميديا حول موضوع المجلس، واحد من أهم حجج أنصار السلطة يتمحور حول عدم إمكانية إجراء انتخابات شعبية، واتهام الذين يريدون الانتخابات بعدم الواقعية. والحق أن عدم الواقعية لا يتجزأ، فإذا كانت الانتخابات غير ممكنة فالمنطق ألا يُسمّى ما حدث بالانتخابات، من باب الواقعية نفسها. وواحد من أهم أوجه الواقعية هو استخدام التعابير الصحيحة والدقيقة، لأن إزاحتها عن الواقع هي بمثابة تزييف له وللّغة، التي لا تعود تؤدي غاية التواصل الحقيقي.
في التجربة التي يعرفها السوريون جيداً، كان هذا التحريف دائماً بمثابة وبال عليهم، فهو عندما يبدأ لا يتوقف عند حد. إن تفريغ أي تعبير من المعنى المتفق عليه يؤدي إلى انعدام الثقة المطلق، فتفريغ الانتخابات من معناها يؤدي (على سبيل المثال) إلى تفريغ كلمة القانون أيضاً من معناها، ليسود عدم احترام القانون، وهو ما يحدث في أمثلة كثيرة تعبّر عن فقدان المصداقية.
الاحتيال على الأمر بمزاعم شتّى، أهمها زعم الخصوصية، مُجرَّب أيضاً ويعرفه السوريون جيداً، والتذاكي لا يهدف سوى للتملّص من تبعات استخدام المفاهيم في غير مكانها، وكأن خداع السوريين سهل، بينما يحدث العكس إذ يكون انعدام الثقة هو الأسهل منالاً. زعمُ حدوث الانتخابات هو خطوة جديدة في منحى إعادة إنتاج الفجوة بين الكلام والواقع، ولا يلزم الكثير من النباهة للتأكد من أن قول الحقيقة على علاتها أقل كلفة على المدى المتوسط والبعيد.
المدن
——————————–
نصف الخطوة أفضل من التوقف/ صبا ياسر مدور
الثلاثاء 2025/10/07
من الصحيح تماما أن شيئاً أفضل من لا شيء، وأن كل الأهداف الكبيرة تبدأ بمنجزات صغيرة، لكن من الصحيح أيضاً، أن الأمر يؤسس لما بعده، وأن قوة البدايات على محدوديتها يمكن أن تستحيل لاحقاً مشروعاً حضارياً، كما أن ضعفها أو اخطاءها قد تصبح فيما بعد نوافذ لمشكلات بنيوية خطيرة.
هذا الفهم جزء من تصور علاقة الانتخابات التشريعية في سوريا مع المستقبل. ذلك أن تقييم ما جرى على أساس النموذج الديمقراطي المثالي سيكون متعسفاً وغير واقعي، لكن مثل هذا النموذج ينبغي أن يظل هو المقياس والمؤشر للمستقبل، وعلى أساس أن كل خطوة إضافية يجب أن تستهدف الوصول إليه وضمن مدة زمنية وسياق وطني واضحين.
جرت الانتخابات في ظرف دقيق لا شك بخطورته وحساسيته، وسيكون من غير المنصف تماماً انتقاد السلطات في دمشق لأنها لم ترفع سقف العملية التي جرت لتشبه العمليات الانتخابية في دول ديمقراطية مستقرة. مثل هذا الطموح ليس متاحاً، لكنه مطلوب كهدف، وسيكون من بين عناصره أن يجري تحقيق السياق المناسب له، وهو الاستقرار السياسي والأمني ووحدة البلاد وانتهاء تداعيات الحقبة الأسدية وعودة المؤسسات للعمل بالطاقة الكاملة.
أبرز المآخذ على الانتخابات التشريعية قضيتين: أنها جرت بنظام الانتخاب غير المباشر واعتماد نظام الكليات الانتخابية، والثاني كان استثناء محافظات الحسكة والرقة والسويداء لظروفها المعروفة وخضوعها لسيطرة قوى خارج الدولة.
مبررات الأمرين واضحة وتحدثت عنها السلطات كثيراً، لكن نصف المنجز هذا، قد يتحول إلى إشكالية لمستقبل سوريا، لو أن مخرجات الانتخابات تحولت إلى مرجعية لوضع أسس ذلك المستقبل بطريقة نهائية.
مجلس الشعب الذي سينبثق عن الانتخابات سيحظى بالشرعية من دون شك، وسيقوم بدوره الرقابي والتشريعي. لكن هل يمكن أن نتوقع من المجلس الذي لن يكون ممثلاً شاملاً ولا كاملاً للشعب السوري، أن يشدد على موضوع المراقبة ويمارس المهمة التشريعية من خلال الاهتمام بالقضايا التشغيلية للدولة، وبما يحقق تعزيز عمل المؤسسات وعودتها إلى أقصى طاقاتها؟ ذلك لوحده سيكون عنصراً مفيداً للغاية في دعم السلطة التنفيذية ومعالجة أية ثغرات يمكن أن تظهر في العمل اليومي للدولة، أما القضايا ذات الطابع الاستراتيجي أو بناء أسس النظام السياسي، بما في ذلك الحياة السياسية والحزبية، وفلسفة الدولة ذاتها.. فينبغي أن يجري الذهاب الى الاستفتاء العام المباشر للمواطنين. هذا في حال الحاجة إليها وعدم إمكان تأجيلها.
القضية هنا هي السيطرة على فكرة الشرعية وعدم السماح بما يعكر هذا المفهوم أو يمنح المشككين فرصاً للطعن بمخرجات المجلس المنتخب على أساس الشكوى من أن انتخابه لم يكن شاملاً، ويسري ذلك بشكل خاص على أبناء المحافظات المستثناة، والبعض سيدعون أنهم ليسوا جزءاً من العملية التي تمت، وبالتالي فهم ليسوا مجبرين على الالتزام بمخرجاتها أو القوانين والقرارات الصادرة عنها.
هذه الحجة تتجاهل السياق، لكنها ليست خطأ. ففي النهاية ومهما كانت الأسباب، هناك محافظات ومواطنون ليسوا ممثلين في مجلس الشعب، وهو أمر يستدعي مثلاً أن يحرص رئيس الجمهورية أن يعوض ذلك باختيار عدد مناسب من ممثلي المكونين الدرزي والكردي، وتحديداً من أبناء المحافظات المعنية ليكونوا جزءاً معتبراً من قائمته التي سيقوم هو بتعيينها في المجلس حسب الإعلان الدستوري. هذا الأمر ربما يسد نقصاً معلوماً بشكل نسبي، لكنه لن يكون نهائياً وحاسماً.
وفيما يتصل بآلية الانتخاب التي جرى اعتمادها، فإنها بدورها لا توفر القدرة التمثيلية الكاملة للسوريين. وقد قدمت السلطات كثيراً من أسباب ذلك، مثل موضوع السجلات الإحصائية للسكان، ومشكلة اللاجئين في الخارج، ومحدودية القدرات اللوجستية لإنجاز انتخابات يشارك بها الشعب بشكل مباشر. وكل هذا مفهوم ومتوقع، لكن هذه الأسباب ينبغي أن لا تكون موجودة في الاستحقاق الانتخابي المقبل، ويتوجب على الدولة التعامل معها بجدية وبشكل سريع.
وفضلاً عن معالجة المشكلات والثغرات التي ضغطت لإجراء الانتخابات بصيغتها غير المباشرة، فإن انتخابات تشريعية من دون حياة سياسية صحية وسليمة وحرة، تشمل تعدد الأحزاب والحوارات السياسية، ستكون ضرباً من العبث. ولذلك فمن المهم إصدار قانون للأحزاب يكون مناسباً لمستقبل سوريا لا لحاضرها فقط. بمعنى أن يكون قانوناً متقدماً يسمح بالحياة السياسية والتعددية وحرية التعبير، وأن تكون مسوداته متاحة للنقاش العام قبل إقرارها. هذا القانون بالذات سيكون تحدياً مهماً لمجلس الشعب وللسلطة التنفيذية معاً. فهو سيمثل الانتقال الحقيقي نحو الخروج من حالة الاستبداد وحكم الحزب الواحد أو الرؤية الواحدة. وهو خطوة جوهرية وحاسمة نحو تحول سوريا إلى دولة مؤسسات قوية.
إن مجلس الشعب الجديد بصيغته الحالية هو جزء من المرحلة الانتقالية، وليس بداية للمرحلة التالية، وربما سيكون هذا المجلس هو أول مؤسسات الحكم التي تنتهي صلاحيتها قبل مغادرة استثناء الثورة والانتقال إلى مرحلة الاستقرار وشرعية الدولة. لذلك فإن الثغرات التي جرى تسجيلها في آلية انتخابه أو في شموليته التمثيلية هي بحد ذاتها جزء من استثنائية هذه المرحلة، التي يتوجب أن لا تطول، بل وأن تكون أقصر من فترة السنوات الخمس التي وضعها الإعلان الدستوري للمرحلة الانتقالية.
المدن
——————————-
سوريا مسرح لتحوّلات “رجال الأسد” و”جهاديي الفصائل”!/ جوزيف شمعة
07.10.2025
انتقادات كثيرة طاولت “انتخابات” مجلس الشعب السوري، لكن لعل أبرزها، تسلل بعض المتهمين بارتكاب جرائم أو “المحسوبين على النظام البائد” بين المرشحين، خصوصاً بعض”رجال الأسد”، المُعاد تدويرهم، والذين، بعد سقوط النظام، استبدلوا لافتات “قائدنا للأبد” بملصقات “الحياة المشتركة”، خصوصاً في مناطق الساحل.
منذ فرار بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024 وتولّي “هيئة تحرير الشام” سابقاً الحكم في المناطق التي كانت خاضعة لنظام الأسد، شهدت الساحة السورية تحوّلات سريعة وصاخبة. هرب قسم كبير من رموز النظام السابق خارج البلاد، وأُلقي القبض على بعضهم، بينما نجح آخرون (أقل شهرةً) في العودة إلى المشهد السوري إمّا علناً أو عبر قنوات غير مباشرة.
هذه العودة، مهدت لها العبارة الشهيرة التي روّجتها السلطة الجديدة في الأشهر الأولى من سقوط النظام: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”، منذ تلك اللحظة، بدا واضحاً أن ثمة استخفافاً بدماء الضحايا ومعاناة ذويهم، تحت ذريعة “حقن الدماء” و”إغلاق باب الفتن”.
هذا “العفو” وما ترافق معه من إفلات من العقاب، وتجاهل لمفهوم العدالة الانتقاليّة، ينسحب أيضاً على الميليشيات المسلّحة التي كانت تشكل “المعارضة السوريّة”، والتي انضوت تحت وزارة الدفاع. وعلى أثر هذا “العفو المزدوج” إن صح التعبير، ظهرت على الساحة شخصيات وفاعلون ارتبطوا مباشرة بالعنف السابق بأدوار مدنية، تُسَوَّق تحت عناوين براقة مثل “المصالحة” و”بناء السلام”، وبعضهم تحوّل إلى عاملين بالشأن المدني والإغاثي.
هل هي انتخابات “إعادة التدوير”؟
انتقادات كثيرة طاولت “انتخابات” مجلس الشعب السوري، لكن لعل أبرزها، تسلل بعض المتهمين بارتكاب جرائم أو “المحسوبين على النظام البائد” بين المرشحين، خصوصاً بعض”رجال الأسد”، المُعاد تدويرهم، والذين، بعد سقوط النظام، استبدلوا لافتات “قائدنا للأبد” بملصقات “الحياة المشتركة”، خصوصاً في مناطق الساحل.
لم يغب فادي صقر عن الساحة في الساحل السوري، بل تكرر اسمه على صفحات الفيسبوك، بوصفه العرّاب الخفي لبعض ترشيحات المجلس الجديد. والمفارقة أيضاً، أن بين الفائزين وجوهاً يعرفها السوريون عن ظهر حرب، ممن كانوا إلى الأمس القريب يصفّقون لمدافع الأسد، ثم ظهروا فجأة بصفة مرشحين عن “المرحلة الانتقالية”. لم يفاجأ أحد، فالذاكرة السورية قصيرة بقدر ما هي منهكة.
ربما تسلّل إلى مجلس الشعب الكثيرين ممن اعتادوا الهتاف لا الحوار، ومن تمرّسوا على التصفيق أكثر مما تمرّنوا على التشريع، بعض “شبيحة” الأمس من الطرفين صاروا “صنّاع قرار”، وبعض مطبلي السلطة الجديدة صاروا “صوت الثوار”، والنتيجة انسحابات متعددة ومقاطعة لـ”الانتخابات” في عدد من المناطق السورية، والسبب إما مرشحون محسوبون على الأسد، أو آخرون محسوبون على الهيئة!
وعلى رغم نفي نوار نجمة، المتحدث باسم الهيئة العليا لانتخابات مجلس الشعب، وجود أي موالين سابقين لنظام الأسد ضمن مجلس الشعب، إلا أن عدداً منهم فاز في الانتخابات، أما الشبيحة الجدد فلم يضع هتاف أحدهم للشرع سدى في الجلسات الحوارية (بايعناك)، فقد نال مقعداً في المجلس.
لا تنفي عملية “إعادة التدوير” والولاءات المتعددة وجود مرشحين ذوي ماضٍ وبرنامج انتخابي يثيران الإعجاب، لكن في الوقت ذاته، الترشيح لم يكن مفتوحاً للجميع، ولا التصويت، وجعلت سلطة “الشرع” في التعيين الانتخابات أقرب إلى “مسرحيّة”. لكن، هل نتجاوز “العدالة الانتقالية” في سبيل “مجلس تشريعي” حسب التسمية الجديدة التي يطالب البعض بها؟
كيف عاد “رجال الأسد” إلى الواجهة؟
أخذت إعادة تدوير رجال الأسد ومسلحّي الفصائل مسارين أساسيين: سياسياً و اقتصادياً. بالنسبة الى رجال الأسد، تم الأمر عبر صفقات وتسويات مالية مع رجال أعمال بارزين كانوا واجهات للنظام السابق، أو عبر العفو أو التسويات مع مقاتلين أو شخصيات متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة. بررت السلطة الجديدة هذه الترتيبات بضرورات “حقن الدماء” و”إغلاق باب الفتن”، لكن الجوهر يعكس تغليب الاستقرار السريع على حساب المساءلة والعدالة.
بدأت آليات إعادة تأهيل الأثرياء الذين كوّنوا ثرواتهم في حقبة الأسد، عبر صفقات مالية مع أبو مريم الأسترالي، أو “تبرعات رمزية”، فسُمح لهؤلاء بالاحتفاظ بقسم من ثرواتهم والانخراط مجدداً في المشهد الجديد.
وكمثال صارخ، شاهدنا جميعاً محمد حمشو في دمشق، ثم أبناءه يتبرعون بمبالغ مالية في حملة أقيمت داخل قلعة دمشق، ولم يقف الأمر عند حمشو وحده، بل انضم إليه المرسومي وآخرون ممن دعموا الميليشيات الإيرانية، ليعودوا اليوم بصفة “مستثمرين” و”داعمين لإعمار سوريا الحرة”. لكن السؤال المرير يطرح نفسه: من سيحاسب هؤلاء؟ وهل يُعفى الدعم المالي السابق لنظام الأسد من المساءلة؟
الطريق المعبّد إلى المجتمع المدني
لم يكن الأمر محصوراً برجال الأعمال، فالكثير من المقاتلين في صفوف “المعارضة المتشددة” تركوا السلاح واتجهوا للعمل في المنظمات المدنية. وعلى رغم أن هذا الانتقال كان يستوجب معايير صارمة لإعادة التأهيل، إلا أنه تم بسهولة لافتة في مناطق “الشمال المحرر” سابقاً. وهكذا تحول مقاتلون مارسوا التهديد والقتل سابقاً، إلى دعاة “التسامح” و”التعايش السلمي”، وحُصرت العدالة الانتقالية بـ”جرائم الأسد”، ما رآه البعض “صفحاً” غير مستحق، يطبق بالانضمام إلى “وزارة الدفاع السوريّة”.
التقارير الحقوقية الكثيرة وثّقت انتهاكات جسيمة ارتكبتها فصائل مثل “الزنكي” و”الجيش الوطني” في مناطق مختلفة من سوريا. وعلى رغم ذلك، عاد أفراد من هذه الفصائل للظهور في منظمات المجتمع المدني بعد سقوط الأسد، وهم يرفعون خطاباً معاكساً تماماً لماضيهم. لكن هذا التحوّل لم يترافق مع اعتراف بالمسؤولية أو اعتذار علني للضحايا وذويهم، بل اكتفى أصحابه بتغيير القناع.
وهنا لم تكن المفارقة في مجرد التحوّل، بل في طريقة تسويقه إعلامياً، إذ تتحدث وسائل الإعلام الجديدة عن هؤلاء وكأنهم “قصص نجاح في التحوّل من العنف إلى السلم”، متجاهلة أن الضحايا أنفسهم يرون من ساهم في قتل أبنائهم سابقاً، يوزعون منشورات عن العدالة وحقوق الإنسان، أو يوزعون سللاً إغاثية لأناس ساهموا في تهجيرهم سابقاً.
ولم يكن مقاتلو المعارضة وحدهم في هذا المسار، بل رأينا أيضاً عناصر من ميليشيات الأسد والدفاع الوطني يعملون في فرق تطوعية لمساعدة الساحل المنكوب بعد “آذار الأسود”، وبعضهم صار من “ناشطي السلم الأهلي”. وللمفارقة، ظهر أحدهم علناً شاكراً أحد رموز المجازر في سوريا الذي سوّت الإدارة الجديدة وضعه لـ”دوره في حقن الدماء”.
اللغة القديمة في قوالب جديدة
لم يعد المقاتلون القدامى في صفوف المعارضة يظهرون بلباسهم العسكري أو بشعارات جهادية، بل استُبدل ببذلات رسميّة، كذلك المحسوبون على نظام الأسد، تحولوا إلى ناشطين خفيفي الظلّ، يتحركون بثيابهم الرياضية بين المناطق المنكوبة، هذا بالذات ما سمح باستمرار المحسوبيات والوشايات و”تقارير الولاء” في مؤسسات الدولة الجديدة، التي قُسِّمت بين الولاءات والتزكيات، وكأننا أمام إعادة إنتاج كاملة للبنية الفكرية التي بررت العنف سابقاً.
ما سبق، نتج منه التساهل في تطبيق العدالة وملاحقة المتهمين في جرائم ارتكبت في عهد الأسد، وأخرى في الساحل والسويداء، والتقصير في ملاحقة حالات الخطف والقتل شبه اليومية التي تشهدها المناطق السورية المتوترة طائفياً، واستبدال العدالة الواضحة والعلنيّة، بسياسة “تبويس الشوارب” والضمانات الشفهية، في محاولة من السلطة التوفيق بين الماضي الجهادي/ الميليشياوي وبين الحاضر المدنيّ المُفترض!
ظهرت التحولات بوضوح في مجازر الساحل والسويداء، حيث خلع الكثيرون القناع المعتدل الذي اضطروا لارتدائه مع “التحرير”، وشاركوا في “الفزعة”، ثم عادوا الى “العمل”كـ”مؤثرين” على شبكات التواصل الاجتماعي، في دفاع مستميت عن السلطة الجديدة، وخطابات “الوحدة الوطنية” ما بعد المجزرة.
نحن أمام عملية “إعادة تدوير” بامتياز، كما يُعاد تدوير البلاستيك ليُصبح زجاجة ماء جديدة، أُعيد تدوير مقاتلين ليُصبحوا ناشطين مدنيين. الفرق الوحيد أن البلاستيك معاد التدوير يُحافظ على البيئة، أما هؤلاء فيُحافظون على المنظومة نفسها.
العدالة ليست شعاراً يُرفع في ورشة، ولا عبارة تُخطّ على بوستر، ولا ريلات وتسجيلات قصيرة تُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي، بل مسار طويل يتطلب مواجهة الماضي بشجاعة، الاعتراف بالمسؤولية، وتفكيك البنى التي غذّت العنف لعقود. قد تتغير الأقنعة، لكن الدماء لا تجف بالشعارات، ولا تُمحى المجازر بصفقات “تسوية” تُعقد في الغرف المغلقة أو أخبار عن محاكمات لم تُجرَ بعد، ولا نقصد “المحاكمات الاستعراضية” التي تبثها وزارة الداخلية، بل تلك التي تمس فئة كبيرة من المنتهكين سواء قبل سقوط النظام من رجالات الأسد، أو بعده من المتهمين بارتكاب مجازر الساحل والسويداء.
درج
—————————————————
119 نائباً فائزون في انتخابات سوريا… وحصة النساء 3٪
هبة محمد
دمشق ـ «القدس العربي»: أعلنت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب في سوريا، أسماء القوائم النهائية للناجحين في الانتخابات، والبالغ عددهم 119 عضواً، مؤكدة أن العملية الانتخابية تميزت بـ«مستوى عالٍ من النزاهة»، رغم عدم إجرائها في ثلاث محافظات رئيسية. وبيّن المتحدث باسم اللجنة العليا، نوار نجمة، خلال مؤتمر صحافي عقد في العاصمة دمشق، أن النتائج المعلنة تعتبر نهائية وغير قابلة للطعن، مشيراً إلى أن الطعون ستُقدّم على العملية الانتخابية نفسها وليس على الأعضاء الفائزين، مؤكداً في الوقت ذاته أن اللجنة حرصت على تجنّب أي محاصصة في عملية الاختيار.
وبيّن المتحدث أن القوى التي تسيطر على محافظات الحسكة والرقة والسويداء هي التي حالت دون إجراء الانتخابات هناك، لافتاً إلى أن اللجنة ستعقد اجتماعاً اليوم الثلاثاء، لبحث إمكانية تنظيم الانتخابات في هذه المحافظات.
وأشار إلى أن الوقت المتوقع لإجراء الانتخابات في الحسكة والرقة مرتبط بالموعد المتوقع لتنفيذ اتفاق 10 آذار بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية».
وأضاف أن اللجنة حرصت على تمثيل المكون المسيحي والنساء في الهيئات الناخبة، إلا أن هذا التمثيل «لم يكن مرضياً»، داعياً إلى مزيد من الجدية في تمكين المرأة سياسياً خلال المرحلة المقبلة.
وتنافس 1578 مرشحا موزعين على 50 دائرة انتخابية على 140 مقعدا في مجلس الشعب من أصل 210 مقاعد، بينهم 14 في المئة من النساء، ترشحوا لخوض هذه الانتخابات، حيث انطلقت الأحد عملية اختيار أعضاء مجلس الشعب في سوريا، للمرة الأولى منذ سقوط نظام الأسد، وذلك وفق آلية استثنائية تعتمد على هيئات ممثّلة عن المناطق تتولى مهمة انتخاب المرشحين، بينما يعيّن الرئيس الشرع ثلثها.
وبعد فرز الأصوات، لم تتجاوز حصة النساء 3 ٪، حيث أكّد رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، محمد طه الأحمد، أنّ الرئيس الانتقالي أحمد الشرع سيعمل على تصويب هذه الثغرات.
التجربة السورية في إعادة بناء السلطة التشريعية ورغم تأييد معظم الشعب السوري، إلا أن المواقف تعددت اتجاهها، حسب ما رصدت «القدس العربي» من تباينات حادة بين المؤيدين لها كاستحقاق لا بد منه فرضته ظروف المرحلة الانتقالية، وصعوبات الذهاب إلى انتخابات مباشرة، والمعارضين للآلية المعتمدة بحد ذاتها وما سينجم عنها، في ظل وجود مشكلات مستعصية في 3 محافظات، وغياب الأحزاب السياسية عن المشهد، وما يمكن أن تلعبه في هذه المرحلة من تفعيل للحياة السياسية والوطنية.
كما عبر البعض عن مخاوفه من أن تنتج الآلية الانتخابية مجلسا جديدا يفتقر للحد الأدنى من التمثيل العادل، فيما برزت قضية تمثيل المرأة كأحد أبرز مظاهر الخلل التي أثارت نقاشا واسعا بين السياسيين والباحثين والإعلاميين السوريين.
منير الفقير، وهو باحث سياسي لدى مركز «عمران للدراسات الاستراتيجية»، وأحد مرشحي مجلس الشعب عن مدينة دمشق، تحدث عن ضعف تمثيل المرأة في البرلمان الجديد، معتبرا أن ذلك «يحتاج الى وقفة طويلة مع الاجتماع السياسي السوري بعد الثورة وبعد التحرير، حين تغييب الأحزاب السياسية تطغى ولاءات ما دون الدولة وهي في حالتنا المشرقية منغلقة على ثقافتها ولم تقتنع بعض المجتمعات المحلية بعد بتمايز الأدوار التي يمكن أن تقوم بها المرأة في الفضاء السياسي فضلا عن المجتمعي، وبكل تأكيد في الفضاء الاقتصادي».
إعادة رسم دور المرأة
كما تحدث في ذلك أيضا الكاتب والأستاذ في جامعة دمشق الدكتور أحمد جاسم الحسين، الذي كتب من جانبه عن التمثيل المتدني للمرأة، حيث كتب: عدد النساء الناجحات في المجلس يعبر خير تعبير عنا نحن، لا علاقة للسلطة الحالية بشكل مباشر، ولا لعدم وجود أحزاب ولا وجود تحالفات، هذه صورتنا الحقيقية التي نريدها لتمثيل النساء.
وأضاف: الآن الأمر منوط بالقيادة، ما الدور الذي تريده من النساء السوريات ولهن في حاضر سوريا ومستقبلها؟ لذا يحتم علينا جميعا البدء برسم استراتيجيات الدولة المجتمعية والفكرية والهوياتية في المرحلة الجديدة: في البرلمان، الشؤون السياسية. الأمانة العامة، الحراك المجتمعي.
«مجتمع ذكوري»
السياسي السوري سمير نشار عبّر عن أسفه، وخلص إلى أن المجتمع السوري «ذكوري» سيما في دمشق وحلب، حسب وصفه، حيث كتب يقول: «بغض النظر عن تقييم العملية الانتخابية من حيث صدقيتها وصفتها التمثيلية للمجتمع السوري عموما، لكنها أثبتت بصورة قاطعة ذكورية المجتمع السوري تجاه دور المرأة السورية، رغم عطاءاتها في كافة مجالات العلم والمعرفة والعمل والمشاركة في كافة حقول العمل».
كما انقسم السوريون بين من يرى الانتخابات خطوة ضرورية في المرحلة الانتقالية، ومن يشكك في نزاهتها وتمثيلها الحقيقي للشعب، بسبب اعتمادها على هيئات مناطقية معينة بدلا من انتخابات مباشرة.
المحامي ميشال شماس، اعتبر أن ما جرى «ليس له علاقة بالانتخابات ولا يعكس رأي الشعب».
وأضاف في منشور على صفحته الشخصية عبر موقع «فيسبوك»: «أنا مع التعيين لكامل أعضاء المجلس التشريعي من مختصين في التشريع والقانون والاقتصاد والإدارة، لأن ظروف البلد لا تسمح بإجراء انتخابات تعبر عن إرادة الناس، وأتمنى على الرئيس تلافي الثغرات اللي ظهرت في عمل اللجنة والهيئات الناخبة، خصوصاً فيما يتعلق بتمثيل النساء وباقي أطياف الشعب السوري، والحرص على تعيين باقي الأعضاء من أصحاب الكفاءة والاختصاص في مجالات القانون، الاقتصاد، الإدارة، والاجتماع».
ونبه إلى ضرورة انتباه أعضاء البرلمان «سواء ممن فاز أو ممن سيتم تعيينهم من قبل الرئيس، إلى نقطة في غاية الأهمية وهي أن هذا المجلس هو انتقالي، لفترة محدودة، ومهمته محصورة بإدارة المرحلة، وليس اتخاذ قرارات مصيرية، كإقرار اتفاقات دولية تلزم البلد لعقود، أو بتأثر على السيادة أو الاقتصاد أو الأمن. هذا النوع من الاتفاقات يمرّ عبر مجلس منتخب فعليا، بتمثيل شعبي حقيقي، وبشرعية واضحة.
واقع مأزوم
الصحافي محمد العويد اعتبر من جهته أن «التنظير بإخراج الانتخابات من سياقها السوري المأزوم يكشف هشاشة المتحدث أو موقفه المنحاز»، معتبراً أن «المطالبة بانتخابات مباشرة كأنه حق يراد به باطل، ماذا لو جرت انتخابات في اتحاد الصحافيين اليوم كمثال؟ كل الصحافيين المنشقين لم يعد تنسيبهم، لاشتراط نظام الاتحاد العمل بمؤسسة اعلامية سورية، ماذا عن 700 عضو حسب قيود رابطة الصحافيين، ومثلهم في نادي الصحافيين وغيرهم من تجمعات صحافية في المهاجر واللجوء؟ وماذا عن النشطاء الشباب والإعلاميين ممن حرموا من الانتساب طيلة فترة نظام الأسد، كل البنى الموروثة مأزومة وتحتاج وقتا وتهيئة وتغييرا هادئا على أمل الوصول للطبيعي لإجراء أول انتخابات كباقي البشر» .
فيما تحدث المحامي والكاتب الفلسطيني السوري أيمن فهمي عن الآلية التنظيمية والإجرائية التي تم اعتمادها لانتخاب أعضاء المجلس، واستثناء الفلسطينيين في سوريا من المشاركة في التصويت رغم تأثير الانتخابات على مستقبلهم، لكنه اعتبر ما جرى تدريبا على الديمقراطية.
وكتب على صفحته الشخصية على موقع «فيسبوك»: رغم أن الفلسطينيين السوريين لا يحق لهم وفق القوانين النافذة المشاركة في انتخابات مجلس الشعب، غير أن تأثير نتائج الانتخابات، وتشكيله ومهام المجلس التشريعي الجديد، ستؤثر بصورة كبيرة على حياتهم وحقوقهم ومستقبل وجودهم في سوريا، كتأثرهم العيّاني والفعلي مع سياق المرحلة الانتقالية وتحدياتها القائمة على كافة المستويات.
وأضاف: لقد تابعت وبكثير من الاهتمام الآلية التنظيمية والإجرائية التي تم اعتمادها لانتخاب اعضاء المجلس، ومعايير تشكيل الهيئات الفرعية ومن ثم الهيئات الناخبة، وصولاً إلى يوم الانتخاب ونتائج عملية التصويت، ولم استغرب ما أثارته العملية برمتها من جدل حامي الوطيس، ومن تباينات حادة. مع كل ذلك، لم تمنعني مخاوفي وشكوكي من النظر بواقعية بل وبقدر من البراغماتية لحدود الممكن في الواقع السوري الراهن، ولذلك تعاملت مع هذا الاستحقاق بوصفه تدريباً أولياً على الديمقراطية في بلد نشأت فيه أجيال مقموعة وممنوعة من فهم مدلولاتها وقيمها العامة قبل ممارستها مؤسساتياً.
وتابع» لهذا فرحت من جانب لفوز شخصيات ثورية أعرفها وأثق بها، وحزنت من جانب آخر لصعود شخصيات غير مؤهلة لتمثيل الشعب السوري، وعلى حساب شخصيات ثورية كفوءة لم يواتيها الحظ، على أمل أن تعالج حصة الرئيس من تعيينه للثلث الباقي.
كما تطرق إلى وجود «الخلل الواضح في التمثيل العادل والمطلوب، سواء لجهة النصاب المتعلق بالتمثيل النسائي، أو لجهة مشاركة كفاءات سياسية وقانونية ومدنية، قادرة على اقتراح ودراسة التشريعات والقوانين الملائمة لنجاح المرحلة الانتقالية. وبتقديري المعيار الأول والأخير للنجاح في هذا الاستحقاق وغيره، سيتوقف على توفير ضمانات المشاركة الواسعة، والإسراع في إطلاق مناخات الحياة السياسية، وبناء مؤسسات الدولة وفق مبادئ سيادة القانون والمواطنة المتساوية».
—————————-
نتائج تشكيل مجلس الشعب.. كيف توزعت المقاعد بين المحافظات والأجيال؟
2025.10.06
أعلنت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب في سوريا، أسماء القوائم النهائية للناجحين في الانتخابات والبالغ عددهم 119 عضواً، مؤكدة أن العملية الانتخابية تميزت بـ”مستوى عالٍ من النزاهة”، رغم عدم إجرائها في ثلاث محافظات رئيسية.
وأوضح المتحدث باسم اللجنة العليا، نوار نجمة، خلال مؤتمر صحفي عقد في العاصمة دمشق، أن النتائج المعلنة تعتبر نهائية وغير قابلة للطعن، مشيراً إلى أن الطعون ستُقدّم على العملية الانتخابية نفسها وليس على الأعضاء الفائزين، مؤكداً في الوقت ذاته أن اللجنة حرصت على تجنّب أي محاصصة في عملية الاختيار.
غياب الانتخابات في ثلاث محافظات
وبيّن المتحدث أن القوى التي تسيطر على محافظات الحسكة والرقة والسويداء هي التي حالت دون إجراء الانتخابات هناك، لافتاً إلى أن اللجنة ستعقد اجتماعاً يوم غدٍ الثلاثاء، لبحث إمكانية تنظيم الانتخابات في هذه المحافظات.
وأشار إلى أن الوقت المتوقع لإجراء الانتخابات في الحسكة والرقة مرتبط بالموعد المتوقع لتنفيذ اتفاق 10 آذار بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية”.
تمثيل محدود للنساء.. كيف بدت النسب؟
في إطار تغطيتها الخاصة لتشكيل مجلس الشعب السوري لعام 2025، أجرى تلفزيون سوريا تحليلًا لتوزع الفائزين بحسب العمر والمنطقة والانتماء الطائفي، مستندًا إلى البيانات الرسمية الواردة في القرار رقم (66) الصادر عن اللجنة العليا للانتخابات.
الحزب العمر
20 – 29 عاماً
2
30 – 39 عاماً
24
40 – 49 عاماً
43
50 – 59 عاماً
34
60 – 69 عاماً
14
70+ عاماً
2
يعينهم الرئيس
70
مؤجل في السويداء والرقة والحس
وأضاف المتحدث أن اللجنة حرصت على تمثيل المكون المسيحي والنساء في الهيئات الناخبة، إلا أن هذا التمثيل “لم يكن مرضياً”، داعياً إلى مزيد من الجدية في تمكين المرأة سياسياً خلال المرحلة المقبلة.
وبحسب المتحدث فإن نسب التمثيل في نتائج الانتخابات الهيئات الناخية، كانت على الشكل التالي:
96 في المئة تمثيل الرجال
4 في المئة تمثيل النساء
83 في المئة نسبة الكفاءات
16 في المئة نسبة الأعيان
17 في المئة للقطاع الطبي
17 في المئة للهندسيين
14 في المئة للقانونيين
10 في المئة للاقتصاديين
10 في المئة للأكاديميين
7 في المئة لرجال الأعمال
7 في المئة لرجال الدين
تأخر الفرز في دمشق كان “إيجابياً”
واعتبر المتحدث أن التأخر الذي حصل في عملية فرز الأصوات في دمشق كان مؤشراً إيجابياً، لأنه “يعكس الحرص على الدقة والنزاهة في احتساب النتائج”، مؤكداً أن الانتخابات “عبّرت عن الواقع السوري الراهن”، وأن المطلوب في المرحلة القادمة هو “العمل على معالجة نقاط الضعف التي كشفتها التجربة الانتخابية”.
صلاحيات الرئيس الشرع في التعيين
وأشار المتحدث إلى أن الرئيس الشرع يملك كامل الحرية في تعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب، سواء من أعضاء الهيئة الناخبة أو من خارجها، في إطار الصلاحيات الدستورية الممنوحة له، مؤكداً أن ذلك يأتي “ضمن حرص الرئاسة على تحقيق التوازن داخل المجلس”.
وأكد نجمة أن الرئيس الشرع سيكون حريصاً على ترميم كل الثغرات بالثلث الثالث، مبيناً أن آلية ثلت الرئيس وُجدت لمواجهة هذا النوع من المشكلات في تمثيل فئات معينة.
“سوريا ليست بحاجة للمحاصصة”
وأكد نجمة على أن البلاد بحاجة إلى برلمان داعم ومؤمن بنجاح المرحلة الانتقالية، يعمل على تطوير التشريعات وتعزيز المشاركة السياسية، بما ينسجم مع متطلبات الواقع السوري الجديد.
من جهته، اعتبر رئيس اللجنة محمد الأحمد أن سوريا ليست بحاجة للمحاصصة، وإنما بحاجة أشخاص قادرين على العمل، بصرف النظر عن خلفياتهم الدينية والطائفية، مشيراً إلى أن “العملية الانتخابية جرت تحت أعين المرشحين وأعضاء الهيئات الناخية والمراقبين وكميرات الإعلام وهو أهم ما جرى بالأمس”.
——————————-
انتخابات اعزاز.. تحالفات مغلقة وجغرافيا حاسمة قادت ثلاثة مرشحين إلى الفوز/ خالد الخطيب
2025.10.06
شهدت دائرة منطقة اعزاز الانتخابية شمال حلب واحدة من أكثر الجولات الانتخابية سخونة، بعد أن أفرزت النتائج النهائية فوز ثلاثة مرشحين مدعومين من تكتلات مغلقة داخل الهيئة الناخبة، مستفيدين من عدة عوامل، أهمها كما يبدو، التصويت الكتلي المنظم والترابط الجغرافي بين بلدتي نبل والزهراء مع محيطهما، واللتين كان لهما الدور الأكبر في توجيه دفة النتائج.
الجغرافيا تحكم الولاءات
تضم منطقة اعزاز تركيبة سكانية معقدة وتباين في الولاءات السياسية والاجتماعية، بدت خلال هذه الانتخابات نموذجاً واضحاً لكيف يمكن للجغرافيا أن تتحول إلى عامل حاسم في العملية الانتخابية الموصلة لعضوية مجلس الشعب السوري، فبلدتا نبل والزهراء، المعروفتان بانضباط كتلتهما الانتخابية وتماسكها الاجتماعي، تحولتا إلى مركز ثقل داخل الهيئة الناخبة، حيث شارك أعضاؤهما في التصويت بشكل منسق وموجه لصالح قائمة واحدة، ما منح المرشحين الثلاثة الفائزين تفوقاً حاسماً في النتائج النهائية، وجعل الفارق كبير بينهم وبين باقي المرشحين الذين حصلوا على أصوات قليلة.
وقالت مصادر محلية متابعة للعملية الانتخابية لموقع تلفزيون سوريا، إن تصويت نبل والزهراء شكل نحو 20 بالمئة من الكتلة التصويتية المؤثرة في انتخابات المنطقة، ما جعل أصواتهم “بيضة القبان” في تحديد الفائزين، وأوضحت المصادر أن امتناع أعضاء كتلة نبل والزهراء عن الترشح لعضوية المجلس والاكتفاء بالتصويت لصالح مرشحهم عن ناحية نبل وهو من بلدة رتيان المجاورة، وهو ما مكن الأخير من عقد تحالفات مع اثنين من المرشحين، أحدهم يمثل مدينة اعزاز والأخر مدينة تل رفعت، وبذلك انحصرت الأصوات بشكل شبه كامل ضمن القائمة التي تضم الثلاثة.
إجماع في نبل والزهراء
وبحسب المصادر، شهدت بلدتا نبل والزهراء إجماعًا لافتاً بين أعضاء هيئتهما الناخبة على منح أصواتهم لمرشح من خارج البلدتين، في خطوة تُقرأ على نطاق واسع كمحاولة لإعادة بناء جسور الثقة مع محيطهم من القرى والبلدات المجاورة التي تضررت خلال السنوات الأربع عشرة الماضية من عمر الثورة السورية، فهاتان البلدتان كانتا لسنوات منطلقاً لعمليات عسكرية نفذتها قوات النظام المخلوع وحزب الله اللبناني، الأمر الذي خلف شرخاً اجتماعياً عميقاً بينهما وبين محيطهما المحلي، ويبدو أن هذا التصويت الجماعي جاء كمبادرة رمزية لتخفيف حدة التوتر وإظهار رغبة في التقارب والمصالحة المجتمعية.
وبرغم استقبال الهيئة الناخبة في بلدتي نبل والزهراء لعدد من مرشحي الكتل الأخرى في نواحي المنطقة، أخترين ومارع وغيرها، وزعمهم أن أصواتهم كأعضاء هيئة ناخبة ليست “محجوزة لأحد” ولديهم حرية اختيار المرشحين من حيث الكفاءة والنزاهة وغيرها من المعايير، إلا أن مزاعمهم بقيت شكلية وأتت في إطار التجميل لموقفهم وعلاقتهم المصلحية مع محيطهم القريب من القرى والبلدات، ولم يلتزموا بأي تعهد قطعوه للمرشحين الذين التقوا بهم ككتلة في مقر المركز الثقافي بنبل.
تكتلات مغلقة وانضباط انتخابي
قال مصدر محلي لموقع تلفزيون سوريا عن أن ما جرى في انتخابات اعزاز يمكن وصفه بأنه “تصويت مغلق ومنضبط” ضمن كتل محددة سلفاً، فقد تحركت مجموعات سياسية واجتماعية بتنسيق داخلي محكم، وضمنت أن تصل أصواتها إلى المرشحين الذين تم الاتفاق عليهم مسبقاً، دون تشتت أو انقسام، في وقت تفرقت فيه أصوات المجموعات الأخرى بين أكثر من قائمة أو مرشح.
ويؤكد أحد أعضاء الهيئة الناخبة – فضل عدم ذكر اسمه – أن “الكتلة القادمة من نبل والزهراء كانت أكثر تماسكا وتنظيما، فقد صوتت بنسبة شبه كاملة لصالح ثلاثة مرشحين محددين مسبقاً، دون أي انشقاق أو امتناع، وهو ما لم تفعله كتل أخرى داخل المنطقة”.
ويضيف لموقع تلفزيون سوريا أن “النتيجة لم تكن مفاجئة لمن يعرف طريقة إدارة التصويت هناك، فالتنسيق كان واضحاً منذ بداية العملية الانتخابية، وكان مرشح تل رفعت يستحق العدد الكبير في الأصوات لأنه قاد كتلة متفقة ومنظمة صوت جميع أعضائها له ولمرشحي الكتلتين اللتين تحالف معهما”.
الهيئة الناخبة بين التأثير والاصطفاف
على الرغم من أن الأصوات القادمة من بلدتي نبل والزهراء كانت بمثابة “الرافعة الحاسمة” التي منحت المرشحين الثلاثة التفوق في مواجهة منافسيهم، إلا أن هذه التجربة أظهرت بوضوح كيف يمكن للتصويت الكتلي المنظم أن يعيد رسم الخريطة الانتخابية حتى في مناطق ذات تنافس شديد.
أثارت النتائج موجة من النقاش في أوساط الهيئة الناخبة في منطقة اعزاز، بين من يرى أن ما حدث هو تعبير مشروع عن تماسك مجتمعي داخل بعض الكتل، وبين من يعتبره مظهراً من مظاهر غياب التنافس العادل داخل العملية الانتخابية، خصوصاً أن فوز المرشحين الثلاثة جاء على حساب أصوات موزعة على قوائم متعددة تمثل مختلف مناطق اعزاز وريفها، وهنا يقول قائل أن الكتل الثلاث التي فاز مرشحوها فوزاً مستحقاً حصدت نتائج تنظيمها وتخطيطها الجيد، في حين انقسمت باقي الكتل وضاعت أصواتها بين عدد كبير من المرشحين، بعضهم حصل على صوت وآخرين صوتين وثلاثة، وبعض الكتل لم تتوصل الى صيغة توافق على مرشح واحد تدفع نحوه كامل أصواتها لتمكنه من عقد تحالفات كما فعلت الكتل الثلاثة.
أما النساء الغائبات في ثقلهن في انتخابات منطقة اعزاز فقد تفرقت أصواتهم بين عدة مرشحات، لكن الأصوات النسائية الأكبر كانت موجهة نحو اثنين من المرشحين الفائزين، وهو ما بدا كاختراق للكتلة النسائية التي لم تحقق أي نتائج ملموسة، وهي التي تتحمل مسؤولية انقسامها وخسارة مرشحاتها وعدم حصولهن على أصوات كافية لنقول إنهن كن منافسات للثلاثة الفائزين بالفعل.
تؤكد تجربة انتخابات منطقة اعزاز أن التكتلات المغلقة والجغرافيا المنظمة يمكن أن تتفوق على الحملات الإعلامية أو الشعبية، وأن الصوت المنضبط والموحد يظل أقوى من عشرات الأصوات المتفرقة، كما تكشف عن تحول بلدتا نبل والزهراء إلى مركز ثقل انتخابي قادر على ترجيح الكفة في أي استحقاق قادم، ما لم تجري إصلاحات في بنية الهيئة الناخبة تضمن توزيعاً عادلاً للتأثير بين مختلف مناطق ريف حلب الشمالي.
—————————-
=======================
تحديث 06 تشرين الأول 2025
——————————–
النتائج النهائية.. إليك القائمة الكاملة بأسماء الفائزين في مجلس الشعب في سوريا
2025.10.06
أصدرت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب في سوريا القرار رقم (66) لعام 2025، المتضمّن النتائج الأولية لاختيار أعضاء المجلس في مختلف الدوائر الانتخابية على مستوى المحافظات السورية، وذلك استناداً إلى أحكام الإعلان الدستوري والمرسومين رقم (66) و(143) لعام 2025.
وتنافس 1578 مرشحاً موزعين على خمسين دائرة انتخابية على 140 مقعداً في مجلس الشعب من أصل 210 مقاعد، حيث يعيّن الرئيس الشرعي ثلثها مباشرة، في حين يُنتخب الثلثان الآخران.
وحصلت محافظة حلب على 32 مقعداً، وريف دمشق على 12 مقعداً، وحمص على 12 مقعداً، وحماة على 12 مقعداً، واللاذقية على 7 مقاعد، وطرطوس على 5 مقاعد، ودير الزور على 10 مقاعد، ودرعا على 6 مقاعد، وإدلب على 12 مقعداً، والقنيطرة على 3 مقاعد.
وجاءت النتائج الأولية لاختيار أعضاء مجلس الشعب للدوائر الانتخابية في المحافظات السورية على الشكل التالي:
الفائزون بمجلس الشعب في محافظة حلب وريفها
الدائرة الانتخابية في جبل سمعان (تضم حلب المدينة)
أحمد محمد الحريري – فجدان / 1978
بشر نجم الدين الحاوي – حلب / 1991
تمام محمد اللودعمي – حلب / 1966
عارف عبد المجيد رزوق – حلب / 1968
عبد العزيز عبد القادر مغربي – حلب / 1979
عبد القادر محمد خوجة – حلب / 1986
عبد الكريم صالح عكيدي – زيتان / 1960
عزام فاضل خانجي – حلب / 1966
عقيل محمد حسين – عسان / 1984
علي جاسم الجاسم – زمار / 1968
عمار محمد ديب طاووز – حلب / 1981
محمد رامز أحمد كورج – عندان / 1983
محمود كامل مصطفى – حلب / 1973
مهيدي سيف الدين عيسى – تل الهوى / 1997
الدائرة الانتخابية في اعزاز
بشير محمد خير عليطو – تل رفعت / 1964
جعفر الصادق عبد اللطيف طحان – رتيان / 1978
مؤيد أحمد قبطور – إعزاز / 1987
الدائرة الانتخابية في الباب
محمد فواز المحلي – أبو جبار / 1999
أسامة محمود النعوس – الباب / 1980
طارق محمد سلو – الراعي / 1984
الدائرة الانتخابية في السفيرة ودير حافر
عمر حمدو غريبو – تل عرن / 1982
غسان محمود العبد الله – عزيزة / 1971
الدائرة الانتخابية في الأتارب
أحمد عبد الله محمود صالح – الشيخ علي / 1970
الدائرة الانتخابية في جرابلس
طارق حسن حمد – عين العرب / 1980
الدائرة الانتخابية في عفرين
رنكين محمد عبدو – تل غازي / 1980
شيخ سعيد أحمد شيخ إسماعيل زاده – زيتوناك / 1968
محمد سيدو سيدو – حلب / 1978
الدائرة الانتخابية في منبج
أحمد إدريس الطعان – جب الكجلي / 1973
إبراهيم خليل الطالب – تل حوذان / 1977
مصطفى عمر حاج عبد الله – منبج / 1978
الفائزون بمجلس الشعب في محافظة دمشق
الدائرة الانتخابية في دمشق
حسان نذير الشيخة / 1971
رضوان محمد السبيناتي / 1979
عدنان محمد جمال الدين الخطيب / 1983
عمار أسامة شرقطلي / 1982
محمد باسل محي الدين هيلم / 1972
محمد سعدي محمد هشام سكرية / 1972
محمد عامر نزار صفر الحلبي / 1988
محمد وسام محمد صالح الدين زغلول / 1976
نزار يونس المدني / 1981
هشام حسني الأفيوني / 1980
الفائزون بمجلس الشعب في محافظة ريف دمشق
ريف دمشق ويبرود
حسان أحمد عطايا – دمشق / 1985
محمد سليمان محمد صالح دحال – زملكا / 1972
محمد عزام تحسين حيدر – يبرود / 1979
الزبداني
عماد علي الأشرفاني / 1970
التل
أيمن عبده شمو / 1982
القطيفة
خالد عرفات عرابي – جيرود / 1963
النبك
محمد شريف يوسف طالب – النبك / 1957
داريا
مؤيد محمد حبيب / 1986
دوما
حسام عدنان حمدان – دوما / 1973
مصطفى محمود سقر – حرستا / 1963
نزار محمد الشايب – عتيبة / 1988
قطنا
علي مسعود مسعود – عرطوز / 1984
الفائزون بمجلس الشعب في محافظة حمص
مركز مدينة حمص
عبد الله محمد خالد غنوم / 1978
قتيبة أحمد العيسى / 1983
كنان محمد لبيب النحاس / 1977
محمد وليد الباكير / 1973
نادر محمد أديب صنوفي / 1964
ناصر محمد عيد المحيميد / 1980
نور محمد مؤيد الجندلي / 1978
وضاح نجيب رجب / 1977
الرستن
محمد عبد الرحمن أيوب / 1974
القصير والمخرم
أحمد محمد السماعيل / 1983
تدمر
محمود محمد أمين مادون أسعد / 1986
تلكلخ
سالم محمد الأحمد / 1974
الفائزون بمجلس الشعب في محافظة حماة
مركز مدينة حماة
بسام محمد حلمي الحسين / 1966
طارق خالد المدني / 1968
عبد الله الحاج عبد الله / 1979
عثمان عبد القادر النقار / 1963
مؤمنة عبد الغني عربو / 1992
السقيلبية
عبد الرزاق يوسف العليوي / 1979
عبد الفتاح حسن عبيد / 1990
السلمية
عبد الله عبد الكريم الشعار / 1990
ياسر محمود الشحادة / 1987
محردة
عبد الناصر حسن العمر الحوشان / 1968
مصياف
إبراهيم عبد الله العبد الله / 1978
سامر أحمد محمد / 1980
الفائزون بمجلس الشعب في محافظة اللاذقية
مركز مدينة اللاذقية
جمال عبد الرحمن مكيس / 1958
رولا عبد الله دايه / 1968
سامر دوران قره علي / 1986
الحفة
رفاعة مصطفى عكرمة / 1965
القرداحة
أوس فايز عثمان / 1970
جبلة
علي حسن يعقوب آغا / 1968
رامي إبراهيم محفوض / 1983
الفائزون بمجلس الشعب في محافظة طرطوس
بانياس
أمجد أكرم علي / 1989
دريكيش والشيخ بدر
لينا فهيم عيزوقي / 1984
صافيتا
مي ناجح خلوف / 1978
عبد الرزاق محمد ريس / 1978
عزام منير جحجاح / 1972
الفائزون بمجلس الشعب في محافظة دير الزور
مركز مدينة دير الزور
أحمد محمد الشالش / 1968
أكرم مداح العساف / (غير مذكور)
خالد جمال الخلف / 1988
عامر جاسم البشير / 1980
فجر فوزي الأحمد / 1981
البوكمال
أمير عدال عبد الرزاق الدندل / 1980
أسامة محمد صالح العساف / 1953
محمود صالح العويص / 1973
الميادين
عايش خليف الحسين / 1970
مروان أحمد النزهان / 1977
الفائزون بمجلس الشعب في محافظة إدلب
مركز مدينة إدلب
حسام عبد الرزاق دبيس / 1981
عبد الرزاق سعد عوض / 1988
مازن أحمد غزال / 1970
معرة النعمان
فرج راكان عقدي / 1982
محمد فراس محمد بديع الجندي / 1958
خان شيخون
خالد محمد السلوم / 1976
جسر الشغور
محمد مصطفى كلتوم / 1970
مصطفى عبد الوهاب موسى / 1977
حارم
إقبال محمد منصور / 1982
وجدي طريف زيدو / 1985
أريحا
طاهر عوض عبد الباقي / 1970
عبد الحسيب خالد دغمش / 1986
الفائزون بمجلس الشعب في محافظة درعا
مركز مدينة درعا
عبد الرحمن خالد الحريري / 1962
عدنان أحمد المسالمة / 1963
نزار عبد الرزاق الرشدان / 1979
الصنمين
محمد فاروق العاصي / 1985
إزرع
عبد المولى محمد عيد الحريري / 1977
محمد سرور المذيب / 1972
الفائزون بمجلس الشعب في محافظة القنيطرة
مركز مدينة القنيطرة
جمال محمد النميري / 1971
طارق محمد الذياب / 1982
فيق
محمد موفق أبو شومر / 1990
تلفزيون سوريا
——————————
البرلمان المرتقب.. مصنع النخب أم مرآة الخراب؟/ عبد الله مكسور
2025.10.06
حين تخرج الأمم من الركام، فإنها لا تبحث عن الكلمات المنمقة، بل عن مؤسسات صلبة تحميها من العودة إلى الفوضى، هنا، البرلمان يصبح مرادفاً للذاكرة الجماعية التي تقول: لقد جُرّب الاستبداد، وجُرّبت الحرب، ولم يبقَ سوى طريق واحد، هو طريق المشاركة والتداول. هذه هي معانيه الكبرى: أن يكون سقفاً يحتمي تحته الجميع، وبيتاً يُدار فيه الخلاف ليُنتج دولة، لا ليُعيد إنتاج الخراب.
في الحالة السورية، يكتسب هذا المعنى وزناً مضاعفاً، فالتاريخ السياسي للبلاد منذ تأسيس مفهوم الدولة بشكلها الحديث عرف لحظات برلمانية نابضة، لكن سرعان ما أُجهضت تلك الحيوية بانقلابات عسكرية متكررة، قبل أن يتحول البرلمان نهائياً إلى أداة للتزكية والموافقة بالإجماع في ظل نظام الأسد، حيث لم يعرف السوريون برلماناً يمثلهم فعلاً، بل شاهدوا مؤسسة تُعيّن إرادتها من فوق، ويُختار أعضاؤها على قاعدة الولاء لا الكفاءة أو على قاعدة الانتماءات الاجتماعية والعشائرية، وتُفرغ جلساتها من مضمونها ليغدو النقاش السياسي مجرد صدى لصوت السلطة.
لا انتخابات ولا أحزاب في اللحظة السورية
يقف السوريون أمام تجربة أولى لتشكيل مجلس شعب جديد. غير أن الآلية التي أُعلن عنها تثير أسئلة جوهرية: لا انتخابات مباشرة، ولا منافسة حزبية حقيقية، بل هيئات ناخبة جرى تشكيلها وفق ترتيبات سياسية وإدارية مرتبطة بخيارات الرئاسة الجديدة، هذا يعني أن المجلس لا يولد من إرادة عامة حرّة، بل من عملية فرز مضبوطة النتائج ضمن دوائر معينة.
ورغم الملاحظات الكثيرة على هذه الطريقة إلا أنها تعتبر خطوة إلى الأمام قياساً بالمجالس الصورية السابقة، لكنها تظل بعيدة عن المعايير التي عرفتها الديمقراطيات الناشئة في مناطق ما بعد النزاعات، ومع ذلك، فإن قيمة اللحظة السورية اليوم تكمن في كونها بداية، وفي قدرتها -إن أُحسن التعامل معها- أن تفتح الباب تدريجياً نحو برلمان حيّ في المستقبل.
المجلس المرتقب في سوريا، رغم كل ملاحظات النقص في شرعيته التمثيلية، يظل مختبراً، فإذا اكتفى بإعادة إنتاج صيغ الوصاية، فسوف يثبت للسوريين أنه مجرد حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الخذلان، أما إذا حاول، أن يفتح مساحات للنقاش العام، فإنه يمكن أن يتحول إلى نواة عملية انتقالية لنظام سياسي قادم ولو بشكل تدريجي، فالمجتمعات لا تنتقل من الاستبداد إلى الديمقراطية بخطوة واحدة، بل عبر محطات متدرجة، شرط أن تكون كل محطة أكثر اتساعاً من سابقتها، وهنا يكمن دور المرشحين لعضوية المجلس.
وبالحديث عن البرامج التي نشرها المرشحون من الهيئات الانتخابية لمجلس الشعب على وسائل التواصل الاجتماعي -من خلال متابعتي- لاحظت أن معظمها يدور حول عناوين عامة مثل التشريع، العدالة الانتقالية، أو التأكيد على وحدة سوريا.
ورغم أهمية هذه المحاور في رسم صورة المرحلة المقبلة، إلا أن ما يمكن التوقف عنده هو غياب برامج تنموية واقعية تتصل مباشرة بالمجتمع، أو حضورها بمستوى أقل من المتوقع، مثل تطوير التعليم الأساسي، تنظيم عمل المنظمات الأهلية التي تكافح الأمية، أو دعم المبادرات المحلية في مجالات الصحة والتنمية الاجتماعية وغيرها، هذه الفجوة تكشف عن نزعة لاستنساخ الخطاب السياسي التقليدي، وتجاهل أو تأجيل القضايا اليومية التي تمس حياة السوريين بشكل مباشر.
ما هي وظيفة البرلمان؟
إنَّ وظيفة البرلمان لا تقتصر على التشريع أو طرح الرؤى السياسية الكبرى التي تقاطعت بها معظم برامج مرشحي الهيئات الانتخابية، يمكن الإشارة هنا إلى أنّ العلوم السياسية تؤكد أن الدور الأخطر والمركزي لأي مجلس نيابي هو الرقابة والمحاسبة.
فالتشريعات مهما كانت متقنة تظل حبراً على ورق ما لم تُقابل بآليات متابعة ومساءلة تضمن تنفيذها، وتمنع الانحراف أو الفساد، وبهذا المنطق يجب أن يكون هم البرلمان السوري المرتقب -إلى جانب المهام الأخرى- أن يكون العين الناقدة لعمل السلطة التنفيذية، الأداة التي تطرح الأسئلة الصعبة، وتستدعي الوزراء، وتفتح النقاشات العلنية حول السياسات والإنفاق العام والعقود والخطط الاقتصادية والتعيينات، خاصة أن الدولة السورية الجديدة خارجة من حرب طويلة تضعها تحت ضغوط هائلة في إعادة الإعمار وعودة النازحين وإدارة الموارد، لذلك يصبح دور الرقابة مضاعفاً، فالمجتمع لا يحتاج فقط إلى قوانين جديدة، بل إلى ضمانات حقيقية بأن هذه القوانين تُطبق بعدالة وشفافية.
وعلى هذه القاعدة فإن البرلمان الجديد مطالب بأن يراقب جوهر عمل الدولة، وأن يتابع أداء المؤسسات المحلية، وأن يفتح أبوابه أمام منظمات المجتمع المدني، لا أن يكتفي بترديد الشعارات البرَّاقة حول العدالة والوحدة، فقيمة المجلس الجديد لن تُقاس ببلاغة بياناته أو كثرة مشاريعه التشريعية، بل بقدرته على ممارسة المحاسبة اليومية التي تحمي الدولة والمجتمع من الفساد وتضمن أن تتحول وعود التنمية إلى واقع.
البناء بالخطابات والوعود
التجارب المقارنة في العالم تُظهر بوضوح أن الدول الخارجة من الحروب لا تُبنى بخطابات النوايا أو الوعود العاطفية، بل بمؤسسات يتم ترسيخ أدوارها لتستوعب التوترات وتمنع الارتداد إلى العنف.
في ألمانيا مثلاً بعد سقوط جدار برلين، لم يكن البوندستاغ في مبنى الرايستاخ في برلين مجرد قاعة لتمرير قوانين جديدة، بل تحوّل إلى ساحة لإعادة صياغة العقد الاجتماعي بين شرق مثقل بذاكرة القمع وغرب مفعم بروح السوق والحرية، النقاشات فيه صاخبة، والاختلافات حادة، لكنه لعب -رغم كل ذلك- دور الجسر الذي حمى المجتمع من الانقسام الدائم، ووضع قواعد التعددية التي ضمنت لاحقاً توحيد الهوية الوطنية.
في موضع آخر يبرز أمامنا مثال جنوب إفريقيا التي كانت بعد سقوط نظام الفصل العنصري مسرحاً واسعاً تُدار فيه التناقضات ومكاناً مثالياً لأنظمة سياسية دولية تريد أن تتطهَّرَ من ندبات في تاريخها، التجربة هناك أظهرت أن لجان المصالحة لم تكن كافية وحدها لتجاوز إرث الفصل العنصري. فكان البرلمان المنتخب حديثاً التجسيد الفعلي لولادة شرعية جديدة، حيث اندمج التشريع مع الرقابة في بناء ثقة عامة.
وهنا تبرز الفكرة الجوهرية بأنَّ البرلمان ليس إدارة قانونية فحسب، بل مؤسسة حارسة للمعنى؛ معنى أن تتحول القوة من السلاح إلى النص، ومن الغلبة إلى الحجة، ومن منطق الولاءات إلى منطق الدولة.
في نموذج ثالث من التجارب العالمية تبرز البوسنة بعد اتفاق دايتون حيث قدَّمت نموذجاً أكثر تعقيداً قام في بنيته على برلمان هش، محكوم بالتوازنات القسرية بين جماعات أنهكتها الحرب، لكنه مع ذلك، أدى وظيفة مركزية، إذ فرض التفاوض السياسي كبديل عن استمرار نزيف الدم، وأبقى باب الدولة مفتوحاً أمام احتمالات التطور بدل الانهيار الكامل.
خارطة طريق سورية
هذه التجارب تُرسم أمام سوريا اليوم كخريطة طريق. فالمجلس المرتقب، رغم محدودية شرعيته بسبب آليات التشكيل غير الانتخابية العامة التي منعتها ظروف قهرية، يظل الإطار الوحيد -والمتاح حالياً- والقادر بشكل أو بآخر على منع عودة الاستبداد أو الفوضى، ويسهر على رعاية التوافق الوطني، وتوفير منصة حقيقية تُختبر فيها قدرة السوريين على تحويل خلافاتهم إلى طاقة سياسية خلاقة.
بهذا المعنى، يصبح البرلمان السوري القادم حجر الأساس في إعادة بناء الدولة الجديدة: ليس بصفته أداة تنفيذية، بل كبيت للسوريين، ومختبراً للتعددية، وحصناً يمنع ارتداد المجتمع إلى الحرب التي أنهكته.
البرلمان المرتقب عليه أن يكون بالدرجة الأولى مؤسسة تعيد تعريف الهوية الوطنية، إنه المكان الذي تُختبر فيه قدرة المجتمع على تجاوز الشروخ العميقة، والانتقال من منطق الإقصاء إلى منطق المشاركة.
والتحدي الأساسي الذي سيواجه أعضاءه هو إقناع الناس أن أصواتهم تُسمع، وأن معاناتهم تجد صدى في قاعة التمثيل الشعبي، بكلمة أخرى، البرلمان السوري الجديد سيقف إما بوصفه قاعة صدى لصوت السلطة كما في الماضي، أو بوصفه بيتاً يختبر فيه السوريون للمرة الأولى منذ عقود معنى المشاركة والتداول.. هنا يكمن الامتحان الأكبر: هل يكون البرلمان مؤسسة للذاكرة والوقاية من الفوضى، أم مجرد واجهة جديدة لشيء عرفه السوريون سابقاً؟
وهنا يمكن النظر إلى تجربة البرلمان السوري القادم باعتباره فرصة لصناعة مدارس سياسية تخرج من رحم التجربة السورية، تصقل الأجيال الجديدة وتمنحها أدوات الحوار وفنون التفاوض وصياغة القوانين.
المشهد السوري يفتقد إلى هذا البُعد، فما يزال الخطاب العام يتعامل مع البرلمان على أنه إما أداة لمنح الشرعية أو ساحة شكلية للرقابة، في حين يغيب إدراك دوره كحاضنة للنخب السياسية.
سوريا المدمرة تحتاج إلى وجوه جديدة لم تُستهلك من قبل أو تُنهك في مسارات الصراع المسلح. البرلمان قد يتحول إلى منصة اختبار حقيقية تُدرّب السوريين على قواعد اللعبة الديمقراطية وتمنحهم خبرة متراكمة في التفاوض والمساءلة وبناء التوافقات.
فراغ المشهد السياسي
غير أن التحدي الأعمق يكمن في فراغ المشهد السياسي من مرجعية جامعة، فلعقود طويلة سابقة عمل نظام الأسد عن سبق إصرار وترصد على تفريغ الحياة السياسية من مضمونها عبر القمع أو الاستتباع في أطر شكلية، مثل “الجبهة الوطنية التقدمية”، ما جعل الأحزاب كيانات خاوية عاجزة عن إنتاج قادة حقيقيين.
وعندما سقط النظام، بدا أن البلاد لا تملك احتياطيّاً سياسياً يمكن الاعتماد عليه، الجيل الشاب، رغم حضوره المدني والإعلامي اللافت، ما يزال يفتقر إلى خبرة الممارسة السياسية، في حين الجيل المعارض الأكبر سناً أنهكته المنافي والسجون، فانقطع عن التفاعل مع مجتمع طرأت عليه تغيّرات كثيرة.
يمكن القول هنا: إن حالة النقص البنيوي في النخب السياسية في سوريا، يجعل المرحلة الحالية هشة وربما تقع تحت رحمة موازين القوى الخارجية بدلاً من أن تُدار ضمن عملية وطنية مستقلة، ومن هنا، يكتسب البرلمان القادم معنى مضاعفاً في التحديات التي سيواجهها، ليس لكونه مجرد هيئة تمثيلية، بل مصنعاً للنخب الجديدة، إذا ما جرى التفكير فيه بوصفه فضاءً تدريبياً يرفد الدولة الوليدة بدماء جديدة قادرة على الإمساك بالمستقبل.
هذا البُعد يكاد يكون غائباً في السياق السوري. حيث يغيب عن البرلمان دوره بوصفه مصفاة للنخب، فاستعادة الدولة في سوريا لا يمر عبر إعادة إنتاج الوجوه نفسها بآليات مختلفة، بل عبر توليد نخب بديلة قادرة على إدارة المستقبل. والبرلمان، إن أُدير بوعي، يمكن أن يكون مصنع هذه النخب، تماماً كما كان الحال في التجارب الناجحة لدول أخرى خرجت من أنقاض الحرب.
وفي هذه المساحة من التفكير تبرز أمامنا تجارب قريبة في منطقتنا العربية، تُظهر بوضوح أن غياب برلمان فعّال يحوّل المرحلة الانتقالية إلى ساحة مفتوحة لصراع المصالح الخارجية والانقسامات الداخلية، كما في العراق بعد 2003، حيث وُلد برلمان افتقد منذ البداية إلى دوره كحاضنة للنخب الجديدة، فتحول إلى مرآة للانقسام الطائفي بدلاً من أن يكون مساحة لإنتاج طبقة سياسية عابرة للهويات الضيقة، والنتيجة كانت إعادة إنتاج شبكات المحاصصة والفساد، وهو ما جعل العملية السياسية تراوح مكانها وتبقى مرتبطة بالإرادات الخارجية أكثر من كونها نابعة من توافق وطني داخلي.
أما في ليبيا بعد سقوط القذافي، فقد كان غياب مؤسسة برلمانية جامعة كارثياً على منطق الدولة، والمجالس التي تشكّلت لاحقاً عجزت عن أداء وظيفة الحاضنة، فباتت ساحة للتنازع القابل للاشتعال والاشتباك بين الشرق والغرب في أي لحظة أكثر من كونها منصة للحوار، وفي هذه الحالة تحول البرلمان إلى واجهة تُشرعن انقسام البلاد بين سلطات متنازعة، الأمر الذي عمّق الأزمة بدل أن يفتح أفقاً لبناء دولة جديدة تملك كل الإمكانات كي تكون.
ربما تقدِّمُ الأمثلة السابقاً إنذاراً مباشراً للسياق السوري في أن تظل مساحته السياسية ساحة مغلقة على دوائر ضيقة، وهذا لن يؤدي إلى إنتاج بدائل سياسية في المستقبل، وستبقى البلاد عرضة لإعادة تدوير الوجوه أو لفرض الحلول في سياقات عديدة، ليس من بينها المسار الديمقراطي.
أمام السوريين اليوم -مرة أخرى رغم كل الملاحظات على تشكيل المجلس المرتقب- أن يكون مدرسة سياسية حقيقية تفتح باباً واسعاً على مستقبل نرجوه للبلاد.
تلفزيون سوريا
————————-
الانتخابات السورية: تمثيل ضعيف للمرأة ووعود بتصويب الشرع للثغرات/ عدنان علي
06 أكتوبر 2025
أصدرت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب اليوم الاثنين القرار المتضمن النتائج الأولية لانتخابات مجلس الشعب السوري للدوائر الانتخابية في المحافظات. وذكرت اللجنة على قناتها في “تليغرام” أنّ باب الطعون على العملية الانتخابية (الدعاية الانتخابية- عملية الاقتراع وفرز الأصوات) مفتوح حتى نهاية الدوام الرسمي من اليوم الاثنين. وأوضحت اللجنة في قرارها الذي حمل الرقم 66 أنّه يجوز لكل ذي مصلحة الطعن على النتائج الأولية للفائزين في انتخاب أعضاء مجلس الشعب، فيما يخصّ دائرته الانتخابية، أمام لجنة الطعون الخاصة بالمحافظة المعنية.
وتشير النتائج في دمشق إلى فوز 10 أشخاص، ليس بينهم أية امرأة، فيما فاز 12 شخصاً في ريف دمشق دون وجود نساء أيضاً. وفي ريف دمشق، فاز 3 أشخاص عن دوما، وواحد عن الزبداني، وواحد عن القطيفة، وواحد عن التل، وواحد عن داريا، وواحد عن النبك، وواحد عن قطنا، و3 عن يبرود ومناطق القلمون.
وفي حلب التي تبلغ حصتها مع الريف 32 مقعداً، فاز 14 عن جبل سمعان و3 عن إعزاز و3 عن الباب وثلاثة أيضاً لكل من السفيرة ومنبج وعفرين و2 عن دير حافر ومرشح واحد في كل من الأتارب وجرابلس. وفي محافظة إدلب، التي تبلغ حصتها 12 مقعداً كانت النتائج على النحو التالي: إدلب 3، معرة النعمان 2، خان شيخون 1، جسر الشغور 2، حارم 2، أريحا 2. وفي حمص، وحصتها 12 مقعداً، فاز عن 8 أشخاص عن حمص المدينة، ومرشح واحد عن كل من الرستن، والمخرم والقصير، وتدمر، وتلكلخ.
وفي محافظة حماة، وحصتها 12 مقعداً، فاز 5 عن المدينة، و2 عن كل من مناطق السقيلبية، السلمية ومصياف وواحد عن محردة. وفي محافظة طرطوس، وحصتها 5 مقاعد، فاز 2 عن المدينة وواحد عن دريكيش والشيخ بدر وواحد عن صافيتا وواحد عن بانياس. وفي محافظة دير الزور شرقي البلاد التي يقع جزء منها تحت سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وتبلغ حصتها 10 مقاعد، فاز 5 عن المدينة و3 عن البوكمال و2 عن الميادين.
وفي محافظة درعا، جنوبي البلاد، وحصتها 6 مقاعد، فاز 3 عن مدينة درعا، وواحد عن الصنمين و2 عن إزرع. وفي محافظة القنيطرة، وحصتها 3 مقاعد، فاز 2 عن محافظة القنيطرة وواحد عن منطقة فيق الواقعة ضمن الجولان السوري المحتل، ولكن جميع سكانها من النازحين الموزعين في القنيطرة وريف دمشق ودرعا.
ولم تجر انتخابات في محافظة السويداء بسبب عدم خضوعها لسيطرة الحكومة في دمشق، وكذلك في بعض المناطق الخاضعة لسيطرة قوات “قسد” شمال شرقي البلاد. ولم تجر الانتخابات وفق الاقتراع المباشر، بل عبر لجان ناخبة محلية في كل منطقة لاختيار 140 مرشحاً لمجلس الشعب، في حين تُرك لرئيس الجمهورية اختيار 70 آخرين، أي نسبة الثلث من المجلس المكون من 210 نواب. وتنافس فيها 1578 مرشحاً، تشكّل النساء 14% منهم. ولم تسجل حوادث أمنية خلال الانتخابات، لكنها شهدت إشكالات في بعض المناطق بين المرشحين أنفسهم أو بين بعضهم وممثليهم مع اللجان الناخبة.
تصويب الثغرات
وكشف رئيس اللجنة العليا للانتخابات محمد طه الأحمد أنّ حصة المرأة لم تتجاوز 3% بعد عمليات الفرز، مشيراً إلى أن الرئيس أحمد الشرع سيعمل على تصويب الثغرات. وقال الأحمد، في حديث لتلفزيون سوريا مساء الأحد: “أجرينا انتخابات أعضاء مجلس الشعب في 50 دائرة انتخابية من أصل 62، وذلك نتيجة تأجيل عملية الانتخابات في بعض مناطق شمال شرقي سورية ومحافظة السويداء 12 دائرة انتخابية. وأضاف: “حرصنا على تمثيل جميع المكونات، كما حرصنا على أن يكون هناك تمثيل للمرأة في مجلس الشعب، “لكنه أعرب عن أسفه لانخفاض التمثيل النسائي في مجلس الشعب، وقال: “مع الأسف، كانت حصة المرأة فقط 3% بعد عمليات الفرز”.
وقال المتحدث باسم اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب نوار نجمة، في تصريحات لـ”الإخبارية السورية”، إنه إذا ظهرت أدلة تثبت ارتباط أي شخص بالنظام البائد، فسيُقصى من المجلس. وقال نجمة إن العملية الانتخابية سارت بشكل ميسر ودون أي تجاوزات، مشيداً في الوضع الأمني واللوجستي. وأوضح أن اللجنة تنتظر توفر ظروف سياسية وأمنية مناسبة في المحافظات المؤجّلة لإتمام العملية الانتخابية وشغل المقاعد الشاغرة.
وفيما يخصّ مستقبل اللجنة، أشار إلى أنه من غير المعلوم ما إذا كانت ستستمرّ في عملها حتى إجراء الانتخابات في المحافظات المتبقية، أم إن عملها سينتهي بعد عقد أول جلسة لمجلس الشعب، وفقاً لما ينص عليه القانون الانتخابي المؤقت. ولوحظ حضور عدد من ممثلي البعثات الدبلوماسية وسفراء الدول المعتمدين لدى سورية إلى مركز المكتبة الوطنية للاطلاع على سير العملية الانتخابية. وتمتد مدة ولاية مجلس الشعب إلى 30 شهراً قابلة للتجديد، ضمن مرحلة انتقالية ممتدة لأربع سنوات، مع إمكانية تمديدها لسنة إضافية عند الضرورة.
وتتضمّن مهام المجلس الرئيسية اقتراح وإقرار القوانين وتعديل أو إلغاء القوانين السابقة، والمصادقة على المعاهدات الدولية، وإقرار الموازنة العامة للدولة ومنح العفو العام عند الاقتضاء، إضافة إلى إعداد دستور دائم يُعرض على استفتاء عام عند توفر الظروف الأمنية والاستقرار الكافي، والذي سيتلوه إجراء انتخابات برلمانية ومحلية ورئاسية لإعادة تنظيم السلطات. من جانبه، رفض نائب الرئاسة المشتركة لـ”الإدارة الذاتية” للشؤون السياسية شمال شرقي سورية، بدران جيا كرد، نتائج العملية الانتخابية، معتبراً أن الأعضاء المنتخبين في هذه الانتخابات “لا يمثلون الإرادة السياسية المتنوّعة للمجتمع السوري”.
وقال في تصريحات صحافية إن “الإدارة الذاتية” غير ممثلة في هذه العملية، وبالتالي فإن قرارات هذا المجلس لا تعد ملزمة بالنسبة لها، خاصة أنها تملك إرادة سياسية نابعة من مكونات المنطقة التي اختارت ممثليها عبر انتخابات حرة، ما يستوجب أخذ هذه الإرادة بعين الاعتبار، بحسب تعبيره.
العربي الجديد
————————-
انتخابات مجلس الشعب: إقصاء المواطن العادي لصالح نخب موجّهة؟/ مازن الشاهين
انتخابات مجلس الشعب السوري: إصلاح انتخابي أم مشهد قديم بثوب جديد؟
2025-10-06
تصاعدت وتيرة النقاش في الساحة السياسية السورية خلال الساعات الماضية حول الطريقة الجديدة لانتخابات مجلس الشعب، التي تمت من خلال ما يُعرف بـ “الهيئات الناخبة”، وهي آلية اعتُمدت بديلاً عن الاقتراع المباشر، بحجة تنظيم العملية الانتخابية وتوسيع المشاركة المجتمعية المنظمة، وأن هذا نظام مؤقت جاء استجابة لظروف استثنائية تمر بها البلاد، رغم التباين الواضح بشأن شرعيته ومثاليته.
بموجب النظام الجديد، انتخبت اللجان الناخبة 140 عضواً في البرلمان السوري الأول في النظام الجديد، فيما يعيّن الرئيس أحمد الشرع 70 عضواً، أو الثلث المتمم للبرلمان، ليصبح العدد الإجمالي للنواب 210 نائباً، وذلك بعد تقسيم البلاد إلى 50 دائرة انتخابية في 11 محافظة من أصل 14. ويختلف عدد المقاعد في كل محافظة تبعاً للكثافة السكانية. وأشرفت لجان فرعية على تشكيل الهيئات الناخبة في كل دائرة، بينما تولت اللجنة العليا للانتخابات إصدار القوائم النهائية للمرشحين في 11 محافظة سورية، بينما تم استثناء السويداء ذات الأغلبية الدرزية، والحسكة والرقة في مناطق الإدارة الذاتية لشماتل وشرق سوريا، ما يعكس استمرار التحديات أمام شمولية العملية السياسية في هذا النظام الانتخابي.
أوسع تمثلاً؟!
وفقاً للقوانين الانتخابية المعدلة، تُشكّل الهيئات الناخبة من ممثلين عن النقابات، والاتحادات المهنية، والمنظمات الشعبية، وغرف التجارة والصناعة، والمجالس المحلية. تنتخب هذه الهيئات ممثلين عنها لمجلس الشعب، بدلاً من التصويت الشعبي المباشر الذي كان معمولاً به سابقاً. يقول أحد أعضاء اللجنة الدستورية السابقين (طلب عدم ذكر اسمه) لـ”963+”: “كانت الفكرة تهدف إلى جعل البرلمان أوسع تمثيلاً للفئات المنتجة والمهنية، من خلال منح النقابات والاتحادات سلطة ترشيح وانتخاب ممثلين عنها، لضمان وجود صوت مهني ومتخصص في المجلس”.
تبدأ آلية الانتخاب بتشكيل هيئات ناخبة في كل محافظة، وفقاً لقوائم معتمدة، ثم يُفتح باب الترشّح ضمن كل هيئة وفقاً لشروط محددة تتعلق بالعضوية والخبرة. وتجري الانتخابات داخل كل هيئة لاختيار عدد من الممثلين بحسب النسبة المخصصة لها في مجلس الشعب، ثم تُرفع النتائج إلى اللجنة العليا للانتخابات لاعتمادها وإعلان أسماء الفائزين. وبهذا، لا يصوّت المواطن العادي إلا إذا كان عضواً في إحدى الهيئات، وهذا يعني تقليص المشاركة الشعبية المباشرة لصالح التمثيل النقابي والمؤسساتي.
في استطلاع محدود للرأي أجراه “963+” في مناطق سورية عدة، تباينت الآراء بين من رأوا أن الطريقة الجديدة “تنظم العملية وتحدّ من الفوضى”، ومن اعتبروا أنها “تنتقص من حقّ المواطن في اختيار ممثليه مباشرة”. وهناك من لم يبدوا رأياً واضحاً، وقالوا إن المهم هو الغاية لا الوسيلة!
يعكس تحليل هذا الجدل واقعاً سياسياً معقداً في سوريا ما بعد الأسد، حيث يتزاحم الأمل في بناء مسار ديموقراطي جديد مع مخاوف من استمرار احتكار السلطة بأساليب قديمة – جديدة، وسط تحديات أمنية وجغرافية عميقة تهدد وحدة العملية الانتخابية وشرعيتها. من هنا السؤال الملحّ: هل الانتخابات في سوريا خطوة نحو التغيير، أم هي إعادة إنتاج الواقع بعيوبه من دون أي نية لإصلاحه؟
يرى مؤيدو الانتخاب من خلال الهيئات الناخبة أنها خطوة عملية وملائمة اليوم، في ظل ظروف سياسية وأمنية استثنائية تمر بها البلاد، تبعاً لما قاله حسن الدغيم، عضو اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، لوسائل إعلام محلية، مضيفاً أن الهدف هو تأكيد شرعية المؤسسة التشريعية تزامناً مع تمثيل كفاءات لا تصل إلى البرلمان بالانتخاب المباشر، حيث يعين الرئيس ثلث أعضاء المجلس. ورأى أن هذه الانتخابات “تعزز قدرة الدولة وتخفف الضغوط الدولية على الحكومة الجديدة، مع إبراز صورة انتقال سياسي يمثل بداية حياة سياسية جديدة تلائم المرحلة الانتقالية”.
ولمَ استبعاد الاقتراع المباشر كآلية لاختيار أعضاء البرلمان؟ يكرر الدغيم الحجج نفسها: “صعوبة توفير إحصاء شامل ودقيق للناخبين فى هذه المرحلة الانتقالية من عمر الدولة السورية، لا سيما بعد عمليات النزوح من منطقة لأخرى، أو نتيجة لعمليات اللجوء خارج الدولة التى قام بها الملايين من السوريين في عهد الأسد، وفقدان الكثير من السوريين داخل المعتقلات، وفقدان الوثائق والمستندات الخاصة بالعديد منهم في سنوات الصراع، الأمر الذى يجعل من عملية وضع قوائم انتخابية لمن يتمتع بالحق في الاقتراع غاية في الصعوبة وعدم الدقة، فضلاً عن صعوبات لوجستية قد تواجه تنظيم عملية الاقتراع لتشمل السوريين خارج سوريا”.
إقصاء المواطن العادي
ماذا إذاً عن الديموقراطية؟ يجيب المحلل السياسي الدكتور عبدالله الأحمد سؤال “963+”، قائلاً: “في الأنظمة الحديثة، لا تُقاس الديموقراطية بعدد المشاركين في العملية الانتخابية، بل تقاس بتمثيلهم الحقيقي للفئات الفاعلة في المجتمع”. ويضيف مؤيداً الدغيم وحججه: “الهيئات الناخبة تضمن تمثيلاً للمهنيين والعمال والمزارعين والتجار، بعيداً عن العصبيات والمحسوبيات”. وهذا ما تفنّده الصحفية رنا مصطفى المتخصصة في الشأن البرلماني، إذ تقول لـ “963+”: “إن العملية الانتخابية من خلال الهيئات الناخبة، من دون اقتراع شعبي مباشر، تُبعد المواطن العادي عن المشاركة السياسية، فتتحول معها العملية إلى انتخابات داخلية بين نخب محددة، وغالباً ما تكون هذه الهيئات والنخب خاضعة لتوجهات رسمية، وهذا يقلل من التعددية ويضعف التمثيل الحقيقي”.
ويُجمل رأي مصطفى توجه المعارضة داخل الطيف السياسي السوري وخارجه، التي تنتقد الانتخابات غير المباشرة، وترى أنها تكرار لأساليب نظام الحكم السابق بطرق جديدة. وبحسب هذه المعارضة، الهيئات الناخبة لا تمثل الشعب بشكل مباشر، إنما تعزز سيطرة السلطة التنفيذية من دون انتخابات حرة.
ويعقب الكاتب نضال محمود، في تصريحات لـ “963+”، قائلاً: “هذا النظام الانتخابي الذي يعتمد الهيئات الناخبة من دون اقتراع مباشر، معتمد في دول مثل الصين وكوبا، التي تحكمها أنظمة ذات طابع حزبي موحد أو مركزي، وفيها تختار مجالس محلية وهيئات ناخبة موالية للحزب الحاكم ممثليها في البرلمان الأعلى. وبالتالي، هذا النظام الانتخابي لا تعتمد أنظمة حكم تسعى إلى توسيع المشاركة الشعبية المباشرة”.
أزمة ثقة متجددة
في سياق هذا الجدل، يتوقف محللون عند التجربة الميدانية في بعض المحافظات، والتي كشفت عن قصور بنيوي في هذا النظام، أبرزها تجربة دير الزور. ويقول المحلل السياسي نجم صقر لـ”963+” إن انتخابات مجلس الشعب في محافظة دير الزور جسدت عمليًا المخاوف التي أثارها معارضو النظام الجديد، “إذ أعادت إنتاج المشهد القديم بثوب جديد، فغابت الكفاءات وهيمنت الولاءات العشائرية التي رسخها النظام السابق عقوداً طويلة، لتصبح العشيرة هي الحاضنة السياسية والاجتماعية التي تحدد خيارات الناخبين، في غياب واضح للرؤى والبرامج الانتخابية”.
ويضيف صقر: “ما جرى في دير الزور يسلّط الضوء على خلل جوهري في آلية التمثيل من خلال الهيئات الناخبة، حيث تحوّلت العملية إلى منافسة بين ولاءات عشائرية ومناطقية أكثر من كونها استحقاقاً ديموقراطياً”، منتقداً نظام القوائم المغلقة الذي فُرض في بعض الدوائر، “لأنه يقوض مبدأ المشاركة العادلة ويُقصي شرائح اجتماعية واسعة، وضعف الإقبال الشعبي وابتعاد الكفاءات الحقيقية يعكسان أزمة ثقة عميقة بالعملية الانتخابية”.
ويختم صقر بالقول إن انتخابات دير الزور عكست بوضوح استمرارية نفوذ فلول النظام السابق بوجوه جديدة، مستفيدين من الإرث العشائري الذي أعاد تدوير البنى التقليدية في قوالب سياسية جديدة، “فما حدث ليس سوى امتداد لاحتكار السلطة بأساليب مختلفة، وعلى أبناء المحافظة وسوريا عموماً تجاوز العصبيات والانقسامات والعمل تحت مبدأ وطني جامع يُعيد للانتخابات معناها الحقيقي، أي وسيلة للتغيير لا لإعادة إنتاج الواقع القديم”.
تجربة تحتاج تقييماً!
يقول الصحفي محمد رياض إن الانتخابات التشريعية في سوريا هي الأولى من نوعها بعد سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024، وتأتى ترجمةً لما نص عليه الدستور المؤقت (مارس 2025).
ونص الدستور على إنشاء مجلس شعب مؤقت، وانعكاساً كذلك للمرسوم الرئاسي الذي أصدره الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في (13 يونيو 2025)، الخاص بتشكيل اللجنة العليا للانتخابات التشريعية وتتكون من (11) عضواً وتتولى مهمة تشكيل اللجان الانتخابية الفرعية (عضوية 3 أفراد على الأقل وفقاً لشروط محددة)، وتشكيل هيئات ناخبة في مناطق تلك اللجان داخل كل محافظة، تضم كل هيئة حوالى (30 – 50) عضواً لكل مقعد، وتخصص نسبة 20% من أعضاء الهيئات الناخبة للنساء، وقد ضمت تركيبة اللجان الناخبة مستويين، الفئة الأولى هي الأعيان، وهم وجهاء المجتمع المحلي في المدن والقرى، ممن يتمتعون بشرعية اجتماعية واسعة، ويُشترط أن يكونوا من حملة الشهادة الثانوية على الأقل، وشكلت نسبتهم 30 في المائة من أعضاء اللجان، أما الفئة الثانية فهي الكفاءات، التي تضم الأكاديميين والخبراء وممثلي النقابات المهنية، وشكلت 70 في المائة، على أن يكونوا من حملة الشهادات الجامعية أو ما يعادلها، وقد تم تغيير بعض أعضاء هذه اللجان بناءً على طعون تقدم بها مواطنون.
ويضيف رياض لـ”963+”، بين من يراها تجديداً مؤسساتياً، ومن يصفها بأنها تراجع ديموقراطي، تبقى انتخابات مجلس الشعب عبر الهيئات الناخبة تجربة فريدة في السياق السوري، تحتاج إلى تقييم موضوعي شفاف يوازن بين التمثيل المتخصص وحق المواطن في المشاركة المباشرة في صناعة القرار الوطني.
+963
——————————
الانتخابات البرلمانية الأولى ما بعد الأسد… هل لبّت طموح السوريين؟/ جعفر مشهدية
الاثنين 6 أكتوبر 2025
وصف متابعون للشأن السياسي السوري، الانتخابات البرلمانية الأولى في البلاد ما بعد إسقاط نظام الأسد، والتي أُجريت في 5 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، بأنها “الأكثر حساسيةً في تاريخ البلاد”، وذلك لأنّ من شأنها -كما يتوقعون- أن تكشف مدى قدرة الإدارة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، على إدارة أول خطوة تواجهها في المسار الديمقراطي، والتي تأتي في وقت تغرق فيه البلاد في بحر من التخبّطات الأمنية والسياسية، وفي ظل غياب الثقة بين بعض المكوّنات (خاصةً العلويين والدروز والكُرد)، في عهد السلطة الحالية.
أُجريت الانتخابات بصيغة الاقتراع غير المباشر، بحيث يعيّن الشرع ثلث أعضاء البرلمان (70 عضواً)، فيما تقوم لجان انتخابية عيّنها الشرع أيضاً، باختيار الثلثين الآخرين (140 عضواً)، بما يُخرج قرابة ثمانية ملايين سوري -بين لاجئ ونازح- من حسابات الاستحقاق الانتخابي. كذلك، تسببت الأزمات الأمنية في محافظات الجنوب، ولا سيما السويداء وشمال شرقي البلاد والساحل، في تعقيد تنظيم الاقتراع في الساحل، وإلغائه في السويداء ومناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
وفي حين ملَّ السوريون خلال سنوات حكم الأسد “الأعراس الانتخابية” التي كانت تعتمد على “ثقة القيادة” وقوائم حزب البعث المُغلقة عليه وعلى حلفائه، كانوا يأملون أن تكون الانتخابات النيابية الأولى بعد إسقاطه انتخابات حقيقيةً تعكس صوت الشارع عبر اقتراع المواطنين كي لا يتكرّر نموذج “مجلس المصفقين” و”الموافقة بالإجماع” من العهد السابق.
في هذا التقرير، يرصد رصيف22 أبرز مشاهد أول انتخابات برلمانية في “سوريا الجديدة”، وآراء بعض المواطنين فيها ومدى تلبيتها لتطلعاتهم.
خلفية المشهد الانتخابي
في 13 حزيران/ يونيو 2025، أصدر الرئيس الشرع المرسوم رقم (66) الذي يقضي بتشكيل اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، وذلك استناداً إلى أحكام الإعلان الدستوري، ولا سيّما المادة 24 منه. نصّ المرسوم على تشكيل اللجنة برئاسة محمد الأحمد، وعضوية كل من: حسن الدغيم، عماد برق، لارا عزوقي، نوار نجمة، محمد علي محمد ياسين، محمد ولي، محمد كمالة، حنان البلاغي، بدر الجاموس، وأنس العبدة. وأشار المرسوم إلى أنّ مهمة اللجنة العليا تتمثّل في الإشراف على تشكيل هيئات فرعية ناخبة، تنتخب بدورها ثلثَي أعضاء مجلس الشعب.
لاحقاً، في نهاية آب/ أغسطس الماضي، أصدرت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب السوري، قراراً يقضي بتكليف نقابة المحامين بتعيين مراقبين قانونيين في 60 دائرةً انتخابيةً موزعةً على المحافظات، موضحةً أنّ الهدف من انتداب المحامين “ضمان سير العملية الانتخابية وفق الأصول القانونية”.
كما أعلنت عن تشكيل لجان إشراف وتنسيق لضمان “نزاهة العملية الانتخابية”، وذلك استناداً إلى المرسوم الرئاسي رقم 66، والنظام المؤقت للانتخابات. وبحسب ما نشرت اللجنة على قناتها في تلغرام، فإنّ اللجان تشمل شخصيات من مختلف المناطق الجغرافية، موزّعة على ثلاث مجموعات تغطّي محافظات الجنوب والوسط والشمال، بهدف “تنظيم العمل وضمان الشفافية والتمثيل المتوازن” في الانتخابات المقبلة، وغاب الحديث عن وجود مراقبين دوليين.
وقال عضو مسؤول الاتصال الجماهيري في اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، حسن الدغيم، عبر منصة إكس، في 29 أيلول/ سبتمبر الماضي، إنّ “اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب وبعد أن انتهت من مرحلة تشكيل اللجان الفرعية، وبدورها انتهت اللجان الفرعية وبإشراف اللجنة العليا من اختيار أعضاء الهيئات الناخبة، وبعد تجاوز مرحلة الطعون القضائية من جهة، ومرحلة تحقيق التوازن (لاعتبارات التوزع السكاني، والاختصاص الكفائي، والتنوع الثقافي) من جهةٍ ثانية، وبعد إصدار قائمة المرشحين والتي تجاوزت 1،500 مرشح،️ أنوّه باعتباري مسؤول الاتصال الجماهيري بعدم صحة الشائعات حول تزكية اللجنة العليا لمرشحٍ من المرشحين دون غيره أو اعتمادها قائمةً طالت أو قصرت، أو تقديمها، أو توصيتها لمرشح على حساب مرشحٍ آخر، وكل ما يردّد ويتناقل على هذا المنوال كثر أو قل غير صحيح البتة. تقتصر مهام اللجنة العليا للانتخابات على توفير ظروف متساوية ومتكافئة للمرشحين، التزاماً منها بالنظام الانتخابي المؤقت وتعليماته التنفيذية”.
وتنافس في هذه الانتخابات 1،578 مرشحاً، 14% منهم نساء، وفق اللجنة العليا للانتخابات، ووفق نظام انتخابي يشترط ألا يكون بينهم أيّ من مؤيّدي النظام السابق، أو أيّ من الداعين للتقسيم أو الانفصال، أو الداعمين لتنظيمات إرهابية، أو من ترشّحوا في الانتخابات خلال سنوات ما بعد ثورة عام 2011.
وفي تصريحات إعلامية، قال المتحدث باسم اللجنة العُليا لانتخابات مجلس الشعب السوري لوسائل الإعلام، نوار نجمة: “راعينا كل مكونات الشعب السوري في تشكيل الهيئات الناخبة لكونها مختارةً اختياراً، ولدينا السيطرة على عملية اختيارها، فكان لا بد من أن يكون الاختيار عادلاً لكل المكونات والطوائف والأقليات، وحرصنا حرصاً شديداً على التمثيل الحقيقي لها. مسألة المرأة كانت شديدة الأهمية للّجنة، لا بُدّ من مشاركة حقيقية للمرأة. لم نكتفِ بوجود 20% من الهيئات الناخبة، بل تجاوزنا هذا الرقم في عدة محافظات، بالإضافة إلى محاولة توعية شعبية كبيرة لأهمية دور النساء في المرحلة القادمة”.
“خارج اهتمامات الشعب”
يرى الصحافي والناشط فيصل أبو ناصر من السويداء، أنّ من الإيجابيات التي صاحبت هذه الانتخابات “إنشاء موقع إلكتروني يتضمّن شرحاً تفصيلياً للعملية الانتخابية، مع زيادة مساحة الحديث عنها على شاشات التلفزة”. مع ذلك، لا يرى أنها تختلف عن الانتخابات السابقة في سوريا من حيث أنها تأتي في “آخر اهتمامات الناس” الذين ينشدون الاستقرار والهدوء أكثر من أي شيء آخر.
ويتابع أبو ناصر، في حديثه إلى رصيف22: “مشكلة الانتخابات النيابية في سوريا تكمن في جوهرها، فإذا لم تتم على مبدأ سوريا دائرة واحدة، لن يوجد ضمان لعدم وجود فساد أو مال سياسي، فكيف في الوضع السوري الحالي الذي لا يزال يعتمد على المناطقية التي ستفضي إلى لون واحد حكماً؟ هذا المجلس شبيه بالمجلس السابق لأنه لا يزال بالتعيين أو التزكية ولو بقالب مختلف عمّا كان عليه زمن الأسد”.
فضلاً عمّا سبق، يعتقد أبو ناصر أنّ “غياب الحالة السياسية من شأنه أن ينتج ما نحن عليه اليوم، حيث تتركّز السير الذاتية للعديد من المرشحين حول أنهم كانوا معارضين للأسد. ماذا يعني ذلك؟ وبماذا قد يفيدني ذلك كمواطن؟ هل يكفي أن تكون معارضاً للأسد لتكون في هذا الموقع؟”.
“الاستحقاق استحقاق، ويمكن إقامته برغم كل التحديات. لكن يجب أن يقام وفق حلّ سياسي قائم على حوار وطني يشارك فيه الجميع، فتجري انتخابات في السويداء مثلاً، لكن يجب فك الحصار عنها أولاً. ما أراه أنّ هذه الانتخابات تشبه آخر انتخابات أجراها النظام السابق، ولا تعنيني شخصياً”، يعقّب.
“لا تجوز تسميتها انتخابات”
على الجانب الآخر، يقول عضو لجنة التواصل في الكتلة الوطنية السورية، طارق الأحمد، لرصيف22، إنّ “هناك اختلافاً جوهرياً وكبيراً بين الانتخابات الحالية وسابقاتها، وهو لا ينطوي على شهادة للنظام السابق أو لغيره. فكلمة انتخابات، بغض النظر عما إذا كانت مزوّرةً أو غير مزوّرة، تتطلّب وجود صناديق اقتراع وناخبين، وما يجري اليوم ليس انتخابات ولا تجوز تسميته كذلك، بل هو حالة تعيين رسمي من خلال لجنة تُعيّن من قبل رئيس السلطة الانتقالية”.
ويشرح الأحمد أنّ حديثه لا يعني مدح نظام أو مهاجمة آخر، وإنما توضيح كيف أن هذه الحالة الانتخابية “لا تمثّل طموح الشعب السوري ولا الحالة الدستورية”، حتّى أنه ينبّه إلى حدوث “عملية استيلاء على إرادة الناس في سوريا، تقترب من عام كامل. ماذا يريد الشعب؟ يريد أن يشعر بمواطنته، ولا نرى اليوم سوى الطائفية، وحالات شكلية كالإعلان الدستوري، والحوار ومجلس شعب، وغير ذلك من أشكال ترقيع الطائفية”.
كما يلفت القيادي في الحزب السوري القومي الاجتماعي، إلى أنه “لا تجب المقارنة بين الحالة اليوم والحالة في زمن النظام السابق، فهذا يصبّ بشكل أو بآخر في مصلحة النظام السابق برغم كونه دكتاتورياً استبدادياً سلطوياً، وبرغم ذلك كانت هناك دولة واليوم لا توجد دولة. النظام السابق جمّد الحالة السياسية وأوقع البلاد في حالة الموت السريري، أما السلطة الجديدة فحكمت بإعدام الحالة السياسية، وهو ما أتبعته بحالة تجييش ضد كل من ينادي بالعمل السياسي والحريات، ولو تُركت للحالة السياسية حرية الحركة والعمل لما وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم”.
وعن ظروف إقامة هذه الانتخابات، يقول الأحمد إنّ الأمر لا يتعلّق بالتوترات الأمنية، بل بالحاجة إلى وجود حلّ سياسي لوضع سوريا، فـ”اليوم، يوجد نظام أمر واقع لا يتمتّع بالشرعية الشعبية والدستورية والسياسية، وإنما بتغطية إقليمية ودولية، وتالياً الدخول في تفاصيل الجزئيات لا يصحّ ويجب الوصول إلى حل سياسي يُعيد تشكيل النظام السياسي بشكل قائم على القرار 2254. وعليه، لا يصحّ إجراء انتخابات”.
“برلمان مرحلي ديكوري”
ويسلّط المحلل السياسي، علاء محمد، الضوء في حديثه إلى رصيف22، على أوجه التشابه والاختلاف بين المجالس النيابية في العهد السابق واليوم، قائلاً: “في كليهما، لا كلمة للشعب. وفي الحالتين، هناك نسبة تنجح دون جهد، كان اسمها سابقاً قائمة الوحدة الوطنية، واليوم اختيارات الرئيس. والاختلاف الوحيد هو في الطريقة. فسابقاً كان البعث يختار كل المرشحين عبر اقتراع مباشر وهمي. أما اليوم، فالسلطة تختار المرشحين عبر اقتراع غير مباشر”.
ويخلص محمد مما سبق إلى أنّ “هذا المجلس لا يمثّل ولا يقترب من تمثيل طموحات الشعب السوري، وسيكون برلماناً مرحلياً ديكورياً لملء فراغ سياسي”، معرباً عن خشيته أن يكون “برلمان القرار الواحد برغم وجود أعضاء من كل الأطياف”، لأنهم برأيه “يتبعون لوناً سياسياً واحداً، ولا يوجد بينهم معارض حقيقي واحد”، تماماً كما كان يحدث سابقاً.
غياب عملية سياسية فعّالة في مسار الانتخابات اليوم، لا يجده محمد مشكلةً، باعتبارها “مرحلةً مؤقتةً”، خاصةً أنّ الحياة السياسية تنشط عند الاضطرابات، وشمال شرق البلاد خارج السيطرة والجنوب كذلك، وفي السويداء هناك مطالب بفدرالية أو استقلال، وفي الساحل لا توجد رغبة في المشاركة في هذه الانتخابات لو تُرك القرار للشعب هناك، على حد قوله. غير أنه يشدّد على أنّ “هذا النمط من الانتخابات لا يسمح بوجود تنافس. على سبيل المثال: في منطقتي لا نشعر بوجود انتخابات، بل نسمع عن مرشحين نجحوا قبل صدور النتائج”.
“كومبارس وشهود زور”
من جهتها، تلفت سميرة الشيخ إبراهيم، من حمص، إلى أنّ “جزءاً بسيطاً من الشعب اليوم يختار ممثلي كل الشعب. فإن كان النظام السابق قد اختصر دور الشعب في أن يكون مجرّد كومبارس أو شهود زور لا أكثر في العملية الانتخابية، فالنظام الحالي عدّ الشعب قاصراً وغير مؤهّل لاختيار مرشحيه أصلاً”.
وتضيف في حديثها إلى رصيف22، أنّ “الآليات غالباً ما تعكس الوظيفة والهدف منها، لذلك إن كنا نتحدّث عن شعب ثار ليكون هو صاحب السلطة الفعلية، فكيف لشكل الانتخابات الحالي -الذي يستبعد دور الشعب- أن يقارب أدنى طموحاته؟”.
وعن الخوف من اللون السياسي الواحد في مجلس الشعب، تقول إبراهيم: “لم يكن العيب في مجلس الشعب سابقاً أنه يمثّل لوناً واحداً حيث كان البعث يقود تحالفاً من قوى سياسية (أحزاب الجبهة)، ودينية (تيار وزارة الأوقاف)، واقتصادية (تجار وصناعيي دمشق وحلب)، وأهلية (أعيان القرى وشيوخ العشائر). وعليه، كان العيب في مجلس الشعب عبر تاريخ سوريا في أنه مؤسسة تجمع ممثّلي أصحاب السلطة والمال، لا ممثّلي الشعب، لأنّ فوز النائب بمقعده ليس بيد ناخبيه، بل بيد شبكة من المصالح والزبائنية، ما يعني أنّ اختيار النواب من قبل لجان لن يكون وسيلةً ناجعة. فالنائب لن يحرص على مصالح الشعب بقدر ما سيحرص على مصالح من اختاره، ما يعني أن يبقى المجلس وفياً لتلك التزكيات والتوصيات العليا التي تنتجه”.
وتردف إبراهيم: “مشكلة السوريين عامةً بل حتى بعض نخبهم هي أنهم لا يقرنون بين ما هو سياسي (كحريات وأحزاب)، وما هو معيشي (كخدمات وحاجات أساسية)، وهو ما يحوِّل مجلس الشعب إلى مجرّد مكان تُلقى فيه الخطب دون التطرّق إلى المشروع الذي تصوغه عادةً الأحزاب السياسية وتناضل لتحقيقه”.
لهذا، ترى إبراهيم أنّ غياب الصراع السياسي على السلطة في سوريا يعني أن يرتدي كل صراع أثواباً أخرى، دينية أو قومية، ومن هنا يكون الأسلوب الحالي لاختيار أعضاء المجلس معززاً لهذه القطيعة بين الفكر والفعل، فيَعِدُ كل مرشح بما لا يستطيع، مُضمِّناً برنامجه شعارات مطّاطةً وكلمات مقتضبةً، دون أن يقدّم برنامجاً حقيقياً، لفقره السياسي من ناحية، وغياب المحاسبة من ناحية أخرى، على حد قولها.
خطورة هذا الوضع في ظل غياب التنافس الحزبي على مقاعد المجلس، وغياب الأحزاب عن البرلمان، تلخّصه إبراهيم في غياب أيّ تكتل وازن ضد السلطة التنفيذية التي تقود المرحلة الانتقالية، ما يؤدي إلى أن تجابه هذه السلطة أفراداً لا جماعات، كما حدث في مؤتمر الحوار وفي تشكيل الحكومة، إذ تصرّ الإدارة السورية على أن تتصرف ككتلة، وأن يتصرف الآخرون كأفراد.
بوجه عام، تعتقد إبراهيم أنه “لا يمكننا تصوّر انتخابات سليمة في دولة لم يستقرّ فيها الحكم بعد، فنحن أمام انتخابات تديرها سلطة مطعون في شرعيتها أصلاً، لذا كان من الأجدى لو تم تأجيلها حتى يتم الاتفاق على المشكلات كافة، ومنها شكل سوريا نفسه، أو لو تم ترك كل منطقة تفرز مجلساً منتخباً وفق ظروفها بما يضمن تمثيلاً عادلاً لجميع المكونات”.
أي دور للمرأة؟
وعن دور المرأة في مجلس الشعب القادم، تلفت إبراهيم إلى أنه “ليس واضحاً بعد”، معربةً عن اعتقادها بأن يكون وجودها في الحكومة “من باب تجميلي لا أكثر حيث لم نلحظ للوزيرة الوحيدة أي دور في ما يخصّ القضايا الأساسية التي تواجه المرأة السورية، كقصص الاختطاف والاغتصاب وما شابه، ولم نسمع من إحدى المرشّحات أي حديث بخصوص قضايا كهذه. لذلك، لا يوجد خطاب سياسي نسوي في سوريا، بل سيدات يبحثن عن دور في ظلّ حاجة السلطة إلى إكسسوارات لا غنى عنها أمام الخارج”.
يتفق مع ذلك الحقوقي معتصم الكيلاني، الذي يرى أنّ “المرأة السورية هي من يجب أن تقود عملية الانتقال في سوريا، كما قادتها طوال 14 عاماً من الصراع لا أن نعدّها شريكاً أساسياً فقط في التحوّل الوطني”، ويؤكد أنّ “مجلس شعب لا يتضمّن 50% من المشاركة النسائية، لا أعدّه منصفاً بحق المرأة السورية على الإطلاق، ولا بحق تضحياتها. نحن بحاجة إلى تشريعات جديدة تُرسّخ العدالة الجندرية وتكفل تمثيلاً حقيقياً للنساء في المؤسسات المنتخبة، المهم أن تتأسس البنية القانونية الدستورية التي تسمح للمرأة بأن تكون في موقع القرار، لا في موقع الرمز”.
كذلك، يشدّد السليمان على أنّ “دور المرأة لم يصل إلى المستوى الذي نطمح إليه. لكن هذا متعلّق بالثقافة العامة”. لكن بحسب علاء محمد: “تبقى الحالة الجيدة هي وجود المرأة في هذه الانتخابات برغم عقلية الحكم الحالي”.
“مقارنات غير أخلاقية”
في غضون ذلك، يصف المحلل السياسي بسام السليمان، المقارنة بين الانتخابات الحالية وسابقاتها بأنها “غير جيدة وغير أخلاقية”، قائلاً لرصيف22، إنّ “من لم يلمس الفرق في فلسفة الدولة في التعامل مع الناس والاستحقاقات الوطنية، لديه مشكلة”، برغم اعترافه بأنّ “الشكل الانتخابي الحالي لا يمثّل الشكل الأفضل لتطلعات الشعب”.
ويستدرك السليمان: “نحن أمام فراغ في السلطة التشريعية وحالة صعبة خلّفها النظام السابق، تحاول الحكومة الحالية التكيّف معها قدر الإمكان. وبخصوص المخاوف من فكرة اللون الواحد، فالباب مفتوح للجميع”، مردفاً: “في حال كانت هناك مشكلة في تمثيل أي لون سوري، فهذه وظيفة الثلث المعيّن من قبل الرئيس ليشمل كل أطياف الشعب”.
يذهب السليمان أبعد من ذلك باعتباره أنّ “الانتخابات الحالية تضمن وجود تنافس. فاختيار المرشحين يتم بعملية دقيقة لا يمكن معها التعيين الفوري، ومن تم اختيارهم سيصوّتون على المرشحين”.
يشدّد السليمان أيضاً على أنّ التوترات الأمنية لا ينبغي أن تكون ذريعةً لـ”تعطيل مسار بناء الدولة”، مستدركاً: “لا يمكن انتظار أن يرضى الجميع بالمشاركة، فهذه مشكلة وسط وجود فراغ”.
“فرصة حقيقية والحكم على النتائج”
من درعا، يقول عقبة محمد، لرصيف22، إنه يعتقد أنّ لدى الناس في سوريا الآن فرصةً حقيقيةً للمشاركة في “انتخابات نزيهة، لكن الحكم يبقى على النتائج. الشعب السوري يطمح إلى الكثير من الأشياء، في حين أنّ البلاد تمر بمرحلة انتقالية مليئة بالمشكلات والتحديات. بالرغم من ذلك، أرى أنّ الكثير من الناس من المشاركين في الانتخابات يصفون الأمور بالإيجابية أكثر من السلبية”.
ويوضح عقبة: “لا نريد أن يكون مجلس الشعب عبارةً عن مظاهر وزعامات ومحاصصات… إلخ. نريد أن نرى مشاريع سياسيةً وطنيةً حقيقيةً تُتبنّى وتُناقَش وتُقبَل وتُرفَض، وأن يكون للمجلس دور حقيقي في اتخاذ قرارات مهمة كالاتفاق مع إسرائيل، أو شكل العلاقات معها في المستقبل، وغيرهما من المسائل”.
“خطوة نحو العدالة الانتقالية”
برغم تحفّظه على الشكل الحالي، يصف الحقوقي معتصم الكيلاني، في حديثه إلى رصيف22، الفارق بين الانتخابات النيابية الحالية والسابقة بأنه “جوهري. الانتخابات السابقة كانت تُدار ضمن نظامٍ مغلق، أما اليوم فهي خطوة في مرحلة العدالة الانتقالية، نحو نظام سياسي تعددي يعبّر عن إرادة الناس إذ تُعدّ مقدمةً عمليةً نحو الانتخابات المباشرة من الشعب السوري التي نطمح إليها جميعاً”.
ويتابع الكيلاني: “بواقعية قانونية، أرى أننا لا نستطيع الانتقال من نظام ديكتاتوري أحادي الحزب إلى نظام ديمقراطي انتخابي متكامل بين ليلة وضحاها. لذلك، لا بأس أن نمرّ بهذه التجربة كمرحلة تأسيسية، والمهم أن تُكرّس مبدأ الدستورية في سوريا، وتعيد بناء نظامٍ تشريعي يمنح شكلاً قانونياً جديداً للدولة في هذه المرحلة الانتقالية”.
ويصرّ على أنّ “الواقعية السياسية تفرض أن نبني الديمقراطية تدريجياً، لا أن نسقط في فراغ مؤسساتي. ما يهمّ الآن هو تثبيت القاعدة الدستورية وبناء مؤسساتٍ تشريعية تُرسّخ المسار الديمقراطي، لتكون الانتخابات القادمة -بعد خمس سنوات مثلاً- حرةً، ونزيهةً، ومباشرةً”.
إلى ذلك، يبقى الحكم على أول “مجلس شعب” ما بعد إسقاط الأسد، رهين التجربة التي لم تتضح معالمها كاملةً بعد.
رصيف 22
——————————
تقرير: من اللاذقية إلى جرمانا.. الأقليات بين المشاركة الحذرة والخيبة السياسية
6 أكتوبر 2025
تُسلّط وكالة “أسوشيتد برس” الضوء في في هذا التقرير على الانقسامات التي تشقّ المكوّنات الدينية والعرقية في أول انتخابات برلمانية تُجرى بعد سقوط نظام الأسد. وبينما حاول بعض أبناء الأقليات كالعلويين والدروز والمسيحيين والأكراد خوض التجربة أملًا في انتزاع موقع داخل النظام السياسي الجديد، ظلّ آخرون على الهامش، يخشون المشاركة أو يشكّكون في جدواها.
تشير “أسوشيتد برس” في مقدمة تقريرها إلى أن الأقليات الدينية والعرقية انقسمت قبيل أول انتخابات برلمانية بعد الإطاحة بالرئيس المخلوع بشار الأسد، إذ بينما اختار البعض المشاركة في التصويت أمس الأحد، فإن قلة منهم تمكنت من الانضمام إلى النظام السياسي الجديد في البلاد، وفقًا للنتائج الأولية.
تقول الوكالة إنه بعد الإطاحة بنظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر في هجوم شنته فصائل المعارضة، شهد العلويون انقلابًا صارخًا في أحوالهم، لا سيما في منطقة الساحل. فقد انهار الجيش، الذي كان الكثير منهم قد التحق به، وقامت السلطات الجديدة بفصل موظفي المؤسسات الحكومة في عهد الأسد، خاصة العلويين.
وتعيد الوكالة التذكير بأنه في آذار/مارس الماضي، شنّت جماعات مسلحة موالية للأسد هجمات على قوات الأمن الداخلية في المنطقة الساحلية. وتطورت الاشتباكات إلى هجمات انتقامية طائفية قتل فيها مقاتلون موالون للحكومة الجديدة مئات المدنيين العلويين. وبعد أشهر، يقول علويو اللاذقية إن الوضع الأمني قد استقر وأنهم يتعايشون في الغالب مع السلطات الجديدة، لكنهم ما زالوا حذرين.
البحث عن عقد اجتماعي جديد
وفقًا لـ”أسوشيتد برس”، في قاعة اجتماعات في مكتب محافظة اللاذقية، كان عدد قليل من المرشحين العلويين بين الحشد، أمس الأحد، ينتظرون مسؤولي الانتخابات وهم يقرأون أسماءهم من بطاقات الاقتراع ويحصون الأصوات على لوحة. قالت إحداهن، ريم كحيلة، وهي صيدلانية شابة، إن المشاركة في الانتخابات كانت قرارًا صائبًا، مضيفة “في النهاية، نحن مكون من مكونات سوريا”.
من جانبه ناصر سعيد (65 عامًا)، الذي كان ناشطًا معارضًا خلال حكم عائلة الأسد الاستبدادي وقضى 14 عامًا في السجن، ترشح أيضًا، وهو أمر قال إنه “تعرض بسببه لاعتداءات من قبل العديد من الأشخاص” من طائفته. كما أعرب آخرون في حديثهم للوكالة ذاتها عن مخاوفهم على سلامته بعد مقتل المرشح العلوي حيدر شاهين في محافظة طرطوس المجاورة على يد مسلحين مجهولين في منزله قبل أيام من الانتخابات.
ووصفت اللجنة الوطنية للانتخابات ما حدث بأنه “عمل غادر من فلول النظام السابق”، ملمحةً إلى أن شاهين اغتيل على يد مسلحين موالين للأسد لترشحه في الانتخابات. أما سعيد، فقد أكد للوكالة أن هذا لم يزعجه، مضيفًا “أريد العمل مع جميع إخواننا في سوريا لإرساء عقد اجتماعي لبناء دولة”.
عندما تكون المشاركة “خيانة”
من جهته، قال أدهم القاق، أحد المرشحين الدروز عن ضاحية جرمانا بريف دمشق، لـ”أسوشيتد برس” إن قراره بالترشّح جعله موضع عزلة من بعض جيرانه: “يعتبرون وجودنا ضمن مؤسسات الدولة خيانة لهم”، يوضح القاق، الذي سُجن أيضًا سابقًا لمعارضته نظام الأسد، قبل أن يفرّ إلى مصر حيث أسّس دار نشر، ثم عاد إلى سوريا بعد سقوط النظام.
مرة أخرى، تُعيد الوكالة التذكير بأنه في يوليو/تموز، اندلعت اشتباكات بين جماعات مسلحة درزية وعشائر بدوية محلية في محافظة السويداء الجنوبية، نتيجة سلسلة من عمليات الاختطاف المتبادلة. ووفقًا للوكالة، تدخلت القوات الحكومية، ظاهريًا لفضّ القتال، لكنها انحازت فعليًا إلى البدو. في أحداث العنف التي أسفرت عن مقتل مئات المدنيين الدروز.
ولفتت الوكالة في تقريرها إلى مطالبة الدروز في السويداء في الوقت الحالي بالحكم الذاتي، بينما ذهب البعض منهم إلى المطالبة بالانفصال عن الدولة السورية. وفي ظل التوترات المستمرة، أُجِّلت الانتخابات في المحافظة.
وأشارت “أسوشيتد برس” إلى أن جرمانا لم تكن جزءًا من أعمال العنف، لكن العديد من سكانها تربطهم علاقات وثيقة بأهالي السويداء. وأضافت أن البعض ضغط على القاق لسحب ترشحه، لكنه قاوم، قائًلا إنه يرى أن الدروز “يجب أن يساهموا بطريقة أو بأخرى في بناء الدولة”.
المشاركة رغم الشكوك
أعرب مروان زغيب، وهو مسيحي مرشح أيضًا في جرمانا، في حديثه لـ”أسوشيتد برس” عن تشككه العلني في الانتخابات. وفقًا لنظام الانتخابات، سيتم شغل ثلثي المقاعد البالغ عددها 210 مقاعد من خلال تصويت الهيئات الانتخابية في كل دائرة، على أن يعين الرئيس أحمد الشرع، الذي قاد الهجوم الذي أطاح بالأسد، الثلث المتبقي.
يرى زغيب أنه من المفترض أن يعمل البرلمان الجديد على وضع قانون انتخابات جديد وتمهيد الطريق لإجراء تصويت شعبي، معتبرًا أن الانتخابات التي نُظمت أمس الأحد “ليست شيئًا يُمكن وصفه بانتخابات حقيقية”. وأضاف: “لكنني أعتقد أن التواجد في قلب الأحداث أفضل من الغياب”.
في المقابل، أشارت الوكالة إلى أن المرشحين الكرد في منطقة عفرين شمال سوريا واجهوا معضلة مماثلة. وأضافت أن الكرد الذين بقيوا في المنطقة، بعد سيطرة فصائل الجيش الوطني وانسحاب مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، اشتكو من التمييز. ولفتت إلى أنه رغم عدم إجراء الانتخابات في شمال شرق البلاد الخاضع لسيطرة “قسد”، إلا أن التصويت أُجري في عفرين.
بحسب الوكالة، قررت رنكين عبدو، وهي طبيبة كردية، الترشح، أملًا في تحسين ظروف الكرد. وقالت عبدو: “مقاطعة مراكز صنع القرار والحكومة لا تُحقق أي نتائج”، مضيفةً أن الصراع المسلح لا يُحقق أي نتائج أيضًا، مؤكدةً أن “الحل يجب أن يكون من خلال الحوار”.
خارج مركز الاقتراع، لم يكن لدى سوى قلة من سكان اللاذقية أي فكرة عن إجراء الانتخابات أمس الأحد. وفقًا لـ”أسوشيتد برس”، شكك الكثيرون عند إخبارهم بذلك، مثل صاحب متجر ملابس رجالية علوي، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته خوفًا من الانتقام.
وقال إن الوضع الأمني في اللاذقية تحسن في الأشهر الأخيرة، لكن ليس تمامًا. فقد دخل مسلحون متجره وأهانوه. كما اختُطفت ابنة أحد جيرانه. وعند فرز الأصوات، ذهبت جميع المقاعد الثلاثة في مدينة اللاذقية إلى مرشحين سنة. كما فشل المرشحون الدروز والمسيحيون من جرمانا في الحصول على مقعد في منطقتهم، التي تضم عدة ضواحي أخرى من دمشق.
وفقًا للنتائج الأولية، لم يفز سوى عدد قليل من النساء والأقليات بمقاعد على مستوى البلاد. أما في منطقة بانياس بطرطوس، موقع بعض أسوأ مجازر آذار/مارس، فاز مرشح علوي بالمقعد. وفي عفرين، فاز عبدو واثنان كرديان آخران.
قال زغيب، المرشح المسيحي في جرمانا، إنه يأمل أن يستخدم الشرع حقه في تعيين الثلث المتبقي من مقاعد مجلس النواب لضمان “مشاركة حقيقية لجميع مكونات شعبنا”. كما تعهد جمال مكيس، أحد المرشحين الفائزين في اللاذقية، بالدفاع عن “جميع المضطهدين من جميع الطوائف، سنة وعلويين ومسيحيين، فنحن واحد”.
وختمت “أسوشيتد برس” تقريرها بالإشارة إلى تقبل سعيد، المرشح العلوي من اللاذقية، خسارته بتفاؤل، مؤكدًا أنه لا يزال يؤمن بالعملية الانتخابية. يقول: “لم يحالفنا الحظ. ما زلنا في بداية الطريق، وأنا أتفهم ذلك”.
الترا صوت
———————————
سوريا: انتهاء تشكيل مجلس الشعب والبدء بفرز الأصوات
الأحد 2025/10/05
أعلن المتحدث باسم اللجنة العليا للانتخابات نوار نجمة، انتهاء عمليات تشكيل مجلس الشعب في جميع المحافظات السورية بما في ذلك العاصمة دمشق، وبدء فرز الأصوات من قبل اللجان الفرعية.
الطعون مستمرة
وأعلن عضو اللجنة العليا للانتخابات محمد ولي، انتهاء عملية التشكيل في محافظة إدلب من دون تسجيل اعتراضات أو طعون أو خروقات، كما انتهت عمليات الفرز في محافظة ريف دمشق، وجرى إعلان أسماء الناجحين بأصوات الهيئات الناخبة تباعاً، وكذلك في محافظة درعا.
وجرى الإعلان عن أسماء الفائزين بأصوات الهيئات الناخبة في عدد من أرياف المحافظات، بعد الانتهاء من فرز الأصوات، في تباين واضح بين الأرياف ومراكز المحافظات، بسبب تمديد عمليات التشكيل من قبل اللجنة العليا في بعض المدن الكبرى.
ونقلت “سانا” عن رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب محمد الأحمد، قوله إنه “تم تمديد عمليات الاقتراع في دمشق والمدن الكبرى في بعض المحافظات، فيما انتهت عمليات الاقتراع بريف دمشق وعدد من المراكز الأخرى في المحافظات”.
وأضاف الأحمد إلى أن لجان الطعون ما زالت تواصل أعمالها، مبيناً أن أي شكوى أو اعتراض على سير عملية التشكيل، سواء في الدعاية أو الاقتراع أو الفرز، يمكن تقديمه إلى اللجان المختصة اعتباراً من صباح غد الاثنين.
وانطلقت عملية تشكيل مجلس الشعب، صباح اليوم الأحد، على أن تعلن النتائج في اليوم نفسه، بعد الانتهاء من عمليات فرز أصوات الهيئات الناخبة. وبحسب اللجنة، فقد جرت العملية “في أجواء هادئة ومنظمة”، مع تسجيل نسب مشاركة مرتفعة في بعض المدن الكبرى.
حصص المحافظات
ووفق اللجنة العليا للانتخابات، فإن حصص المحافظات من المقاعد هي، 32 مقعداً لمحافظة حلب، و10 لدمشق، و12 لريف دمشق، ومثلهم لكل من حمص وحماة، و7 مقاعد ستذهب إلى اللاذقية، و5 لطرطوس، و10 لديرالزور، و10 للحسكة، و6 لدرعا، ومثلهم للرقة، فيما ستحصل السويداء والقنيطرة على 3 مقاعد لكل منهما.
ويتنافس 1578 مرشحاً، تشكل النساء 14 في المئة منهم، خلال عملية التشكيل للفوز بـ140 مقعداً من أصل 210 مقاعد في المجلس، أي الثُلثين، بينما سيقوم الرئيس السوري أحمد الشرع بتعيين الثلث الأخير، بمرسوم رئاسي.
ولم تجري عملية التشكيل بشكل مباشر عبر تصويت المواطنين السوريين لاختيار مرشحيهم، إنما من قبل هيئات ناخبة، وهم أشخاص جرى اختيارهم من قبل اللجنة العليا للانتخابات في 60 منطقة سورية. لكن مع تأجيل العملية في محافظة السويداء، فإن التصويت سيتم في 50 منطقة، بواسطة 6 آلاف عضو من أعضاء الهيئة الناخبة.
المدن
———————————–
سوريا: إعلان النتائج الأولية لتشكيل مجلس الشعب..النساء 3%
الاثنين 2025/10/06
أصدرت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب السوري النتائج الأولية لعملية تشكيل مجلس الشعب، للدوائر الانتخابية في المحافظات، وسط تمثيل متدني للمرأة بنسبة 3 في المئة فقط.
فتح باب الطعون
وأكدت اللجنة فتح باب الطعون على عملية التشكيل، تشمل الدعاية وعملية التشكيل وفرز الأصوات، وذلك حتى نهاية الدوام الرسمي من اليوم الإثنين. وأوضحت أن الطعن يحق “لكلّ ذي مصلحة الطعن في النتائج الأولية للفائزين في انتخاب أعضاء مجلس الشعب، ضمن دائرته الانتخابية التابعة له، أمام لجنة الطعون الخاصة بالمحافظة المعنية”.
وتأخر إعلان النتائج الأولية بسبب تأخر النتائج عن دائرة جبل سمعان في محافظة حلب، والتي خُصص لها 14 مقعداً من أصل 32 مقعداً مخصصاً للمحافظة كاملة، ليكون بذلك قد اكتمل فرز النتائج بشكل كامل عن 50 دائرة انتخابية.
سد الثغرات
وقال رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب محمد طه الأحمد، إن حصة المرأة لم تتجاوز 3 في المئة بعد عمليات الفرز، مشيراً إلى أن الرئيس الشرع سيعمل على تصويب الثغرات.
وأضاف الأحمد في مقابلة مع “تلفزيون سوريا”، أن “انتخابات أعضاء مجلس الشعب أجريت في 50 دائرة انتخابية من أصل 62″، وذلك نتيجة تأجيل العملية في مناطق شمال شرقي سوريا ومحافظة السويداء (12 دائرة).
وذكر أن عملية تشكيل مجلس الشعب “لم تواجه أي تحديات”. وأضاف “حرصنا على تمثيل جميع المكونات، كما حرصنا على أن يكون هناك تمثيل للمرأة في مجلس الشعب”.
وتابع: “مع الأسف، كانت حصة المرأة فقط 3 في المئة بعد عمليات الفرز”، مؤكداً أن الرئيس السوري أحمد الشرع “سيعمل على تصويب الثغرات”، وذلك من خلال اختياره لثلث الأعضاء، وفق ما نص عليه الإعلان الدستوري.
وتنافس 1578 مرشحاً، شكلت النساء 14 في المئة منهم، خلال عملية التشكيل للفوز بـ140 مقعداً من أصل 210 مقاعد في المجلس، أي الثُلثين، بينما سيقوم الرئيس الشرع بتعيين الثلث الأخير، بمرسوم رئاسي.
ولم تجري عملية التشكيل بشكل مباشر عبر تصويت المواطنين السوريين لاختيار مرشحيهم، إنما من قبل هيئات ناخبة، وهم أشخاص جرى اختيارهم من قبل اللجنة العليا للانتخابات.
———————————
سوريا: جدل حول آليات العملية الانتخابية… وبرامج المرشحين/ هبة محمد
أثارت آلية العملية الانتخابية، في ظل تغييب الأحزاب والقوى السياسية عن المشهد العام، جدلا في سوريا، فضلا عن برامج المرشحين.
وقال الكاتب والباحث السياسي أحمد جاسم الحسين إن آليات الانتخاب الحالية أثارت نقاشا واسعا في الأوساط السياسية والشعبية، إذ يرى بعض المراقبين أنه كان من الممكن اعتماد صيغة مختلفة، عبر انتخابات مباشرة وشاملة، غير أن أغلبية المتابعين يؤكدون أن الظرف السوري الراهن لا يسمح بأفضل مما جرى، نظرا لتعقيدات المرحلة.
الفئات المهمشة
وأوضح أن تشتت السوريين داخل البلاد وخارجها، وغياب قاعدة بيانات دقيقة أو إحصاءات سكانية محدّثة، إلى جانب ظروف الهجرة والنزوح القسري، جعلت الآلية الحالية هي الأنسب والأكثر واقعية في هذا التوقيت.
وأضاف أن هناك من اقترح أن يتم تعيين أعضاء المجلس من قبل رئيس الجمهورية بشكل كامل، غير أن الرئيس فضّل في هذه المرحلة أن يعيّن ثلث الأعضاء فقط، لضمان التوازن والتمثيل العادل.
وأعرب عن أمله في أن تشمل المقاعد التي سيُعيّنها الرئيس المرأة والشباب والفئات المهمشة التي لم تحظ بفرصة التمثيل، وكذلك بعض المناطق التي لم تتح لها المشاركة الفعلية في الانتخابات.
وأشار إلى أن المجلس الجديد يتوقع أن يكون مختلفا عن سابقيه، ولا سيما أن معظم الفائزين ينتمون إلى صفوف الثورة، معتبرا أن الانتخابات التشريعية تشكّل ركيزة أساسية في بناء الدولة، وجزءا من العملية الديمقراطية الجارية، ورسالة إيجابية جديدة تؤكد أن سوريا تسير في الاتجاه الصحيح نحو ترسيخ مؤسساتها المدنية.
وحول مسؤوليات البرلمان الجديد، ومدى قدرة أعضائه على ممارسة نشاطاتهم على الأرض، أوضح الحسين أن البرلمان المنتخب يتحمل مسؤوليات جسيمة، إذ يقع على عاتقه «تنظيف» التراث التشريعي من القوانين القديمة التي تداخلت فيها الاعتبارات السياسية والأيديولوجية، والتي شوهت مفهوم الدولة وأساءت لتاريخ سوريا.
وتابع أن مهمة المجلس تتمثل في تحديث المنظومة القانونية لتتوافق مع مفاهيم الدولة السورية الجديدة، ومع المعايير العالمية لبناء الدولة الحديثة، ومبادئ حقوق الإنسان، ومتطلبات العلاقات الإقليمية والدولية التي ترتبط بها البلاد.
وأكد أن المجلس يمتلك القدرة الكاملة على ممارسة دوره من خلال التواصل المباشر مع المواطنين، ومراقبة أداء الحكومة، وسنّ التشريعات الجديدة، داعيا أعضاءه إلى تجنب ما وقعت فيه المجالس السابقة من تطبيل أو عجز عن القيام بمهامها.
وشدّد على أن المجلس الحالي يمثل سلطة تشريعية مستقلة، وأن معظم أعضائه من أبناء الثورة الذين لهم الحق الكامل في المشاركة في إدارة شؤون الدولة، إلى جانب السلطات التنفيذية والقضائية وسواها.
وختم تصريحه بالقول إن «الكرة الآن في ملعب مجلس الشعب» وعليه أن يثبت قدرته من خلال تشكيل لجان متخصصة، اقتصادية وتربوية وتعليمية وثقافية ومالية، تتولى مراقبة أداء المحافظات والوزارات، ومتابعة ملفات الموارد المالية والنفطية، واقتراح تعديل القوانين أو سن تشريعات جديدة بالتنسيق مع رئاسة الجمهورية، مؤكدا أن المرحلة المقبلة تتطلب عملا جادا ومسؤولا لإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس سليمة.
وحول المستجدات السورية وتقدم المرشحين لعضوية المجلس التشريعي في ظل تغييب الأحزاب والقوى السياسية، قال السياسي السوري درويش خليفة لـ«القدس العربي» إن «الوضع الراهن فرض على المرشحين لعضوية المجلس التشريعي أن يقدّم كل منهم برنامجه الانتخابي بصفة فردية، في ظل تغييب الأحزاب والقوى السياسية عن المشهد العام» ولكن برأي المتحدث كان «من الأجدر إلغاء هذه العملية من أساسها، والاكتفاء بمرحلة انتقالية مدتها عامان يقودها مجلس دولة يضم عسكريين وأمنيين وسياديين إداريين، بحيث تُغطى خلال هذه الفترة الجوانب الخدمية والأمنية في آن واحد، مع التحضير لاستحقاقات انتخابية لاحقة تُبنى على أساس قانون أحزاب جديد وقانون انتخابات يشمل المجالس المحلية والبرلمان ورئاسة الجمهورية».
وقال: «يبدو جليا أن عددا كبيرا من المرشحين يخلط بين مهامه التشريعية وحدود صلاحياته، إذ يجهل كثيرون مضمون الإعلان الدستوري الناظم للعملية السياسية الحالية. فالمادة الثلاثون من الإعلان الدستوري لعام 2025 نصّت صراحة على أن صلاحيات المجلس تشمل اقتراح القوانين وإقرارها، وتعديل أو إلغاء القوانين السابقة، والمصادقة على المعاهدات الدولية، وإقرار الموازنة العامة للدولة، وإقرار العفو العام. كما تضمنت أيضا صلاحيات قبول أو رفض استقالة الأعضاء، ورفع الحصانة عنهم وفقا للنظام الداخلي، إضافة إلى عقد جلسات استماع للوزراء».
لكن المفارقة، وفق رأيه أن «معظم البرامج المنشورة على صفحات التواصل الاجتماعي للمرشحين تتحدث عن ملفات خدمية أو قضايا العدالة الانتقالية ومحاسبة مسؤولي النظام السابق، وهي خارج نطاق الدور التشريعي المباشر».
اللافت في هذا السياق، حسب رأي المتحدث «كان حجم الترشح من مدينة حلب، أو ما يُعرف بالقطاع الجغرافي جبل سمعان، حيث بلغت نسبة المرشحين نحو 36٪ من مجموع الهيئة الناخبة الفرعية. وهي نسبة مرتفعة للغاية يمكن تفسيرها بعدة اتجاهات: الرغبة الجامحة في المشاركة بأول اقتراع بعد سقوط النظام، أو السعي لتسجيل مساهمة تاريخية، مع الإقرار أيضاً بوجود تنافس قديم ـ جديد بين كتلتي «الثوار» و«الإخوان المسلمين» الذين تقدم منهم ما يقارب 24 مرشحاً، ينتمون بشكل مباشر أو غير مباشر إلى الجماعة أو يتبنون أفكارها».
وأوضح أن الحالة الأمنية وعدم الاستقرار السياسي في البلاد أوصلنا إلى أن تكون الشرعية البرلمانية منقوصة بغياب 3 محافظات متباعدة جغرافيا، لكن لديها تصورات متطابقة إلى حدٍ كبير من خلال الشكل الإداري للدولة أو نظام الحكم. وربما يكون اعتماد 210 أعضاء وإبقاء 40 نائبا من المحافظات الثلاث.
في حين عبّر المحامي في قضايا حقوق الإنسان ميشال شماس عن رأيه حول انتخابات مجلس الشعب، حيث نشر على صفحته الشخصية جزءا من مقال يقول فيه: بعد أيام ستجرى في سوريا عملية يُفترض أنها انتخابية لتشكيل مجلس تشريعي جديد. لكن المؤشرات تُثير شكوكاً جوهرية حول طبيعة العملية ومآلاتها. إذ لا تنبئ بعملية انتخابية تمثيلية، بل تعيد إنتاج منطق التعيين المقنّع غير المؤهل. ففي ظل غياب بيئة آمنة، وانهيار مؤسسات الدولة، وتفكك الهوية الوطنية، يصبح الحديث عن انتخابات حرة ونزيهة أقرب إلى التزييف منه إلى التأسيس. وما يُحضَّر له ليس انتقالاً ديمقراطياً، بل تكريس الولاء وإعادة تدوير بعض أدوات النظام السابق بأسماء جديدة. ومع اقتراب الموعد، تتكشف يوما بعد يوم ممارسات تفضح جوهر العملية: طعون بلا بيّنات، انسحابات جماعية، وتعيينات مشبوهة، ما يستدعي وقفة وطنية جادة لوقف هذه المهزلة قبل أن تُكرّس كأمر واقع.
مجرد وسيط
وأضاف: لفت انتباهي في تصريحات وبيانات بعض المرشحين لما سمي بمجلس الشعب، أنهم لا يفهمون طبيعة عمل المجلس في التشريع والرقابة على عمل الحكومة، ولهذا يتعاملون معه كجهة خدمية محلية، لا كسلطة تشريعية ورقابية. هذا الخلط لا يُضعف فقط استقلالية المجلس، بل يُعيد إنتاج منطق الزبائنية السياسية، ويُفرغ العملية الانتخابية من مضمونها المؤسسي.
وزاد: حيث يختزل النائب نيابته إلى مجرد وسيط خدمات، فإنه يهمّش وظيفته في سنّ القوانين ومراقبة أداء الحكومة، ويستبدلها بوعود خدمية تُستخدم كأداة انتخابية عابرة، لا تعكس برنامجاً تشريعياً حقيقيا.
القدس العربي
————————————-
أول برلمان في سوريا بلا “فلول” الأسد.. وحضور خجول للنساء
الرياض – العربية.نت
06 أكتوبر ,2025
انتهت أمس الأحد عملية اختيار أول برلمان في سوريا بعد الإطاحة بحكم بشار الأسد. وأعلن المتحدث باسم اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، نوار نجمة، أن “عمليات الاقتراع انتهت في كل المحافظات السورية”.
كما أكد في تغريدة على حسابه في إكس أمس أن “مجلس الشعب خال تماما من داعمي النظام البائد”، وفق تعبيره.
وأوضح في تصريحات لاحقة للإخبارية السورية، أنه إذا ظهرت أدلة تثبت ارتباط أي شخص بالنظام السابق فسيتم إقصاؤه من المجلس.
إلى ذلك، شدد على أن البرلمان “مؤسسة رسمية للحوار الوطني ووضع القوانين التي ستؤسس للمستقبل”.
من جانبه، أوضح عضو في لجنة الانتخابات أنه على الرغم من أن بعض النتائج الأولية ظهرت تدريجيًا مساء الأحد، فإن القائمة النهائية للفائزين لن تُعلن قبل اليوم الاثنين.
15 % من النساء فقط
بالتزامن، عبر بعض السوريين على مواقع التواصل، عن خيبتهم من الحضور النسائي الخجول في البرلمان الجديد. وأكدوا أن 8 نساء فقط فزن خلال العملية الانتخابية التي جرت أمس.
وكان حوالي 6000 شخص شاركوا في عملية الاختيار النواب أمس، بعدما نافس أكثر من 1500 مرشح، 14% منهم فقط من النساء على عضوية المجلس، الذي ستكون ولايته قابلة للتجديد لمدة 30 شهرًا، وفق اللجنة العليا للانتخابات.
وكان الرئيس السوري أحمد الشرع أكد أمس أن “السوريين يفخرون بالانتقال من مرحلة الحرب والفوضى إلى الانتخابات”.
كما شدد على أن “هذه اللحظة التاريخية مهمة جداً في الوقت الحاضر”، داعياً جميع السوريين إلى بناء وطنهم من جديد.
يشار إلى أنه تشكيل البرلمان المقبل سيتم بناء على آلية حدّدها الإعلان الدستوري، وليس بانتخابات مباشرة من الشعب. إذ انتخبت، بموجب هذه الآلية، هيئات مناطقية شكّلتها لجنة عليا، ثلثي أعضاء المجلس البالغ عددهم 210، على أن يعيّن الرئيس السوري الثلث الباقي.
فيما تأجل اختيار أعضاء المجلس في محافظات السويداء والرقة (شمالا) والحسكة (شمال شرق) بسبب “التحديات الأمنية”، وفق ما أعلنت سابقاً لجنة الانتخابات
———————-
لجنة الانتخابات: الشرع سيعمل على تصويب الثغرات
الرئيس السوري سيعين الثلث الباقي من نواب البرلمان وفقاً للإعلان الدستوري
الرياض – العربية.نت
06 أكتوبر ,2025
أكد رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب محمد طه الأحمد، الاثنين، أن اللجنة لم تتلق استجابة من بعض الجهات خارج سيطرة الدولة السورية.
الداخلية السورية: لا خروقات خلال انتخابات البرلمان
سوريا الداخلية السورية: لا خروقات خلال انتخابات البرلمان
خطة لملء الفراغ
وأعلن أن هناك ضغوطاً من أهالي المناطق التي لم تجرِ فيها العملية الانتخابية، موضحاً أن الرئيس أحمد الشرع سيركز على تعيين التكنوقراط والكفاءات بمجلس الشعب وتصويب الثغرات، في إشارة منه إلى الثلث الذي سيعينه الرئيس وفق الإعلان الدستوري.
كما لفت إلى أن هناك خطة لملء الفراغ، مشدداً على رغبة الدولة في أن تحتوي الجلسة الأولى لمجلس الشعب جميع مكونات الشعب السوري.
كذلك أوضح لـ”الإخبارية” السورية، أن اللجنة العليا للانتخابات ستعقد اجتماعاً غداً لوضع آلية لإجراء الانتخابات في 12 دائرة متبقية، مشيراً إلى أن التنسيق مستمر مع ممثلي المجتمع المحلي لضمان نزاهة وشفافية العملية الانتخابية.
جاء هذا بعدما أصدرت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب السوري اليوم القرار رقم 66 المتضمن النتائج الأولية لانتخابات مجلس الشعب في الدوائر الانتخابية بالمحافظات.
وأوضحت في القرار أن باب الطعون يفتح على العملية الانتخابية (الدعاية الانتخابية – عملية الاقتراع وفرز الأصوات) حتى نهاية الدوام الرسمي من يوم الاثنين بتاريخ 6-10-2025. 6000 شخص
يذكر أن عملية اختيار أول برلمان في سوريا بعد الإطاحة بحكم بشار الأسد كانت انتهت، أمس الأحد.
وأعلن المتحدث باسم اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، نوار نجمة، أن “عمليات الاقتراع انتهت في كل المحافظات السورية”.
وكان حوالي 6000 شخص شاركوا في عملية اختيار النواب أمس، بعدما نافس أكثر من 1500 مرشح، 14% منهم فقط من النساء على عضوية المجلس، الذي ستكون ولايته قابلة للتجديد لمدة 30 شهراً، وفق اللجنة العليا للانتخابات.
ومن المقرر أن يتم تشكيل البرلمان المقبل على آلية حدّدها الإعلان الدستوري وليس بانتخابات مباشرة من الشعب، إذ انتخبت بموجب هذه الآلية، هيئات مناطقية شكّلتها لجنة عليا، ثلثي أعضاء المجلس البالغ عددهم 210، على أن يعيّن الرئيس السوري الثلث الباقي.
فيما تأجل اختيار أعضاء المجلس في محافظات السويداء والرقة (شمالاً) والحسكة (شمال شرق) بسبب “التحديات الأمنية”، وفق ما أعلنت سابقاً لجنة الانتخابات.
———————————–
رئيس «العليا للانتخابات السورية» يعرب عن أسفه إزاء تدني تمثيل المرأة بمجلس الشعب
دمشق: «الشرق الأوسط»
6 أكتوبر 2025 م
كشف رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب السوري محمد طه الأحمد، أن حصة المرأة لم تتجاوز 3 في المائة بعد عمليات فرز بطاقات الاقتراع، مشيراً إلى أن الرئيس أحمد الشرع سيعمل على تصويب الثغرات.
وأعرب الأحمد عن أسفه نتيجة انخفاض التمثيل النسائي في مجلس الشعب،
وقال: «مع الأسف، كانت حصة المرأة فقط 3 في المائة بعد عمليات الفرز». ولفت إلى أن الرئيس السوري أحمد الشرع «سيعمل على تصويب الثغرات»، وذلك من خلال اختياره لثلث أعضاء مجلس الشعب، وفق ما نص عليه الإعلان الدستوري.
وقال الأحمد في حديث لتلفزيون سوريا مساء أمس الأحد: «أجرينا انتخابات أعضاء مجلس الشعب في 50 دائرة انتخابية من أصل 62»، وذلك نتيجة تأجيل عملية الانتخابات في مناطق شمال شرقي سوريا ومحافظة السويداء (12 دائرة انتخابية).
وأوضح أن اللجنة العليا «أصدرت النتائج الانتخابية الأولية في 49 دائرة، مع تأخر نتيجة دائرة سمعان بحلب التي ستصدر خلال الساعات المقبلة»، مشيراً إلى أن العملية الانتخابية «لم تواجه أي تحديات».
وأضاف: «حرصنا على تمثيل جميع المكونات، كما حرصنا على أن يكون هناك تمثيل للمرأة في مجلس الشعب».
وشكّل الحضور النسائي الكاسح في مركز اقتراع العاصمة دمشق مفاجأة للمتابعين، إذ تجاوزت نسبة النساء في الهيئات الناخبة الـ50 في المائة. كما شكل مفاجأة أيضاً غيابها التام عن الفائزين بعضوية مجلس الشعب في محافظة إدلب ودوائر القلمون والغوطة الشرقية في محافظة ريف دمشق، وسط غلبة للحقوقيين سواء في الهيئات الناخبة أو المرشحين.
وفسر أعضاء في الهيئات الناخبة حضور الحقوقيين إلى أن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة سنّ قوانين، والذين تقدموا للمشاركة في العملية الانتخابية كانوا يضعون هذا الأمر نصب أعينهم.
—————————-
“الإدارة الذاتية” ترفض انتخابات مجلس الشعب: تفتقر لقانون ديموقراطي
الإدارة الذاتية قالت إن الانتخابات لا تنسجم مع المعايير الدولية
2025-10-06
أعرب نائب الرئاسة المشتركة للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا بدران جيا كرد، عن رفضه لنتائج انتخابات مجلس الشعب في سوريا التي أجريت أمس الأحد.
وقال جيا كرد في حوار مع قناة “العربية” السعودية أمس الأحد، إن “الأعضاء المنتخبين في هذه الانتخابات لا يمثلون الإرادة السياسية المتنوعة للمجتمع السوري”.
وأضاف، أن “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا غير ممثلة في هذه العملية، وبالتالي فإن قرارات هذا المجلس لا تعد ملزمة بالنسبة لها”.
وأكد، أن “الإدارة الذاتية تمتلك إرادة سياسية نابعة من مكونات المنطقة، التي اختارت ممثليها عبر انتخابات حرة، ما يستوجب أخذ هذه الإرادة بعين الاعتبار”.
وشدد جيا كرد، على أن “العملية الانتخابية تفتقر إلى قانون انتخابي ديموقراطي يضمن مشاركة جميع السوريين دون تمييز، كما أنها لم تستند إلى توافق وطني حقيقي في ظل الظروف الراهنة، الأمر الذي أدى إلى إقصاء مناطق وشرائح واسعة من المجتمع”.
كما اعتبر أن الآليات المتبعة في هذه العملية لا تنسجم مع المعايير الدولية للانتخابات الحرة والنزيهة، إذ تفتقر إلى الديموقراطية والشفافية، وتبتعد عن روح القرار الأممي 2254 الذي يشكل الإطار الأممي للحل السياسي في سوريا”.
واعتبر نائب الرئاسة المشتركة للإدارة الذاتية للشؤون السياسية، أن “العملية الانتخابية بصيغتها الحالية تحاول شرعنة سلطة لا تمثل جميع أطياف الشعب السوري”.
وفي وقت سابق من اليوم الإثنين، أعلنت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب في سوريا، عن انتهاء عمليات الاقتراع وفرز الأصوات في جميع الدوائر الانتخابية بالمحافظات.
وقالت اللجنة، إنها “أصدرت القرار رقم 66، المتضمن النتائج الأولية للانتخابات للدوائر الانتخابية في المحافظات”، بحسب ما نقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).
وأشارت اللجنة، إلى أنها “فتحت باب الطعون على العملية الانتخابية من حيث الدعاية الانتخابية والاقتراع وفرز الأصوات، حتى نهاية الدوام الرسمي من اليوم الإثنين 6 تشرين الأول/ أكتوبر”.
وأوضحت، أنه “يجوز لكل ذي مصلحة الطعن على النتائج الأولية للفائزين في الانتخابات، فيما يخص دائرته الانتخابية التابع لها، أمام لجنة الطعون الخاصة بالمحافظة المعنية”.
وكانت سوريا قد شهدت أمس الأحد، عمليات اقتراع لانتخابات أعضاء مجلس الشعب، كأول انتخابات بعد سقوط نظام بشار الأسد، وأجريت عبر هيئات انتخابية وليس اقتراع شعبي.
ولم تجر الانتخابات في محافظات الحسكة والرقة والسويداء، بعد أن كانت الحكومة السورية الانتقالية قد أعلنت في وقت سابق، أن “الأوضاع الأمنية فيها لا تسمح بذلك”.
—————————–
اللجنة العليا للانتخابات: السيد الرئيس سيركز على فئة التكنوقراط والكفاءات في مجلس الشعب
تشرين الأول 6, 2025
أكد رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب محمد طه الأحمد، للإخبارية، أن السيد الرئيس أحمد الشرع سيركز على فئة التكنوقراط وبعض الكفاءات، كون وجودها ضرورياً في مجلس الشعب.
وأوضح الأحمد، الإثنين 6 تشرين الأول، أن السيد الرئيس لديه رغبة في إنشاء هيئة مستقلة تعنى بإدارة الانتخابات، سواء انتخابات مجلس الشعب أم الإدارة المحلية وغيرها، مؤكداً أنه ينبغي أن تتوافق الآلية الانتخابية مع الإعلان الدستوري والنظام الانتخابي المؤقت.
كما أشار الأحمد إلى أن أي تعديل بالدورات الانتخابية مرتبط بالقرارات الرسمية المعتمدة، مضيفاً أن اللجنة ترغب في الأيام القادمة بإجراء الانتخابات بشكل مباشر، سواء عن طريق الهيئات الناخبة أم أعضاء المجلس.
وأصدرت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، اليوم، القرار رقم (66) المتضمن النتائج الأولية لانتخابات مجلس الشعب للدوائر الانتخابية في المحافظات التي أُجريت أمس.
يذكر أن هذه الانتخابات هي الأولى التي تشهدها سوريا في عهدها الجديد بعد سقوط النظام البائد في 8 كانون الأول لعام 2024.
———————————–
=======================
تحديث 05 تشرين الأول 2025
——————————–
انتخابات أفضل الممكن/ عبسي سميسم
05 أكتوبر 2025
تجرى، اليوم الأحد، عملية التصويت لانتخاب أول مجلس شعب بعد سقوط نظام بشار الأسد، وفق آلية جديدة ترى الحكومة السورية أنها أفضل المتاح للمرحلة الانتقالية، بما يتناسب مع الإعلان الدستوري، الذي أقره الرئيس أحمد الشرع وبما يتناسب أيضاً مع ظرف البلاد لناحية عدم وجود إحصاء دقيق للسكان، ولناحية وجود أكثر من نصف سكان سورية خارج مناطقهم، إما لاجئين خارج البلاد، أو نازحين في مناطق سورية أخرى غير مناطق نفوسهم، فضلاً عن إمكانية إجراء انتخابات في ثلاث محافظات سورية (السويداء، الرقة، الحسكة) وقسم من ريفي محافظتي حلب ودير الزور، بحكم أن تلك المناطق لا تزال خارج سلطة الدولة.
إلا أن هذه الانتخابات قد لاقت الكثير من الانتقادات بسبب الآلية التي تعتمدها، كونها أقرب للانتقاء منها للانتخاب، إذ تعتمد على لجنة عليا عُيّنت من الحكومة من موالين لها، قامت اللجنة العليا بتشكيل لجان فرعية، قامت بدورها بتشكيل هيئات انتخابية يترشح منها الأعضاء وهي من تقوم بالتصويت، الأمر الذي من شأنه أن ينتج مجلساً أقرب للون الواحد، خصوصاً أن تلك الانتخابات تجري في ظل توقيف العمل السياسي في البلاد، وحل جميع الأحزاب، الأمر الذي يجعل من القوانين والتشريعات التي ستصدر لاحقاً عن المجلس غير معبرة عن توجهات كل السوريين، إنما تعبر عن توجهات السلطة الانتقالية.
وفضلاً عن الانتقادات التي وجهت للآلية المتبعة، فقد لاقت العملية الانتخابية اعتراضات وانتقادات ممن انخرطوا بها بعد استبعاد اللجان الفرعية أشخاصاً رشحوا أنفسهم لعضوية المجلس والهيئات الناخبة، رغم استيفائهم كل الشروط، الأمر الذي اعتبره بعض المرشحين المستبعدين بأن استبعادهم بهذه الطريقة تشويه لسمعتهم وتشهير بهم. كما تحدث بعضهم عن محسوبيات في اختيار المرشحين لعضوية الهيئات الناخبة تقوم على الولاء للسلطة.
أما في ما يخص الحملات الانتخابية فلم تتضمن حملات المرشحين أي برامج انتخابية واضحة. واقتصرت بيانات المرشحين على تعهدات من قبيل أن يكونوا صوت الحق والعدل وأن يحافظوا على حقوق المواطنين وغيرها من الشعارات المثالية العامة، في مشهد يذكّر بالحملات الانتخابية التي كان يطلقها المرشحون الذين كان يعينهم النظام السابق، ضمن مسرحية تدعى انتخابات. فالحكومة السورية تدير انتخاباتها الأولى من خلال الموازنة بين الضرورة القصوى لإنجاز هذه الانتخابات، وضعف إمكانية تحقيق تمثيل حقيقي للسوريين، مع رغبة في تشكيل مجلس متجانس معها.
العربي الجديد
————————
الانتخابات البرلمانية 2025 وحاجة السوريين إلى البرلمان!/ أحمد جاسم الحسين
2025.10.05
البرلمان هو أحد طرائق تمثيل الشعب في قيادة الدولة وهو جزء من السلطات التي تقودها، وهو إشارة ديمقراطية إلى أن نظام الحكم ليس بيد جهة واحدة فحسب مما يمنع الاستبداد ويحقق العدل حيث يشرِّع القوانين، ويراقب عمل الحكومة ويجعل التوازن أحد أدوات الحكم، ويفتح باباً للتنوع وبناء الثقة، وتحقيق تمثيل للشعب خاصة في مراحل ما بعد النزاع.
والبرلمان جزء من نظام الحكم الجمهوري كما الحالة السورية حيث تختلف بحسب توزيع السلطات وعلاقة الرئيس بها، ومن المهم التذكير بأن الجمهوريات عامة يكون فيها نظام حكم رئاسي أو برلماني أو شبه رئاسي أو الديمقراطية الشعبية،،،وفي سوريا نظام الحكم شبه رئاسي فالرئيس هو أس السلطة التنفيذية حيث يعين الوزراء ويصدر القوانين وهو القائد العام للجيش ورئيس مجلس الوزراء.
من المهم التذكير أن سوريا عبر تاريخها لم تشهد حياة برلمانية ديمقراطية (كما يتوهم كثيرون) إلا خلال فترة محدودة في الخمسينيات، وأن العسكر كانوا يسيطرون على الحكم ويرسمون كل ملامح الحكم والسياسة الداخلية والخارجية حتى لو أخذوا بمظاهر الديمقراطية كلها أو لجؤوا إلى الأحزاب للمحافظة على شكليات قيادة الدولة!
حين تقرأ هذه السطور عزيزي القارئ سيكون نحو 7000 مواطناً سورياً من الهيئات الناخبة مشغولين باختيار 128 نائباً للسوريين بما أنه لن تجري انتخابات في السويداء وستجري بشكل جزئي في كل من الحسكة والرقة من 1578 مرشحاً (الأرقام تقريبية لأنها خضعت لأكثر من عملية فلترة واستبعاد واستبدال بعد الطعون الانتخابية…).
قبل مرور عام على انتصار ثورتهم، يخوض ممثلو الشعب السوري في الهيئات الانتخابية تجربة إضافية جديدة تعد من ثمرات الانتصار، الذي طال انتظاره، وقد سمعت من كثيرين، حرصوا على أن يكونوا جزءاً من هذه الهيئات لأنها أول هيئة انتخابية، ويعتقدون أنه منوط بالناجحين استحقاقات كثيرة لها علاقة ببناء الدولة في المرحلة الجديدة مما يجعل أثرها كبيراً ليس بصفتها عضوية برلمان بل بضفتها مرحلة تأسيس لاستراتيجيات دولة واستكمال لمرحلة الثورة من خلال بناء الدولة.
حتى هذه اللحظة لا يعرف عدد كبير من السوريين الفرق بين الطريقة التي سينتخب فيها البرلمان الحالي والانتخاب المباشر، وما هي السلبيات والإيجابيات لكل منها، وعلى الرغم من أن اللجنة العليا للانتخابات حرصت على توضيح ذلك المرة تلو الأخرى، إلا أن سوريين كثيرين وجدوا في تلك الطريقة غير المباشرة للانتخاب خيبة أمل لهم، إذ وجدوا أنفسهم بعيدين عن الانتخاب المباشر الذي يشبع رغبة طقوس الانتخاب وملء حاجة الشعور بالقدرة على القرار والانتخاب، علماً أن تاريخ البرمان السوري سبق أن شهد مثل هذه الطريقة من قبل، وفي الأحوال كلها في البلدان التي لم تتحقق فيها الكفايات الأساسية للمواطن وليس فيها أحزاب وهوياتها الفرعية في حالة غليان والوعي بدور الانتخابات ليس كافياً، يغدو من الصعب الحديث عن انتخابات ديمقراطية!
يقارن كثيرون بين البرلمان السوري 2025 والمؤتمر السوري العام الذي انعقد عام 1919 في النادي العربي بجاني مقهى الهافانا بدمشق، ويحلو لهم القول إنه شكل من أشكال البرلمان في إشارة إلى أنه تمثيلي مع أن العديد من أعضائه كانوا من سوريا الطبيعية وليس سوريا سايكس بيكو، ويبحث عدد كبير من السوريين في كتاب مازن الصباغ: سجل البرلمان ومجلس الشعب السوري (الذي رأس شقيقه حمودة الصباغ أخر مجلس نيابي في عهد بشار الأسد) يقارنون بين العدد والأسماء والطريقة.
ينظر سوريون كثيرون إلى الشروط التي أعلنتها اللجنة الانتخابية والتفاصيل ويرون أنها شروط مطاطة، وغير واضحة في جوانب عدة، مع أنها جاءت نتيجة لحوارات وجولات في مختلف المحافظات السورية وممثليها، وكذلك حوارات مع منظمات المجتمع المدني والنقابات والاتحادات والمثقفين والوجهاء كما يقول المدافعون عنها، وهو الذي صادق عليه الرئيس السوري أحمد الشرع وأصدره برقم 43 لعام 2025.
هناك وجهات نظر مختلفة في المقاعد (الثلث) التي سيعينها الرئيس (70 مقعداً) حيث حرص كثيرون على القول: إننا نريد أن نكون من حصة الرئيس! في حين يرى آخرون أنها استمرار للصوت الواحد والسيطرة على الحكم، وينظر آخرون أنها هي التي ستعدل خيارات الكتل الاجتماعية الوازنة والتحالفات وأنها صمام أمان في المجتمعات التي تعلو فيها هويات ما قبل الدولة حيث هناك فرصة لتشكيل كوتا للنساء مثلاً وكذلك الشرائح الهشة والأقل تمثيلاً.. في حين دعا آخرون من باب ثقتهم بالرئيس والنصر إلى تعيين كامل الأعضاء من قبله!.
ترشيح اليهود السوريين يعود لأول مرة بعد صدور قرار عام 1967 بمنعه، من خلال المرشح هنري يوسف حمرة الذي اقتصر برنامجه الانتخابي على إلغاء قانون قيصر وسوريا موحدة و ازدهارها وتنميتها.
ربما كان آخر عضو يهودي بالبرلمان السوري هو عزرا أزرق 1943 وتشير المصادر إلى الوجيه ورجل الأعمال يوسف لنيادو 1932 الذي تم اختياره كجزء من الكتلة الوطنية.
طريقة عمل اللجنة العليا للانتخابات تشير إلى جدية ومسؤولية عاليتين في التعاطي مع الانتخابات ولم تقتصر جهداً في الاستماع إلى الملاحظات أو التعاطي مع المرشحين أو الناخبين أو المواطنين، وقد كسرت اللجنة بمثابرتها ومرونتها وطريقة عملها الصورة التقليدية في سوريا للجان وعطلت الحكمة السورية القديمة: إذا أردت تمييع عمل فشكل له لجنة!
السوريون خارج سوريا يتساءلون خاصة في ألمانيا (أكثر من مليون سوري) وقد مثلوا بالوزارات لماذا سيغيبون عن البرلمان وهل سيتفقدهم الرئيس في القسم المخصص له أم لا؟
البرامج الانتخابية للمرشحين تشي بالحرية في صياغتها وكذلك التفاوت بين المرشحين وهو ناجم عن عدم وجود حياة سياسية سورية، إذ إن هناك مرشحين قدموا خططاً عملية وأطراً زمنية وتصورات كافية ليتعرف إليهم المواطن والناخب، في حين بقي كثيرون ضحايا شعارات سابقة: (انتخبوا ممثلكم الذي لم تلد النساء مثله!).
المؤكد أن نتائج الانتخابات ليست آخر المطاف بل هي محطة من محطات تاريخ سوريا الجديدة وبناء الدول يحتاج وقتاً طويلاً، وتتكامل جهود مواطنيه في بنائه. وإن كنتَ تعتقد أن الفرصة قد ذهبت عليك وليس لديك الرغبة في أن تفوتك أو تتخلى عن جنسيتك الأخرى، فهذا له وقته وزمانه، والأيام حبلى بالفرص. صحيحٌ أن تصفيات الهيئات الانتخابية لم تشف غليل كثيرين، حيث يشعرهم ذلك بأن ثورتهم لم تنتصر، ونجح شبيحة كثيرون في التسرب إلى الهيئات الناخبة أو المرشحين! الوسيلة والحيدة هي نشاط الفيس بوك وليس لدى الدولة الجديدة استمرار لتاريخ الدولة السابقة!.
هناك فرصة اليوم لدى السوريين: قيادة وشعباً وناخبين لإعادة مفهوم البرلمان إلى حالته الطبيعية كما في الدول الأخرى، بعد أن شوهه حكم الأسد، حيث حوله إلى: لوحة سيارة وتوظيف أشخاص وتكريس لحالة العشائرية والاستقطابية والتنافرية والأمية وإضفاء الشرعية على وجهات نظر الرئيس والقوى التقليدية والقوية، وليس عامل وئام وبناء وتطوير ورقابة وتشريع واستجابة لحاجات المجتمع وتغيراته!
تلفزيون سوريا
——————————
البرلمان المرتقب: تحديات الشرعية والتمثيل في مرحلة انتقالية حساسة/ عزيز موسى
5 أكتوبر 2025
تمثّل الانتخابات البرلمانية في سوريا واحدة من أهم المحطات السياسية التي تحمل في طياتها دلالات تتجاوز مجرد تجديد لمقاعد البرلمان، إذ تأتي كأول عملية انتخابية بعد سقوط النظام السوري السابق، وتطرح العديد من الآمال والتحديات باعتبارها اختبارًا مزدوجًا، فمن جهة تمثل فرصة للإدارة السورية لبناء جسور الثقة مع المجتمع، وإظهار انفتاح من خلال إشراك مختلف المكونات في صياغة الحياة العامة وصناعة القرار، بما قد يعزز من شرعية المؤسسات الرسمية داخليًا وخارجيًا.
من جهة أخرى، تُنذر بأن تتحوّل إلى ساحة جديدة لإعادة إنتاج الانقسام، في ظل اختلاف الرؤى حول من يرى هذه العملية أقرب للتعيين ومن يعتبرها شكلًا من أشكال الانتخاب، مع وجود أصوات قوى متعددة رفضت المشاركة أو تدعو لمقاطعتها، مما يدفع بدوره لإثارة تساؤلات جدّية حول مدى قدرة هذا الاستحقاق على تجاوز طابعه الشكلي نحو عملية سياسية جامعة تعكس التطلعات الشعبية.
انتخابات أم تعيين؟
ترى الكاتبة والباحثة السياسية هوزان خداج هذه العملية على أنها تعيينات وليست انتخابات، إذ إن المرسوم الخاص بالنظام الانتخابي المؤقت ذكر أنه يتم تعيين ثلث الأعضاء، أي 70 عضوًا من أصل 210 أعضاء، من قبل رئيس المرحلة الانتقالية، فيما يُنتخب الباقون عبر هيئات ناخبة تشكلها اللجان الفرعية وفق معايير فضفاضة، فيما تأجلت الانتخابات في بعض المدن مثل السويداء والرقة والحسكة الانتخابات، وبقيت مقاعدها شاغرة باعتبارها غير خاضعة حاليًا لسلطة الإدارة في دمشق.
وتعتقد خداج أن ذلك لا يصب بأي شكل من الأشكال في مصلحة إعادة بناء الجسور بين الدولة والمجتمع بل هو ترسيخ للسيطرة على المجتمع من قبل السلطة، إذ تعاني هذه العملية من خلل واضح، ولا يمكن أن يطلق عليها تسمية الانتخابات ما دامت لا تضمن حقوق جميع المواطنين والمواطنات، في المشاركة السياسية والاقتراع العام والمتكافئ في انتخابات حرة ونزيهة للبرلمان الذي يمثلهم، في ظل هذه المرحلة الحرجة من تاريخ سوريا المعاصر باعتبار أن مهمة هذا المجلس اقتراح قوانين أو تعديلها والمصادقة على المعاهدات وغيرها بما يخدم الدولة والشعب.
وتؤكد الباحثة أن “هذه الانتخابات تمثّل مسرحية يعيشها السوريون يتم خلالها إيهام المجتمع بوجود انتخابات تشريعية، وأن الأمور تسير باتجاه إعادة بناء الدولة واستعادة عمل المؤسسات، بينما هي إقرار بالسيطرة على مجلس الشعب”.
من جانبها أكدت عضو الهيئة الناخبة لانتخابات مجلس النواب، بتول عرابي، أنه لا يمكن وصف هذه العملية بأنها تعيين على اعتبار أن هناك فرصة أتيحت لجميع المواطنين للتقدم والترشح للانتخابات، وهذا كان واضحًا ومعلنًا، إلّا أن مجلس الشعب كأي مؤسسة أخرى قد تشوبه في العديد من المفاصل إشكالية الأفضليات والمحسوبيات، وهذا يتضح بشكل ملموس في الكثير من المؤسسات، وقد تجسد هذه العملية جسرًا بين الحكومة والشعب، إذ أن المرشح أو عضو مجلس الشعب تقع عليه العديد من المسؤوليات مهما كان وكيفما تم تعيينه باعتباره أحد سبل التواصل إلا أنه ليس الوحيد إذ أن هذه المسؤولية تحملها العديد من الشخصيات وليست فقط محصورة بعضو مجلس الشعب.
الثقة قبل الاقتراع
تعتقد الباحثة هوزان خداج أن الانتخابات ليست مجرّد اقتراع، بل هي عقد اجتماعي بين السلطة والمجتمع، مع ضرورة وجود مجتمع سياسي ومدني يتمتع بحرية التعبير، إضافة لقضاء مستقل ونزيه وإعلام حر، وشفافية في كل ما تفعله السلطة، مشيرة إلى أن اكتساب ثقة السوريين يتم عبر ضمان حقوقهم كاملة ليس من خلال طبيعة النظام الانتخابي فقط، بل من خلال تكريس مبدأ العدالة للجميع.
تتابع خداج أن بعد ما شهدته سوريا خلال الأشهر القليلة الماضية، وحصول انتهاكات في كل من الساحل السوري والسويداء، والتي “تقع على عاتق السلطة”، والأخطاء المتراكمة منذ استلام الإدارة الجديدة، الأمر الذي يقتضي إعادة التفكير بشكل جدي ببناء الثقة من خلال إقامة مؤتمر حوار وطني شامل حقيقي يفضي إلى حكومة انتقالية ائتلافية، وتغيير أو تعديل الإعلان الدستوري وما يحتويه من خلل في عدم فصل السلطات، ثم التوجه نحو انتخابات حقيقة تضمن مشاركة فئات الشعب المختلفة.
فيما ترى بتول عرابي أن أهم ما يكسب الحكومة لثقة المواطن هو أن يخرج النظام الانتخابي من صلب احتياج المواطن، وأن يكون عدد الأعضاء شاملًا وممثلًا لكل المناطق وأوسع الشرائح الممكنة، سواء على صعيد الكفاءات أو تنوع الممثلين ومراعاة التوزع الجغرافي، إضافة لوجود فئات من حقها أن يكون لها ممثلون مثل ذوي شهداء الثورة والأشخاص الذين يتمتعون بالكفاءة العالية القادرة على إحداث نقلة حقيقية في المرحلة الانتقالية وحساسيتها، إضافة إلى المسؤولية الكبيرة التي تقع على عاتق أعضاء المجلس الذين سينتخبون وما ينتظره المواطنين منهم بالتعاون بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
فجوة الشرعية والتمثيل
وجود قوى ومجالس محلية في كل من شمال شرق سوريا والساحل السوري والسويداء أعلنت رفضها المشاركة والتصويت في العملية الانتخابية، وبقاء المقاعد شاغرة لكل من (الرقة، الحسكة، السويداء)، يسلط الضوء على مشكلة تتعلق بغياب الثقة بينها وبين الإدارة السورية من جهة، واتساع الفجوة المتعلقة بشرعية التمثيل من جهة أخرى، بما تحمله المرحلة الانتقالية من خصوصية.
تتمثل رؤية الباحثة هوزان خداج بأن عدم مشاركة هذه القوى في الانتخابات أو إقصائها يؤثر على شرعية العملية الانتخابية نفسها، وبما يعكس لاحقًا خللًا يظهر للمجتمع الدولي في إطار التعامل مع الأقليات، مما يطرح تحدٍ رئيس حول مدى قدرة السلطة على تصحيح أخطائها والانتقال من عقلية الإقصاء والعنف إلى عقلية بناء الدولة والقدرة على التعامل مع الازمات الأساسية المعقدة التي تعاني منها سوريا، وبروز إشكالية الانتقال من عنف السلطة الى عنف الجميع ضد الجميع، وهو ما يظهر برأي خداج بكيفية النظر والتعامل مع ملف الأقليات وتصنيفهم جميعًا بين “فلول وخونة وانفصاليين”.
فيما تبيّن الأستاذة عرابي أن جميع المواطنين لهم حقوق وواجبات، ولكن دون وجود مطالب انفصالية أو أخرى تهدد أمن سوريا ووحدتها، ومن هذا المنطلق فأن مقاطعة بعض القوى والمجالس للعملية الانتخابية سيعود سلبًا على من يتخذ هذا القرار والمناطق الذي يتواجد بها، إذ إنه من الضروري انتخاب مجلس الشعب في المرحلة الراهنة باعتباره المؤسسة الوحيدة التي يمكن من خلالها التوصل إلى دستور دائم للبلاد يراعي تطلعات مختلف فئات الشعب ومكوناته، هذا يستدعي المشاركة الحقيقية من الجميع لمناقشة القضايا وطرح القضايا الإشكالية تحت قبة البرلمان لمناقشتها ومعالجتها، في ظل وجود دعم دولي أيضًا للدفع باتجاه استقرار سوريا والحفاظ على وحدتها وضمان المشاركة السياسية والتعددية لمختلف المكونات.
البرلمان المقبل.. اختبار للنظام والمجتمع معًا
تتعدد المهام المنتظرة للبرلمان المرتقب المقرونة بتحديات تتعلق بالجوانب القانونية والسياسية والمعيشية بعد سنوات طويلة مثّل بها البرلمان سلطة تشريعية مجمدة تقتصر مهامها على أجندة معينة، في ظل هذه التحديات، تختم الباحثة خداج أن هناك قلق حقيقي لجهة عدم التعاطي بشفافية في مناقشة القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ووجود حالة من “الصراع الهوياتي المتعدد”، والخوف من تفجر الأحقاد نتيجة بطء عملية انطلاق العدالة الانتقالية التي يفترض أن تكون أولى الخطوات لإعادة البناء والانتقال من الحرب الى السلم، إلا أن ما شهدته سوريا خلال الأشهر الأخيرة كرّس تصاعد مستويات الخراب والعمليات الانتقامية بشكل واضح، بالتالي فأن الانطلاق للبرلمان يكون من خلال وجود عقد اجتماعي توافقي بين السلطة والمجتمع.
الترا سوريا
————————————-
بين رافضٍ لـ “تعيين النوّاب وإرساء أسس حكم الفرد” .. ومن يرى في المشاركة حقاً وواجباً
لا تحظى “انتخابات” مجلس الشعب التي تنظمها الحكومة الانتقالية بالزخم المفترض، بين شرائح مشككةٍ في شرعية هذه الحكومة، وانتخاباتها المجافية للديمقراطية، وشرائح أخرى لا تدرك كيف ستتم العملية الانتخابية أصلاً. مع ذلك قررت شريحةٌ غير مقربةٍ من الحكومة المشاركة فيها على أية حال، رغم اقرارهم بأنّ “الانتخابات” غير مثالية، وسط تصحّرٍ سياسيّ تعيشه سوريا في العقود الخمس الماضية. في هذه المادة منحت حكاية ما انحكت المجال لكاتبين، تقديم مجادلاتهما حول تشجيعهما أو رفضهما المشاركة فيها.
مروان غازي ..”المشاركة في الانتخابات حقٌّ وواجب”
مروان غازي، عضو حزب الاتحاد الاشتراكي الديمقراطي وهيئة التنسيق الوطنية
لم تعرف سوريا، منذ منتصف القرن الماضي، انتخاباتٍ نيابية يسبقها حياةٌ سياسية تشارك فيها مختلف الأحزاب والتيارات السياسية. رغم عدم حلّها المجلس النيابي، أعدمت الوحدة السورية المصرية هذه الفاعلية، عندما عمدت إلى تعيين المجلس، بالتوافق بين القوى المجتمعية والقوى السياسية التي حلّت نفسها من أجل الوحدة. وبقي أسلوب التعيين سائداً في زمن الانفصال، ثم كرّسه البعث مع وصوله إلى الحكم، مكرراً ذات الطريقة في حلّ الأحزاب وعدم السماح بتشكيلها.
عندما قام حافظ الأسد بانقلابه المسمى “الحركة التصحيحية”، واصل نهج التعيين بناءً على توافقٍ مع الأحزاب السياسية، التي كانت سابقاً تمارس نشاطها بسرية، واعتقدت لوهلةٍ بصدق وعود حركته بحياةٍ سياسية ديمقراطية. سرعان ما تلاشت هذه الوعود، مع إجراء انتخاباتٍ ضمّت قوائم “الجبهة الوطنية”، تضمن للبعث السيطرة المستمرة والمطلقة. كانت الانتخابات التي يجريها الأسد معروفة النتائج، مما دفع المواطن السوري إلى إهمالها والتهرب من المشاركة فيها إلا مرغماً، خوفاً من كتّاب التقارير الأمنية والمحاربة بقوت العيش.
تشهد سوريا اليوم، بعد عقود التصحر التي اعتاد السوريون فيها ممارسات الزيف الانتخابي، انتخاباتٍ تشريعية، تؤسس لمرحلةٍ جديدة من العمل النيابي. تتبع الحكومة الانتقالية أسلوباً انتخابياً جديداً، نتيجة الظروف غير الطبيعية التي مرت بها سوريا ولا تزال، من دمارٍ ونزوحٍ وغياب السوريين عن أماكن إقامتهم. يترافق ذلك مع شبه انعدامٍ للحياة السياسية، وتواجدٍ شكليّ للحياة النقابية.
أرى المشاركة في العملية الانتخابية في سوريا اليوم ضرورةً وواجباً، وحقاً يضمن به السوريين/ات تحقيق آمالهم.
تنظم الحكومة الانتقالية انتخاباتٍ غير مباشرة، غير معتادة في سوريا. سبقتها إليها جنوب إفريقيا خلال الفترة الانتقالية ما بعد إنهاء نظام الفصل العنصري وإن لم تكن بالطريقة نفسها تماماً. اعتُمد حينها نظامُ التمثيل النسبي القائم على القوائم الحزبية، وذلك لوجود أحزابٍ سياسية فاعلة. قامت تلك الأحزاب بإعداد قوائم مرشحيها، لكن الناخبين أدلوا بأصواتهم لصالح الحزب ككل، ثم وُزّعت المقاعد في البرلمان على الأحزاب بشكلٍ متناسب مع النسبة المئوية للأصوات التي حصلت عليها.
تستوجب هذه المقاربة بشكلها السوري، كي تتم بأعلى قدرٍ من التمثيل، دراسة الهيئة الناخبة برامج المرشحين فرادى، ومدى مصداقيتهم وانتمائهم الوطني، ومدى تمثيلهم للدائرة الانتخابية وقبولها به. هناك معيقاتٌ لعملية الاختيار، تبدأ من عدم معرفة الهيئة الناخبة الفرعية بالمرشحين حتى يتمّ التصويت لهم، ولا تتوقف عند قصر الفترة الزمنية لتقديم المرشحين/ات لبرامجهم، وتقييمها من قبل أعضاء الهيئات الناخبة.
مع ذلك، أرىّ أن تلك التحديات التمثيلية لا ينبغي لها أن تحدّ من جدية تعامل الهيئة الناخبة مع الاختيار، ومسؤوليتها الأخلاقية أمام مواطنيها في الدائرة، ما يستوجب منها الحرص الشديد في منح أفرادها صوتهم لهذا المرشح أو ذاك.
هذه التجربة تستوجب الدراسة والمتابعة، عبر الممارسة والمساعدة على إنجاحها، سواءٌ أكنا معارضين لها أو مؤيدين.
لكن لا بد من الإشارة إلى عدة عوامل تهدد نجاح هذا المجلس في أداء دوره، أولها غياب الحياة السياسية أو ضعفها في أحسن الحالات، وثانيها طريقة اختيار الهيئات الناخبة المتبعة، وثالثها تسمية سبعين عضواً من الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، وهو ما قد يتحول إلى الثلث المعطل.
إنّ دقة تعيين أعضاء اللجان والهيئات وحسن اختيارهم يمهد الطريق لحدوث تفاعلٍ كبير بين الأفراد، تفاعلٌ قد يؤدي إلى تلاقح الأفكار وإلى حالةٍ سياسية أو تكوين كتلٍ نيابيةٍ داخل المجلس، لا يُشترط فيها التوافق الأيديولوجي سابقاً، بل لعله يشكل إرهاصاً أو مقدمةً لظهور رؤيةٍ سياسيةٍ جديدة تتجاوز الكثير من الأفكار السابقة، غير الصالحة، التي تجاوزها الزمن.
لقد بدأت الكثير من المفاهيم السائدة بالتغير خلال العامين الأخيرين، تحت مسمياتٍ مختلفة كإعادة تقييم التجربة أو إعادة النظر في الفكر السياسي وفي البنى التنظيمية الحاملة له والتي تتعارض مع مضمونه، فكم لدينا من الأحزاب المنادية بالديمقراطية، التي لا تمارسها في نشاطها الداخلي.
أرى في تجربة الانتخابات الحالية وسيلةً تُعرفنا على هذه الأفكار والارهاصات الجارية، وقد تقربها من بعضها وتطورها، وتساهم في تعارف الفاعلين فيها. مهما تكن نتائج هذه الانتخابات، فهي تجربةٌ يجب الخوض فيها والتفاعل معها، ومع ما يطرح مرشحوها من برامج، فهي تعبّر عن توجهات السوريين والسوريات ورؤاهم للتغيير في النهاية.
تعيين المجلس التشريعي.. وإرساء أسس حكم الفرد
عمّار ديّوب، كاتب سوري
وصل أحمد الشرع إلى الرئاسة عبر مؤتمر النصر في 29 يناير 2025، بتكليفٍ من الفصائل العسكرية، التي تحالف معها، وتتقاسم معه “الدولة”، التي لا تحمل أيّة صفةٍ دستورية أو شعبية. حلّ الشرع البرلمان والدستور ووزارة الرئيس المخلوع بشار الأسد. بعد تكليفه بالرئاسة، وإجراء مؤتمر حوارٍ وطنيٍّ شكلي، دام عدة ساعات، وإشهار الإعلان الدستوري المؤقت، الذي يُمركز كل السلطات في يديه، وتشكيل حكومةٍ انتقالية جديدة، يستعد الآن لتشكيل مجلسٍ تشريعيّ، يؤمّن لنفسه به غطاءً قانونياً، ويملأ الفراغ التشريعي.
منح الشرع نفسه في إعلانه الدستوريّ حقّ تعيين لجنةٍ عليا “للانتخابات”، تشرف على تعيين اللجان الفرعية التابعة لها في المحافظات، التي تشرف بدورها على اختيار الهيئات الناخبة، التي يُنتَخب منها أعضاء المجلس التشريعي. كما خصّ نفسه بتعيين ثلث أعضاء هذا المجلس، أي 70 عضواً.
أوّل ما تختار الهيئات الناخبة المرشحين، فعليها إرسالُ الأسماء إلى اللجنة العليا لتقرّها. وهذه اللجنة تستطيع إمّا إعادتها لتغيير الأسماء أو تعيين أسماء جديدة من تلقاء ذاتها. الأسوأ من كل سبق، منحُ أحمد الشرع، الرئيس الانتقالي، نفسه صلاحية تعيين كافة أعضاء اللجنة العليا في المجلس التشريعي، على نحوٍ يخالف كل الأعراف التشريعية المتعلقة بالانتخابات، إذ لا ينبغي لها أن تُنتخب بأيِّ حالٍ في المجلس التشريعي، للحفاظ على نزاهة العملية الانتخابية، وبذلك، تصبح طائعةً للرئيس أو لحاشيته، خدمةً لمصالحها في التعيين في المجلس، وتنفذ بدقة، ما يُطلب منها.
رغم أنّ الشرع يمتلك الحق الدستوري في تعيين أعضاء المحكمة الدستورية العليا، أعلى محكمةٍ في البلاد، وهي التي تستقبل عادةً الطعون في الانتخابات النيابية، إلا أنه عيّن عبر وزير العدل في حكومته، لجنةً خاصةً بالطعون المقدمة ضد المرشحين خلال “الانتخابات” الجارية حالياً.
إنّ تنظيم عملية “الانتخابات” هذه، التي تفتقد للشفافية والتفويض الشعبي، ولا تستند إلى مرجعيةٍ قضائيةٍ مستقلة، يلغي “شرعيتها”، ويفتح باباً كبيراً للفساد والافساد، عندما تتيح شراء عضوية المجلس بالمال أوالمصالح أوتبادل المنافع، والموافقة على كل مراسيم الرئيس السابقة واللاحقة.
علّل الشرع وسلطته وإعلامه اختيار هذا الشكل من الانتخابات غير المباشرة بأسباب تتعلق بغياب الوثائق، وتهجير أكثر من 12 مليون سورياً، وعلى أنها ضرورية ومتوافقة مع طبيعة المرحلة الانتقالية. بل أنّ الناطقين باسم اللجنة العليا ذهبوا حدّ تأكيد أنّ هذا الشكل معتمدٌ في أمريكا وفرنسا، وبالتالي، فهو شرعيٌّ وممثل للشعب، متجاهلين أن شعوب تلك الدول تنتخب أولاً مرشحيها، أعضاء المجمعات الانتخابية.
الآن، ومع مرور قرابة عشرة شهورٍ على سقوط الأسد، كان على هذه الحكومة المؤقتة إجراء إحصاءٍ دقيقٍ للسوريين/ات في الداخل والخارج، وإصدار وثائق لهم، وحصر أماكن إقامتهم، وتنظيم انتخاب مجالس محلية في المدن والبلدات، كمرحلةٍ أوليةٍ للوصول إلى انتخاباتٍ مباشرة لأعضاء مجلس الشعب، أو البرلمان.
يريد الشرع من انتخاباته هذه أن يتحكم وبشكلٍ مطلق في أعمال الدولة السورية، وسنّ القوانين التي تتيح له ولحاشيته وعائلته التحكم في كل مناحي الحياة.
إنّ تحكّم الشرع في كامل العملية الانتخابية سيسفر عن مجلسٍ موالٍ له كلياً، لا بثلثه فحسب، ما يحيلنا إلى سؤال عما إذا لم يكن الأجدى أن يعين كامل أعضاء المجلس، كما أشار المحامي إدوار حشوة، بدلاً من الانتخاب بالتعيين، لا سيما وإن هذا الشكل من الانتخابات “التعيينية”، خلق تذمراً شعبياً. يمكن الانطلاق هنا من محاولته تجنب اقتفاء أثر حافظ الأسد، حينما عيّن بنفسه، مجلس الشعب بعد وصوله للحكم عام 1970.
إن اختيار أفراد الهيئات الناخبة من قبل اللجان الفرعية، المعينة من اللجنة العليا، حرم الشعب من ممارسة حقه في الانتخاب والترشّح، ومنع إمكانية قياس شعبية المرشحين وشرعية نتائجها. كما حرم حصر عدد المنتخبين، والمرشحين بأعداد صغيرة ومحددة، الكثير من السوريين من المشاركة، وخلق اعتراضاتٍ كبيرة و تذمراً عائلاتياً ومناطقياً في بعض المحافظات، حتى مع اسقاط السويداء ومناطق قوات سوريا الديمقراطية، الخارجة عن سيطرة الحكومة الانتقالية من الحسابات.
إن هذا الشكل الاستبعادي للأغلبية السورية من الانتخاب سيؤدي إلى مشكلات اجتماعية، وينسف أيّ مضمونٍ ديموقراطيٍّ للانتخابات؛ وفق ما تنصّ عليه قرارات وبيانات الأمم المتحدة. وكانت العديد من المنظمات الحقوقية قد أصدرت مجموعة توصيات، وعلى أرضية “الأوضاع المعقدة والاستثنائية التي تمرّ فيها سوريا”، لتوضيح كارثية “جمهورية التعيين”، وشكلها هنا تعيين المجلس التشريعي.
هناك مسارٌ آخر تجاهله أحمد الشرع كلياً، كتبت عنه مختلف الأصوات الناقدة لسياساته، وهو مسار تشكيل هيئة حكمٍ انتقاليّ، حتى وإن كان هو على رأسها، وبما يتفق مع القرارات الدولية، والاستعانة بالخبرات السورية الوطنية، واعتماد التشاركية والتعددية، وانتخاب جمعيةٍ تأسيسيةٍ للتشريع في سنوات المرحلة لانتقالية، والمباشرة بالدعوة إلى عقد مؤتمرٍ وطنيّ عام، تتمثل فيه النخب السورية على اختلاف تنوعها، ليكون المرجعية لكافة استراتيجيات النهوض بالدولة.
حكاية ما انحكت
———————-
“واشنطن بوست”: السوريون بين الانتظار واللامبالاة مع أول انتخاباتٍ برلمانية في مرحلة ما بعد الأسد
5 أكتوبر 2025
تستعرض صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية في تقريرها الواقع الانتخابي في العاصمة دمشق بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد أواخر العام الماضي، متوقّفة عند المشهد الصامت في دمشق حيث تمرّ الانتخابات بلا ضجيج سياسي أو اهتمام شعبي يُذكر. ومن خلال شهادات ميدانية، تضيء الصحيفة على الأسئلة المتزايدة بشأن نزاهة العملية الانتقالية وبنية النظام البرلماني الجديد الذي يجمع بين التعيين والتصويت المحدود.
تشير “واشنطن بوست” في مقدمة تقريرها إلى أنه لم تُظهر شوارع دمشق، أمس السبت، أي مؤشرات على أن البلاد مقبلة على انتخاباتٍ برلمانية ستجري في اليوم التالي، مضيفةً لا ملصقات للمرشحين في الشوارع والساحات الرئيسية، ولا مهرجانات خطابية أو مناظرات عامة.
ولفتت الصحيفة إلى أنه في الأيام التي سبقت التصويت، لم يكن بعض سكان العاصمة دمشق على درايةٍ بأن الانتخابات على الأبواب، وهي الأولى منذ أن أطاح مقاتلو فصائل المعارضة بنظام الأسد في هجومٍ مفاجئ في كانون الأول/ديسمبر الماضي.
يقول إلياس القدسي، وهو صاحب متجرٍ في المدينة القديمة بدمشق، لـ”واشنطن بوست” بعد أن سُئل عن رأيه في الانتخابات المرتقبة: “لم أكن أعلم. اكتشفت بالصدفة أن هناك انتخابات لمجلس الشعب. لكنني لا أعرف إن كان علينا أن نصوّت أو من الذي سيصوّت أصلًا”.
وفقًا لتقرير الصحيفة الأميركية، يُعرف الحي الذي يقطنه القدسي بـ”حارة اليهود”، رغم أن معظم سكانه اليهود السابقين غادروه منذ زمن، هو من المناطق القليلة التي تظهر فيها بعض منشورات الدعاية الانتخابية المعلقة على جدران أزقتها الضيقة.
وأضافت أن الملصقات تشير إلى ترشّح هنري حمرة، وهو يهودي من أبناء الحي السابقين، هاجر مع عائلته إلى الولايات المتحدة عندما كان مراهقًا، وعاد لزيارة دمشق للمرة الأولى بعد سقوط الأسد. وقد أثار إعلان حملته تفاعلًا على وسائل التواصل الاجتماعي، لكنه لم يترك أثرًا يُذكر على القدسي.
“ليست مثالية”.. لكنها “واقعية”
يؤكد القدسي لـ”واشنطن بوست” أنه لم يُدلِ بصوته يومًا خلال حكم الأسد الاستبدادي، لأن النتيجة كانت محسومة سلفًا: الأسد رئيس، وحزب البعث يهيمن على البرلمان. كما لن يُصوّت التاجر هذه المرة أيضًا، ولكن لأسبابٍ مختلفة، إذ لن تُجرى أي انتخاباتٍ شعبية. فثلثا مقاعد مجلس الشعب سيُنتخب عبر هيئاتٍ انتخابية محلية في كل محافظة، بينما سيُعيّن الثلث المتبقي مباشرةً من قبل الرئيس أحمد الشرع.
وبحسب التقرير، قال المتحدث باسم اللجنة العليا للانتخابات، نوار نجمة، لوكالة “أسوشيتد برس”: “الآلية المعتادة هي طبعًا الانتخابات البرلمانية عبر التصويت المباشر من المواطنين، لكن هذا النموذج المثالي يكاد يكون مستحيلًا حاليًا لأسبابٍ عدة”.
وأوضح أن أبرز هذه الأسباب هو أن أعدادًا كبيرة من السوريين نزحوا أو فقدوا أوراقهم الثبوتية خلال الحرب، مضيفًا أن السلطات الانتقالية حلّت البرلمان السابق وجميع الأحزاب السياسية بعد سقوط الأسد، ولتفادي “الفراغ التشريعي”، اعتمدت الحكومة الآلية الحالية، واصفًا الانتخابات بأنها “ليست مثالية، لكنها الأكثر واقعية في هذه المرحلة”
مخاوف بشأن المصداقية
وفقًا لـ”واشنطن بوست”، انتقد بعض الناشطين السوريين المناهضين للأسد السلطات الجديدة ومسار الانتقال السياسي. من بينهم معتصم السيوفي، المدير التنفيذي لمنظمة “اليوم التالي”، وهي منظمة تعمل لدعم الانتقال الديمقراطي في سوريا، وقد قامت بناءً على طلب الحكومة بتدريب أعضاء الهيئات الانتخابية في مدينتين على قانون الانتخابات المؤقت ودورهم في العملية.
يقول السيوفي لـ”واشنطن بوست” إن اللجنة الانتخابية رفضت اقتراح منظمته بالسماح بوجود مراقبين مستقلين يوم الاقتراع. أما نجمة، المتحدث باسم اللجنة، فأوضح أن محامين من نقابة المحامين سيتولون مراقبة العملية بدلًا من ذلك.
وأشار السيوفي إلى مشكلاتٍ أخرى واجهت العملية، منها ضيق المهلة الزمنية التي لم تترك سوى أيامٍ معدودة للمرشحين لعرض برامجهم، بالإضافة إلى تغييراتٍ غير مبررة طرأت في اللحظة الأخيرة على قوائم أعضاء الهيئات الانتخابية.
من جهته، قال نجمة إن بعض الأعضاء أُزيلت أسماؤهم بسبب الطعون المقدّمة ضدهم نتيجة دعمهم للنظام السابق، أو لعدم استكمالهم الأوراق المطلوبة، مضيفًا أنه في حالاتٍ أخرى أُزيلت أسماء لأشخاصٍ ذوي كفاءة وانتماء وطني لإفساح المجال أمام تمثيلٍ أوسع للنساء والأقليات الدينية، بحسب التقرير ذاته.
وأعادت الصحيفة التذكير بأن مؤتمر الحوار الوطني، الذي عُقد مطلع العام لمساعدة السوريين على رسم مستقبلهم السياسي، قد تعرّض أيضًا لانتقاداتٍ واسعة باعتباره سريع الإعداد وغير شامل فعليًا. كما أدّت حوادث العنف الطائفي المتفرقة إلى زيادة شكوك الأقليات الدينية تجاه القيادة الجديدة.
قال السيوفي: “هل نمرّ بمرحلة انتقالية ذات مصداقية وشمولية تمثّل كل سوريا؟ لا أعتقد أننا وصلنا إلى ذلك بعد. علينا أن نتخذ خطواتٍ جدّية وشجاعة لتصحيح كل الأخطاء التي ارتكبناها خلال الأشهر التسعة الماضية”.
انتظار النتائج النهائية
كثير من السوريين يتخذون موقف “الانتظار والترقّب” حيال العملية الانتخابية، هذا إن كانوا يتابعونها أصلًا. قال القدسي إنه غير منزعجٍ من عدم تمكنه من التصويت هذه المرة: “ليست لدينا مشكلة في طريقة انتخاب أعضاء البرلمان، المهم أن يعملوا من أجل الشعب والبلد”.
وفي الشارع المجاور، قال جاره، شادي شمس، لـ”واشنطن بوست” إنه سمع بوجود انتخابات لكنه لا يعرف تفاصيلها. وكحال كثير من السوريين، ينشغل الأب لستة أطفالٍ بهموم الحياة اليومية كركود الاقتصاد، وانقطاع الكهرباء لساعاتٍ طويلة، وتدهور نظام التعليم.
وأوضح شمس أنه كان يصوّت في زمن الأسد، لكن العملية كانت شكلية: “كان الجميع يعرف أن من يجلس في مجلس الشعب لم يكن له رأي في أي شيء”. أما عن النظام الجديد فقال: “لا يمكننا الحكم قبل انتهاء الانتخابات، عندما نرى النتائج والشكل النهائي للأمور”.
الترا سوريا
——————————
برلمان بتصويت غير مباشر: سوريا تجرّب ديموقراطيتها الأولى بعد الثورة/ معاذ الحمد
سوريا بعد الأسد: أول انتخابات برلمانية.. صناديق مغلقة على الأسئلة المفتوحة
2025-10-05
في أجواء مليئة بالترقب والاختبار، فتحت المراكز الانتخابية في معظم المحافظات السورية صباح اليوم الأحد أبوابها أمام أعضاء الهيئات الناخبة، إيذاناً بانطلاق أول انتخابات برلمانية منذ سقوط نظام بشار الأسد. الحدث الذي وصفته السلطة الانتقالية بأنه “يوم تأسيسي لسوريا الجديدة”، يجري في ظل ظروف سياسية وأمنية معقدة، ووسط جدل واسع حول شرعيته وتمثيله الشعبي.
انطلاقة الحدث الانتخابي
منذ ساعات الصباح الأولى، توافد أعضاء الهيئات الناخبة إلى مراكز الاقتراع المنتشرة في أغلب المحافظات، حاملين وثائقهم الثبوتية لتسلّم أوراق الاقتراع الرسمية والدخول إلى غرف التصويت السرّي، قبل إيداع أصواتهم في صناديق الاقتراع بشكل علني.
وفي العاصمة دمشق، استقبل مركز المكتبة الوطنية وفوداً ديبلوماسية وسفراء دول معتمدين في سوريا لمتابعة سير العملية الانتخابية عن قرب، في إشارة رمزية إلى الانفتاح الخارجي الذي تحاول الحكومة الانتقالية ترسيخه.
أول برلمان بعد حقبة الأسد
تُعتبر هذه الانتخابات الأولى من نوعها بعد انهيار النظام السابق وتولي الرئيس الانتقالي أحمد الشرع قيادة المرحلة الانتقالية.
ويُنتظر أن تسفر عن تشكيل برلمان مؤقت من 210 أعضاء، يتم اختيار ثلثيهم (140 نائباً) عبر انتخابات غير مباشرة من خلال “الهيئات الناخبة”، في حين يُعيَّن الثلث الباقي (70 نائباً) بمرسوم رئاسي.
وبحسب المرسوم الرئاسي رقم 66 لعام 2025، فإن هذا النظام الانتخابي المؤقت جاء نتيجة غياب البنية التحتية المدنية اللازمة للانتخابات المباشرة، مثل السجل الانتخابي وقواعد البيانات الوطنية، إضافة إلى استمرار الاضطرابات الأمنية في بعض المناطق.
قانون جديد وهيئات ناخبة محلية
أُنشئت لجنة عليا للإشراف على انتخابات مجلس الشعب برئاسة القاضي محمد طه الأحمد وعضوية عشرة أشخاص، لتشرف على كل تفاصيل العملية من إعداد القوائم إلى فرز الأصوات والنظر في الطعون.
وتم تشكيل الهيئات الناخبة محلياً في كل محافظة، بالتشاور مع الفعاليات المجتمعية والرسمية، بحيث تضم ممثلين عن الأعيان، المثقفين، والنقابات. يبلغ عدد أعضاء هذه الهيئات نحو 14 ألف ناخب، لهم وحدهم حق التصويت والترشح.
ويعتمد توزيعهم على قاعدة حسابية محددة، إذ يُضرب عدد مقاعد كل دائرة انتخابية في 50 لتحديد عدد أعضاء هيئتها الناخبة. وقد تم تحديد شروط دقيقة لاختيارهم، تشمل الأهلية القانونية، السمعة الحسنة، الإقامة قبل عام 2011، والحياد السياسي، إضافة إلى استبعاد من شغلوا مناصب في عهد النظام السابق أو دعموا أعمالاً انفصالية.
محافظات غائبة ومقاعد مجمّدة
رغم انطلاق العملية في معظم المحافظات، غابت عنها السويداء، الحسكة، والرقة.
ففي السويداء، أدت التوترات الأمنية إلى تأجيل الانتخابات “حتى استقرار الوضع الأمني”، وفق بيان اللجنة العليا.
أما في الحسكة والرقة، اللتين تقعان تحت سيطرة الإدارة الذاتية، فقد تم تعليق العملية الانتخابية بعد رفض الأخيرة المشاركة واعتبارها الانتخابات “غير شرعية”.
ونتيجة لذلك، تُرك نحو 19 مقعداً شاغراً، ما دفع الرئاسة إلى استخدام صلاحياتها في التعيين لتعويض النقص وضمان التوازن الجغرافي والطائفي في المجلس.
المرشحون والتنافس المحدود
أُغلق باب الترشح في 28 أيلول / سبتمبر الماضي، بعد أن بلغ عدد المرشحين 1578 شخصاً، بينهم 14٪ نساء.
وعلى الرغم من هذا التنوع النسبي، رُصد غياب شبه كامل للحملات الانتخابية والإعلانات العامة، إذ اكتفت بعض المراكز المحلية بملصقات محدودة وإعلانات رسمية باهتة. ووفق تقارير دولية، بدت العملية “منضبطة أكثر مما هي تنافسية”.
التصويت والإجراءات التنظيمية
بدأ التصويت في التاسعة صباحاً ويستمر حتى الخامسة مساءً، مع إمكانية التمديد في بعض المحافظات. يتم التحقق من هوية كل ناخب قبل دخوله المركز، ثم يُمنح ورقة انتخابية مختومة يتوجه بها إلى غرفة الاقتراع السري، ليضع بعدها الورقة في الصندوق بشكل علني أمام لجنة المراقبة.
صلاحيات الرئيس ودوره المركزي
يمنح الإعلان الدستوري المؤقت الرئيس الانتقالي صلاحيات واسعة في هذه المرحلة، تشمل تشكيل اللجنة العليا للانتخابات وتعيين ثلث أعضاء البرلمان، إضافة إلى إصدار المراسيم والقوانين. كما حددت القوانين ضوابط لتعيين النواب، منها عدم اختيار خاسرين في الانتخابات أو أعضاء من الحزب الذي كان ينتمي إليه الرئيس سابقاً، مع تخصيص 10% من المقاعد المعينة للنساء.
ويُفترض أن يهدف هذا التعيين إلى تحقيق التوازن الطائفي والإقليمي، لكن منتقدين يرون أنه يعزز السيطرة التنفيذية على المؤسسة التشريعية.
غياب التصويت الشعبي ومأزق الشرعية
اللافت أن المواطنين السوريين لم يشاركوا بشكل مباشر في هذه الانتخابات، إذ اقتصر الاقتراع على الهيئات المنتخبة محلياً. هذا الغياب الشعبي أثار تساؤلات حول شرعية البرلمان الانتقالي وقدرته على تمثيل الإرادة العامة.
ويرى مراقبون أن هذا النظام الانتخابي غير المباشر قد يكون ضرورياً مؤقتاً في ظل ضعف البنى الإدارية والأمنية، لكنه يضعف الإحساس بالتمثيل الشعبي ويجعل البرلمان أقرب إلى “هيئة استشارية” تخضع لتوازنات السلطة الانتقالية أكثر من كونها مؤسسة رقابية مستقلة.
مقارنة بين الأمس واليوم
تختلف انتخابات 2025 جذرياً عن تلك التي كانت تجري في عهد بشار الأسد، حيث كان التصويت مباشراً ويشارك فيه المواطنون، رغم هيمنة الأجهزة الأمنية آنذاك. أما اليوم، فالنظام غير مباشر ويقوم على اختيار محدود من النخب، مع صلاحيات واسعة للرئيس في التعيين. كما غابت الأحزاب السياسية تماماً بعد حلّ الأحزاب المرتبطة بالنظام السابق، ليخوض المرشحون السباق بصفاتهم الفردية فقط.
خطوة انتقالية أم مسرحية سياسية؟
بالنسبة لأنصار الحكومة الانتقالية، تمثل هذه الانتخابات خطوة ضرورية لبناء مؤسسات تشريعية جديدة، في طريق طويل نحو دستور دائم وانتخابات عامة خلال ثلاثين شهراً.
أما المنتقدون، فيعتبرونها عملية شكلية تهدف إلى إضفاء طابع مؤسساتي على مرحلة انتقالية ما زالت تمركز السلطة فيها بيد الرئيس.
بين الشك والأمل
وبحسب مراقبين، “لا يعلّق السوريون آمالاً كبيرة على نتائج هذه الانتخابات بقدر ما ينتظرون ما يليها: هل ستفتح الطريق أمام إصلاح سياسي حقيقي ودستور دائم؟ أم ستكون بداية دورة جديدة من السلطة المركّزة بواجهة ديموقراطية؟”
وفي كل الأحوال، تبقى انتخابات 2025 لحظة فارقة في تاريخ سوريا الحديث — لحظة انتقال من نظامٍ شموليٍ سقط بالقوة، إلى تجربةٍ برلمانيةٍ ناشئة تحاول أن تتنفس في بيئة مليئة بالشكوك، على أمل أن تتبلور مع الوقت إلى عقد سياسي جديد يعبّر فعلاً عن السوريين جميعاً.
——————————
ما حصة كل محافظة سورية من مقاعد مجلس الشعب؟
2025.10.05
شهدت سوريا، اليوم الأحد، انطلاق عملية اختيار أعضاء مجلس الشعب في مختلف المحافظات، حيث فتحت المراكز الانتخابية أبوابها منذ الصباح، وخُتمت صناديق الاقتراع بالشمع الأحمر قبل السماح للهيئات الناخبة بالإدلاء بأصواتها.
وبحسب اللجنة العليا للانتخابات، تجري العملية ضمن خمسين دائرة انتخابية بمشاركة 1578 مرشحاً، بينهم نحو 14 في المئة من النساء، يتنافسون على 140 مقعداً من أصل 210، في حين يُعيَّن 70 عضواً بقرار من الرئيس أحمد الشرع. وقد حضر ممثلو بعثات دبلوماسية وسفراء دول معتمدون إلى بعض المراكز لمتابعة سير الانتخابات.
أما حصة المحافظات من مقاعد مجلس الشعب فجاءت على النحو التالي:
حلب 32 مقعداً: جبل سمعان (14)، إعزاز (3)، الباب (3)، السفيرة ودير حافر (2)، الأتارب (1)، جرابلس (1)، عفرين (3)، عين عرب (2)، منبج (3).
ريف دمشق 12 مقعداً: ريف دمشق ويبرود (3)، الزبداني (1)، التل (1)، القطيفة (1)، النبك (1)، دوما (3)، قطنا (1). أما دمشق فلها 10 مقاعد.
حمص 12 مقعداً: حمص (8)، الرستن (1)، المخرم والقصير (1)، تدمر (1)، تلكلخ (1).
حماة 12 مقعداً: حماة (5)، السقيلبية (2)، السلمية (2)، محردة (1)، مصياف (2).
الحسكة 10 مقاعد: الحسكة (3)، القامشلي (4)، المالكية (2)، رأس العين (1).
اللاذقية 7 مقاعد: اللاذقية (3)، الحفة (1)، القرداحة (1)، جبلة (2).
طرطوس 5 مقاعد: طرطوس (2)، دريكيش والشيخ بدر (1)، صافيتا (1)، بانياس (1).
دير الزور 10 مقاعد: دير الزور (5)، البوكمال (3)، الميادين (2).
الرقة 6 مقاعد: الرقة (3)، الثورة (1)، تل أبيض (2).
درعا 6 مقاعد: درعا (3)، الصنمين (1)، إزرع (2).
إدلب 12 مقعداً: إدلب (3)، معرة النعمان (2)، خان شيخون (1)، جسر الشغور (2)، حارم (2)، أريحا (2).
السويداء 3 مقاعد: السويداء (1)، شهبا (1)، صلخد (1).
القنيطرة 3 مقاعد: القنيطرة (2)، فيق (1).
تشكيل أول مجلس شعب بعد سقوط الأسد
اعتبر رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، محمد طه الأحمد، أن “اليوم يُعد مميزاً كونه يشهد أول انتخابات حرة ونزيهة”، موضحاً أن الهيئات الناخبة ستختار ممثليها في مجلس الشعب الذي سيتولى مهامه التشريعية والتمثيلية والرقابية.
وأعرب الأحمد، في تصريح للصحفيين قبيل بدء الاقتراع في دمشق، عن أمله في أن يختار الناخبون “من يمثلهم حقاً ويعكس تطلعات سوريا الجديدة في المرحلة المقبلة”، مشدداً على ضرورة أن يطّلع المرشحون على التعليمات التنفيذية الصادرة عن اللجنة العليا، والتي تفسر النظام الانتخابي المؤقت بشكل واضح.
ولفت الأحمد إلى أن لجان الطعون ما زالت تواصل أعمالها، مبيناً أن أي شكوى أو اعتراض على سير العملية الانتخابية، سواء في الدعاية أو الاقتراع أو الفرز، يمكن تقديمه إلى اللجان المختصة اعتباراً من صباح الغد.
وأشار إلى أن انتهاء عملية الاقتراع يعتمد على حجم الإقبال في كل مركز، حيث تمتد الفترة المحددة من التاسعة صباحاً حتى الثانية عشرة ظهراً، موضحاً أنه في حال لم تتحقق نسبة 80% من المقترعين، يحق للجنة الفرعية تمديد العملية ساعة بعد ساعة حتى تتحقق النسبة المطلوبة، على أن تنتهي في الساعة الرابعة مساءً بغض النظر عن عدد المشاركين.
——————————
الشرع: بناء سوريا مسؤولية جماعية تتطلب إنجازات عاجلة
الشرع من المكتبة الوطنية بدمشق: السوريون انتقلوا من الحرب إلى صناديق الاقتراع خلال أشهر
2025-10-05
تابع الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع سير عملية انتخاب أعضاء مجلس الشعب خلال زيارة إلى مركز الاقتراع في المكتبة الوطنية بدمشق اليوم الأحد، وأكد أن البلاد قطعت “مسافة كبيرة” خلال أشهر قليلة وأن المرحلة الانتقالية تتطلب تسريع إنجاز القوانين ومشاركة واسعة من المواطنين.
وفي مستهل جولته قال الشرع إن “سوريا تمكنت خلال بضعة أشهر من إنجاز عمل جبار والدخول في عملية انتخابية جديدة”، وأن “السوريين يفخرون بالانتقال من مرحلة الحرب والفوضى إلى الانتخابات والتشاركية”.
وشدد على أن هناك “الكثير من القوانين المعلقة بحاجة إلى تصويت للمضي قدماً في عملية البناء”، وأن “بناء سوريا مهمة جماعية يجب على جميع السوريين أن يساهموا فيها”.
وطالب الرئيس كذلك بـ”تحقيق إنجازات جديدة خلال الأيام القادمة من أجل إعادة بناء سوريا”.
وأشار إلى أن السلطات سعت إلى “ملء الفراغ الهام في تمثيل الشعب في المجلس” من خلال تسريع إجراءات تشكيل الهيئات الناخبة ومراكز الاقتراع.
وتجري هذه العملية الانتخابية في سياق وصفه بعض المراقبين بأنه “محطة تاريخية” عقب سقوط النظام السابق في كانون الأول/ديسمبر 2024، حيث تُقام جولة انتخابية تعتبر أول اختبار للسلطة الحالية.
بينما نقلت وكالات رسمية تصريحات الشرع وتأكيدها على سير العملية “بشفافية” و”انسيابية”، أشارت وسائل إعلام أخرى إلى وجود انتقادات بشأن شمولية التمثيل وغياب المشاركة عن مناطق واسعة، واصفةً الانتخابات بأنها “محدودة المضمون” في بعض المناطق.
واستقبلت العاصمة دمشق وفوداً ديبلوماسية وسفراء دول معتمدين في سوريا عند مركز المكتبة الوطنية لمتابعة سير العملية الانتخابية.
ووفق الترتيبات الرسمية، يُظهِر كل عضو من الهيئة الناخبة وثيقة ثبوتية عند دخوله المركز المختار، ثم يتسلّم ورقة انتخابية مختومة رسميّاً، ويتحرّك إلى غرفة الاقتراع السريّ ليُعدّ صوته، قبل أن يودع الورقة داخل صندوق الاقتراع علنيّاً.
وتُعد هذه الانتخابات محاولة أولى لتشكيل برلمان مؤقت، يتألّف من 210 أعضاء، حيث يُنتخب 140 منهم عبر هيئات انتخابية غير مباشرة، بينما يُعيَّن الثلث الباقي بمرسوم من الرئيس.
ويُتوقّع أن يشارك في الاقتراع نحو 6 آلاف ناخب من الهيئات الإقليمية، ويُفتتح التصويت الساعة 9 صباحاً (بتوقيت دمشق) على أن تُغلق صناديق الاقتراع الساعة 5 مساءً.
وكان قد أُغلق باب الترشح في 28 أيلول/سبتمبر الماضي على مستوى 50 دائرة انتخابية في البلاد، وبلغ عدد المرشحين نحو 1,578 شخصاً، شكلت النساء حوالي 14٪ منهم.
كما أنشئت لجنة عليا لانتخابات مجلس الشعب من 11 عضواً (10 أعضاء ورئيس) للإشراف على العملية برمّتها.
وتمثّل هذه الانتخابات أول برلمان يُختار بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد، في خطوة تشكّل اختباراً للشرعية السياسية للمُرشحين والسلطة الانتقالية الجديدة.
ويتم الانتخاب بطريقة غير مباشرة، إذ يصوّت أعضاء الهيئات الناخبة لملء ثلثي المقاعد، في حين يعيّن الرئيس الثلث الباقي، ما أثار مخاوف وانتقادات بشأن توازن السلطة والتمثيل، بحسب “رويترز”.
وأُجلت الانتخابات في بعض المناطق، ولاسيما في الشمال الشرقي (الحسكة، الرقة) ومحافظة السويداء، بسبب ظروف أمنية وسياسية، ما ترك نحو 19 مقعدًا شاغراً.
فيما كانت الحملة الانتخابية شبه غائبة، حيث غابت الإعلانات العامة واللافتات السياسية، وفق ما ذكرت “رويترز”.
وترافق الانتخابات مخاوف من التمثيل غير الكافي للنساء والأقليات في البرلمان الجديد، خصوصاً أن التعيينات الرئاسية قد تُستخدم لتعزيز السيطرة التنفيذية على السلطة التشريعية، بحسب “رويترز”.
————————————–
الشرع: القوانين المعلّقة تنتظر المجلس الجديد وبناء سوريا مسؤولية جماعية لأبنائها
2025.10.05
أكد الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال زيارته للمكتبة الوطنية في دمشق لمتابعة سير عملية اختيار أعضاء مجلس الشعب، أن القوانين المعلّقة منذ سنوات تنتظر دور المجلس الجديد ليتم البتّ فيها ودفع عملية البناء إلى الأمام.
وشدد الرئيس السوري، في كلمة له، على أن إعادة إعمار سوريا مسؤولية جماعية يجب أن ينهض بها جميع السوريين، بحسب وكالة الأنباء السورية (سانا).
ولفت الشرع إلى أن البلاد حققت خلال أشهر قليلة انتقالاً مهماً من مرحلة الحرب والفوضى إلى أجواء انتخابية تعكس روح التشاركية، معتبراً أن هذا الإنجاز دليل على إرادة السوريين القوية في المضي قدماً نحو الاستقرار وبناء مؤسسات الدولة.
وأشار إلى أن المجلس المنتخب أمامه مهام كبيرة، أبرزها التصويت على القوانين المجمّدة، بما يتيح استكمال مسيرة الإصلاح وإطلاق عجلة الإعمار، داعياً الشعب السوري إلى الاستمرار في المشاركة الفاعلة خلال هذه المرحلة المصيرية.
وختم الرئيس الشرع بالتأكيد على أن الأيام المقبلة يجب أن تحمل إنجازات جديدة تترجم تطلعات السوريين وتعيد الثقة بمستقبل وطنهم، مشدداً على أن “بناء سوريا واجب وطني يتقاسمه جميع أبنائها”.
بدء فرز الأصوات في عدة محافظات
وفي وقت سابق اليوم، أعلنت “اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب” بدء عملية فرز الأصوات في عدد من المحافظات السورية، بعد ساعات قليلة من انطلاق عملية التصويت.
وأوضح المتحدث باسم اللجنة، نوار نجمة، أن عملية الفرز بدأت في مراكز بانياس بريف طرطوس، والقصير جنوب حمص، والسقيلبية بريف حماة، والصنمين بريف درعا، مشيراً إلى أن النتائج الأولية ستصدر بعد ظهر اليوم الأحد.
وانطلقت صباح اليوم الأحد عملية اختيار أعضاء مجلس الشعب في معظم المحافظات السورية، وسط حضور لبعثات دبلوماسية في بعض المراكز.
وأفاد مراسلو تلفزيون سوريا بأن المراكز الانتخابية فتحت أبوابها عند الساعة التاسعة صباحاً، وتم ختم صناديق الاقتراع بالشمع الأحمر قبل السماح لأعضاء الهيئات الناخبة بالإدلاء بأصواتهم.
وتُجرى الانتخابات في خمسين دائرة انتخابية موزعة على مختلف المحافظات السورية، بمشاركة 1578 مرشحاً، تشكّل النساء نحو 14 في المئة منهم، ويتنافس المرشحون على 140 مقعداً من أصل 210 مقاعد، في حين يُعيَّن الأعضاء السبعون المتبقون من قِبل الرئيس أحمد الشرع.
وبحسب ما أعلنت اللجنة العليا للانتخابات في وقت سابق، يبلغ عدد أعضاء الهيئات الناخبة على مستوى سوريا نحو 14 ألف شخص.
—————————
اختيار أعضاء مجلس الشعب السوري.. بدء فرز الأصوات في مراكز ومد الاقتراع بأخرى
2025.10.05
بدأت، بعد ظهر الأحد، عملية فرز الأصوات في مراكز انتخابية، بينما جرى تمديد الاقتراع في أخرى، ضمن تشكيل أول برلمان تشهده سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر 2024.
وقالت مراسل تلفزيون سوريا إن عملية فرز أصوات الناخبين بدأت في مركز القنيطرة جنوبي البلاد.
كما أفاد مراسل تلفزيون سوريا في حلب بـ”فرز أصوات الناخبين في مركز مدينة الباب الانتخابي بريف حلب شمالا، وأضاف أن “اللجنة الفرعية لانتخابات مجلس الشعب في منطقة منبج بريف حلب تواصل فرز أصوات الناخبين”.
وفي سياق ذلك، نقلت وكالة “سانا” عن الرئيس السوري أحمد الشرع قوله خلال اطلاعه على سير العملية الانتخابية في المكتبة الوطنية بدمشق: “خلال بضعة أشهر قليلة استطاعت سوريا أن تدخل في عملية انتخابية تتناسب مع الظرف الذي تمر به”.
وتابع الشرع “توجد الكثير من القوانين التي بحاجة إلى تصويت للمضي قدما في عملية البناء والازدهار”.
وأكد أن “بناء سوريا مهمة جماعية، ويجب على جميع السوريين أن يساهموا فيها”.
تمديد عمليات الاقتراع في دمشق والمدن الكبرى
وفي وقت سابق اليوم، نقلت “سانا” تصريحات لرئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب محمد الأحمد، قال فيها إنه “تم تمديد عمليات الاقتراع في دمشق والمدن الكبرى في بعض المحافظات، فيما انتهت عمليات الاقتراع بريف دمشق وعدد من المراكز الأخرى في المحافظات”.
وقال الأحمد إن العملية الانتخابية “تسير على قدم وساق وبسلاسة، والسوريون فخورون برؤية أول تجربة حقيقية لاختيار ممثليهم في مجلس الشعب”.
وقال متحدث اللجنة العليا للانتخابات نوار نجمة، في تصريحات سابقة لـ”سانا”، إن عملية الاقتراع تنتهي عند الساعة الثانية عشرة ظهرا (بالتوقيت المحلي/ غرينتش+3) بشكل مبدئي، وفي حال لم يدل جميع أعضاء الهيئات الناخبة بأصواتهم يمكن تمديد عملية الاقتراع كحدّ أقصى حتى الساعة الرابعة مساء كحد أقصى.
وأوضح أن النتائج النهائية ستعلن خلال مؤتمر صحفي رسمي تعقده اللجنة العليا لانتخابات في مجلس الشعب يوم الاثنين أو الثلاثاء القادمين.
ويتنافس في “الانتخابات” ألف و 578 مرشحا، تشكّل النساء 14 بالمئة منهم، بينما يبلغ عدد مقاعد المجلس 210، ثلثها يعيّنه رئيس الجمهورية مباشرة، فيما يُنتخب الثلثان الآخران.
وأشار مراسلنا في دمشق إلى وصول عدد من ممثلي البعثات الدبلوماسية وسفراء الدول المعتمدين لدى سوريا إلى مركز المكتبة الوطنية للاطلاع على سير العملية الانتخابية.
انتهاء اختيار ممثلي بعض المناطق في البرلمان
أعلن محافظة درعا أنور الزعبي، عن انتهاء فرز أصوات للمشاركين بعملية تشكيل مجلس الشعب، وإعلان الفائز الأول وهو “محمد فاروق عاصي”، في الصنمين بريف درعا.
وفي مدينة سلمية بريف حماة الشرقي اختارت اللجنة عبد الله الشعار ليمثل المدينة في مجلس الشعب، في حيت تم اختيار ياسر محمود الشحادة ليكون عضوا في البرلمان ممثلا عن ريف المدينة.
وفي مدينة القصير بريف حمص، اختارت اللجنة المرشح المحامي أحمد السماعيل حيث تفوق على ست مرشحين آخرين ترشحوا عن دائرة القصير والمخرم، وفق مراسلنا. وبلغ عدد الناخبين حتى اللحظة الساعة 11 صباحا، في مركز المحافظة في حمص – قصر الثقافة 157 ناخباً من أصل 400 ناخب.
وبلغت نسبة التصويت في مركز مدينة حماة 60%، بينما اكتملت عملية التصويت في مركزي محردة ومصياف حيت تم اختيار العضوين سامر أحمد محمد وإبراهيم عبدالله العبدالله (الإسبر) عن منطقة مصياف، واختيار المحامي عبد الناصر حوشان، من مواليد مدينة كفرزيتا عن مركز محردة.
وفي أواخر يوليو/ تموز الماضي، تسلم الرئيس السوري أحمد الشرع النسخة النهائية من النظام الانتخابي المؤقت الخاص بمجلس الشعب، وأصدر في 27 أغسطس/ آب الماضي مرسوما بالتصديق عليه.
وحدد المرسوم الشروط المتعلقة بالعملية الانتخابية، واللازم توفرها بأعضاء مجلس الشعب، واللجان المرتبطة بها، وكيفية الانتخاب.
وحسب المرسوم، تُجرى الانتخابات وفق نظام يقوم على الانتخاب غير المباشر، عبر “هيئات ناخبة”، يتم تشكيلها في كل دائرة انتخابية بقرار من اللجان القضائية المختصة.
وتضم هذه الهيئات عددًا محددًا من الأعضاء، يُحتسب حجمها نسبةً إلى عدد المقاعد المخصصة لكل دائرة، ويُشترط أن يكون المرشح لعضوية المجلس من بين أعضائها.
———————————
منقبة وابن حاخام في انتخابات مجلس الشعب بسوريا
انطلقت اليوم الأحد في سوريا عملية الاقتراع لانتخابات مجلس الشعب، في أول انتخابات تجرى بعد سقوط نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد.
ويترقب السوريون نتائج هذه الانتخابات، لما لها من أثر بالغ في رسم ملامح حياتهم التشريعية الجديدة في دولتهم التي استعادوها بعد سقوط النظام المخلوع.
ونظرا لكون هذه الانتخابات تحمل خصوصية مميزة للسوريين، فقد شهدت حالات ترشح لافتة أثارت تفاعلا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي، من أبرزها ترشح السيدة غدير محمد مرعي، التي ترتدي النقاب، وهو أمر كان من المستحيل حدوثه في عهد الأسد.
أما الحالة الثانية التي شهدت تفاعلا أيضا فهي ترشح المواطن السوري اليهودي هنري حمرة -ابن آخر حاخام غادر سوريا في تسعينيات القرن الماضي- للسباق الانتخابي إلى مجلس الشعب، ليصبح بذلك أول مرشح يهودي منذ نحو 70 عاما.
وعلق متابعون على هذه الظواهر بالقول إن “سوريا الجديدة هي لكل السوريين، وهي لمن يرغب في بناء البلاد بعد ما ألم بها من خراب”.
وعبر أحد الداعمين لترشح غدير محمد مرعي قائلا: “أدعمها لأنها سيدة من أبناء الثورة، عملت مع منظمة كان لها أثر طيب، وشهدت مع عائلتها الحصار والقصف والنزوح في حلب، فهي تفهم جيدا معاناة الشعب لأنها منهم.
وأضاف لأول مرة في التاريخ سنشهد وجود امرأة منتقبة في مجلس الشعب، والأهم من ذلك أنها ليست من الطبقة البرجوازية التي لا تهتم سوى بجمع المال والوصول إلى السلطة، بل هي من الطبقة التي عانت وتمثل النساء اللاتي تم تهميشهن طوال عقود”.
في حين كتب آخرون عن ترشح حمرة قائلين: “كل التوفيق لك ولجميع المرشحين، والتوفيق لسوريا حكومة وشعبا، وأن يكون هذا الانتقال من حقبة الإقصاء إلى حقبة المشاركة الحقيقية من أجل وطن واحد موحد. سوريا تستحق أن تكون محط أنظار العالم أجمع”.
ووجه البعض رسائل إلى المرشحين لمجلس الشعب جاء فيها: “قريبا ستعلن أسماء أعضاء مجلس الشعب السوري بعد انتخابهم من الهيئات الناخبة، وهذه رسالة أخوية للأصدقاء المترشحين، إعلان تعيين النائب هو إعلان بحمل عبء ثقيل وليس فوزا بمسابقة يستحق التهنئة والاحتفال”.
وأضافوا أن عضوية البرلمان مسؤولية كبيرة وحسابها عسير في ميزان الآخرة، فإذا كنا محاسبين على كل كلمة نكتبها أو ننطق بها، فكيف بمواقف تسن بها قوانين وتشريعات تمس حياة الملايين وقد يبقى أثرها أجيالا.
وأكد آخرون أن “مقام النائب هو وظيفة حكومية تشريعية وليس منصبا فخريا يفاخر به، وراتبه الشهري هو دخل مقابل لجهده ينفق منه على نفسه وعياله، وليس لأي هدف آخر”.
————————-
طبيعة التنافس الانتخابي بين المكونات المجتمعية في درعا ودمشق
أحمد العكلة
05 اشرين الأول 2025
دمشق- تستعد معظم المحافظات السورية لخوض انتخابات مجلس الشعب، وسط سباق محموم بين قوى مجتمعية وكيانات محلية وشخصيات ناشئة تسعى لتثبيت حضورها وتأثيرها.
ودخلت محافظة درعا، جنوبي سوريا، مرحلة جديدة بعد سقوط نظام الأسد برزت فيها العشائر الكبرى والمبادرات المدنية والشبابية كقوى رئيسية تتنافس على تمثيل المجتمع المحلي وإعادة صياغة دوره السياسي، في محاولة لكسر الاحتكار التقليدي للسلطة.
بالمقابل، وفي العاصمة دمشق، تتداخل المصالح بين الدولة والفاعلين المحليين، وتتجلى المنافسة بشكل آخر، إذ تحاول العشائر النازحة بالإضافة للجمعيات المدنية والنخب الجديدة توظيف شبكاتها الاجتماعية والاقتصادية لكسب النفوذ من خلال العملية الانتخابية.
وبالمزيد من التركيز على الجنوب السوري والعاصمة، يتضح دور العشائر والمبادرات المدنية والنخب الجديدة في توجيه خيارات الناخبين، مع محاولة استشراف ما إذا كانت الانتخابات المقبلة ستنتج مشهدا محليا جديدا أم تعيد إنتاج الولاءات التقليدية بشكل مختلف.
الدور العشائري والمدني
في درعا، يأتي التنافس على مقاعد مجلس الشعب بين العشائر والمبادرات المدنية والشبابية وكأنه نتيجة للفراغ السياسي. ويقول محمود الرفاعي، أحد وجهاء محافظة درعا، للجزيرة نت “إن العشائر لا تزال تمثّل شبكة اجتماعية واسعة تُمكّنها من التأثير، لكنها اليوم تتجه للمشاركة أكثر في النقاش والتوافقات بدل فرض خياراتها مباشرة كما كانت سابقا”.
وأضاف الرفاعي أنه “بالرغم من تراجع التأثير نسبيا لكون الشباب أصبحوا أكثر استقلالا، فإن العشيرة ما تزال ركيزة أساسية خصوصا في المناطق الريفية والقرى”.
وأضاف الرفاعي أن أبرز التحديات التي نواجهها هي جذب الشباب إلى المشاركة ضمن الأطر العشائرية وعدم ترك الساحة للمبادرات المدنية فقط، “لذلك نتوقع أن تكون النتائج هذه المرة متقاربة بين المرشحين المدعومين عشائريا وبين الشخصيات المستقلة، في مؤشر على تغير الخريطة الاجتماعية والسياسية في المحافظة”.
من ناحيته، يقول سمير عبد العال، وهو أحد الناشطين السياسيين في درعا، للجزيرة نت “نحاول نحن الشباب تقديم بدائل جديدة للتمثيل التقليدي عبر برامج خدمية وتنموية، ونستخدم اللقاءات المجتمعية ووسائل التواصل الاجتماعي لإبراز خطط واضحة وحلول عملية بدل الخطابات التقليدية”.
ومن أهم التحديات أمامهم -يضيف عبد العال- “بناء ثقة الناس بقدرتنا على تحقيق التغيير، خاصة في ظل هيمنة الولاءات التقليدية وتردد البعض في منح الشباب فرصة حقيقية”.
وبالرغم من ذلك، يقول “متفائلون بأن حضورنا سيتوسع في الانتخابات المقبلة، وأن المجتمع بدأ يتقبل فكرة التمثيل القائم على البرامج والخدمة العامة أكثر من الانتماءات الضيقة”.
من ناحيته، يقول المحامي عدنان المسالمة، أحد المرشحين لمجلس الشعب في درعا، إنه “بعد انتصار الثورة وتحرير البلاد من النظام البائد الذي كان يسخر المجلس التشريعي لخدمة أجنداته”، قرر الترشح للمجلس الجديد من أجل العمل على بناء مجلس حقيقي لإلغاء المحاكم الاستثنائية وتعديل القوانين الجائرة.
وبرأي المسالمة، في حديث للجزيرة نت، فإن “المجتمع الثائر الذي قضى على أكثر الدكتاتوريات دموية، وبوجود المبادرات الشبابية والوعي المتزايد، سيلفظ العشائرية التقليدية ويسخر العشيرة لخدمة المجتمع عبر تقديم مرشحين ينقلون مطالبهم إلى المجلس الجديد لتُطبق على الأرض”.
مشاركة النساء
إلى جانب التنافس بين العشائر والمبادرات الشبابية، برزت النساء في محافظة درعا عنصرا فاعل في العملية الانتخابية من خلال مشاركتهن في اللجان الناخبة. ويُنظر إلى هذه المشاركة بوصفها خطوة نحو تعزيز تمثيلهن في صنع القرار السياسي، ليس فقط كناخبات، بل بعضوية مؤثرة في اختيار السلطة التشريعية المقبلة.
تقول الناشطة النسوية آلاء محاميد، وهي عضو اللجنة الناخبة في مجلس الشعب بدرعا “مشاركتي في اللجنة الناخبة تمثل بالنسبة لي خطوة مهمة لتعزيز حضور المرأة في الحياة السياسية، وإثبات قدرتها على أن تكون شريكا حقيقيا في صناعة القرار، بعد سنوات من تهميش أصوات النساء في المجالس المحلية والوطنية”.
واعتبرت محاميد أن وجود نساء داخل اللجان الناخبة يعني “أننا لا نكتفي بالمطالبة بالحقوق فقط، بل نشارك في اختيار وصياغة السلطة التشريعية نفسها، وهي فرصة أكبر لضمان وصول أصوات النساء وقضاياهن إلى البرلمان الجديد”.
تداخل المصالح
أما في دمشق، فيبقى المشهد أكثر تعقيدا بفعل تركز نفوذ الدولة وتشابك المصالح، كما أن وجود عشائر نازحة إلى العاصمة خلق مزيجا من الولاءات القديمة والجديدة، مما يجعل التنافس الانتخابي فيها أقل وضوحا وأكثر خضوعا لشبكات النفوذ الرسمي والاجتماعي معا.
ويعتقد عمران المؤذن، أحد الناشطين السياسيين بدمشق، أن “الانتخابات المقبلة ستفرز خريطة مختلطة، فبعض المواقع ستحوزها وجوه شابة أو مبادرات مدنية، لكن جزءا كبيرا سيبقى بيد القوى التقليدية”.
واعتبر المؤذن، في حديث للجزيرة نت، أن المشهد في دمشق أكثر تعقيدا من المحافظات الأخرى، إذ تتداخل مصالح الدولة مع قوى محلية وعشائر نازحة وجمعيات مدنية، مما ينتج عنه تنافس غير معلن لكنه حاضر بقوة.
ويضيف موضحا “نحن أمام مرحلتين متداخلتين، هناك محاولات جادة لتأسيس سلطة محلية جديدة تقوم على المبادرات المدنية والنخب الشابة، لكن في الوقت ذاته لم تختفِ الولاءات التقليدية، بل أعادت تنظيم نفسها بأساليب مختلفة، خصوصا في المناطق التي ما تزال فيها العشيرة أو رأس المال المحلي ذات تأثير”.
صراع مجتمعي أم وطني؟
يشير محللون إلى أن التنافس بين العشائر والمبادرات المدنية والنخب الجديدة لا يقتصر على درعا ودمشق، بل يعكس بدرجات متفاوتة تحولات أوسع في المجتمع السوري، مع احتفاظ كل محافظة بخصوصيتها.
ويقول الكاتب السوري أحمد أبا زيد للجزيرة نت “إن وجود مجلس تشريعي ضرورة في سوريا، وقد نص عليه الإعلان الدستوري لملء الفراغ التشريعي وعدم تخويل إصدار التشريعات لجهة واحدة. وتجري الانتخابات لاستكمال أركان الدولة وشكلها القانوني في مرحلة تثبيت الاستقرار، لأن سوريا لم تحصل على استقرار كامل على المستوى السياسي والأمني”.
وبرأي أبا زيد، هذه ليست انتخابات بالمعنى الحرفي، وربما يكون هناك تناقض في تسميتها انتخابات في حين يغلب عليها التعيين والانتقاء. ولعلّ الأدق دعوة هذا المجلس مجلسا تشريعيا أكثر من كونه مجلس شعب.
وتابع أبا زيد حديثه بأن هذه الانتخابات مفهومة الآن بحكم الواقع غير المستقر وعدم وجود سيطرة كاملة للدولة على جميع الأراضي السورية ولا هياكل إدارية كافية لإدارة العملية الانتخابية. لكن الأكيد هو أن تقدم السلطة السياسية وعودا بحصول انتخابات حقيقية في المرة القادمة.
وحول التوقعات بشأن مكونات المجلس القادم، يرى أبا زيد أنه لن يعيد إنتاج النخب السياسية القديمة، فتشكيل الهيئات الناخبة والأسماء المشاركة فيها يغلب عليه شخصيات من الثورة السورية، وكثير منهم لم يكن في أجسام المعارضة السياسية، بل هم نشطاء وإعلاميون وأعضاء سابقون في الجيش الحر أو هيئة تحرير الشام.
بالإضافة إلى ذلك، هناك تشكّل لنخب سياسية جديدة مرتبطة بتغير النظام، لكن ما ينقصها أنها لم تتبلور كقوى سياسية مقارنة بالأحزاب التقليدية، وهي موجودة الآن كأشخاص لا كتيارات منظمة. وهؤلاء أمامهم تحدي تشكيل أنفسهم سياسيا وعدم الاكتفاء بالتمثيل الفردي في مجلس الشعب، إذ أن القوة السياسية المنظمة الوحيدة الموجودة حاليا هي كوادر هيئة تحرير الشام السابقة.
آلية جديدة
وشهدت سوريا تاريخا طويلا من الأنظمة الانتخابية المتغيرة، حيث بدأ النظام الأخير بعد الاستيلاء على السلطة من قبل حزب البعث في عام 1963، ومنذ ذلك الحين، تم تعديل القوانين الانتخابية عدة مرات، لكن الانتخابات غالبا ما كانت تُعتبر شكلية تفتقر إلى التنافس الحقيقي والشفافية.
واليوم، تبرز آلية مغايرة لما اعتاده السوريون في العقود السابقة، فبدلا من تصويت عموم الناس في صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم، جرى اعتماد نظام يقوم على تشكيل لجان ناخبة محلية في كل منطقة، بحيث تتولى هذه اللجان -التي يُفترض أن تضم وجوها من مختلف المكونات- اختيار ممثلي المحافظة بعد أن يتقدم المرشحون بطلبات الترشح، ويُشترط أن يكون المرشحون أنفسهم من أعضاء هذه اللجان.
المصدر: الجزيرة
————————–
بدء الفزر بأول انتخابات بعد التحرير والشرع يدعو السوريين للمشاركة بالبناء
الرئيس الشرع في الانتخابات
دعا الرئيس السوري أحمد الشرع السوريين إلى المساهمة ببناء بلدهم من جديد، وذلك في تصريح له بعد تفقده سير العملية الانتخابية في أول اقتراع لاختيار أعضاء مجلس الشعب في سوريا منذ سقوط نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول الماضي.
وقال الشرع خلال تفقده إحدى الدوائر الانتخابية في العاصمة دمشق اليوم الأحد إن سوريا تمكنت خلال أشهر قليلة من “إنتاج عمل جبار وأن تدخل في عملية انتخابية جديدة”.
وأضاف أن السوريين يفخرون بالانتقال من مرحلة الحرب والفوضى خلال بضعة أشهر إلى الانتخابات والتشاركية. لافتا إلى أهمية إجراء الانتخابات في وقت وجيز حتى يكون هناك تمثيل للشعب ومراقبة ومحاسبة للسلطة.
وأشار الرئيس السوري إلى أن هناك الكثير من القوانين المعلقة بحاجة إلى تصويت للمضي قدما في عملية البناء، وأضاف “نحن بحاجة إلى إنجازات جديدة خلال الأيام القادمة من أجل إعادة بناء سوريا”
وقد أعلن رئيس اللجنة العليا السورية للانتخابات نوار نجمة في وقت سابق اليوم بدء فرز الأصوات في عدد من المناطق وإعلان فوز مرشحين.
وأفاد مراسل الجزيرة في سوريا بانتهاء عمليات تصويت الهيئات الانتخابية في معظم المراكز الانتخابية بالمحافظات السورية، في حين أعلنت اللجنة العليا السورية للانتخابات تمديد الاقتراع لمدة ساعة في كل من العاصمة دمشق ومدن كبرى أخرى.
كما أعلن المتحدث باسم اللجنة العليا للانتخابات تمديد عملية التصويت لساعتين إضافيتين في مركز مدينة حمص. في الأثناء أفاد مراسل الجزيرة أن اللجنة الفرعية أعلنت انتهاء التصويت في محافظة دير الزور بالكامل.
من جانبه، قال رئيس اللجنة الفرعية للانتخابات في مدينة اللاذقية محمد ضاما للجزيرة إن أعضاء الهيئة الانتخابية الذين يمثلون كل المكونات الاجتماعية في اللاذقية أدلوا بأصواتهم في الانتخابات. وأضاف أن الانتخابات في اللاذقية شهدت مشاركة نسائية، سواء في الهيئة الناخبة أو في الترشح المباشر لمجلس الشعب.
هيئات ناخبة
وقد دعي 6 آلاف ناخب من هيئات انتخابية بمختلف المحافظات للإدلاء بأصواتهم في انتخابات غير مباشرة واختيار ثلثي مقاعد مجلس الشعب البالغ عددها 210 مقاعد، على أن يُعيَن الثلث المتبقي (70 مقعدا) بمرسوم من رئيس الجمهورية.
وانطلقت صباح اليوم الأحد أول انتخابات لمجلس الشعب في سوريا منذ سقوط نظام الأسد.
وقالت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) إن المراكز الانتخابية المعتمدة في محافظات البلاد فتحت أبوابها لعملية الاقتراع واستقبال أعضاء الهيئات الناخبة للإدلاء بأصواتهم، في حين أعلنت وزارة الداخلية تأجيل الاقتراع بمحافظات السويداء والرقة والحسكة لأسباب أمنية.
وأفادت القناة الإخبارية الرسمية بأن بعثات دبلوماسية وصلت إلى دائرة الانتخابات في دمشق للاطلاع على سير الانتخابات، مضيفة أن وحدات من قوى الأمن الداخلي انتشرت في عدد من الساحات الرئيسية في المدن السورية لتأمين سير عملية الاقتراع.
ويتنافس في الانتخابات 1578 مرشحا، منهم نحو 14% من النساء، عرضوا برامجهم في ندوات ومناظرات خلال أسبوع.
وتشكل الكفاءات وأصحاب التخصصات المتنوعة 70% من الهيئات الناخبة، مقابل 30% من أعيان ووجهاء يمثلون شرائح اجتماعية واسعة.
وتقول السلطات إنها لجأت إلى هذا النظام بدلا من الاقتراع العام للافتقار إلى بيانات موثوقة للسكان وبسبب نزوح ملايين السوريين بسبب الحرب.
وتبلغ مدة ولاية مجلس الشعب 30 شهرا قابلة للتجديد، وذلك ضمن مرحلة انتقالية تمتد إلى 4 سنوات مع إمكانية تمديدها سنة إضافية.
ويتولى هذا المجلس مهام اقتراح القوانين وإقرارها، وتعديل أو إلغاء القوانين السابقة، والمصادقة على المعاهدات الدولية، وإقرار الموازنة العامة للدولة، والعفو العام.
وسيتولى المجلس دورا تأسيسيا عبر تشكيل لجنة لإعداد دستور دائم يُنتظر أن يُعرض على استفتاء عام عندما تتوفر ظروف الأمن والاستقرار لإيصاله إلى جميع المواطنين، وبعد اعتماده تُجرى انتخابات برلمانية ومحلية ورئاسية.
وتأتي هذه الانتخابات بعد 3 أشهر من إصدار الرئيس السوري أحمد الشرع في 13 يونيو/حزيران الماضي المرسوم رقم 66 لعام 2025 القاضي بتشكيل اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب.
المصدر: الجزيرة + الصحافة السورية
—————————
بدء الفرز في انتخابات مجلس الشعب السوري وغداً استقبال الطعون
5 أكتوبر 2025 م
بدأت عمليات فرز الأصوات في بعض المراكز الانتخابية لانتخابات مجلس الشعب السوري التي انطلقت صباح اليوم الأحد.
ونقلت الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا) عن المتحدث باسم اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب السوري نوار نجمة، قوله: «بدأ ظهور النتائج الأولية لفرز الأصوات في بعض الدوائر الانتخابية بعدد من المحافظات بعد أن أدلى أعضاء الهيئات الناخبة بأصواتهم». وأشار إلى أنه سيتم الإعلان عن الأسماء الفائزة لاحقاً بشكل رسمي خلال مؤتمر صحافي.
وتستمر عمليات الانتخابات في المراكز الانتخابية وعددها 50 مركزاً في المحافظات السورية التي شهدت عملية انتخابات.
وقال رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب السوري محمد طه الأحمد لـ«وكالة الأنباء الألمانية»: «بدأت انتخابات مجلس الشعب صباح اليوم بعد تجهيز المراكز الانتخابية بكافة التجهيزات اللازمة للعملية الانتخابية، وتجري الآن في مركز دمشق العملية الانتخابية بكل يسر وسهولة، وعدد الهيئة الناخبة 500 عضو والمرشحين 140 يتنافسون على 10 مقاعد».
وأضاف الأحمد أن «الانتخابات جرت أمام وسائل الإعلام وعدد من البعثات الدبلوماسية العربية والأجنبية في دمشق، وخلال الساعات القادمة سوف تعلن النتائج. وغداً يتم استقبال الطعون على العملية الانتخابية وبعدها يتم رفع النتائج إلى الرئيس احمد الشرع حتى يتم ترميم الثغرات التي جرت خلال الانتخابات لجهة تمثيل النساء وغيرها».
واعتبر عضو الهيئة الناخبة عن العاصمة دمشق، محمد شمدين، أن تجربة الانتخابات التي جرت اليوم هي جديدة على مستوى سوريا، متمنياً النجاح لكل من يستحق أن يمثل الشعب السوري.
وشهدت جميع مراكز الانتخاب في جميع المحافظات انتشاراً أمنياً من قبل قوات الأمن العام لحماية المراكز وتأمين تلك المراكز بالشكل الأمثل.
وكانت المراكز الانتخابية المعتمدة في المحافظات السورية قد فتحت، اليوم، أبوابها للبدء بعملية الاقتراع واستقبال أعضاء الهيئات الناخبة للإدلاء بأصواتهم، إيذاناً بأول عملية لانتخاب أعضاء مجلس شعب سوري بعد سقوط نظام بشار الأسد.
ويبلغ أعضاء الهيئات الانتخابية أكثر من ستة آلاف عضو وعدد المرشحين 1576 يتنافسون على 140 مقعداً، في حين يعين الرئيس الشرع 70 عضواً لاستكمال النواقص التي تظهر في الانتخابات بالنسبة لعدد النساء، حيث يفترض أن يشكلن نسبة 20 في المائة على الأقل، وأيضاً الأعيان والأقليات.
—————————-
سوريا تختار أول برلمان بعد سقوط الأسد وسط انتقادات من الأقليات
بي. بي. سي.
في أحد المقاهي بوسط دمشق جلست إلى مجموعة من السوريين لأسألهم عن نظرتهم إلى تشكيل أول مجلس نواب عقب سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد.
يخبرونني أنه في العهد السابق لم يكن ممكنا الجلوس هكذا في مقهى لمناقشة أي شأن سياسي من دون ملاحقات أمنية غالبا ما تفضي إلى السجن.
ويحدثني قصي حسن قائلا “إذا أردت إجراء هذا اللقاء قبل عام واحد فقط، كنا سنخاف أن نتحدث إليك. فالتصوير في هذا المقهى كان مستحيلا”.
انتخابات أم تعيين؟
ورغم أن اختيار أعضاء مجلس النواب لن يجري بالاقتراع المباشر بل بطريقة أقرب للتعيين، تشعر المجموعة التي تحدثت إليها بحماس شديد إزاء اتخاذ خطوة تؤسس لحياة سياسية يرونها تحمل لهم هامشا لم يعرفوه من الحرية.
ويؤكد قصي أن “أي شئ سيكون أفضل مما كنا فيه” في إشارة لحكم الرئيس السابق بشار الأسد. ويضيف أن كل النواب تحت حكم الأسد كانوا يأتمرون بأوامر الأجهزة الأمنية، “لم يكونوا يعرفون سوى: أمرك سيدي.”
ويعين الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع ثلث أعضاء البرلمان الجديد، البالغ عددهم 210 أعضاء. أما باقي الأعضاء فيجري اختيارهم من خلال هيئات ناخبة شكلتها لجنة الانتخابات التي عينها الرئيس أيضا.
ويضيف قصي أن مقارنة سوريا بالأنظمة الديمقراطية في أوروبا هو ضرب من المستحيل، موضحا أن “الفارق بيننا وبين دول العالم في التطور حوالي خمسين عاما”.
ويقول قصي إنه يثق في اختيارات الشرع “فنحن بحاجة لأن يتصدر صوت الثورة المشهد، خاصة أصوات الشباب.”
وهذه كلمات بلا شك سيكون لها الكثير من المنتقدين. فالتخوفات كثيرة من أن يطغي على البرلمان توجه واحد، إذ أن أعضاءه يعينون بشكل مباشر أو غير مباشر من جانب الرئيس.
ولأحمد الشرع ماض جهادي معروف إذ انضم لصفوف تنظيم القاعدة في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق ثم بات قائدا لتنظيم جبهة النصرة المرتبط بالقاعدة قبل أن يفك الارتباط لاحقا، كما كان موضوعا على قوائم الإرهاب الأمريكية إذا رصدت الاستخبارات المركزية مكافأة قدرها عشرة ملايين دولار لمن يرشد إليه. ولكن كل هذا تغير الآن بعد رفع اسمه من قوائم الإرهاب، واستقباله في مقر الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك ليلقي خطاب سوريا، ليكون أول رئيس سوري يخاطب المنبر الدولي منذ نحو ستين عاما.
“نحتاج إلى وقت”
وبجوار قصي جلس أحمد صبيح وهو موظف حكومي ليشرح لي أن إجراء اقتراع مباشر حاليا تعترضه الكثير من المصاعب، نظرا لوجود أعداد كبيرة من النازحين داخل البلاد، فضلا عن الدمار الكبير الذي حل بالمرافق الأساسية في أغلب أنحاء سوريا بفعل الحرب التي استمرت منذ عام 2011 من أجل الإطاحة ببشار الأسد.
ويرى أحمد أن التحول الديمقراطي يحتاج إلى وقت ويجب أن يتم بشكل تدريجي. ويوضح “بعد سبعين عاما من القمع، لا يمكن أن يصبح الشعب السوري ديمقراطيا بين عشية وضحاها.” ويشير هنا لحكم حزب البعث لسوريا الذي استمرّ منذ مطلع الستينيات وحتى سقوط بشار الأسد.
“شرخ عميق”
وستظل مجموعة من مقاعد البرلمان شاغرة، إذ يتعذر إجراء الانتخابات في دوائرها بسبب التوتر الأمني. وتمثل هذه المقاعد طوائف عرقية ودينية تشتكي التهميش في الواقع السياسي السوري.
ففي محافظة السويداء جنوبي البلاد حيث يسكن الدروز لن تجرى الانتخابات. فقبل بضعة أسابيع اشتعلت مواجهات ما بين الدروز من جهة وقوات الأمن وفصائل مسلحة موالية لها من جهة أخرى ليقتل المئات من أبناء الطائفة الدرزية من مسلحين ومدنيين ومن رجال الأمن كذلك، بحسب تقديرات حقوقية. وتحدث الدروز عن تعرضهم للعديد من الانتهاكات والقتل غير المبرر. ولايزال الجيش السوري غير قادر على الدخول إلى محافظة السويداء حتى الآن في ظل حالة شديدة من الاحتقان
وتعيش حنان زهر الدين في دمشق ولكن الكثير من أفراد أسرتها يعيشون في السويداء. وهي تشعر بمرارة كبيرة بعد مقتل ابن عمها، الذي كان معلما في منتصف الأربعينيات من العمر، خلال الاشتباكات الأخيرة. وتقول إنه قتل داخل منزله.
وترى حنان أن إجراء أي انتخابات في السويداء حاليا غير ممكن لأن “أهل السويداء حاليا يرفضون كل شئ. فالشرخ عميق للغاية ولا أدري إذا كان من الممكن أن يندمل مع مرور الوقت”
وخلال لقائنا مع أحمد زيدان، المستشار الإعلامي للرئيس المؤقت، قال إن السلطة الانتقالية في دمشق تريد أن تبعث بلجنة تحقيق للوقوف على ملابسات الاشتباكات لكن لن يسمح للجنة بالدخول. ويعكس هذا التوتر الكبير ثقة غائبة ما بين الدروز في السويداء أو على الأقل بين قطاع منهم وبين الحكومة المركزية في دمشق.
وفكرت حنان، المحامية، أن تأخذ أولادها وتغادر سوريا إذ شعرت بالخوف، حسبما تقول، بعد ما حدث في السويداء. لكنها عدلت عن قرارها “فكيف أغادر وأترك أهلي في السويداء؟!”
وتشكك حنان في قانونية اختيار مجلس النواب برمته. “فغياب مشاركة العديد من الفئات كيف يمكن لها أن تنتج برلمانا صحيا أو قانونيا؟”
“نهج إقصائي”
كما لن تجرى الانتخابات أيضا في العديد من المناطق في المحافظات ذات الأغلبية الكردية والواقعة بشمالي البلاد. فالعلاقة لاتزال ضبابية ومتوترة بين المسلحين الأكراد المسيطرين على تلك المناطق الحدودية الغنية بالنفط وحكومة دمشق.
في مارس آذار الماضي وقعت الحكومة السورية المؤقتة اتفاقا مع قوات سوريا الديمقراطية يقضي بدمج المقاتلين الأكراد.ومن المقرر أن ينفذ الاتفاق بحلول نهاية العام الجاري. ولكن ما من مؤشر حتى الآن على الشروع في تنفيذه.
وينحدر مهاباد تزياني من محافظة الحسكة الكردية وهو مسؤول بالمجلس الوطني الكردي في دمشق الممثل لعدة أحزاب كردية.
ويقول إن السلطة الحالية لا تدرك الطبيعة التعددية للمجتمع السوري، “فتكوين المجتمع أشبه بالفسيفساء من حيث التنوع والتعدد.”
لكن “النهج حاليا هو نهج اللون الواحد والصوت الواحد. ولم يتجاوب معنا أحد ولم يستمع إلينا أحد، ولم يشركنا أحد في أي حوار” وفقا لمهاباد.
وحول أسباب اعتماد السلطة الانتقالية هذا الأسلوب في تكوين البرلمان، أوضح لنا أحمد زيدان أن الكثير من السوريين لا يملكون أوراقا ثبوتية بسبب التهجير والنزوح. “فلا نعرف عناوين الكثير من الأشخاص، فكيف يمكن لسكان الخيام أن ينتخبوا؟!”
ولا تتعلق المسألة بآلية اختيار النواب الجدد فحسب بل كذلك بإيجاد حل جذري يمتص الغضب الكامن لدى بعض مكونات المجتمع السوري ويبدد مخاوفها، والا سيصبح إكمال المرحلة الانتقالية أمراً معقدا وشاقا للغاية.
——————————-
=======================
تحدبث 04 تشرين الأول 2025
—————————–
انتخابات مجلس الشعب السوري: تثبيت لشرعية دستورية بعد «الشرعية الثورية»/ سلطان الكنج
4 أكتوبر 2025 م
تتجه سوريا إلى استحقاق تشريعي هو الأول من نوعه منذ سقوط نظام بشار الأسد، مع انطلاق انتخابات مجلس الشعب التي ستُحدد ملامح الحياة السياسية والدستورية في المرحلة المقبلة غداً (الأحد)،. وبموجب النظام الجديد، يُنتخب 140 عضواً عبر لجان ناخبة، فيما يعيّن الرئيس أحمد الشرع الثلث الباقي (70 عضواً)، ليصبح العدد الإجمالي للمجلس 210 مقاعد.
وتجري الانتخابات في 11 محافظة سورية، بينما تُستثنى محافظات السويداء ذات الغالبية الدرزية، إضافة إلى الحسكة والرقة الخاضعتين لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، ما يعكس استمرار التحديات أمام شمولية العملية السياسية.
وكان الرئيس أحمد الشرع قد أصدر في يونيو (حزيران) 2025 المرسوم رقم 66، الذي قضى بتشكيل «اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب» استناداً إلى المادة 24 من الإعلان الدستوري المؤقت، التي تمنح رئيس الجمهورية صلاحية تشكيل اللجنة العليا للإشراف على العملية الانتخابية.
ووفق المادة 30 من الإعلان الدستوري، يتولى مجلس الشعب صلاحيات تشريعية واسعة، تشمل اقتراح القوانين وإقرارها، وتعديل أو إلغاء التشريعات السابقة، والمصادقة على المعاهدات الدولية، فضلاً عن إقرار الموازنة العامة. وقد حُددت ولاية المجلس بثلاثين شهراً قابلة للتمديد، ما يمنح السلطة التنفيذية مرونة في ضبط الإيقاع السياسي خلال المرحلة الانتقالية.
الأعيان والكفاءات: تركيبة اللجان الناخبة
تستند العملية الانتخابية إلى لجان ناخبة شُكلت على مستويين. الفئة الأولى هي الأعيان، وهم وجهاء المجتمع المحلي في المدن والقرى، ممن يتمتعون بشرعية اجتماعية واسعة، ويُشترط أن يكونوا من حملة الشهادة الثانوية على الأقل، وتشكل نسبتهم 30 في المائة من أعضاء اللجان. أما الفئة الثانية فهي الكفاءات، التي تضم الأكاديميين والخبراء وممثلي النقابات المهنية، وتشكل 70 في المائة، على أن يكونوا من حملة الشهادات الجامعية أو ما يعادلها.
ويشترط في أعضاء اللجان الناخبة أن يكونوا سوريين قبل مايو (أيار) 2011، وألا يكون لهم أي علاقة بالنظام السابق أو الجماعات الإرهابية والانفصالية، كما يجب أن يتمتعوا بالأهلية القانونية وحسن السيرة، وألا يكونوا قد أدينوا بجناية أو جريمة مخلة بالشرف، أو محكومين في قضايا فساد أو انتهاك للنزاهة العامة. إضافة إلى ذلك، يُشترط أن يكونوا غير منتسبين للقوات المسلحة أو الأجهزة الأمنية، وأن يحملوا المؤهلات العلمية المناسبة، ويتمتعوا بسمعة طيبة ومقبولية مجتمعية، فضلاً عن الإقامة الدائمة في الدائرة الانتخابية التي يترشحون فيها، مع مراعاة التمثيل الجغرافي والطائفي والمهني وضمان مشاركة الشباب والنساء في الهيئات الناخبة.
آلية التصويت والتوزيع الجغرافي
قُسِّمت البلاد إلى 50 دائرة انتخابية على مستوى 11 محافظة من أصل 14، وكل محافظة يختلف عدد مقاعدها تبعاً للكثافة السكانية. وتشرف لجان فرعية على تشكيل الهيئات الناخبة في كل دائرة، بينما تتولى اللجنة العليا للانتخابات إصدار القوائم النهائية للمرشحين. ويُسمح لجميع أعضاء الهيئات الناخبة بالترشح والمشاركة في الاقتراع، الذي يُجرى بالاقتراع الحر والمباشر والسري، بعد انتهاء فترة الدعاية الانتخابية، ثم يعلن عن الفائز، الذي حصل على الأصوات الأعلى داخل كل دائرة.
وكانت «وكالة الأنباء السورية» (سانا)، نقلت في 29 سبتمبر (كانون الأول) الماضي عن رئيس اللجنة العليا للانتخابات، محمد طه الأحمد، أن «باب الترشح أُغلق على مستوى الدوائر الخمسين بعد تسجيل 1578 مرشحاً، بلغت نسبة النساء بينهم 14في المائة، مع تفاوت هذه النسبة بين محافظة وأخرى. علماً أن الكوتا الوحيدة الموجودة في الهيئات الناخبة هي للنساء، إذ نص النظام الانتخابي على أن عشرين في المائة من الهيئات الناخبة يجب أن تكون للنساء».
بين التفاؤل والشكوك
تثير هذه الانتخابات جدلاً واسعاً في الداخل السوري. فبينما يرى فيها كثيرون خطوة مفصلية نحو بناء حياة سياسية جديدة تتسم بقدر من الشفافية والتنافسية غير المسبوقة منذ عقود، يعدّها آخرون مجرد واجهة شكلية لتجميل صورة الحكومة، لافتين إلى أن تركيبة اللجان الناخبة تجعلها أقرب إلى أداة بيد السلطة التنفيذية، ما قد يعيد إنتاج تجربة حكم بلون واحد ولكن بوسائل مختلفة.
في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، أشار عضو اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، حسن الدغيم، إلى أن «هذه الانتخابات تستند إلى الإعلان الدستوري الذي نص على أن يتم انتخاب مجلس الشعب عبر لجان ناخبة تمثل ما يمكن من آراء السوريين في تشكيل المؤسسة التشريعية، وثلث يعينه رئيس الجمهورية مراعاةً للتمثيل العادل والكفاءات، لأن البعض ربما لا تسعفه العملية الانتخابية ليصل لمجلس الشعب وهو صاحب كفاءة، لذا يأتي تعيين الرئيس له ليحل هذه المسألة».
وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه الساحة السورية جدلاً واسعاً حول شكل العملية الانتخابية، في ظل غياب بيئة آمنة وموحدة لإجراء انتخابات تشريعية، بفعل الانقسام الجغرافي والسياسي.
وأكد الدغيم أن اختيار أعضاء اللجنة العليا للانتخابات جاء «بعد أن قام رئيس الجمهورية باستشارة بعض القانونيين وبعض وجوه المجتمع من الأشخاص الذين يمكن الاعتماد عليهم كأصحاب الخبرة، سواء في المناطق التي كانت تحت سيطرة الثورة أو تلك التي كانت تحت سيطرة النظام سابقاً، لكونهم أدرى بمجتمعاتهم». وأضاف: «هذه اللجنة متنوعة، فيها العربي والتركماني والكردي، والمسلم والمسيحي، والأكاديمي والوجيه العشائري».
وحول تجربة الهيئات الناخبة ومن أين هي مستوحاة، قال الدغيم إن «هذا النظام موجود في اتحاد جنوب أفريقيا، وكان موجوداً في شمال سوريا قبل سقوط النظام عبر انتخاب المجالس المحلية، وفي إدلب عبر حكومة الإنقاذ».
ويرى بعض السوريين أن تبني هذا النموذج الانتخابي في السياق السوري يعكس محاولات لتأسيس آلية قادرة على احتواء التنوع المجتمعي والسياسي، في ظل غياب شروط الانتخابات المباشرة نتيجة الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
وفي هذا الإطار، أوضح الدغيم أن «صعوبة الظروف في سوريا وعدم توفر بيئة آمنة ومحايدة من حيث الوثائق والمستندات والتوزع السكاني، لا سيما بعد التهجير الديموغرافي الذي مارسه النظام، كل تلك الظروف جعلت من إقامة انتخابات مباشرة أمراً صعباً ومستحيلاً».
نقطة تحول
وحول دلالات هذه الانتخابات فيما إذا كانت نقطة تحول نحو الديمقراطية كما يأمل كثير من السوريين، قال حسن الدغيم: «الديمقراطية لا تأتي بين ليلة وضحاها ولا في أسبوع، فهي تمر بمرحلة التحول الديمقراطي، وهي فترة مليئة بالسياقات الأمنية والاجتماعية والثقافية التي تحتاج إلى تراكم». وأضاف: «هذه الانتخابات تمثل نقطة في طريق الديمقراطية، على الأقل في مسألة الإرادة».
ويأتي ذلك في ظل تساؤلات واسعة حول جدوى الانتخابات وآفاق التحول السياسي في سوريا، لا سيما في ظل غياب توافق وطني شامل، واختلاف الرؤى بين القوى السياسية والمجتمعية.
وحول عدم شمول هذه الانتخابات للسويداء والحسكة والرقة، عدّ الدغيم أنه «ليست هناك مناطق محرومة من هذه العملية في المحافظات الثلاث، وإنما نتيجة تحكم سلطات الأمر الواقع، مثل قوات (قسد) في الحسكة والرقة، وتحكم فصائل (الحرس الوطني) التابعة لحكمت الهجري في السويداء، فهي من منعت قيام (بيئة مناسبة للانتخابات التشريعية، آمنة ومحايدة، وضرورية للعملية الانتخابية)».
الشفافية والفائدة القانونية
وأكد الدغيم أن «عملية الانتخابات تجري بشكل شفاف، حيث هناك مراقبة دولية ولجان طعون في كل المحافظات».
وردّاً على سؤال حول ما إذا كان إجراء هذه الانتخابات يُعدّ سابقة قانونية يُبنى عليها مستقبلاً، قال: «هذه التجربة تؤسس لحياة برلمانية، يمكن من خلالها وضع مسودة دستور دائم، أو من خلالها يتم تشكيل جمعية وطنية تأسيسية لتضع دستوراً، ومنه ستصدر قوانين الأحزاب، وستخرج قوانين كثيرة ومهمة لمستقبل سوريا».
وحول ما يطرحه معارضون من أن هذه الانتخابات مجرد إجراء شكلي يعزز هيمنة سياسية بلون واحد، قال الدغيم: «لو كانت العملية شكلية لتم الاكتفاء بثلاثين نائباً فقط. فما الحاجة لكل هذا الجهد من لقاءات وزيارات وتعريفات وأخذٍ ورد؟ المسألة ببساطة أنها ليست انتخابات عامة، بل صيغة هجينة تجمع بين التعيين المباشر، والانتخاب الحر من قبل المجتمع».
وفي حديث مع «الشرق الأوسط»، قال عضو اللجنة الناخبة ومرشح مجلس الشعب في حلب، عقيل حسين، إن «اللجوء إلى الانتخابات عبر اللجان الناخبة هو الخيار الوحيد المتاح حالياً».
وقال حسين: «غياب المحافظات الثلاث (الحسكة والرقة والسويداء) عن العملية الانتخابية سيجعل التجربة ناقصة، رغم أن الدولة بذلت كل الجهود الممكنة من أجل أن يكون الجميع ممثلاً». وأضاف: «تم تأجيل الانتخابات لإتاحة الفرصة لتطبيق اتفاق مارس (آذار) بين مظلوم عبدي والرئيس أحمد الشرع، وجاءت مشكلة السويداء لتعقد الأمور وتزيد من فرص قسد في المماطلة بتنفيذ الاتفاق، لكن في النهاية البلد بحاجة لبرلمان لكي يقر حزمة القوانين المنتظرة من أجل الانتقال بسوريا إلى مرحلة جديدة».
وحول تكريس هذه الانتخابات وطريقتها لشكل سياسي ثابت في سوريا، قال حسين: «إحدى أهم مهام مجلس الشعب القادمة هي سن قوانين حديثة للانتخابات»، مشيراً إلى أن «هذه مرحلة مؤقتة عابرة لها خصوصيتها، فرضت نفسها، ولن تكون هي السمة الدائمة، إذ تعذرت الانتخابات المباشرة. نصف الشعب السوري مهجر، فكيف ستكون الانتخابات مباشرة؟ لن تكون هناك عدالة في المشاركة والتمثيل».
ويرى عدد من المقربين من الحكومة السورية، أن اختيار اللجان الناخبة جاء كحل وسط بين ضرورة إجراء الانتخابات وتحديات الواقع الأمني والسياسي، رغم النقد الموجه لهذه الآلية من المعارضة.
وقال الباحث السياسي أحمد حسن لــ«الشرق الأوسط»: «لا خلاف بين السوريين على الحاجة إلى ملء الفراغ التشريعي في سوريا، لكن من وجهة نظري تم التعجل بهذه الخطوة كما تم التعجل بالمؤتمر الوطني». وأضاف: «كان يفترض أن يتم العمل بروية أكبر على مجلس الشعب بعدّه أول نموذج ديمقراطي مختلف عن النظام السابق، لذلك لا أرى التبريرات لهذا الشكل الانتخابي مقبولة بحجة عدم وجود إحصاء وعدم وجود إمكانية لوجيستية للانتخاب، وكان الأولى الانتظار للعام المقبل لتجهيز هذه الأمور اللوجيستية، لا تأسيس نظام مركب من عدة تجارب أخرى لا تتناسب مع سوريا».
وتعكس هذه المواقف وجهة نظر شريحة واسعة من المعارضة السورية التي ترى أن هذه الانتخابات لا تستند إلى أرضية قانونية وسياسية قوية، وأنها قد تؤدي إلى تعميق الانقسام بدلاً من تقديم حل شامل للأزمة.
أداة ضغط متبادل
وأوضح حسن أنه «يتم استخدام هذا الموضوع بوصفه أداة ضغط على قسد والسويداء، حيث يقال لهم إنكم رفضتم المشاركة، في المقابل تستخدم قسد والسويداء ذلك أداة تشكيك وضغط على الحكومة، وأنها تفصل شكلاً سياسياً على مقاسها، لذلك فهو فخ مكلف سياسياً، وأخشى أن يتكرر السيناريو الليبي ونصبح أمام أكثر من مجلس شعب».
وحول ما تريده دمشق من العملية الانتخابية، قال حسن: «تريد السلطة من العملية تأكيد شرعية الاقتراع بعد أن حصلت على الشرعية الثورية، وكذلك تخفيف الضغوط الدولية عليها، وتحميل المجلس التشريعي مسؤولية القرارات الحساسة».
وعن البديل المقترح قال حسن: «البديل هو إعادة مراجعة الإعلان الدستوري، والعمل على مؤتمر وطني جامع للداخل والخارج يتم عبره مراجعة أخطاء المرحلة الماضية والتأسيس لخريطة طريق للمرحلة الانتقالية، تتولى العمل على مجلس تشريعي منتخب وفق المعايير الدولية المعتادة في المرحلة الانتقالية، لا الاستعجال بمشروع تشريعي عليه خلاف سوري ودولي قبل أن يبدأ».
وتُظهر هذه المواقف أن الانتخابات لا تُعدّ مجرد إجراء لوجيستي، بل تمثل إحدى أبرز نقاط الجدل في المشهد السياسي السوري. فالمعارضون للعملية الانتخابية يرون أن المضي في هذه العملية بآلياتها الحالية يعيد إنتاج الأحادية ولا يفتح الباب أمام تسوية سياسية شاملة. ومن وجهة نظرهم، فإن الطريق الأمثل يكمن في إنشاء إطار سياسي جامع يضمن مشاركة جميع الأطراف السورية في صياغة المستقبل، على أسس توافقية بعيدة عن القرارات المنفردة والاستعجال في فرض وقائع جديدة.
لكن، ووفق مصدر حكومي فضل عدم الكشف عن اسمه، فإنه «نظراً للظروف الاستثنائية، اعتُمدت الانتخابات عبر اللجان الناخبة كخيار عملي لملء الفراغ التشريعي وضمان استمرار عمل المؤسسات». وأضاف المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن «العملية الانتخابية هي لتعزيز الشرعية الوطنية والدلالة على قدرة الدولة في إدارة المرحلة والانتقال بسوريا نحو الاستقرار السياسي».
——————————-
الهيئات الناخبة في سوريا 2025: برلمان يواجه انتقادات عديدة/ منهل باريش
عبرت بعض منظمات المجتمع المدني وغير الحكومية عن رفضها لهذا النظام الانتخابي وأصدرت موقفاً مشتركاً، قالت فيه إن المرسوم 143 يعاني من عيب هيكلي شديد الخطورة.
تظهر سوريا اليوم كأنها تخاطر بلعبة سياسية صعبة للغاية، حيث تطلق صفة الديمقراطية الانتقالية، بينما تستعيض عن صوت المواطن العادي بالهيئات الناخبة المقفلة. تعطي الرئيس الانتقالي صلاحية تعيين ثلث النواب مباشرة، ما يثير تساؤلات حول طبيعة هذا البرلمان المرتقب. هذا الاقتراح القانوني، المتمثل في المرسوم رقم 143 لعام 2025، لا يقتصر على تعديل هيكل التمثيل السياسي فحسب، بل يعدل جذرياً من خريطة السلطة في البلاد، محولاً البرلمان إلى أداة قد تكون خاضعة للتنفيذية.
تاريخ التمثيل المغلق: إدلب كمثال أولي
انعقد المؤتمر السوري العام في إدلب عام 2017 وسط ظروف أمنية معقدة داخليًا وضاغطة خارجيًا على المستوى السياسي، تمثلت بانعقاد مسار أستانة ومناطق خفض التصعيد الأربع في سوريا. كان الهدف من المؤتمر العام تشكيل مجلس شورى يكون مرجعية لحكومة الإنقاذ. لم يكن مقصده إجراء انتخابات تعبر عن إرادة الشعب، بل كان يهدف إلى صنع غطاء مدني لهيئة «تحرير الشام».
في ذلك الوقت، انتخب المندوبون من خلال مجالس محلية مختارة بعناية ونخب اجتماعية محددة، أبرزها شيوخ العشائر في إدلب، بدون أن يمنح المواطن العادي أي فرصة للاقتراع العام والمباشر. هذا النموذج بدا وكأنه تمثيل لإدارة ذاتية تابعة لجماعة مسلحة معينة، لا تمثيلاً حرّاً يعكس تنوع المجتمع السوري بكل طبقاته ومكوناته الإثنية والدينية. كان التنوع الإثني غائباً على اعتبار أن محافظة إدلب ذات غالبية مذهبية سنية، مع وجود عدد لا بأس به من طائفة الموحدين الدروز في جبال السماق -جرى تمثيلهم في المؤتمر- وقلة من المسيحيين في إدلب وريف جسر الشغور، كانوا أساساً قد غادروا المحافظة بعد سيطرة «جيش الفتح» على كامل محافظة إدلب عام 2015.
آلية الهيئات: التعيين يسبق الانتخاب
وفقاً للمرسوم رقم 143 لسنة 2025، يُختار ثلثا أعضاء مجلس الشعب، أي حوالي 140 نائباً، من خلال هيئات ناخبة تشكل في كل دائرة انتخابية ومحافظة، بينما يعين الرئيس الانتقالي الثلث المتبقي، أي حوالي 70 مقعداً، مباشرة بدون أي رقابة شعبية أو وجود آلية مقترحة لتسميتهم من قبل الرئيس. هذا الترتيب مستمد من المادة 3 الفقرة 4 والمادة 38 الفقرة 5، وهو يعكس سيطرة تنفيذية واضحة على العملية التشريعية.
العيوب في هذا الهيكل القانوني جلية ومتعددة، حيث تتبع اللجان المشكلة للهيئات الناخبة ترتيباً هرمياً صارماً يخضع مباشرة للجنة العليا للانتخابات، التي يعين أعضاؤها الرئيس نفسه، من دون أي آلية مستقلة تضمن الحيادية. بالإضافة إلى ذلك، يملك الرئيس صلاحية تعيين بدائل عن النواب في حالات الوفاة أو الاستقالة أو فقدان العضوية، ما يزيد من سيطرته على تشكيل المجلس طوال فترته، وفقاً للمادة 45.
ولا يقتصر هذا التعيين على ملء الفراغات المؤقتة، بل يمتد إلى إمكانية انضمام أعضاء اللجنة العليا للانتخابات إلى الثلث المعين بعد انتهاء العملية الانتخابية، كما تنص المادة 39 – الفقرة 7. أما الدعاية الانتخابية والمراقبة، فهي مرتبطة برغبة اللجنة العليا وحدها، وليست محفوظة كحق مستقل للمرشحين أو الناخبين، ما يفتح الباب أمام التلاعب والمحسوبية.
في النهاية، ليس من الدقة القول إن هذه الانتخابات تتم تحت إشراف سلطة محايدة، بل إن السلطة التنفيذية هي التي تصنع الانتخابات، ما يجعلها أقرب إلى عملية تعيين مقنعة بدلاً من انتخابات حقيقية.
رفض المجتمع المدني
عبرت بعض منظمات المجتمع المدني وغير الحكومية عن رفضها لهذا النظام الانتخابي وأصدرت موقفاً مشتركاً، قالت فيه إن المرسوم 143 يعاني من عيب هيكلي شديد الخطورة، مشيرة إلى أنه يفضي إلى انتخابات صورية تماماً لا تفي بأدنى المعايير الدولية للمشاركة السياسية الحقيقية. هذه المنظمات أكدت أن النظام يعيد إنتاج مركزية السلطة بدلاً من تفكيكها.
من بين الاقتراحات الرئيسية التي قدمتها هذه المنظمات: إلغاء صلاحية الرئيس في تعيين ثلث أعضاء المجلس، مع إرجاع هذا الثلث إلى آليات تمثيل انتخابي مباشر يضمن مشاركة واسعة. كما دعت إلى إعادة صياغة الهيئات الناخبة بطريقة تشاورية حقيقية تشمل المجتمع المدني والقوى السياسية المتنوعة، لضمان تمثيل أصيل لجميع المواطنين بدون استثناء.
بالإضافة إلى ذلك، طالبت بضمان تمثيل حقيقي وفعال للفئات المحرومة والمهمشة، مثل النساء والمهجرين وذوي الإعاقة والناجين من الاعتقال، من خلال صيغ ملزمة قانونياً، لا مجرد عبارات فضفاضة مثل «ما أمكن» التي تترك الأمر لتقدير السلطة.
أيضاً، أكدت المنظمات المستقلة على ضرورة سن قانون واضح ودقيق لشروط الترشح، بدون ترك شروط واسعة الفضاء تفسرها السلطة حسب مصالحها، ما قد يؤدي إلى استبعاد معارضين محتملين. كما دعت إلى تشكيل جهاز إشرافي مستقل تماماً على الانتخابات، مع رقابة قضائية مستقلة متعددة المستويات لمعالجة الشكاوى بشكل عادل.
أخيراً، شددت على ضمان حرية الدعاية الانتخابية والمراقبة الوطنية والدولية كحق قانوني أساسي، لا كامتياز يمنحه الرئيس أو اللجنة العليا حسب الرغبة. هذه الآراء المدنية تؤكد أن شرائح من مكونات المجتمع السوري لا ترى في هذا النظام الانتخابي أي تصحيح حقيقي، بل مجرد تكرار لتركيز السلطة بشكل شبه ديمقراطي، ما يعيق بناء دولة حديثة تعتمد على المشاركة الشعبية.
أخطاء النظام: التعيين كسيطرة مركبة
إن إعطاء الرئيس لنفسه صلاحية تعيين 70 نائباً، بما في ذلك أعضاء مراقبة الانتخابات أو تعويض النواب المتغيبين، يمنحه وسيلة فعالة لتشكيل أغلبية برلمانية محفوظة مسبقاً، ما يجعل المجلس أداة في يد السلطة التنفيذية بدلاً من هيئة رقابية مستقلة.
شروط غامضة واستبعاد سياسي
تعتبر الشروط الانتخابية الموضوعة في المرسوم غامضة إلى حد كبير، مثل تعريف «دعم النظام السابق» أو «دعاة التقسيم» دون أي معايير موضوعية واضحة، ما يعطي السلطة حرية كاملة في إقصاء أي شخص تريده بناءً على اعتبارات سياسية وقتية أو شخصية.
هذا الغموض ليس مصادفة، حيث يمكن استخدامه لاستبعاد معارضين أو فئات معينة، مما يحد من التنوع السياسي ويعزز الولاءات الضيقة. وهذا انعكس خلال الأيام الأخيرة باستبعاد عشرات الناشطين السوريين والمعارضين لنظام الأسد، رغم تحصيلهم التعليمي العالي، وكفاءتهم الإدارية.
كذلك، تخضع اللجنة العليا للانتخابات مباشرة للرئيس، ولجان الشكاوى والطعون تعين قضاتها من قبل السلطة التنفيذية، مع أن قراراتها نهائية وغير قابلة للنقض أمام جهات أعلى. كما أن المراقبة المستقلة، سواء وطنية أو دولية، غير محفوظة كحق، بل مرتبطة بموافقة اللجنة العليا، ما يفتح الباب أمام التزوير أو التلاعب دون حساب. واللافت في هذا السياق أن الحكومة الانتقالية لم تدع أياً من منظمات المجتمع المدني السوري لمراقبة الانتخابات على الرغم من أنها جميعاً مسجلة أصولاً في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل. من المتوقع أن تسيطر كتلة التعيين الرئاسي على الأغلبية، خاصة مع إمكانية تشكيل تحالفات محدودة مع بعض المنتخبين، ما يجعل أي قرارات تابعة للإرادة المركزية. قد تظهر كتلتان أو أكثر داخل المجلس، لكنها ستكون مقيدة بعدم تجاوز حدود النفوذ المركزي، مع حيز معارضة ضيق جداً أو شكلي.
كما يبقى وجود السويداء ومناطق شرق سوريا التي تسيطر عليها «قسد» (قوات سوريا الديمقراطية) خارج المشاركة السياسية والتشريعية الفعلية واحدة من أشد عيوب المجلس التشريعي المنتظر.
———————————
======================



