مقالين تناولا العلاقات السورية العراقية

الوجود الأميركي بالعراق يتقلص.. هل يتحول مركز الثقل لسوريا؟
الاثنين 2025/10/06
بعد سنوات من القتال المشترك ضد تنظيم “داعش” في العراق، تُعيد الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب رسم خريطتها العسكرية في المنطقة، مُعلنة خفض وجودها العسكري في بغداد وتحويل بوصلتها نحو الشمال وتحديداً إلى إقليم كردستان العراق، ليكون نقطة انطلاق لعملياتها في سوريا.
القرار، الذي يُعدّ ترجمة لاتفاق استراتيجي جديد مع العراق، لا يُقرأ فقط كتخفيض قوات، بل كإعادة تموضع تُبقي اليد الأميركية فاعلة في قلب الصراعات الإقليمية، تحت غطاء محاربة الإرهاب.
في المقابل، يطفو على سطح هذه الأحداث سؤال جوهري: فهل باتت سوريا ورغم كل تعقيداتها، المسرح الأساسي الجديد للبنتاغون؟ أم أن “داعش” لم يعد سوى ذريعة لضمان بقاء النفوذ الأميركي في مثلث الحدود الحساس بين العراق وسوريا والأردن، وقطع الطريق على طهران وحلفائها؟
وفي التفاصيل، قال المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل في بيان، إنه: “وفقاً لتوجيهات الرئيس، وتماشياً مع اللجنة العسكرية العليا الأميركية العراقية والبيان المشترك الصادر في 27 أيلول/سبتمبر 2024، ستُخفّض الولايات المتحدة وشركاء التحالف مهمتهم العسكرية في العراق”.
وأضاف: “يعكس هذا التخفيض نجاحنا المشترك في محاربة داعش، ويُمثّل جهداً للانتقال إلى شراكة أمنية أميركية عراقية مستدامة، بما يتوافق مع المصالح الوطنية الأميركية، والدستور العراقي، واتفاقية الإطار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والعراق”.
وتابع: “ستدعم هذه الشراكة الأمن الأميركي والعراقي، وتعزز قدرة العراق على تحقيق التنمية الاقتصادية، والاستثمار الأجنبي، والقيادة الإقليمية، وستواصل حكومة الولايات المتحدة التنسيق الوثيق مع حكومة العراق وأعضاء التحالف لضمان انتقال مسؤول”.
وتعقيباً على ذلك، اعتبر غازي حسين، سفير عراقي سابق في الأردن ومتخصص في العلاقات الدولية في حديثه لـ”المدن”، أن الهدف الرسمي هو الانتقال من مهمّة قتال واسعة النطاق إلى شراكة أمنية ثنائية تركز على التدريب والاستخبارات ومكافحة بقايا “داعش”، مع توجيه معظم القدرات التشغيلية نحو سوريا، حسب تعبيره.
ورأى أن هذا التحول: “يعكس توازناً بين حسابات أمنية ميدانية، وضغوط سياسية داخلية عراقية، ورغبة أميركية في حماية القوات وتقليص نقاط الضعف في بغداد”.
ولفت إلى أنه: “منذ إعلان انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق في أيلول/سبتمبر 2024 وبدء التحوّل إلى شراكات ثنائية، بدأت واشنطن تخطّط لسحب/إعادة تموضع عدد من القوات، ضمن إطار تقليص الحضور وتركز الدور على التدريب والرد السريع”.
مراقبون، اعتبروا أن القرار يعكس رغبة أميركية في تقليل نقاط الاحتكاك (مثل الهجمات على قواعدها في بغداد)، مع الحفاظ على نفوذها في المنطقة، خصوصاً عبر تحويل إقليم كردستان إلى قاعدة خلفية لعمليات مستمرة في سوريا.
وحسب مراقبين، فإن أميركا لا تغادر، بل تُعيد ترتيب أدواتها، بمعنى أنها تُهدّئ بغداد، وتُثبّت وجودها في الشمال، وتُبقي يدها على زمام “محاربة الإرهاب” كذريعة استراتيجية للاستمرار في لعب دور صانع التوازنات الإقليمي.
ومن وجهة خبراء آخرين، فإن القرار الأميركي يشير إلى أن القوات المتبقية في العراق والمقدر عددها بأقل من ألفي جندي، ستركز على تأمين المنطقة من الناحية الإقليمية، وسيكون لهم مهمة ضد الإرهاب في سوريا أيضاً، وسيكون التركيز الأميركي كذلك منصباً على العمل مع العراقيين الأكراد في إقليم كردستان على مكافحة الإرهاب.
ووفق وجهة نظر المراقبين، فإن “داعش” باتت أضعف ومفككة أكثر وتتركز في مناطق متفرقة، في حين أن البنتاغون يقيم الواقع الأمني والعسكري في سوريا والعراق، ومن الممكن تغيير الاستراتيجية في حال كان هناك أي تطورات.
من جهته، قال المحلل السياسي المختص بالشأن التركي، مهند حافظ أوغلو في تصريحات لـ “المدن”: “تحاول الولايات المتحدة الأميركية أن تحتفظ بثقلها العسكري والأمني في سوريا، تحديداً في المثلث الحدودي بين العراق والأردن وسوريا، لمحاربة الإرهاب، وعلى رأسه تنظيم داعش، والسبب المباشر لذلك هو مكافحة الإرهاب، أما السبب غير المباشر فهو منع إيران لاحقاً من إرسال فلولها وميليشياتها عبر الحدود العراقية السورية، سواءً إلى لبنان أو لافتعال أزمات في الداخل السوري، أو لتمكين الحشد الشعبي من خلط الأوراق في الملف السوري، ذلك لأن مثل هذه الخطوات ستنعكس إيجاباً على إيران وسلباً على دول المنطقة”.
وأضاف: “تعهّدت الولايات المتحدة بأن تكون متوافقة مع هذه الدول وما تريده من بسط الأمن في المنطقة، خصوصاً في ما يُسمّى بـ (محور الممانعة)، الذي تقوده سوريا، وبالتالي، فإن فك الارتباط بين العراق ولبنان عبر سوريا يعني قطع الطريق على إيران لمنعها من محاولة خلط الأوراق أمنياً”.
وتابع: “لذلك، فإن الاهتمام بسوريا ليس فقط لأهميتها، بل أيضاً بسبب التوافقات الإقليمية الرامية إلى ضمان استقرارها، وكذلك لقطع الطريق على إيران التي تحاول من خلال الحشد الشعبي وفيلق الفاطميين وفيلق الزينبيين، الوصول إلى حزب الله لتزويده بالتمويل والسلاح وغير ذلك، وبهذا، يتم قطع الطريق على طهران”.
ويشير كلام المحللين والخبراء، إلى أن سوريا في هذا السياق ليست هدفاً بذاتها، بل ساحة تنافس جيوسياسي، وبالتالي فإن الوجود الأميركي فيها أداة لضبط التوازن ومنع خصوم واشنطن من كسب موطئ قدم استراتيجي يهدّد مصالحها وحلفاءها.
ووفق مراقبين، فإن مصلحة الإدارة الأميركية اليوم هي الحفاظ على الأمن والاستقرار في سوريا أكثر من العراق.
وهناك من يرى أن قيادة التحالف الدولي تحاول نقل الثقل العسكري إلى منطقة قد تشكل خطراً على القوات الأميركية وقواعدها المنتشرة في العراق على سبيل المثال، ومن هنا فإن هذه الخطوة قد تكون خطوة استباقية لدرء أي خطر قد يهدد القواعد العسكرية الأميركية والتمركز في مكان بعيد مع استمرار مراقبة وتحركات أنشطة “داعش”.
وفي هذا الجانب، يرى الدكتور مشهور سلامة، باحث في العلاقات الدولية والدبلوماسية، أن قرار البنتاغون تقليص قواته في العراق وتحويل ثقل عملياته ضد “داعش” إلى سوريا عبر إقليم كردستان، يؤكد أن سوريا باتت المسرح الأساسي لمحاربة الإرهاب في الاستراتيجية الأميركية.
وذكر في حديثه لـ “المدن”، بأن: “العراق يُسلَّم تدريجياً لأجهزته الأمنية، بينما تُكرَّس سوريا كساحة مفتوحة لإبقاء اليد الأميركية فاعلة، في حين أن داعش لم يعد مجرد تهديد أمني، بل داعش أصبح ذريعة استراتيجية تتيح لواشنطن تثبيت وجودها في قلب التوازنات الإقليمية”.
وبيّن أن: “اختيار كردستان كمنطلق يعكس رهاناً سياسياً على الشراكة مع القوى الكردية، وتجنب أي تنسيق مباشر مع دمشق أو حلفائها”.
وفي النهاية، ومن وجهة نظر سلامة، فإن الولايات المتحدة لم تنسحب من المنطقة، إنما أعادت تموضعها، وبالتالي فإن سوريا اليوم هي مركز الثقل الجديد في معادلة (محاربة الإرهاب)، بما يحمله ذلك من انعكاسات على الداخل السوري والإقليم بأسره.
ووسط كل ذلك، تتباين الآراء حول تبعات الانسحاب الأميركي أو تخفيض قواتها في العراق والتمركز في إقليم كردستان، بين من يرى أن هناك تحديات تترتب على انسحاب القوات الأمريكية ولكن في المقابل فإن القوات العراقية أقوى مما كانت عليه بعد أن كانت تعاني من حالة الانقسام، وبين من يرى أن هذا الانسحاب سيفسح المجال لإيران وميليشياتها لدعم بعض الأطراف في العراق لزعزعة الأمن والاستقرار وإحداث الاقتتال ما بين السنة والشيعة في المنطقة وزيادة التوتر بين الطرفين، وبين من اعتبر أن مشهد تنظيم داعش في سوريا هو مشهد معقد وسط تصاعد أنشطته في عدد من الساحات الأفريقية، في حين يعاني التنظيم في سوريا والعراق من عدم القدرة على عدم ترميم نفسه من جديد، إضافة إلى حالة الانقسام التي يعانيها داعش في بيته الداخلي.
————————-
بغداد – دمشق بعد التغيير.. بناء ثقة بطيء وآفاق تعاون مؤجلة/ مجاهد الطائي
2025.10.07
لا تزال عملية صنع القرار في العراق تتعرض لتأثير فواعل وقوى سياسية ومسلحة بعيدة عن المؤسسات الرسمية المعنية في الدولة، لاسيما القرارات التي يرى فيها حلفاء طهران الأقوياء تعارضا مع مصالح الجارة الشرقية. ويبرز ذلك بوضوح في مسألة قبول الحالة السورية الجديدة إثر سيطرة قوى المعارضة السورية المسلحة على السلطة وإسقاط نظام الأسد، الذي كان صديقا لعدد من الأحزاب والشخصيات والقوى العراقية.
إن تأثير حرب 7 أكتوبر 2023 على الشرق الأوسط خلق واقعا جيوسياسيا جديدا يفرض على الجميع التأقلم معه أو مواجهته وتحمل تبعاته، وبحكم وجود قوى وفواعل وأحزاب عراقية على علاقة تحالفية مع إيران ومحورها – خاصة سوريا بوصفها عقدة الربط البري بين طهران وبغداد ودمشق وبيروت – كان من الصعب تقبل الهزيمة هناك، بعد سلسلة من الضربات الإقليمية والهزائم مُني بها المحور في عدة ميادين.
وعلى وقع صدمة سقوط النظام السوري بسرعة غير متوقعة، تأخر الموقف الرسمي العراقي في التعامل مع الحالة السورية الجديدة، ما أتاح للأطراف الحزبية المحلية وزعامات قوى السلاح محاولة التأثير على مخرجات القرار النهائي واتخاذ موقف عدائي مبكر. وقد استندت تلك القوى إلى المبررات نفسها التي رفعتها في مرحلة ما بعد الثورة السورية 2011: حماية المقدسات، مواجهة خطر الإرهاب، والحفاظ على ربط محور المقاومة.
حسم أمني وارتباك سياسي
اتسم الموقف الرسمي العراقي، عبر مؤسساته المعنية، بالحذر والتريث في إبداء الموقف. في المقابل سارعت الأطراف غير المعنية إلى إبداء موقفها على عجل. ولا يزال الحذر والتردد وعدم تقبل حالة التغيير في سوريا حاضرة لدى بعض القوى، لكن الملف الأمني بالنسبة للعراق كان محسوما منذ البداية؛ إذ عين رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، حميد الشطري رئيسا لجهاز المخابرات وذلك بعد أسبوعين من سقوط نظام الأسد. وبعد أسبوع واحد من تعيينه زار الشطري دمشق والتقى بالشرع، في 26 ديسمبر 2024، وتشير هذه الخطوة إلى رفع التحدي الأمني وعودته إلى الواجهة في العراق بعد أن تراجع منذ هزيمة تنظيم داعش الإرهابي في 2017.
ربما كانت زيارة الشطري إلى دمشق معلنة، لبحث ملفات الحدود والتهريب والإرهاب، لكن الأهم كان جس النبض والاطلاع على التوجهات والمزاج العام للقيادة السورية الجديدة التي كانت قبل أشهر ضمن قوائم الإرهاب الأميركية.
إلا أن الحملة الإعلامية المعادية للإدارة السورية الجديدة في العراق، التي قادتها جهات وأحزاب مسلحة ألقت بظلالها على المشهد. فقد هاجم الناطق الرسمي باسم القائد العام للقوات المسلحة، يحيى رسول، في لقاء تلفزيوني التغيير في سوريا، معتبرا أن الرئيس السوري أحمد الشرع “إرهابيا مطلوبا للقضاء العراقي”.
ومن جانبه، كتب مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي على حسابه في منصة “إكس” عبارة “لن تسبى زينب مرتين” في إشارة إلى مقام السيدة زينب، وهو الشعار ذاته الذي رُفع لأكثر من 10 سنوات لتبرير دعم النظام السوري بالسلاح والمال والمقاتلين، ناهيك عن حملة القوى الحزبية والمسلحة وإعلانها الاستعداد لعبور الحدود ومقاتلة الإدارة السورية الجديدة.
أما الجيش العراقي والأجهزة الأمنية المعنية فبدأت منذ الساعات الأولى للتغيير، بالانتشار على الحدود السورية ورفع الجاهزية لمواجهة احتمالية عودة خطر تنظيم داعش في ظل ظروف انتقال السلطة في دمشق.
حياد بغداد خيار وحيد
تقدمت قوات المعارضة السورية لإسقاط نظام الأسد في وقت شهدت المنطقة تصعيدا متناميا لحرب إقليمية خطيرة لا أحد يستطيع التكهن بتداعياتها، لذا اكتفت الفواعل الإقليمية، حلفاء وأعداء، بالمراقبة فقط من دون محاولة التأثير على مسار التغيير.
وحظيت قوات المعارضة بعد استيلائها على السلطة في دمشق بقبول واحتفاء خليجي – تركي، ولم تواجه اعتراضا أميركيا أو إسرائيليا أو حتى روسيا، هذا جعل العراق، الذي ينتهج سياسة خارجية قائمة على التوازن وعدم الانخراط في أي صراع إقليمي، أمام موقف وحيد: الاستمرار بالسياسة نفسها التي تم بناؤها منذ نهاية الحرب على داعش في 2017، وتجاهل الأصوات الحزبية والقوى الاجتماعية والمسلحة التي بالغت في تصوير الخطر القادم من وراء الحدود، وهو ما ثبت لاحقا بأن معظم هذه التقديرات لا تمت للواقع بصلة.
طهران ومحاولة البقاء في سوريا عبر بغداد
أبدت إيران تحفظها على الوضع السوري وحاولت منع التغيير وسقوط حليفها في سوريا، وأرسلت وزير خارجيتها عباس عراقجي للاجتماع ببشار الأسد قبيل سقوطه، لكن يبدو أنها أيقنت أن النظام السوري لم يعد يملك حتى إرادة قتال وقدرة على الاستمرار، فحزب الله اللبناني يلعق جراحه بعد الضربات الإسرائيلية، وروسيا غارقة في مستنقع حرب الاستنزاف مع أوكرانيا، وحلفاؤها في العراق قد ينجرون للفخ السوري وتخسر العراق، آخر حصونها.
لذلك حاولت إيران تقبل معادلة التغيير بطعم الهزيمة، وبدأت التفكير بطي صفحة دعم نظام بشار الأسد وفتح صفحة جديدة عبر العراق، إدراكا منها أن القيادة السورية الجديدة لن تطوي تلك الصفحة بسهولة ولن تنسى دعمها لنظام أجرم بحق السوريين أكثر من 13 عاما.
الموقف الإيراني تزامن مع الموقف العراقي المفاجئ، عن طريق تصريحات مسؤولين إيرانيين تلوم بشار الأسد ونظامه وتحاول التنصل من جرائمه ووضع قدم في سوريا الجديدة، بعد أن أنفقت وفق التقديرات على دعم نظام الأسد ما بين 50 – 60 مليار دولار منذ 2011 على شكل مساعدات اقتصادية وعسكرية ودعم بالنفط، وبعوائد انهارت مع سقوط النظام.
كما لم تجن إيران فوائد من حرب غزة رغم محاولاتها عقد صفقة شاملة تشمل ملفها النووي، ولم تستطع التأثير عليها بإدخال فاعلين جدد في الحرب مثل حزب الله اللبناني الذي تلقت قواته وقيادته ضربات أضعفت قدرته على الحركة، لذا عودة ترميم الخطوط لابد أن يبدأ من العراق بالمحافظة عليه كخطوة أولى، ثم التعامل الإيجابي مع الإدارة السورية الجديدة للوصول إلى لبنان.
الهيمنة الإيرانية في العراق جعلت علاقات بغداد الخارجية مرهونة بسياسات طهران في المنطقة، وهذا لا ينطبق فقط مع العلاقة مع سوريا، إنما مع الولايات المتحدة والسعودية وقطر والإمارات وغيرها من الدول، وبما أن التصريحات الإيرانية حول سوريا سبقت المبادرة والموقف العراقي، يصعب التكهن بشكل دقيق إن كان الموقف العراقي بداية انفكاك بغداد وسياساتها الخارجية عن طهران أم استمرار لها بصيغة جديدة فرضتها طبيعة المرحلة والتحولات الجيوسياسية الخطيرة في المنطقة.
بغداد – دمشق.. علاقة أكبر من ملف الأمن
في الأول من أبريل الماضي، أجرى السوداني اتصالا هاتفيا بالشرع وهنأه بالحكومة السورية الجديدة. وفي 14 أبريل، التقى رئيس الوزراء العراقي محمد السوداني بالرئيس السوري أحمد الشرع في قطر، وبعد نحو 10 أيام، أي في 25 أبريل 2025، زار الشطري دمشق مرة أخرى، وكان آخر لقاء جمعهم للمرة الثالثة في 28 أغسطس 2025، أي بمعدل لقاء كل 4 أشهر، تخلل تلك الفترة مؤشرات إيجابية على مستوى السلوك السياسي ولقاءات وزراء الخارجية في برلين والعقبة وبغداد.
زار وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بغداد في 15 مارس 2025، ودعت وزارة الخارجية العراقية الرئيس السوري أحمد الشرع لزيارة العراق وحضور القمة العربية التي عقدت في بغداد بـ17 مايو، إلا أن من مثّل الوفد السوري هو الشيباني ولم يحضر الشرع، وربما يعود السبب إلى التهديدات الأمنية والاتهامات التي تعرض لها منذ سقوط نظام بشار الأسد.
كما فتحت دمشق سفارتها في بغداد وسُمح لها برفع علم الثورة الجديد على بنايتها، في حين أعادت السفارة العراقية في دمشق فتح أبوابها ولم تُخفض تمثيلها الدبلوماسي، وتعاملت بغداد مع دمشق مباشرة ومن دون شروط ولا تحفظات. وزار السياسي عزت الشاهبندر المقرب من قوى الإطار التنسيقي دمشق للقاء الشرع كمبعوث لرئيس الوزراء العراقي، لبحث مزيد من وجهات النظر والتفاهمات والقنوات التي لا تقتصر على الأمن، وهي خطوات تُحسب لبغداد بالتعامل ببراغماتية بعيدا عن تأثير ضجيج الإعلام وتهويل شخصيات في التحالف المُشكل للحكومة في ائتلاف الإطار التنسيقي.
بغداد شرحت مخاوفها لدمشق، مركزة على حماية العتبات ودور العبادة الشيعية والزوار وأمن الحدود وخطر الإرهاب وتهريب المخدرات والممنوعات، في حين كانت لدى دمشق مخاوف مشابهة تتعلق بالتهديدات القادمة من العراق التي تطلقها فصائل حليفة لإيران، إضافة إلى الخطر المشترك بعودة نشاط داعش بين البلدين، ناهيك عن ملف قيادات البعث السوري الذين هربوا إلى العراق وتخطيطهم لأعمال تزعزع الاستقرار في سوريا انطلاقا من العراق. جميع هذه المخاوف مشروعة ومناقشتها تساعد في بناء ثقة بين البلدين وفتح المجال لبحث ملفات اقتصادية وتجارية واجتماعية، فروابط البلدين عميقة وما يجمعهم أكثر بكثير مما يفرقهم.
دمشق – بغداد وتحدي الهيمنة الإيرانية
إن مسار الدبلوماسية والحذر الأمني التي اتبعها العراق مع سوريا الجديدة، بدأ يتحول رويدا رويدا إلى علاقة طبيعية بعيدا عن مبالغات قوى السلاح الحليفة لإيران التي روّجت لما هو مزيف ورفضت التغيير. لم تهاجم قوى المعارضة السورية العراق كما زعموا، بل انشغلوا ببلادهم والبحث عن مشاريع إقليمية لإعادة إعمارها، ولم يفجّروا مقام السيدة زينب ودور العبادة كما ادّعوا، بالمقابل قاموا بتوفير الحماية لها، ولم يُعيدوا تأهيل تنظيم داعش ومهاجمة العراق، بل على العكس كانت داعش خصما مشتركا لكلا البلدين.
العلاقات السورية العراقية بدأت تأخذ مسارا طبيعيا بعد تركيز النظام السوري الجديد على ملفات الأمن المشترك والاقتصاد وإعادة الإعمار وبناء علاقات إيجابية مع المحيط الإقليمي، واتباع سياسة النأي بالنفس التي تتبعها الحكومة العراقية.
لكن الشك في مرحلة بناء الثقة لا يزال موجودا، رغم التقدم الحذر في العلاقات الثنائية، التي لا تزال مقتصرة على الأمن، وهناك عوائق قد تؤخر توسعها.
تحول السلطة في سوريا لصالح طرف حاربته طهران لأكثر من 10 سنوات ولديه موقف صارم منها، حوّل سوريا من عقدة ربط بين دول محور المقاومة إلى بلوك يفصل بين طرفيه ويسهم بشكل كبير في إضعافه ضمن المسار الإقليمي والدولي.
هنا يأتي التحدي الأبرز أمام العراق، وقدرته على منع طهران وحلفائها من استخدام البلاد لخلق حالة من عدم الاستقرار في سوريا، ومنع دعم ما تبقى من هياكل نظام الأسد الأمنية أو حتى منع قيام مجاميع عراقية بعبور الحدود وتنفيذ ما يصب في مصالح طهران وإرباك التجربة السورية الجديدة.
التحدي الآخر يتعلق بتطور العلاقات العراقية – السورية وتجاوز مرحلة التعاون والتنسيق الأمني إلى ملفات أخرى اقتصادية وتجارية واستثمارية، في ظل اعتراض قوى السلاح في العراق. فالتقارير والمصادر كشفت عن تحذيرات تلقتها الحكومة العراقية أو تهديدات بتفجير أنبوب نقل النفط كركوك – بانياس بعد إجراء مباحثات رسمية حول ذلك في الأسابيع القليلة الماضية، لتصدير النفط عبر البحر المتوسط وتحقيق مصالح اقتصادية مشتركة، وهو ما يعكس رغبة حلفاء طهران في العراق بمنع توسيع العلاقات مع سوريا أو أي دولة أخرى يرون فيها منافسة أو يمكن أن تشكل ضررا للمصالح الإيرانية.
تلفزون سوريا
———————
=========================



