الدكتور أحمد جاسم الحسين رئيس اتحاد الكتاب العرب في سوريا: لا مكان في اتحاد الكتاب لمن استخدم الثقافة في تبرير القمع

15 أكتوبر 2025
علي م. العجيل
في ظل التحوّلات الكبرى التي تشهدها الساحة الثقافية السورية، ووسط دعوات إلى إعادة بناء مؤسساتها النقابية على أسس جديدة من الشفافية والديمقراطية، كان لنا هذا الحوار مع الدكتور أحمد جاسم الحسين، الذي تم تكليفه مؤخرًا بإدارة اتحاد الكتّاب العرب.
وما بين شرعية التعيين من عدمها والجدل الذي تسبب فيه القرار الذي اتخذه منذ اللحظات الأولى لاستلامه منصبه. يجيب الحسين، في هذا اللقاء، بصراحة عن الانتقادات، ويتحدث عن رؤيته لمستقبل الاتحاد ودوره في سوريا الجديدة.
– كيف ترد على الانتقادات التي ترى في تكليفك بقرار إداري – وليس عبر انتخابات حرة – تجاوزًا لشرعية تمثيل الكتاب؟
هذا التكليف هو خطوة مؤقتة لإعادة تنظيم البيت الداخلي للاتحاد، وليس بديلًا عن العملية الانتخابية. نحن لا نتهرب من الشرعية، بل نعمل على استعادتها عبر التحضير لانتخابات حقيقية يشارك فيها الجميع بحرية ومسؤولية.
لم يكن الهدف شخصيًا أو سلطويًا، بل إنقاذ مؤسسة كانت قد تجمّدت طويلًا وتحولت إلى واجهة شكلية لا تعبر عن الكتاب ولا عن المجتمع الثقافي.
– ما الجدول الزمني والخطوات العملية التي ستتخذونها لإجراء انتخابات ديمقراطية شفافة تضمن شرعية الاتحاد؟
لدينا جدول واضح. سنبدأ أولًا بإعادة تشكيل الفروع والأمانات وإعداد سجل عضوية شفاف يضمن مشاركة الجميع.
بعد ذلك، سنقرّ النظام الداخلي ونعلن موعد الانتخابات خلال فترة لا تتجاوز ستة أشهر. الهدف هو أن يُدار الاتحاد بإرادة الكتاب لا بالتكليفات الإدارية.
– هل لديكم تصور لإعادة بناء الهياكل النقابية للاتحاد؟
بالتأكيد. نحن نعمل على فصل المهام الإدارية عن المهام الإبداعية، وإعادة الاعتبار للفروع في المحافظات لتكون مراكز حقيقية للأنشطة الثقافية، لا مجرد هيئات تابعة للمركز لا صوت واضح لها.
الهيئات العامة يجب أن تمثل الكتّاب لا الموظفين التقليديين، والقرارات يجب أن تصدر عن نقاشات مفتوحة لا عن أوامر فوقية.
– قمتم بفصل شخصيات كانت جزءًا من النظام السابق، من بينهم بثينة شعبان ورفعت الأسد وبشار الجعفري. ما المعايير التي اعتمدتموها لذلك؟
لم يكن القرار انتقاميًا أبدًا، بل اعتمدنا معيارًا واضحًا: من استخدم الثقافة لتبرير القمع أو شارك في تسويق العنف لا مكان له في اتحاد الكتّاب. ليست المسألة سياسية، بل أخلاقية وثقافية. الاتحاد يجب أن يكون بيتًا للكلمة الحرة، لا للسلطة ولا للدعاية.
مع ذلك، كنا ننتظر من الأشخاص الذين تم فصلهم، الاعتراف بالذنب على الأقل والاعتذار من الشعب السوري الذي ينتمون له. كنا سنعيد التفكير بأمرهم لو قاموا بذلك.
– ماذا عمن يقول إن فصل كاتب مثل حسن م. يوسف هو إقصاء سياسي لا موقف مبدئي؟
نحترم كل الآراء، لكن هناك فرق بين التعبير عن موقف وبين المشاركة في تبرير الجرائم. لا نُحاسب أحدًا على رأيه، بل على سلوكه العام وموقفه من قيم العدالة والحرية. لا أحد فوق النقد، ونحن حريصون أن لا يتحول الاتحاد إلى محكمة أيديولوجية.
حسن م.يوسف حوّل القرار إلى عداء شخصي وصار يهاجم على هذا الأساس. ولم يفكر حتى هذه اللحظة بالاعتراف أو الاعتذار.
– ألا تخشون أن تؤدي هذه القرارات إلى حالة خوف أو عزوف لدى بعض الكتّاب؟
بالعكس. نحن نفتح الباب لا نغلقه. من يكتب بحرية وبمسؤولية هو جزء من هذا المشروع. لكن من ربط مصيره بالسلطة أو بالفساد لن يشعر بالارتياح في بيت يفتح نوافذه للهواء النقي. نريد اتحادًا يستعيد ثقة الناس، لا اتحادًا يرضي السلطة أو يطمئن المتنفذين.
– كيف تنظرون إلى العلاقة التاريخية بين الاتحاد والنظام السوري السابق، خاصة في ظل اعتبار الاتحاد لفترة طويلة امتدادًا للمخابرات؟
العلاقة كانت مشوّهة ومؤسفة. تحوّل الاتحاد في فترات طويلة إلى ذراع ثقافية للمخابرات. كثير من الكتّاب التزموا الصمت أمام الانتهاكات. علينا أن نعترف بذلك كي لا نكرره. نحن لا نبحث عن تبرئة، بل عن بداية جديدة على قاعدة المسؤولية الأخلاقية.
– هل تعتقد أن قرارات الفصل الحالية كافية لفكّ هذا الإرث؟ أم أن هناك حاجة لـ “عدالة ثقافية انتقالية” شاملة تشمل الاعتراف بالمسؤولية عن التواطؤ والتضليل؟
لا يمكن اختزال العدالة الثقافية في قرارات إدارية. نحن بحاجة إلى مراجعة كاملة للمرحلة السابقة، والاعتراف بالخطأ، وإعادة الاعتبار لمن هُمِّشوا أو أُقصوا بسبب مواقفهم. العدالة الثقافية ليست انتقامًا، بل شجاعة في مواجهة الماضي.
– كيف تفرّقون بين تصفية الحسابات والإصلاح البنيوي الحقيقي؟ وهل تنوون اعتماد ميثاق ثقافي يعرّف دور الاتحاد في سوريا جديدة؟
الإصلاح البنيوي يبدأ بالصدق. لا نسعى إلى تصفية حسابات، بل إلى بناء منظومة قيم جديدة. لا نريد اتحادًا يكرر لغة الثأر، بل اتحادًا يضع ميثاقًا ثقافيًا يعيد تعريف دوره في المجتمع السوري، ويُرسّخ مبادئ الحرية والعدالة والمواطنة الثقافية.
– هل من مشروع لإعادة الاعتبار لكتاب وشعراء ومفكرين تم تهميشهم أو طردهم سابقًا بسبب مواقفهم السياسية أو انتماءاتهم الفكرية؟
بالتأكيد. نعمل على إعداد لائحة تضم أسماء من طُردوا أو هُمّشوا، ونسعى لتكريم من رحلوا ولم يُنصفوا. لدينا مشروع لإعادة الاعتبار الأدبي والأخلاقي لكل من حُرم من حقه بسبب مواقفه. الاتحاد يجب أن يكون بيت الذاكرة الثقافية لا بيت الإقصاء.
– كيف تضمنون ألا يتحوّل الاتحاد إلى أداة بيد سلطة جديدة، تُقصي باسم الحرية كما أقصى السابقون باسم الوطن؟
هذا هاجس مشروع. لذلك نحاول بناء نظام شفاف لا يسمح بالاحتكار أو الاستئثار. لا نريد أن نُعيد إنتاج السلطة بوجه ثقافي. كل خطوة نتخذها تُناقش جماعيًا، ونعتمد على النقد الذاتي والتداول العلني، لأن الاتحاد يجب أن يكون مرآة للناس لا مرآة للسلطة.
– ما هي الأولويات البرامجية التي ستعملون عليها فعليًا؟ هل من خطط لإصدار مجلة أو برنامج منح، أو إقامة مؤتمرات تستعيد الحضور الثقافي؟
نعم، نعمل على إطلاق مجلة جديدة تعكس روح سوريا الجديدة، وعلى برنامج للمنح ودعم المشاريع الأدبية. كما نخطط لمؤتمر سنوي يجمع الكتّاب في الداخل والمهجر، لتبادل الخبرات وبناء جسر بين الأجيال. الاتحاد يجب أن يعود إلى الحضور الثقافي لا الوظيفي.
كما نعمل على ورش ودورات تدريبية للكتاب الصغار. ورش تدريبية تساعد على تعلم الكتابة وتوجيه الشباب إلى الطريق الصحيح.
وإلى جانب ذلك، نعمل قريبًا على افتتاح مقهى ضمن بناء الاتحاد، مفتوح للكتاب والمثقفين وطلاب الجامعات، وبأسعار رمزية.
– كيف تنوون جذب جيل ما بعد الثورة، من كاتبات وكتّاب وناشطات وناشطين، خاصة من الذين ينظرون إلى الاتحاد كرمز للنظام السابق؟
هذا من أهم التحديات. نحن نعرف أن جيل الشباب يرى في الاتحاد رمزًا للنظام القديم، لذلك نحاول أن نثبت بالفعل أننا تغيّرنا. الباب مفتوح للجميع، ولدينا استعداد للتعاون مع المجموعات الثقافية المستقلة ومنظمات المجتمع المدني لبناء فضاء حر يعبّر عنهم.
ومن هذا المنبر، أريد توجيه دعوة رسمية للمنظمات التي تود المشاركة في إنشاء وتأسيس مشاريع مشتركة. بما يحافظ على هوية الاتحاد.
– ما هو التحدي الأكبر أمامكم اليوم: الإرث البيروقراطي؟ التمويل؟ أم الاستقطاب السياسي بين المثقفين؟
كلها تحديات حقيقية. الإرث البيروقراطي مثقل، والتمويل محدود، والاستقطاب السياسي عميق. لكن التحدي الأخطر هو استعادة الثقة، لأن أي مؤسسة بلا ثقة لا قيمة لقراراتها. نريد اتحادًا حرًا يعيش من عطائه لا من دعمه الخارجي.
– كيف تضمنون استقلال الاتحاد ماليًا وإداريًا عن أي نفوذ حزبي أو حكومي أو أمني؟ وهل من خطة لإنشاء صندوق دعم مستقل؟
لدينا خطة لتأسيس صندوق ثقافي مستقل بتمويل شفاف من الأعضاء والداعمين. نرحّب بكل مبادرة أو شراكة لا تمسّ استقلالنا. من يريد أن يدعمنا فمرحبًا به، بشرط ألا يفرض أجندة سياسية أو فكرية. ما يهمنا أن يبقى الاتحاد حرًا في قراره وفي ضميره.
– أخيرًا، ما رؤيتكم لمكانة الاتحاد في سوريا الجديدة؟ هل تراه مجرد نقابة مهنية، أم فضاء ثقافي حر يعيد بناء الحياة الرمزية والفكرية بعد عقود من التزييف؟
نراه فضاءً ثقافيًا مفتوحًا، لا مجرد نقابة مهنية. نريده مساحة للحوار والاختلاف، للبحث عن معنى الوطن والإنسان بعد كل ما مررنا به. نحن لا نبني مؤسسة فقط، بل نحاول بناء ثقة جديدة بين الكلمة والمجتمع، بين الكاتب ومحيطه، بين الذاكرة والمستقبل.
الترا سوريا



