الباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان: التعليم في سوريا بحاجة للانتقال من الطرح الأيديولوجي إلى الأسس العلمية

وائل علوان : كان للتعليم في سوريا دوراً كبيراً برسم ايديولوجيا خاصة بحزب البعث
عمار زيدان
2025-10-14
يعتبر قطاع التعليم في أي بلد من علامات تطوره وازدهاره. فالعقود الماضية كانت مليئة بتجارب الكثير من الدول في هذا المجال بعد خروجها من حروب وأنظمة فاسدة لتعمل على وضع التعليم في صدارة أولوياتها، حيث عمدت على بناء منظومات متكاملة صنعت من خلالها أجيال حملت معها تطور البلاد علمياً واقتصادياً وسياسياً في الداخل والخارج.
أما في الحالة السورية، كان الأمر مختلفاً تماماً والحديث هنا على مدار العقود الماضية من حكم نظام الأسد الأب والابن اللذان جعلا التعليم وسيلة لفرض الأيديولوجيا وترسيخ حكم الفرد لأكثر من خمسين عاماً مضت، حيث استخدم نظام الأسد التعليم أداة لترسيخ صورته وفرض ايديولوجيته بدلاً من أن يكون منارة للعلم والمعرفة.
وفي حوار خاص لـ “963+” مع الباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان أجاب فيه عن العديد من الأسئلة حول قطاع التعليم في سوريا وتحديداً كيف لعب هذا القطاع دوراً كبيراً في رسم إيديولوجيا معينة خلال العقود الماضية، وهل يمكن إنشاء نظام تعليمي يعزز الهوية الوطنية الجامعة بعيداً عن الأفكار القومية والدينية المختلفة وغيرها من التساؤلات.
وفي ما يلي الحوار كاملاً.
كيف لعب التعليم في سوريا دوراً كبيراً برسم إيديولوجيا معينة خلال العقود الماضية؟
كان للتعليم في سوريا دوراً كبيراً برسم ايديولوجيا خاصة بحزب البعث العربي الاشتراكي الذي كان يقوده نظام الأسد وهو ما شكل هيمنة كاملة على الدولة والمجتمع حيث تم إنشاء طلائع البعث وهي منظمة تابعة لحزب البعث تدير المدارس في مراحل التعليم الأساسي ثم أنشأ اتحاد شبيبة الثورة وهي منظمة تابعة لحزب البعث أيضاً تدير التعليم في المرحلة المتوسطة ثم الاتحاد الوطني لطلبة سوريا ينتسب إليه بشكل إجباري الطلاب في المرحلة الجامعية وكان الانتساب لحزب البعث عبر هذه المنظمات هو أمر روتيني وتلقائي بمجرد أن يدخل الطالب للمرحلة الابتدائية فهو أصبح عضواً طليعياً في حزب البعث ويضع الشعارات والرموز الخاصة بالحزب ولم يقتصر فقط على هذا التنظيم السياسي وإنما كان هناك مناهج التعليم التي وإن كانت قد تغيرت أكثر من مرة خلال العقود الماضية لكنها حافظت على سمة واحدة وهي الإيديولوجية بشكل كامل عبر تمجيد القائد ومبادئ الحزب مع تدريس فكرة أن الانتماء في سوريا لهذا الحزب هي فكرة موازية للانتماء لسوريا. طبعاً هذا كان واضحاً في المواد الأدبية ومنها مادة القومية التي كانت بشكل كامل مبنية على ترسيخ هذه الإيديولوجية وأيضاً مادة اللغة العربية والتاريخ والجغرافيا كان هذا التوجه حاضراً وبقوة أما فيما يتعلق بالمواد العلمية لم يكن من السهل بناء الإيديولوجيا في الكثير من المواد مثل الرياضيات والفيزياء والكيمياء والعلوم لكن هذه المواد بقية تدرس باللغة العربية ويعتبر ذلك أحد الإشكاليات في التطور العلمي على المستوى العالمي. وبالتالي فإننا نتحدث خلال العقود الماضية عن شكلين من أشكال الهيمنة السياسية البعثية في قطاع التعليم الشكل الأول عبر المنظمات الحزبية والشكل الآخر من خلال مناهج التدريس وخاصة المواد الأدبية.
إن تأثير البعد الإيديولوجي أو الهيمنة الإيديولوجية على التعليم لم يسيطر فعلياً وبشكل كامل على المجتمع بمعنى لم يتمكن حزب البعث بأن يكون مقنعاً وأعتقد أن السبب هو الانتشار الكبير جداً للفساد في سوريا والمبالغة بالقمع والاستبداد فليس من السهل أن يقنع حزب البعث الجيل الناشئ بالالتزام بهذه المبادئ الذي ينظر لها عبر مناهج التعليم فالواقع كان مختلفاً بشكل كبير جداً.
هل يمكن إنشاء نظام تعليمي يعزز الهوية الوطنية الجامعة بعيداً عن الأفكار القومية والدينية المختلفة؟
بحسب تصوري هناك شكلان من أشكال نظام التعليم في سوريا فإما أن يكون نظام التعليم قد أدخل فيه شيء من الإيديولوجيا سواء كانت فكرية قومية أثنية أو إيديولوجيا دينية أو الابتعاد كل البعد عن الأدلجة الفكرية والاكتفاء بالإطار الوطني الجامع. نظام البعث كان يمزج بين الأدلجة القومية والتي هي ركيزة من ركائزه كما كان يتبنى الإيديولوجية الدينية من خلال احتوائها وتسخيرها لأن تكون عاملاً من عوامل دعمه مع إبعادها عن الحياة السياسية وعقد شراكات مع تيارات دينية كانت جزء من إيديولوجيته الفكرية. مثلاً في المناهج التعليمية كان تتضمن محاربة العلمانية والعولمة وترسيخ القيم الدينية على أنها جزء من ثقافة سوريا كما كانت القيادة السياسية في سوريا تدعم التوجه الديني المعتدل والمقصود بالمعتدل هي المدرسة الدينية الموالية للنظام فقط. بهذا الأمر أعتقد أن مناهج التعليم في سوريا بحاجة للانتقال من أن تكون منصة لطرح إيديولوجيات مختلفة سواء قومية أو دينية إلى أن تكون مبنية على الأسس العلمية والتربوية وتعزيز الإطار الوطني الجامع بعيداً عن الدخول في تفاصيل ليس مكانها في قطاع التعليم وإنما قطاع المجتمع المدني وهنا أقصد التثقيف الديني والسياسي والقومي والفكري.
هل الخصوصية في التعليم بالمناطق التي تضم مكونات قومية أو دينية أمر بالغ الأهمية؟
باعتقادي يجب أن يكون هناك منهاج تعليمي قائم على الإطار الوطني الجامع مع إدخال الفكر السياسي أو الإيديولوجي ولكن بالحد الأدنى وأن يكون قائماً على إعطاء المواد العلمية والقيم والمبادئ وتنمية الجيل بالشكل الصحيح مع وجود بعض المواد الإثرائية الجانبية التي تراعي مناطق فيها مكونات ثقافية واثنية. والأهم أن يكون هناك منظمات مجتمع مدني ترعى الحوارات والندوات مع وجود صحف متنوعة كل ذلك يمكن أن يكون جزءاً من اختلاف الايديولوجيا فالمكان المناسب في عرض الإرث الأدبي والفكري والثقافي والسياسي هو ضمن أنشطة وفعاليات المجتمع المدني. هنا ستكون الفائدة أكبر في تطوير التعليم والمناهج الدراسية وكل ذلك يحتاج إلى وقت وتماسك مجتمعي أكبر للوصول إلى ذلك وأن يكون هناك حريات تتيح للمجتمع المدني أن يقوم بنشاطه دون تضييق من السلطة أما إذا كان المجتمع المدني غير قادر على القيام بهذا الدور سيكون للمكونات مطالب مستمرة بالخصوصية في بعض المناطق.
هل قطاع التعليم في سوريا أمام انتقال مرحلي من مناهج مؤدلجة قومياً إلى دينياً؟
قطاع التعليم في سوريا لم يتضح فيه الانتقال المرحلي هو نعم مؤدلج قومياً ودينياً لكنه لم ينتقل من الأدلجة القومية إلى الدينية كما هناك اختلافات بين المنطقة والأخرى بطبيعة هذه الأدلجة. السؤال كيف سيصبح هناك تطور في المناهج يأتي ذلك من خلال الاستقرار السياسي في البلاد والأهم في الوقت الراهن هو أن السوريين بدؤوا يلاحظون بعد سقوط نظام الأسد أن هناك فرصة للتحرر من الأيديولوجيات المختلفة والتوجه إلى الإيديولوجية الوطنية العامة وأن ينعكس ذلك في عملية تبديل المناهج. بالمقابل هناك مشكلات سياسية في سوريا في وقتنا الراهن تنعكس على قطاع التعليم والتساؤل كيف سيكون الحل في السويداء وكيف ستكون العلاقة بين الحكومة وشمال شرق سوريا. حالياً تسعى الحكومة السورية إلى تشكيل إطار وطني جامع تذوب فيه كافة المذاهب والقوميات ويعمم ذلك على الخريطة السورية وإلى أي حد قد تكون هذه التجربة ناجحة حيث يحتاج ذلك إلى مفاوضات ونقاشات تصل إلى توحيد المناهج.
كيف تنظر للتغييرات التي أدخلتها الحكومة السورية الجديدة على المناهج ومقررات التعليم؟
الحكومة السورية لم تأخذ الوقت الكافي لأن تقوم بذلك لكنها حذفت مادة القومية وتحذف أجزاء من مواد أخرى ترتبط بنظام البعث لكنها لم تغير المناهج حتى اليوم. كما أنها لم تدخل شيئاً إضافياً ولا أعتقد أنها ذاهبة لإدخال شيء في الوقت الحالي.
ما الذي تحتاجه مناهج التعليم في سوريا بكافة المراحل للابتعاد عن التطرف والتشدد والنهوض في المجتمع؟
تحتاج مناهج التعليم بكافة المراحل إلى جهد كبير جداً من لجان تخصصية لتعيد بناءها. حيث أن المناهج العلمية تحتاج أولاً لأن تواكب التطور العلمي الذي تشهده جميع دول العالم المتقدمة والاستفادة من تجارب الدول الأخرى في هذا المجال لتكون سوريا قادرة على النهوض بالنخب التي سينتجها قطاع التعليم. على المستوى الأدبي والثقافي كانت الحرب التي استمرت 14 عاماً وقبلها عقود من التشريد والفساد والاستبداد كفيلة بتدمير الحوامل المجتمعية في سوريا لذلك يحتاج التعليم والمناهج التدريسية إلى إعادة بناء من جديد لتكون قادرة على تعزيز الحوامل المجتمعية السورية والحوار المشترك كما تعزز القيم الفكرية والثقافية للمواطن السوري بحيث يكون قادر على تصحيح كل المعاناة والأخطاء المرتكبة خلال عقود وأن تكون هناك هوية جامعة تدفع نحو البناء والتطوير والنمو والازدهار وتقليل النزعات الإثنية والدينية والطائفية والمذهبية بشكل كبير جداً وأن تقوم المناهج على أدبيات التعايش المشترك واحترام الآخر وهذا كفيل بأن يؤثر في المجتمع تأثيراً إيجابياً من خلال عدم احتضانه لأي أفكار متطرفة.
+963



