العدالة الانتقالية تحديث 18 تشرين الأول 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي:
———————————
مؤامرة في عهد الأسد لإخفاء آلاف القتلى حولت صحراء سوريا إلى مقبرة جماعية
دمشق: كانت رائحة الموت التي لا تخطئها الأنوف تعبق الأجواء على طول الطريق الصحراوي السوري أربع ليال أسبوعيا على مدار عامين تقريبا.. إنها رائحة عشرات الآلاف من الجثث التي تنقلها شاحنات من مقبرة جماعية إلى أخرى في موقع سري.
كان ممنوع على السائقين مغادرة سياراتهم بينما أقسم الميكانيكيون ومشغلو الجرافات على التزام الصمت، فقد كانوا يعلمون جيدا أنهم سيدفعون حياتهم ثمنا للتحدث علنا. كانت أوامر “عملية نقل الأتربة” شفهية فقط وأشرف عليها ضابط سوري برتبة عقيد، قضى ما يقرب من عقد من الزمن في دفن قتلى الرئيس السوري السابق بشار الأسد.
صدرت أوامر نقل الجثث من القصر الرئاسي. وأدار العقيد، المعروف باسم “أستاذ التطهير”، العملية من 2019 حتى 2021.
كانت المقبرة الأولى، في بلدة القطيفة بريف دمشق، تضم خنادق مليئة برفات أشخاص ماتوا في السجن أو أثناء الاستجواب أو خلال القتال. وكشف نشطاء مدافعون عن حقوق الإنسان عن وجود تلك المقبرة الجماعية خلال سنوات الحرب الأهلية، وكانت تعتبر لفترة طويلة واحدة من أكبر المقابر الجماعية في سوريا.
لكن تحقيقا أجرته رويترز خلص إلى أن حكومة الأسد قامت سرا بالحفر في موقع القطيفة ونقلت آلاف الجثث بالشاحنات إلى موقع جديد في منشأة عسكرية تبعد أكثر من ساعة في صحراء الضمير.
وفي تقرير حصري نُشر يوم الثلاثاء، كشفت رويترز عن مخطط إعادة الدفن السري ووجود المقبرة الجماعية الثانية. ويمكن لرويترز الآن أن تكشف، بتفاصيل دقيقة، كيف نفذ المسؤولون هذه المؤامرة وأبقوها طي الكتمان لمدة ست سنوات.
تحدثت رويترز إلى 13 شخصا على دراية مباشرة بالجهود التي استمرت عامين لنقل الجثث، وحللت أكثر من 500 صورة من صور الأقمار الصناعية للمقبرتين الجماعيتين التُقطت على مدى أكثر من عقد، والتي لم تُظهر فقط إنشاء مقبرة القطيفة، ولكن أيضا كيف توسع الموقع السري، مع إعادة فتح خنادق الدفن وحفرها، حتى غطى مساحة شاسعة من الصحراء.
استخدمت رويترز التصوير الجوي بالطائرات المسيرة للتأكد من نقل الجثث. وبإشراف خبراء في الجيولوجيا الجنائية، التقطت رويترز أيضا آلاف الصور بطائرات مسيرة وعلى الأرض للموقعين بهدف إنشاء صور مركبة عالية الدقة. وفي صحراء الضمير، أظهرت رحلات الطائرات المسيرة أن التربة غير المستوية حول خنادق الدفن كانت أكثر احمرارا وقتامة من المناطق المجاورة المستوية، وهو نوع التغيير المتوقع إذا أضيفت تربة القطيفة إلى تربة صحراء الضمير، وفقا لما ذكره بنجامين روك ولورنا داوسون الخبيران الجيولوجيان اللذان قدما المشورة لرويترز.
تنتشر المقابر الجماعية في أنحاء سوريا، لكن الموقع السري الذي اكتشفته رويترز يعد من بين أكبر المواقع المعروفة. ومع ما لا يقل عن 34 خندقا يبلغ طولها الإجمالي كيلومترين، تعد المقبرة الواقعة بالقرب من بلدة الضمير الصحراوية من بين أوسع المقابر التي تم حفرها خلال الحرب الأهلية التي مزقت البلاد.
وتشير روايات الشهود وأبعاد الموقع الجديد إلى احتمال دفن عشرات الآلاف هناك.
وقررت رويترز عدم الكشف عن الموقع لحمايته من التلاعب.
وبعد نشر التقرير الأول لرويترز، قالت الهيئة الوطنية للمفقودين التابعة للحكومة إنها تواصلت مع وزارة الداخلية لحماية الموقع وفق الآليات المتبعة لديهم. وأوضحت اللجنة لرويترز أن نقل الجثث بشكل عشوائي إلى موقع الضمير سيجعل عملية تحديد هوية الضحايا أكثر تعقيدا.
وقالت اللجنة “ما تكشف عنه عمليات نقل التربة الأخيرة لا يقتصر على بعد سيادي أو لوجستي، فلكل أسرة مفقود معاناة خاصة تتشابك مع تعقيدات علمية قد تحول مهمة التعرّف إلى مشروع تقني طويل ومكلف”.
وفقا لشهود شاركوا في العملية، كانت ست إلى ثماني شاحنات مليئة بالتراب والبقايا البشرية والديدان تتوجه إلى موقع الضمير الصحراوي أربع ليال تقريبا كل أسبوع. وبحسب شهود، بما في ذلك سائقا شاحنتين وثلاثة فنيين لإصلاح السيارات وسائق جرافة وضابط سابق من الحرس الجمهوري التابع للأسد شارك منذ الأيام الأولى في عملية نقل الجثث، التصقت الرائحة الكريهة بملابس وشعر جميع المشاركين.
وقال الضابط السابق بالحرس الجمهوري إن فكرة نقل آلاف الجثث بدأت في أواخر 2018، عندما اقترب الأسد من تحقيق النصر في الحرب الأهلية السورية. وأضاف أن الأسد كان يأمل في استعادة الاعتراف الدولي بعد تهميش لسنوات جراء العقوبات والاتهامات بارتكاب فظائع.
في ذلك الوقت، كان الأسد متهما بالفعل باحتجاز آلاف السوريين لكن لم تتمكن أي من الجماعات السورية المستقلة أو المنظمات الدولية من الوصول إلى السجون أو المقابر الجماعية.
وقال الضابط إنه في اجتماع عام 2018 مع المخابرات الروسية، تلقى الأسد تطمينات بأن الحلفاء يعملون بدأب لإنهاء عزلته. ونصحه الروس بإخفاء أدلة على انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان. وأضاف الضابط “خصوصا الاعتقالات والمقابر الجماعية والهجمات الكيماوية”.
وقال سائقا الشاحنتين والضابط لرويترز إنهم أُبلغوا بأن الهدف هو تطهير مقبرة القطيفة الجماعية وإخفاء أدلة على عمليات القتل الجماعي.
ظهر أول خندق في القطيفة في صور الأقمار الصناعية عام 2012. وكشف ناشط سوري في مجال حقوق الإنسان موقع القطيفة من خلال تسريب صور لوسائل إعلام محلية عام 2014 تظهر وجود المقبرة وموقعها على مشارف دمشق، واتهم الأسد باستخدام الموقع لإخفاء العدد الهائل للقتلى في عهده. وتحدد موقعه بدقة بعد بضع سنوات من خلال شهادات في المحاكم وتقارير إعلامية أخرى. لكن بحلول الوقت الذي سقط فيه الأسد، كانت جميع الخنادق الستة عشر التي وثقتها رويترز قد تم إفراغها.
ورفضت أجهزة الاستخبارات الخارجية الروسية التعقيب، ولم يستجب المستشار القانوني للأسد لطلبات التعليق على نتائج رويترز.
ووفقا لمنظمات حقوقية سورية اختفى ما يربو على 160 ألف شخص على يد جهاز الأمن الضخم التابع للدكتاتور المخلوع، ويُعتقد أنهم مدفونون في عشرات المقابر الجماعية التي أمر بحفرها. وقدّرت الحكومة عدد المفقودين منذ بدء حكم عائلة الأسد عام 1970 بما يصل إلى 300 ألف شخص. ويمكن أن تساعد عمليات التنقيب المنظمة وتحليل الحمض النووي في الكشف عما تعرض له هؤلاء، وقد تسهم هذه الجهود في تضميد أحد الجراح الغائرة في تاريخ سوريا.
لكن نظرا لقلة الموارد لا تحظى حتى المقابر الجماعية المعروفة بالحماية ولا يتم التنقيب فيها. كما أن القادة الجدد للبلاد، الذين أطاحوا بالأسد في ديسمبر كانون الأول، لم ينشروا أي وثائق تتعلق بهذه المقابر، رغم المناشدات المتكررة من عائلات المفقودين.
وقالت الهيئة الوطنية للمفقودين إن ذلك يرجع إلى اختفاء العديد من السجلات أو إتلافها، وإن الفجوات في البيانات هائلة حتى بالنسبة للمواقع المعروفة مثل القطيفة. وقالوا إن هناك خططا لإنشاء بنك للحمض النووي ومنصة رقمية مركزية لعائلات المفقودين، لكنهم أشاروا إلى عدم وجود عدد كاف من المتخصصين في الطب الشرعي واختبارات الحمض النووي.
اطلعت رويترز على شهادات في المحاكم وعشرات الوثائق الموقعة التي تظهر التسلسل القيادي من أسرّة الموتى في السجون إلى المشارح. حملت العديد من هذه الوثائق الختم الرسمي لنفس العقيد الذي أشرف على موقعي الدفن الجماعيين: العقيد مازن إسمندر.
جميع من قابلتهم رويترز وكانوا مشاركين في نقل الجثث، تذكروا ليالي عملوا فيها تحت إمرة إسمندر.
وصف أحمد غزال، وهو ميكانيكي، الإصلاحات الليلية طوال تلك الفترة وكيف أمره الجنود بإخلاء ورشته كي يتسنى إصلاح الشاحنات بسرعة وبعيدا عن الأنظار. وقال غزال لرويترز إنه لم يصدق تفسيرهم الأولي بأن رائحة العفن جاءت من مواد كيميائية وأدوية منتهية الصلاحية.
رأى غزال الجثث لأول مرة عندما قفز داخل صندوق الشاحنة أثناء إصلاحها. وبعد أن سقطت يد بشرية متحللة على أحد مساعديه، قال غزال إن الفضول غلبه فاقترب من أحد السائقين العسكريين ليسأله من أين جاءت الجثث. وأخبره ذلك السائق أنها من القطيفة، وأن الأوامر صدرت لنقلها قبل أن تتمكن سوريا من فتح أبوابها أمام التدقيق الدولي.
ووصف غزال، الذي قاد رويترز إلى موقع الضمير، الأحداث التي شهدها هناك بصوت أجش لا يخلو من الحذر. لكنه قال إنه لم يتحدث علنا عن الأمر في ذلك الوقت.
وأضاف “لو تتكلم معناته موت وبتحّصل الناس المدفونة هون وبيحصل اللي حصل لهم”.
وتحدثت رويترز إلى السائق أيضا، الذي تذكر حديثه مع غزال، وقال إن العقيد إسمندر حذرهم من أنهم سيدفعون الثمن إذا تحدث أي شخص عما رأوه.
ورفض إسمندر التعليق على نتائج رويترز عندما تم الاتصال به عبر وسطاء.
وقال السائق “لو كان بيدي ما كنت اشتغلت هادي الشغلانة، أنا عبد المأمور، عبد الأوامر.. شعور خوف وريحة كريهة وإحساس بالذنب”.
وذكر أنه عندما كان يعود لمنزله مع شروق الشمس، كان يحاول التخلص من الروائح “بالاستحمام وأحاول انسا الروائح بالعطر أو بأي شي”.
“أستاذ التطهير”
مع تحول الاحتجاجات على حكم الأسد إلى حرب أهلية في عام 2012، كانت القطيفة، الواقعة على مشارف دمشق، واحدة من الأماكن القليلة الخاضعة لسيطرة مُحكمة من جانب الحكومة. وقال أنور حاج خليل، الرئيس السابق لمجلس المدينة، إن الناس كانوا ينقلون إلى موقع عسكري هناك الجثث التي عثروا عليها خلال الأيام الأولى من القتال وجهود الأسد المحمومة لاحتواء الانتفاضة.
وبحلول 2013، كانت شاحنات محملة بالجثث تصل من المستشفيات ومراكز الاحتجاز وساحات القتال. وقال حاج خليل وعميد سابق في الفرقة الثالثة بالجيش السوري التي نسقت لوجستيات الدفن إن عدد الجثث كان كبيرا لدرجة أن اثنتين من شركات توزيع الأغذية المملوكة للحكومة، شركة لتعبئة اللحوم وأخرى توزع الفاكهة والخضراوات، خصصتا شاحناتهما المبردة لنقل القتلى إلى القطيفة.
طلب الضابط، مثل العديد من المتورطين في المؤامرة عدم الكشف عن هويته. وقال حاج خليل، الذي لا يزال يعيش في المنطقة، إنه لم يرغب أحد في تولي مسؤولية دفن الجثث.
كانت هناك حاجة إلى شخص للإشراف على العمليات والموقع. ووفقا لشهود وشهادات أمام محاكم، بدأ إسمندر في لعب هذا الدور في وقت مبكر من عام 2012. وذكر الضابط في الفرقة الثالثة أنه تم تقديمه إلى أفراد الفرقة باعتباره “أستاذ عمليات التطهير”.
وبحسب وثائق ترجع لعام 2018 تحمل ختمه اطلعت عليها رويترز، كان منصب إسمندر الفعلي هو رئيس قسم الميزانية في إدارة الخدمات الطبية للجيش السوري. وكانت تلك الوحدة واحدة من أقوى الهيئات الحكومية في البلاد، إذ كانت تشرف على الرعاية الطبية للجنود وأي شخص يتم نقله إلى المستشفيات العسكرية، بما في ذلك آلاف السجناء الذين تم تسجيل وفاتهم هناك.
ووفقا لحاج خليل والضابط في الفرقة الثالثة وقع اختيار إسمندر وقائد بالفرقة الثالثة على قطعة أرض خاضعة لسيطرة الجيش في منطقة القطيفة لتكون موقعا للدفن.
في البداية، كانت الجثث تأتي بالعشرات في المرة الواحدة من مستشفيين قريبين. وقال حاج خليل إنها كانت في أكفان مكتوب عليها الأسماء. لكنه أضاف أنه في غضون بضعة أشهر، اعتاد على المكالمات الواردة من إسمندر بعد منتصف الليل للتخلص من الجثث القادمة من مستشفى تشرين العسكري خارج دمشق. وكان ضابط آخر يتصل به للتخلص من الجثث القادمة من سجن صيدنايا سيئ السمعة.
وقال حاج خليل إن إسمندر كان يقول له “البرادات طالعة باتجاهك، خلي سواق الجرافة يلاقينا بالموقع بعد نص ساعة”.
ووفقا لسائق جرافة عمل في القطيفة ابتداء من عام 2014، كانت جميع جثث تشرين وصيدنايا معصوبة العينين بينما الأيدي كانت مربوطة بشرائط بلاستيكية في بادئ الأمر. وقال إن القادمين من تشرين كانوا يصلون في البداية في أكياس جثث ثم في أكياس من النايلون، ثم كانوا يصلون بلا أي أكياس على الإطلاق. وقال السائق الذي يتذكر رنين هاتفه في الثانية صباحا مع أوامر ببدء الحفر، إن جميعهم تقريبا كانوا عراة.
وأضاف أن الخنادق التي حفرها الجيش في البداية كانت ضحلة للغاية و”هنن السبب اللي خلاهم ياخدوني (يستدعوني)”. وأضاف أنه نظرا لطبيعة التربة الممزوجة بالحصى والحجارة الصغيرة “طلعت الريحة بسرعة”، مشيرا إلى أن السكان المحليين اشتكوا من الرائحة والكلاب التي انجذبت إليها.
وذكر أنه حفر كل خندق بعمق وعرض حوالي أربعة أمتار، وطوله ما بين 75 و90 مترا. وتتطابق روايته مع صور الأقمار الصناعية التي حللتها رويترز، فالصور التي تعود لعام 2013 عندما بدأ حفر الخنادق تظهر على ما يبدو خنادق ضحلة، تليها أخرى أطول وأعمق في عام 2014.
وقال لرويترز “أول أسبوعين ما قدرت آكل أو نام من كمية الرعب الي شفته، بس بعدين حسيت في شي جواتي انكسر وتعودت”.
في الوقت نفسه، احتفظ إسمندر بسجلات توضح بالتفصيل عدد الجثث التي وصلت وفرع الأمن الذي أرسلها، وفقا لشهادة تحت القسم من حفار قبور يدعى محمد عفيف نايفة في ألمانيا وأمام محكمة أمريكية في دعوى تتعلق باتهامات بالتعذيب ضد حكومة الأسد. وقال نايفة للمحكمة الألمانية إنه عمل مع إسمندر من عام 2011 إلى عام 2017 وقام بتنسيق دفن سجناء سياسيين.
ورفض نايفة، الذي أشارت شهادته فقط إلى القطيفة، التحدث إلى رويترز.
وشهد بأن الأرقام الموجودة في السجلات أقل من العدد الحقيقي للجثث التي ساعد في دفنها. وقال إن الضحايا كان بينهم أطفال رضع وصغار.
وقال عام 2024 في شهادته في دعوى مدنية أمريكية رفعها أحد ضحايا التعذيب ضد حكومة الأسد “هذه الطريقة القائمة على التقليل من الأعداد هي الطريقة التي استخدمها النظام لإخفاء ودفن عدد أكبر بكثير من الأشخاص مقارنة بما تم تسجيله”.
وظهر اسم إسمندر 73 مرة بين آلاف الوثائق التي تعود لعامي 2018 و2019 التي عثرت عليها رويترز وصورتها خلال زيارة لمكتب الأدلة الجنائية العسكرية بعد أن غادرته قوات الأسد في ديسمبر كانون الأول مع وصول قوات المعارضة بقيادة أحمد الشرع إلى دمشق.
وظهر ختمه على وثائق من عامي 2018 و2019 عن كيفية نقل السجناء أولا إلى مستشفى تشرين العسكري، ثم بعد الوفاة إلى مستشفى حرستا العسكري لحفظ الجثث. ولا تشير الوثائق إلى وجود مقابر جماعية.
ومع ذلك، وفقا لتحليل رويترز لصور الأقمار الصناعية وصور الطائرات المسيرة فقد تم حفر 16 خندقا للدفن في القطيفة في الفترة من 2013 حتى 2018 على الأقل بطول إجمالي يزيد عن 1.2 كيلومتر.
وكانت الطرق المحلية تغلق عندما تتجه الشاحنات نحو موقع الدفن. وقال ضابط الفرقة الثالثة الذي رافق الشاحنات إنه في عام 2014، تعطلت شاحنة على الطريق السريع وتوقف جميع من كانوا في القافلة المتجهة إلى القطيفة.
وقدم نايفة رواية مطابقة لهذه الواقعة. وذكر ضابط الفرقة الثالثة أنه تلقى اتصالا غاضبا من قائد إسمندر، اللواء عمار سليمان قال فيه “اجتنا الأوامر من الرئيس: سكروا الطريق الدولي”.
كان سليمان أحد كبار القادة العسكريين في سوريا، وأحد أفراد الدائرة المقربة من الأسد. تولى قيادة الخدمات الطبية العسكرية، وكان القائد المباشر لإسمندر. وتأكد تورطه في شهادة نايفة، وشهادة قائد في الدفاع الوطني، وهي قوة شبه عسكرية تابعة للأسد مباشرة شاركت في أكثر العمليات الأمنية سرية في سوريا.
لم يرد سليمان على رسالة طلبا للتعليق.
لم تعثر رويترز على أي وثائق تتضمن أوامر مباشرة من الأسد بشأن المقابر الجماعية بشكل عام أو “عملية نقل الأتربة”. لكن ضابط الحرس الجمهوري وقائد الدفاع الوطني قالا إنه من غير المعقول ألا يكون الأسد قد أمر بذلك.
وقال القائد بالدفاع الوطني “بتحداك تلاقي شي بأمر صريح من بشار الأسد… كان عرفان أنه رح يجي يوم ويتحاسب وما كان بدّه يوسخ إيديه”.
واستنادا إلى وتيرة عمليات النقل خلال تلك السنوات، قدر حاج خليل أن القطيفة كانت تضم ما بين 60 و80 ألف قتيل حتى نهاية عام 2018. وأظهر تحليل رويترز لصور الأقمار الصناعية أن عمليات حفر الخنادق توقفت حينها.
وبحلول ذلك الوقت، وبمساعدة روسيا وإيران، أصبح يُنظر إلى الأسد على نطاق واسع باعتباره المنتصر في الحرب الأهلية. ومع ذلك، كان قد فقد السيطرة على جزء كبير من شمال سوريا لصالح هيئة تحرير الشام التي كان يقودها الشرع والقوات الكردية التي اقتطعت كل منها مناطق حكم ذاتي.
وقال الضابط في الحرس الجمهوري إنه في إحدى أمسيات أواخر عام 2018، استدعى الأسد أربعة من قادة الجيش والمخابرات إلى القصر الرئاسي لمناقشة ما يجب فعله بشأن المقابر الجماعية، وخاصة موقع القطيفة. وقال الضابط الذي كان يعمل في القصر في ذلك الوقت إنه كان من بين عدد قليل من الذين اطلعوا على محضر الاجتماع.
وأضاف أن مدير المخابرات العسكرية اللواء كمال حسن اقترح تجريف مقبرة القطيفة الجماعية بأكملها ونقل محتوياتها إلى مكان أبعد.
وقال “الفكرة كانت مجنونة للكل، بس بشار عطاه الضوء الأخضر”. وذكر أن الأساس في الموقع الجديد هو أن يكون تحت السيطرة العسكرية.
وقال الضابط إن مدير المخابرات العسكرية حسن أمر بإرسال تقارير أسبوعية إلى القصر الرئاسي. ولم تتمكن رويترز من الاتصال بحسن، الذي يُعتقد أنه ليس في سوريا، للحصول على تعقيب.
ووفقا لما ذكره الضابط ورئيس مجلس المدينة السابق حاج خليل وتحليل رويترز لصور الأقمار الصناعية، بدأ في نوفمبر تشرين الثاني 2018، العمل في بناء جدار خرساني حول القطيفة. وتظهر صورة التقطتها الأقمار الصناعية في فبراير شباط 2019 الجدار المحيط بالمقبرة الجماعية بأكملها ويبلغ ارتفاعه ثلاثة أمتار، مما أدى إلى حجب أي رؤية للموقع من مستوى سطح الأرض.
وفي صحراء سوريا، على بعد أكثر من ساعة، ظهرت أولى الخنادق البالغ عددها 34 على الأقل في أوائل فبراير شباط 2019. كانت عملية جديدة قد بدأت في قاعدة عسكرية تتعرض للرياح بالقرب من بلدة الضمير، محمية بسلسلة من السواتر الترابية والأسوار، ومحاطة بالجبال من جميع الجهات.
“عملية نقل الأتربة”
قال الضابط بالحرس الجمهوري وحاج خليل إن الأوامر المكتوبة أشارت إلى أن المهمة هي نقل الأتربة والرمال إلى موقع بناء. وقال السائق العسكري إن إسمندر، رمادي الشعر حليق الذقن، جمع السائقين قبل دقائق قليلة من بدء العمل في يومهم الأول وأوضح لهم أن المطلوب فعليا هو نقل جثث، لأن موقع المقبرة الجماعية في القطيفة قد تم كشفه.
وذكر ضابط الحرس الجمهوري والقائد في الدفاع الوطني أن العملية حملت اسم “عملية نقل الأتربة”.
وقال أحد السائقين العسكريين “من اليوم الأول التعليمات كان ممنوع علينا حدا يمسك موبايل أو نترك السيارات أثناء أو خلال تحميل الجثث. تخالف معناه موت. ما حد يجرؤ يخالف الأوامر”.
وقال السائق إن الشاحنات كانت تغادر القطيفة عادة عند غروب الشمس، ويُمنع السائقون من الخروج من سياراتهم أثناء التحميل. وكان بإمكانه رؤية إسمندر في المرآة الخلفية وهو يشير إليه بمكان صف السيارة. وكانت شاحنته تهتز في كل مرة تفرغ فيها الجرافة حمولتها خمس أو ست مرات.
وقال ضابط الحرس الجمهوري الذي أشرف على العمل مباشرة “كانت عضام وجماجم شبه متحللة” فيما كان بعضها جثثا جديدة. وأضاف “كان هناك أيضا الكثير من الديدان التي كانت يسقط منها المئات إن لم يكن الآلاف مع كل مرة تفرغ فيه الجرافة حمولتها في الشاحنة”.
وبعد ذلك، بناء على أوامر إسمندر، كانت السيارات تصطف وتتجه نحو الضمير، وكانت ست إلى ثماني شاحنات مرسيدس برتقالية باهتة اللون تتبع سيارة العقيد الفان البيضاء.
صاحبت رائحة كريهة للغاية مرور القافلة. وكان السائقون والميكانيكيون يتذكرون دائما تلك الليالي بالرائحة التي عبأت الهواء أربعة أيام في الأسبوع من فبراير شباط 2019 حتى أبريل نيسان 2021، باستثناء العطلات وأيام سقوط الثلوج وفترة الحظر بسبب جائحة كوفيد-19 التي استمرت في سوريا حوالي أربعة أشهر.
بعد سنوات من هذه الرحلات، قال أحد السكان الذي لا يزال يتذكر الرائحة إن حمولة الشاحنات باتت سرا مكشوفا بالنسبة لمن يعيشون بالقرب من كلا الموقعين. وقال أحد السائقين “الكل شاف”.
وبدون البحث في المقابر، من المستحيل إجراء تقدير دقيق لعدد الجثث المدفونة في الضمير. لكن قافلة مكونة من ست إلى ثماني شاحنات تقوم بأربع رحلات أسبوعيا تعني تقريبا حوالي 2600 رحلة مع احتساب فترات التوقف. وقال خبراء لرويترز إنه بناء على ذلك وعلى حجم الشاحنات، فمن المنطقي الاعتقاد أن عشرات الآلاف يرقدون في مقبرة الضمير.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية أنه بحلول الوقت الذي انتهت فيه “عملية نقل الأتربة”، كان كل خندق من خنادق القطيفة الستة عشر التي وثقتها رويترز قد تم فتحه. وإجمالا، تحتوي مقبرة الضمير على خنادق بطول كيلومترين، وفقا لحسابات رويترز. وقال السائقون وميكانيكي واحد إن عرض كل منها يبلغ حوالي مترين وعمقه ثلاثة أمتار.
وشاهد مراسلو رويترز الذين زاروا الموقع هذا العام عظاما بشرية متناثرة على السطح، بما في ذلك جمجمة مهشمة.
وقال غزال، فني إصلاح السيارات، إنه أصلح الشاحنات مرارا لأن تاريخ تصنيعها يعود إلى منتصف الثمانينات وكانت عرضة للأعطال.
وأتاح له إصلاح الشاحنات مرارا في ورشته فرصة تمييز نوعين من الجثث التي كانت تنقل إلى الضمير. كان بعضها قد تحلل وغطته الأتربة، في حين ظهرت أخرى وكأنها حديثة الوفاة، بما في ذلك شبان وشابات. وقال ابنا عمه اللذان كانا يعملان أيضا في الورشة لرويترز إنهما شاهدا جثثا حديثة الوفاة. ولم يتسن لرويترز تحديد مصدر الجثث الجديدة.
وقاد غزال فريقا من رويترز إلى الموقع، الذي تمكن من التعرف عليه لأنه تم استدعاؤه إلى هناك لإصلاح شاحنة معطلة.
وقال وهو يشير إلى الصحراء الخالية “كل مكان على بعد النظر، فيه ناس مدفونة تحت الأرض”.
كان عمار السلمو، عضو مجلس إدارة منظمة الخوذ البيضاء التي تساعد في العثور على المقابر الجماعية وحفرها، أول من نبه رويترز إلى احتمال وجود مقبرة جماعية في الضمير.
وقال إن سكان القطيفة أبلغوا الخوذ البيضاء أن المقبرة الجماعية هناك فارغة، وأن شاهدا في الضمير أبلغ عن قوافل تنقل الجثث، لكن السلمو قال إن المنظمة كانت تعاني من نقص في الموظفين والموارد، ولم تتحقق من أي من الادعاءين. وبعد اطلاعه على نتائج رويترز، قال إن الخوذ البيضاء تخطط لزيارة أولية في الأيام المقبلة.
وأشار تحليل أجرته رويترز لمئات صور الأقمار الصناعية الملتقطة على مدى سنوات إلى تحول في لون التربة غير المستوية في موقع الضمير. ولكن حتى أكثر الصور تطورا تفتقر إلى الدقة اللازمة لإجراء فحص دقيق للتربة.
وأشار تحليل أجرته رويترز لمئات من صور الأقمار الصناعية على مدى سنوات إلى تغير في لون التربة غير المستوية في موقع الضمير، ولكن حتى الصور التجارية الأكثر تطورا تفتقر إلى الدقة اللازمة لفحص التربة عن قرب.
لذلك شرعت رويترز في التقاط آلاف الصور بطائرات مسيرة بهدف إنشاء صور مركبة عالية الدقة للقطيفة والضمير باستخدام برامج المسح التصويري المتخصصة.
أظهرت الصور المركبة أن الجرافات تحركت مرارا فوق الخنادق لتسوية التربة. كما دعمت النتائج الأساسية التي توصلت إليها رويترز، وهي أن الجثث نقلت من القطيفة إلى ضمير.
وكشف تحليل صور الطائرات المسيرة أن تغيرات لون التربة حول خنادق الدفن في الضمير تشير إلى أن التربة التي عُثر عليها في باطن الأرض بالقطيفة قد اختلطت بتربة الضمير. وذكرت داوسون، الرائدة في علم التربة الجنائي في معهد جيمس هاتون في اسكتلندا، وروك المتخصص في العثور على مواقع الدفن باستخدام التصوير عن بُعد أن هذا ما يُتوقع العثور عليه إذا أضيفت التربة المستخرجة من القطيفة، والتي تحتوي على بقايا بشرية، إلى تربة الضمير.
وبين تحليل صور الأقمار الصناعية أنه تم ردم الخندق الأخير في الضمير خلال الأسبوع الأول من أبريل نيسان 2021. وبحلول نهاية ذلك العام، جرى تسوية الأرض في القطيفة، في محاولة لطمس أي أثر للمقبرة الجماعية الخاوية الآن. وفي الصور الخاصة بالموقعين، لا تزال الأرض تحمل آثار محاولات إخفاء عمليات الدفن.
وتلقى مدير المخابرات العسكرية -الذي كان أول من طرح فكرة نقل الجثث إلى الضمير- أحد التقارير الأسبوعية الأخيرة عن العملية في أواخر عام 2021 وسلمه إلى ضابط الحرس الجمهوري. وأشار الضابط إلى أن كلماته كانت “الضيوف جايين عالبلد وبدنا البلد تكون نضيفة”.
وقال ضابطان سابقان مطلعان على تحركات إسمندر إنه فر من سوريا بعد سقوط النظام، مثل الأسد والعديد من المسؤولين.
ومع رحيل الأسد، قال غزال إن المقابر الجماعية كانت أول ما خطر بباله عندما شاهد لقطات لآلاف السوريين وهم يتدفقون إلى سجن صيدنايا على أمل العثور على أحبائهم المفقودين. وكانت بعض مواقع الدفن معروفة بالفعل، بما في ذلك القطيفة.
في ديسمبر 2024، زارت عدة وسائل إعلام محلية ودولية الموقع الذي أصبح الوصول إليه ممكنا، بما في ذلك رويترز. كما زارت الموقع الهيئة الوطنية للمفقودين، وأشارت إلى أن القطيفة تم تجريفها في وقت ما بين 2018 و2021.
ولم يذكر أحد أن الخنادق كانت فارغة.
قال غزال، الذي لا يزال يعيش ويعمل في المنطقة، إن أحدا لم يأت للبحث في موقع الضمير الذي لا يغادر ذاكرته قط. وأضاف أن الكثير من السوريين يبحثون في المكان الخطأ.
(رويترز)
القدس العربي
——————————————–
دول المقابر الجماعية/ يوسف بزي
الخميس 2025/10/16
عدا نشره كخبر، بالكاد أثار الانتباه -تعليقاً وتداولاً وتفكّراً- ما كشفه تحقيق استقصائي لوكالة “رويترز”، عن عملية سرية ضخمة لنقل آلاف الجثث لمعتقلين في سجون نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، من مقبرة جماعية ضخمة إلى موقع آخر سري في قلب الصحراء، وذلك بهدف التغطية على الجريمة.
عملية نقل الجثث من مقبرة القطيفة الجماعية إلى الموقع المخفي حملت اسم “عملية نقل التربة”، واستمرت من العام 2019 حتى العام 2021. ثلاث سنوات من العمل بمعرفة وقيادة بشار الأسد شخصياً، لإخفاء جثث جنود وسجناء قضوا في سجون ومشافي جيش النظام.
ويوضح التحقيق أن المقبرة السرية في صحراء مدينة الضمير، تضم ما لا يقل عن 34 خندقاً بطول كيلومترين لكل خندق، ما يعني أنها أوسع المقابر الجماعية التي تم إنشاؤها خلال سنوات الثورة السورية.
ما هو مؤكد، اختفاء 160 ألف شخص داخل أقبية وسجون المخابرات المتعددة لنظام الأسد. هؤلاء، يضاف إليهم الآلاف الذين قضوا عند الحواجز العسكرية، التي غالباً ما كان يجاورها بئر أو حفرة ضخمة لإخفاء الجثث فيها. عدا عن مئات آلاف الضحايا الذين قتلوا بالقصف وبالبراميل المتفجرة وبالأسلحة الكيماوية، وبالمجازر التي لا عد لها وفق نمط مجزرة حي التضامن أو بانياس.
في أقل من عام، ورغم عدم وجود خطة منهجية رسمية واسعة النطاق، اكتُشفت عشرات المقابر الجماعية في أنحاء سوريا، أنشأ النظام السابق معظمها، عدا تلك التي أنشأها تنظيم داعش. ومن المرجح أن في أطراف الكثير من البلدات وفي الصحراء، وفي ضواحي المدن، ثمة مقابر جماعية مماثلة لم تُكتشف بعد.
الواقعة الجديدة التي كشفها تقرير “رويترز”، لم تُحدث أي صدمة تناسب هولها. فبدت وكأنها كما أراد الأسد تسميتها “نقل أتربة” وحسب. وعلى الأرجح، فإن أهوال غزة وأبعادها الإبادية طغت على سواها من أخبار ووقائع. فتأتي جريمة كبرى لتطمس أو تتفوق على جريمة كبرى سابقة.
وفي سوريا نفسها، يبدو أن أخبار فظائع الأسد دخلت طور الاعتياد أو كأنها اندرجت في ماضٍ يودون طيّه ونسيانه، فيما تقارير مجازر الساحل والسويداء لا تزال دماؤها ساخنة.
وعلى هذا المنوال، كانت مجازر الحروب الطائفية والمذهبية التي شهدها العراق بعد العام 2003، قد أدرجت فظاعات نظام صدام حسين (300 ألف جثة في مقابر جماعية) في الغفلة والنسيان.
أنظمة القسوة والتعذيب والإبادة، كما ميليشيات العنف والقتل والمجازر، هي حصيلة الخمسين سنة المنصرمة في المشرق العربي. وهذا النمط من تاريخ الجرائم الجماعية والإبادية، يتحكم براهننا ومستقبلنا، إن بأنظمة الاستبداد أو بالحروب الأهلية. ويكمن سر قابليتها للديمومة والتكرار، في انعدام أي مساءلة والرغبة في النسيان أو حتى الإنكار، بل وأيضاً التطبيع مع الجريمة والقسوة وتسويغهما، وإدراجهما في ثقافة “الموت لعدوكم” وفق ما شرح وضاح شرارة: “كان العربيّ البدويّ إذا لقي واحدًا من عشيره وأهله حيّاه بالتحيّة التي توقع عليه السلام، أي الحياة الرخوة والطيّبة والخلو من الانتهاب والغزو والسبي والغضب، وبدره بتمنّي الموت لعدوّه، وهو كلّ من ليس من قبيله. فالتحيّة العربيّة، التي أخرج منها الإسلام شطرها الثاني، أي تمنّي الموت، وقصرها على استنزال السلام ورحمة الله وبركاته، جمعت في كلّ واحد وجميع سلام الأهل والقبيل والنسيب، وموت الغريب الأجنبيّ. فكأنّ الأوّل، أي السلام، لا يحصل ولا يستتبّ إلّا بالثاني، وكأنّ الثاني شرطُ الأوّل”.
والعدو أيضاً هو ما يخالفك في المذهب أو العرق أو الرأي السياسي أو المعتقد أو يعارض الحكومة، أو ينتمي لعشيرة أو طائفة أخرى، فيجوز قتله واستباحة داره وأهله وعرضه وسبي نسائه وحرق أرضه، والتنكيل بأصحابه.. وإخفاء جثته. فلا استهوال ولا استفظاع.
وعليه، لا تتحول واقعات المقابر الجماعية السرية المزروعة في أرجاء المشرق العربي، ولا مئات المجازر وحملات الإبادة وأعمال القتل والاغتيالات والتعذيب، إلى حقيقة سياسية- حقوقية وإلى سؤال أخلاقي “تأسيسي”، على نحو ما فعل “الهولوكست” في أوروبا (والعالم).
وهذا، إلى حد كبير، سهّل لإسرائيل أن تقترف في غزة أعمال إبادة، وفق أقوال بعض قادتها الذين استشهدوا بما حدث في سوريا من تدمير وتطهير سكاني وحرب إبادية، ليبرروا جرائم حربهم على شعب غزة، وفق منطق “تستكثرون علينا ما تسامحتم به لبشار الأسد؟” (وكان هذا لسان حال المتعصبين في تأييد إسرائيل)، وبتبجح أن النظام السوري إنما ارتكب فظائعه بشعبه لا بشعب آخر.
المدن
—————————-
من سيربرينيتشا إلى دمشق: كيف تساعد تجربة البوسنة سوريا في البحث عن المفقودين؟
ربى خدام الجامع
2025.10.16
في وقت تجابه سوريا حالات الإخفاء الجماعية التي حدثت أيام نظام الأسد المخلوع، يزور رئيس لجنة المفقودين التي شكلت حديثاً البوسنة ليتعلم من نجاحاتها وأخطائها في هذا المجال.
يدرك محمد رضا جلخي جسامة المهمة التي يواجهها هو وزملاؤه اليوم، إذ قال من سراييفو بنهاية رحلته التي امتدت لخمسة أيام إلى البوسنة والهرسك: “هنالك تحديات كثيرة تزيد من الضغط علينا كل يوم وتشعرنا باليأس أكثر فأكثر”.
غير أنه من الصعب إحباط الشعب السوري برأيه، ويضيف: “إن ما يمنحنا القوة على الصبر والتحمل هو ما عشناه من قصف ونزوح طوال 14 عاماً، وإننا ندرك تماماً بأن هذه القضية هي واحدة من القضايا الأساسية التي علينا معالجتها حتى نبني سوريا الجديدة”.
تجربة ملهمة
تأسست الهيئة الوطنية السورية للمفقودين وهي لجنة وطنية للبحث في مصير المفقودين والمخفيين قسرياً في سوريا بمرسوم أصدره الرئيس المؤقت أحمد الشرع في 17 أيار الماضي، بعد أن قاد الهجوم الذي أطاح بنظام الأسد في كانون الأول من عام 2024 فأنهى حكم آل الأسد الذي امتد لخمسة عقود.
عُيّن جلخي وهو باحث في القانون الإنساني الدولي رئيساً لتلك اللجنة، فكانت مهمته الأولى فيها تعيين 12 عضواً آخرين صاروا يعملون معه اليوم على صياغة نظامها الداخلي. وبعد تشكيلها بمدة قصيرة، وبالتنسيق مع اللجنة الدولية للمفقودين بدأ جلخي بالتحضير لرحلة توجه هو وثلاثة من أعضاء اللجنة من خلالها إلى البوسنة والهرسك.
تجربة المقاتلين الأجانب في البوسنة
يحدثنا جلخي عن تلك التجربة فيقول: “إننا نعرف بأن اللجنة الدولية للمفقودين تعتبر من أنجح النماذج مقارنة بتجارب أخرى مماثلة من مختلف بقاع العالم، وهي تجربة ملهمة تدفع المرء للبحث في جوانب العمل الذي تم من خلالها… فلقد أتينا إلى هنا لنتعلم ما نفذ في البوسنة بكل نجاح، وأين كانت مواطن الفشل، بحيث نستطيع أن نحقق النجاح في عملنا”.
شملت تلك الزيارة التي نظمت بدعم مالي من الاتحاد الأوروبي زيارة للعاصمة البوسنيية سراييفو إلى جانب توزلا وسيربرنيتشا الواقعة في شرقي البلد، وهي تلك المدينة التي نفذ فيها جيش صرب البوسنة بقيادة راتكو ملاديتش عمليات قتل جماعية بحق أكثر من ثمانية آلاف رجل وطفل بوسني في تموز من عام 1995.
قتل نحو 100 ألف إنسان في حرب البوسنة والهرسك التي امتدت من عام 1992 وحتى 1995، كما أسفرت الحرب في يوغوسلافيا في المنطقة نفسها بمقتل 130 ألف إنسان.
ومن بين نحو أربعين ألفاً اختفوا خلال الحرب، تم التعرف لاحقاً على قرابة ثلاثين ألفاً منهم، وذلك من خلال العمل الذي قام به معهد المفقودين في البوسنة والهرسك، بالتعاون مع اللجنة الدولية للمفقودين.
تأسست اللجنة الدولية للمفقودين في قمة السبع عام 1996، لمساعدة حكومات دول غربي البلقان على معرفة مكان المفقودين ومصيرهم، وظل معظم عمل اللجنة يتركز على هذا الأمر حتى عام 2004، وذلك عندما توسع عملها ليشمل مختلف أنحاء العالم، إذ حتى اليوم، شاركت تلك اللجنة وغيرها من اللجان في البحث عن المفقودين في كل من أرمينيا والعراق وليبيا وأوكرانيا.
وفي عام 2016، بدأت اللجنة الدولية للمفقودين بجمع معلومات حول حالات الإخفاء في سوريا، وصارت تنفذ معظم عملياتها من الجارة تركيا وكذلك من مقرها في لاهاي. وهكذا جمعت قاعدة بياناتها ثلاثين ألف حالة إخفاء إلى جانب شهادات لنحو ثمانين ألفاً من أهالي الضحايا.
يعلق جلخي على ذلك فيقول: “عندما أفكر اليوم بعد مرور ثلاثين سنة على تجربة البوسنة والهرسك ويوغوسلافيا السابقة، أحس بالفرح لتمكن هذه المنطقة من التعرف على كل تلك الأعداد من المفقودين”.
ولكنه يرى بأنه على الرغم من وجود كل تلك المساعدات الدولية التي قدمت لتلك المنطقة، فإن الأمر احتاج لسنوات حتى تم تحديد مصير كل ذلك العدد، وتساءل: “كم سنحتاج من الوقت حتى نحل هذه المشكلة في سوريا التي فقد فيها آلاف الناس؟”
لعل الوقت بدأ بالنفاد
هنالك زهاء 130 ألف مفقود في سوريا بحسب تقديرات الأمم المتحدة، ويرتفع هذا العدد ليصل إلى 180 ألفاً بحسب أحدث تقرير سنوي أصدرته الشبكة السورية لحقوق الإنسان ونشر في شهر آب الماضي، غير أن جلخي يخبرنا بأن العدد النهائي قد يكون أعلى من ذلك بكثير، بما أن كثيراً من الناس خافوا من الانتقام والعقوبة، ولذلك لم يبلغوا حتى الآن عن اختفاء أقاربهم.
منذ سقوط نظام الأسد، كشف محققون ومنظمات حقوقية عن أدلة موسعة تثبت وجود مقابر جماعية في مختلف أنحاء سوريا، وما يزال كثير منها يتكشف شهراً بعد شهر.
كشف تحقيق استقصائي نشرته رويترز في تشرين الأول، عن قيام النظام البائد بنبش رفات الضحايا ونقل جثثهم من أماكن معروفة قريبة من دمشق، في عملية سعى النظام البائد من خلالها لإخفاء حجم عمليات القتل التي نفذها. وقد كشف التقرير عن وجود ما لا يقل عن 34 قبراً جماعياً جديداً حفر في البادية بالقرب من منطقة الضمير، ويعتقد أن تلك القبور تشتمل على الآلاف من الضحايا. في حين واصلت فرق الدفاع المدني عثورها على رفات بشرية ضمن الأقبية والقبور السطحية التي عثر عليها في المدن المحيطة بدمشق.
وهنا يحذر الخبراء في الطب الشرعي من نفاد الوقت قبل أن يجري التحفظ على تلك المواقع والاحتفاظ بكل ما فيها كما ينبغي، لأن الدروس المستفادة من البوسنة صارخة، إذ بمجرد العبث بالرفات أو تصنيفه بلا معلومات وافية عنه، تتضاءل فرصة التعرف على هوية صاحب الرفات بشكل دقيق.
يعلق جلخي على ذلك بقوله: “ما تعلمناه في رحلتنا إلى البوسنة هو أن تلك الأخطاء التي تحدث خلال المراحل الأولى من عملية الحفر والاستخراج تؤدي إلى وقوع أخطاء كارثية كثيرة وحدوث كثير من المشكلات التي ستكتنف العملية بأكملها”.
وفي سوريا حيث تم العبث ببعض المقابر الجماعية أو نقلها من أماكنها، فإن أي خطأ صغير في الإجراءات قد يمحو أدلة مهمة بالنسبة للأهالي والمحاكم، لذا فإن التصرف بسرعة ودقة ليس مجرد وازع أخلاقي، بل واجب تقني أيضاً، لأن أي تأخير يمكن أن يكلف مبالغ طائلة في عملية التعرف على هوية الضحايا، أو قد يتسبب في عدم التعرف على هوية الآلاف من المفقودين والمفقودات.
إلا أن المفقودين في سوريا ليسوا مجرد جثث مدفونة في التراب، فقد أخفي الآلاف من الناس خارج الحدود، ومنهم اللاجئون الذين غرقوا في البحر المتوسط أو اختفوا على طرقات الهجرة بين دول البلقان وأوروبا.
يخبرنا جلخي بأن الهيئة الوطنية للمفقودين تتحرك في هذا الاتجاه أيضاً، إذ يقول: “التقينا بعائلات من فقدوا [وهم في طريقهم إلى أوروبا] في كل من لبنان وتركيا، ونخطط للقيام بزيارة ألمانيا وفرنسا خلال الشهر القادم لنلتقي ببعض الأهالي هناك”.
ولدى سؤاله عن خطط اللجنة فيما يخص عملية التواصل مع السوريين في الخارج، أخبرنا بأنهم يدرسون عدة خيارات لتحقيق ذلك، ومن بينها تشكيل نقاط اتصال داخل القنصليات والسفارات السورية، على الرغم من أن هذا النهج قد يتهم بأنه مسيس، وهنالك خيار آخر يتمثل بإقامة مكاتب خارج المقار الدبلوماسية، إلا أن هذا الخيار يعتمد على التمويل إلى حد كبير، والخيار الثالث المطروح يشتمل على قيام مشاريع مشتركة مع المنظمات التي تنشط في الدول المضيفة، ويتابع بالقول: “إننا نعمل بصورة منهجية لأن الهدف الرئيسي هو تجنب التسييس على أي مستوى من المستويات، سواء على المستوى الوطني أو الدولي”.
“لا تنسوا الأمهات”
بعد ثلاثة أيام من الوصول إلى دمشق، أي في الحادي عشر من كانون الأول لعام 2024، نبه الرئيس المؤقت أحمد الشرع إلى أن كل من تورط في عمليات تعذيب المعتقلين وقتلهم خلال حكم الرئيس السابق أصبح عرضة للملاحقة، إذ قال: “سنلاحقهم في سوريا، وسنطلب من الدول تسليم من فروا حتى نتمكن من إحقاق العدل”.
استتبع ذلك الوعد بالمادة رقم 49 من الإعلان الدستوري الصادر في آذار عام 2025، والتي دعت لتشكيل هيئة للعدالة الانتقالية تركز على الضحايا وتعتمد آليات استشارية، وبناء على تلك المادة تم تشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في أيار الماضي، أي في اليوم الذي شكلت الهيئة الوطنية للمفقودين.
سارعت منظمات عدة، كان من بينها منظمة العفو الدولية وهيومان رايتس ووتش لانتقاد الهيئة الدولية للعدالة الانتقالية خوفاً من أن ينحصر اختصاصها بملاحقة جماعة معينة من المجرمين.
تقدر الشبكة السورية لحقوق الإنسان بأن نحو 90% من المفقودين تعرضوا للاحتجاز أو الإخفاء القسري على يد نظام الأسد، أما أغلب ما تبقى من حالات فتعزى لجماعات مسلحة لا تمثل الدولة السورية، ومن بينها هيئة تحرير الشام التي كان الشرع يترأسها، ما يعني بأن وضع قيود على اختصاص الهيئة يهدد مشروعية عملية العدالة الانتقالية.
غير أن الهيئة الوطنية للمفقودين لا تعاني من تلك القيود، بل تتمتع بموجب المرسوم الرئاسي بالـ”الاستقلالية المالية والإدارية”، ومع ذلك، مايزال منتقدوها يخشون من مدى فعالية المرسوم والقدرة على تطبيقه، كما يحذرون من احتمال تغير الأمور في حال عدم وجود قانون ناظم.
يخبرنا جلخي بأن مسودة القانون جاهزة ولابد من أن يتم التعامل مع الأمر كأولوية وطنية، ويرى بأن تلك المسودة وضعت من خلال التشاور مع الخبراء الدوليين وأهالي المفقودين، وأضاف: “تناقشنا حول ما يريده الأهالي وكيف يمكنهم المشاركة في عمل الهيئة، فخرجنا بوثيقة عمل سنطبقها على جميع أنشطتنا”.
عندما سافر أعضاء الهيئة الوطنية للمفقودين إلى البوسنة، التقوا بأمهات رابطة سيربرينيتشا، وبرئيستها منيرة سوباسيتش، التي ذكرتهم بأهمية مشاركة أمهات المفقودين وأهاليهم في تلك العملية. ويتذكر جلخي ما حدث فيقول: “كانت زيارة مهمة للغاية ومشحونة بالعواطف بالنسبة لنا، فقد مثلت الألم والأمل في الوقت نفسه، بما أن هذا الألم والأمل هو ما نتعرض له اليوم في سوريا، فنحن نحس بألمهن ونعيش على أملهن”.
المصدر: The Balkan Insight
تلفزيون سوريا
—————————————
سيظلّ الحِداد ناقصاً إلى أن نعرف مصير أحبّتنا: لأنّ الحِداد بلا يقين أشبه بالخيانة/ وفا مصطفى
14-10-2025
لأكثر من 11 عاماً، قُلت لنفسي إن الوقت ما يزال مبكراً على الحِداد. اعتُقل والدي علي مصطفى على يد قوات بشار الأسد في الثاني من تموز (يوليو) 2013، ثم اختفى. ومنذ ذلك اليوم، لم يصلنا أي خبر، ولا أثر، ولا أيّ شيءٍ عنه.
كل صباح منذ اعتقاله، كنتُ أبدأ يومي بفكرةٍ واحدة: «إنه ما يزال على قيد الحياة». وكل ليلة، كنتُ أنام مُكرِّرةً الجملة نفسها. اعتقال والدي عنى أن حياتنا كما عرفناها قد انتهت أيضاً. اضطررتُ أنا وعائلتي إلى الفرار من البلاد خوفاً على سلامتنا، تاركين أبي وراءنا.
ومنذ ذلك الحين، صرتُ أرى أنني إنْ سمحتُ لنفسي بالحِداد عليه، فإنّ ذلك يعني إقراري بموته. لم تكن لدينا وسيلة لمعرفة إنْ كان ذلك صحيحاً أم لا. بدا لي الحِداد بلا يقين أشبه بالخيانة. ولذلك، لم يكن هناك حِداد، بل غيابٌ فقط.
بعد سنوات، عرفتُ أن علماء النفس يُطلقون على ذلك اسم «الفقدان الغامض»، وهو أكثر أنواع الفقد إيلاماً، لأنه لا ينتهي أبداً. فعندما يموت شخص، يكون هناك جسدٌ وجنازةٌ وطقسٌ وفهمٌ مشتركٌ يسمح ببدء الحداد. أما في حالة المختفين، فلا يوجد شيء: لا تأكيد، ولا قبر، ولا إجابات. تجدين نفسكِ عالقةً في حالةٍ من التيه النفسي، بين الأمل واليأس، غير قادرةٍ على أن تَحيَيْ تماماً في أيٍّ منهما.
طوال تلك السنوات كنتُ أُومِن حقاً أن والدي ما يزال حيّاً، كنتُ أشعر بذلك كل يوم، وأحمل صورته معي أينما ذهبت. شاركتُ في احتجاجات، وحملات، ومحاكمات. تحدّثتُ باسمه مراراً وتكراراً.
لم يكن الأمل مجرّد شعور، بل كان واجباً. هذا ما تفعله جريمة الإخفاء القسري، فهي لا تسلبنا أحبّتنا فحسب، بل تسرق منّا أيضاً حقّنا في الحِداد عليهم. لسنواتٍ عشتُ تحت وطأة مسؤولية النضال من أجل حياة والدي، ومن أجل جميع المفقودين والمفقودات، وكان يبدو لي أن هذه قد تكون حياتي إلى الأبد؛ هذا النضال من أجل معرفة الحقيقة الذي لا ينتهي.
ثمّ، في كانون الأول (ديسمبر) 2024، تغيّر كل شيء. سقط نظام الأسد أخيراً، وفُتحت السجون. اندفعتْ آلاف العائلات لترى إنْ كانت ستَجتمع بأحبّتها من جديد. ذهبتُ أنا أيضاً، من سجنٍ إلى آخر، أبحث عن والدي، لكنّه لم يكن في أيٍّ منها.
لم يتبقَّ لي سوى الصمت. ومنذ ذلك الحين، لم أستطع أن أتركه يرحل.
كيف أنظر إلى السنوات الاثنتي عشرة الماضية من حياتي وأفهم ما مررتُ به؟ كيف أحِدُّ على والدي من دون أن أرى جثمانه أو أن أملك شيئاً ملموساً أودّعه به؟ طوال تلك السنوات، بدا الحِداد سابقاً لأوانه، أمّا الآن فيبدو مُتأخّراً جداً. سُرقت منّا اللحظة التي كان ينبغي أن نودّعه فيها، وحُجبت خلف جدران السجون. كان من المُفترض أن يكشف سقوط نظام الأسد شيئاً من الحقيقة، لكنه، بالنسبة إلى عائلات المفقودين في سوريا، لم يجلب سوى نوعٍ جديدٍ من الغياب.
نحن نطلب أسماءً وقوائم وحقيقة. ولم نُمنح شيئاً. لا إجابات، ولا سجلّات، ولا حتى اعترافاً.
أجد نفسي أطرح أسئلةً لا تنتهي: هل كان والدي حيّاً العام الماضي؟ الشهر الماضي؟ هل كان يعلم أننا نبحث عنه؟ هل مات وحيداً؟ هل نطق أحدٌ باسمه في لحظاته الأخيرة؟
تنهشني هذه الأسئلة، تمنعني من الفكاك منه، وتمنعني من أن أعيش. لكنّ هذه ليست حكايتي وحدي، بل هي حكاية عشرات آلاف العائلات في سوريا. فمنذ عام 2011، وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان اختفاء أكثر من 160 ألف سوريٍّ وسورية على يد نظام الأسد، فيما يُقدَّر إجمالي المفقودين والمفقودات بنحو 180 ألفاً. خلف كلّ واحدٍ منهم عائلةٌ عالقةٌ في الانتظار ذاته، بين الأمل واليأس.
أول ما ينبغي أن تفعله الحكومة السورية الانتقالية هو إنهاء الإخفاء القسري والاعتقال التعسُّفي، ووقف العنف الطائفي والخطاب التحريضي الذي يُغذّيهما. عليها أن تبدأ بالتركيز على كشف الحقيقة وتحقيق العدالة والسلام التي يحتاجها بلدنا للمضيّ قدماً.
من خلال «اللجنة الوطنية للمفقودين» الجديدة، ينبغي معالجة قضايا الاختفاء القسري من قِبل جميع الأطراف من دون تمييز، وحماية الأدلة والبيانات، وضمان مشاركة العائلات والناجين والناجيات في قيادة هذا المسار، لا الاكتفاء باستشارتهم. وحدها لجنةٌ شاملةٌ ومستقلّة تُعطي الأولوية للضحايا قادرةٌ على بدء مسار استعادة الثقة.
أمّا بالنسبة إلى المجتمع الدولي، فقد كشفت الثورة والحرب في سوريا، ثم الإبادة الجماعية في غزّة، آخِر الأوهام حول ما يمكن أن يفعله العالم من أجلنا. إنّ تقاعسه وتواطؤه ينطقان بأنفسهما.
لكن علينا أن ندرك أن نضالنا لا يعتمد عليه، بل علينا نحن، على العائلات التي تحمل صور المفقودين والمفقودات، وعلى الناجين والناجيات الذين يواصلون رواية قصصهم، وعلى إصرارنا على ألّا ننسى وألّا نصمت. تبدأ العدالة من هنا: من ذاكرتنا، ومن أصواتنا، ومن مطالبتنا بألا تتكرّر هذه الجرائم أبداً.
إلى أن تُكشف حقيقة مصير والدي – وإلى أن تعرف كل عائلةٍ في سوريا الحقيقة ذاتها – سيبقى الحزن ناقصاً، لكنّ نضالنا من أجل العدالة لن يتوقّف.
نشر هذا المقال باللغة الإنكليزية في جريدة الغارديان.
موقع الجمهورية
———————————-
هل تتعارض العدالة الانتقالية مع السلم الأهلي في سوريا؟/ فضل عبد الغني
تمثل العلاقة بين العدالة الانتقالية والسلم الأهلي، أحد أعقد تحديات ما بعد الصراع، ولا سيما في السياقات التي تتقاطع فيها مطالب المساءلة مع ضرورات الاستقرار وإعادة البناء الاجتماعي؛ وفي الحالة السورية، وبعد أكثر من 14 عاما من صراع اتسم بانتهاكات منهجية وتشظٍ مجتمعي، يكتسب هذا التقاطع أهمية خاصة.
فالعدالة الانتقالية هي مجموعة من العمليات والآليات التي تعالج عبرها المجتمعات إرث الانتهاكات واسعة النطاق، فيما يفهم السلم الأهلي على أنه حالة من الانسجام والتعاون تتجاوز مجرد غياب العنف. ويكشف هذا الإطار المزدوج عن تكاملات عميقة وتوترات متأصلة.
يسعى هذا المقال إلى تحليل كيف تتقاطع هاتان المنظومتان المفاهيميتان وتتحدان، وأحيانا تتباعدان، في المشهد الانتقالي السوري، مستكشفا الأسس النظرية التي تحكم تضافرهما، ومدركا في الوقت نفسه التحديات التي تظهر عندما تلتقي ضرورات العدالة بضرورات بناء السلام.
مجالات التقارب والتكامل الزمني
ينطوي البناء المفاهيمي للعدالة الانتقالية على آليات متعددة ومترابطة لمعالجة انتهاكات الماضي بصورة جماعية وترسيخ أسس التعايش المستقبلي؛ وتشمل هذه الآليات: الملاحقات الجنائية بوصفها أداة تقليدية للمساءلة، ولجان تقصي الحقائق التي تبني سرديات مشتركة حول الانتهاكات التاريخية، وبرامج التعويضات التي تقر بمعاناة الضحايا، والإصلاحات المؤسسية التي تحول الهياكل التي مكنت من الانتهاكات المنهجية.
وتعمل كل آلية ضمن أطر زمنية وإجرائية مميزة، لكنها تتكامل ضمن نهج شامل للتحول المجتمعي. وقد صاغت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في أبريل/نيسان الماضي رؤية شاملة لمسار العدالة الانتقالية في سوريا عبر خرائط طريق مفصلة تؤكد الترابط بين هذه الآليات.
في المقابل، يتجاوز مفهوم السلم الأهلي الاقتصار على وقف الأعمال العدائية إلى مقاربة متعددة الأبعاد تعمل على المستويات الفردية والمجتمعية والوطنية.
فعلى المستوى الفردي يتجلى السلم الأهلي في مسارات التعافي النفسي وإعادة الإدماج؛ وعلى المستوى المجتمعي يتبدى في إعادة بناء الثقة وترميم النسيج الاجتماعي الممزق؛ وعلى المستوى الوطني يتطلب إعادة تأسيس العقد الاجتماعي بين المواطنين ومؤسسات الدولة.
ويشدد هذا التصور الواسع على استقرار طويل الأمد يصبح معه العنف أمرا غير متصور، لا مجرد مكبوت.
يتبدى التقارب بين الإطارين عبر تقاطعات نظرية متعددة؛ فكلا النهجين يرميان إلى التحول من أوضاع العنف إلى تعايش مستدام، ويتشاركان أهداف منع العنف وتعزيز المصالحة وإرساء السلام.
ويبرز التكامل الزمني بوصفه عاملا حاسما: إذ تعالج العدالة الانتقالية المظالم التاريخية، بينما تركز آليات السلم الأهلي على بناء العلاقات المستقبلية، ويتيح هذا التآزر الزمني للمجتمعات مقاربة انتهاكات الماضي بالتوازي مع بناء القدرات اللازمة لإدارة النزاعات سلميا.
كما تعزز أوجه التآزر المؤسسية والإجرائية هذا التقارب من خلال التركيز المشترك على مشاركة المجتمع المدني والملكية المحلية والعمليات الشاملة؛ وتشير الأبحاث إلى سبع وظائف رئيسية للمجتمع المدني تتداخل بعمق مع أهداف العدالة الانتقالية: الحماية، والرصد، والمناصرة، والتنشئة الاجتماعية، والتماسك الاجتماعي، والتيسير، وتقديم الخدمات.
وتنشئ هذه التداخلات الوظيفية نقاط تكامل طبيعية تتعاضد فيها مبادرات السلم الأهلي وآليات العدالة الانتقالية وتعزز بعضها بعضا.
وعلاوة على ذلك، يقر الإطاران بأن التحول الهيكلي شرط لسلام مستدام؛ فمبادرات السلم الأهلي تركز على الوقاية من العنف عبر بناء القدرات طويلة الأمد وإحداث تحول اجتماعي تدريجي، فيما تستهدف آليات العدالة الانتقالية، وبشكل خاص الإصلاح المؤسسي، تغيير الشروط التي سمحت بوقوع انتهاكات الماضي.
ويؤدي هذا التركيز المشترك على معالجة الأسباب الجذرية بدلا من الاكتفاء بعلاج الأعراض إلى توافق جوهري بين النهجين، بما يجعل تكاملهما ليس ضرورة عملية فحسب، بل اتساقا نظريا أيضا.
تفكيك زيف ثنائية “السلام مقابل العدالة”
على الرغم من نقاط التقارب بين العدالة الانتقالية والسلم الأهلي، تكشف العلاقة بينهما عن توترات نظرية وعملية تقتضي دراسة متأنية؛ وتتبدى أبرز صورها فيما يسميه الباحثون “معضلة السلام مقابل العدالة”، حيث قد تبدو مطالب المساءلة والملاحقة القضائية متعارضة مع مقتضيات الاستقرار العاجلة.
ويولد هذا التوتر تحديات في صناعة القرار العام، إذ يتعين على السلطات الموازنة بين ضرورات السلام الملحة واستحقاقات العدالة، بما يفضي غالبا إلى تناقضات مفترضة بين الهدفين.
وتزيد التعقيدات الزمنية والإجرائية من حدة هذا التوتر؛ فآليات العدالة الانتقالية، وبشكل خاص الملاحقات الجنائية، تستلزم عادة مددا طويلة للتحقيق والفصل، بينما تعطي مبادرات السلم الأهلي الأولوية لإجراءات تنتج استقرارا فوريا.
وقد تفضي هذه الفوارق الزمنية إلى تناقضات إجرائية ملموسة: فإجراءات الاستقرار السريعة قد تقوض ديناميات العدالة المنهجية، في حين قد تنظر إلى المسارات القضائية المطولة على أنها تزعزع ترتيبات سلام هشة.
غير أن الأدبيات المعاصرة تقوض هذا المنظور الثنائي وتعده ثنائية زائفة؛ إذ تفترض أن تجاهل الجرائم الجماعية، وعدم معالجة الأسباب الجذرية للصراع، وإغفال مطالب الضحايا بالإنصاف يبقي مخاطر تجدد العنف مرتفعة. وبناء عليه، يفهم السلام والعدالة بوصفهما هدفين متلازمين لا متنافسين، يعزز كل منهما استدامة الآخر ويحصن مخرجاته.
ويبرز المجتمع المدني بوصفه فاعلا مهما في الوساطة بين هذين الإطارين؛ فمنظماته تؤدي أدوارا متعددة تشمل حماية السكان، ورصد الانتهاكات، وتيسير الحوار على مختلف المستويات.
وتسهم هذه الوظائف الوسيطة في ردم الفجوات بين آليات العدالة الرسمية ومبادرات السلام المجتمعية، بما يتيح مساحات يمكن ضمنها تحقيق الهدفين معا من دون تقويض متبادل.
ويتقدم السياق الوطني والحساسية الثقافية إلى صدارة عوامل النجاح؛ فكلا الإطارين يؤكدان على الملكية المحلية والتكيف مع الخصوصيات الاجتماعية، مع ثبات المرجعيات الكونية للسلام والعدالة.
ويوفر هذا التركيز المشترك على «التوطين» أساسا بنيويا للتكامل، بما يضمن ملاءمة الحلول للبيئات المخصوصة مع الحفاظ على المبادئ العامة.
ويظهر السياق السوري على نحو خاص تحديات هذا التكامل؛ إذ يؤدي التشرذم المؤسسي، والمتجلي في تعدد اللجان المعنية بجوانب متفرقة من الملفات من دون أطر تنسيقية واضحة، إلى مخاطر تضارب اختصاصات وتكرار جهود.
كما يكشف تداخل مبادرات السلم الأهلي مع الحقول القضائية، على نحو ما بدا في بعض ممارسة لجنة السلم الأهلي في الساحل السوري، كيف يمكن لسوء فهم الطبيعة التكاملية لهذين الإطارين أن يقوض هدفي العدالة والسلام معا.
فعندما تتجاوز لجان السلم الأهلي أدوارها التيسيرية إلى ممارسة صلاحيات ذات طبيعة قضائية من دون سند قانوني، فإنها تمس بمبدأ فصل السلطات وتضعف الثقة المجتمعية اللازمة للمساءلة والمصالحة.
خاتمة: التكامل كضرورة لإعادة البناء
يكشف الفحص النظري للسلم الأهلي والعدالة الانتقالية أن هذين المفهومين، بدلا من أن يشكلا نموذجين متنافسين، يجسدان أبعادا متكاملة للتعافي ما بعد الصراع تتطلب تنسيقا دقيقا لتحقيق تحول مستدام.
وتبين الحالة السورية أن السعي إلى السلم الأهلي من دون تلبية استحقاقات العدالة، أو الدفع نحو المساءلة من دون مراعاة تداعيات الاستقرار، يهدد بتقويض الهدفين معا.
وتوفر مجالات التقارب المحددة؛ (أهداف التحول المشتركة، والتكامل الزمني، والتآزر المؤسسي، والتركيز الهيكلي)، أساسا نظريا لمقاربات تكاملية تقر بأن العدالة والسلم معززان متبادلان لا نقيضان.
إن التوترات الناشئة بين هذين الإطارين، وخاصة «معضلة السلام مقابل العدالة» المتصورة، تعكس تناقضا أقل مما تعكس تحديات تنفيذ تحتاج إلى مناهج متقدمة تراعي الهواجس المشروعة لكلا المسارين.
ويتطلب تجاوز الثنائيات الزائفة إدراكا بأن سلاما مستداما لا يقوم على ظلم غير معالج، كما أن عدالة حقيقية لا تحقق في سياقات عدم استقرار مزمن.
وفي هذا السياق، ينهض المجتمع المدني بدور وسيط حاسم، إلى جانب التأكيد على الملكية المحلية والتكيف الثقافي، بما يتيح سبلا عملية للتعامل البناء مع هذه التوترات.
ولكي تنجح العملية الانتقالية في سوريا، يلزم أن تلهم الرؤى النظرية مقاربات عملية تحافظ على حدود مؤسسية واضحة مع ضمان التنسيق، وتحترم استقلال القضاء مع تيسير الحوار المجتمعي، وتعالج انتهاكات الماضي بالتوازي مع بناء القدرة على التعايش في المستقبل.
وعليه، فإن إدماج السلم الأهلي والعدالة الانتقالية، يعتبر ضرورة عملية لمجتمعات تسعى إلى تحويل إرث العنف إلى مرتكزات لسلام دائم.
ويتطلب هذا التكامل فهما معمقا لإسهامات كل من الإطارين وحدودهما وترابطهما، مع الإقرار بأن أيا منهما لا يكفي منفردا للنهوض بالمهمة المعقدة المتمثلة في إعادة بناء المجتمع السوري بعد الصراع.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
الجزيرة
—————————————-
إلغاء “مراسيم الأسد” خطوة لتحقيق العدالة الانتقالية/ ماروتا سيتي
11 أكتوبر 2025
لا يقتصر مفهوم العدالة الانتقالية على المحاكمات ومحاسبة الجناة وجبر الضرر والإصلاح المؤسساتي وحفظ الذاكرة الجمعية، بل يتعدى ذلك إلى إسقاط جميع المراسيم والقوانين الاستثنائية، التي صدرت في عهد النظام الاستبدادي، وينطبق ذلك على الحالة السورية، حيث أصدر النظام المخلوع عدة قوانين ومراسيم، من شأنها المساس بأمن المواطنين، والتعدي على حرياتهم الشخصية وممتلكاتهم الخاصة، لخدمة أهدافه المتمثلة بالقضاء على أي مظهر من مظاهر المعارضة.
المراسيم الاستثنائية أداة لقمع الشعب
يقول المدير التنفيدي لرابطة المحامين السوريين الأحرار “سامر الضيعي” لـ”ألترا سوريا”، إن المراسيم والقوانين كانت أداة بيد النظام البائد، لقمع إرادة الشعب، حيث قام من خلالها بتعطيل القانون والدستور، ومنح الأجهزة الأمنية صلاحيات فوق الدولة، وشرعنة الاعتقال التعسفي ومصادرة الأملاك والمحاكمات غير العادلة، مؤكدًا أن إلغاء هده المراسيم، يحمل رسالة واضحة بأن سوريا الجديدة، لا تقبل ببقاء أي نص قانوني، ينتهك الحقوق الأساسية للإنسان، وهذه الخطوة هي جزء لا يتجزأ من العدالة الانتقالية، التي تعيد للمواطن ثقته بأن القانون وجد لحمايته لا لقمعه.
مفهوم المراسيم الاستثنائية
ويقصد بالمراسيم الاستثنائية وفقا لـ”الضيعي”، القوانين التي أصدرها النظام السابق، بشكل منفرد دون المرور عبر البرلمان أو أي رقابة قضائية، وغالبا ما تكون مخالفة للدستور والمواثيق الدولية، مثل “قانون الطوارئ، محكمة أمن الدولة، قانون مكافحة الإرهاب”، والتي استخدمت جميعها ضد المدنيين، ويشمل ذلك أيضًا القوانين العقارية، مثل قانون 10 لعام 2018، موضحًا أنه بعد إقرار الإعلان الدستوري في آذار 2025، تعد هذه المراسيم لاغية دستوريا؛ لأنها تعارض الحقوق والحريات التي نص عليها الإعلان الدستوري لعام 2025، الصادر عن الحكومة الانتقالية، ولكن لا يكفي النص في الإعلان، بل يجب أن يصدر قانون إلغاء واضح من الحكومة الانتقالية، يحدد بوضوح مصير هذه المراسيم، وينظم التعويض للمتضررين ويلغي آثارها.
المراسيم التي يجب إلغاؤها
وعن المراسيم التي يجب أن تكون الأولوية لإلغائها، يوضح الضيعي أن أهمها: المرسوم 14 لعام 1969، الذي منح المخابرات حصانة، ومنع محاسبة عناصرها، والقانون 49 لعام 1980، الذي حكم بالإعدام على كل من ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين، مضيفًا وجوب إلغاء القوانين العقارية مثل القانون 10 لعام 2018، التي استخدمت لمصادرة أملاك المعارضين وتهجيرهم، وقوانين محكمة الإرهاب لعام 2012، التي شرعنت المحاكمات غير العادلة بحق عشرات آلاف المعتقلين، معتبرًا إلغاء هذه القوانين، شرطًا أساسيًا لبناء دولة قانون، حيث كانت هذه المراسيم، تتمتع بقوة القانون بحكم الأمر الواقع، رغم مخالفتها للدستور والمواثيق الدولية، إلا أنها بعد صدور الإعلان الدستوري في آذار 2025، أصبحت باطلة دستوريًا، لتعارضها مع النصوص الجديدة، التي تصون الحقوق والحريات، ولكن الأمر يحتاج لإصدار قانون رسمي يلغيها، حتى لا تبقى عالقة عمليًا.
إجراءات إلغاء المراسيم الاستثنائية
وعن الخطوات المطلوبة لإلغاء هذه المراسيم، يؤكد الضيعي أنها تحتاج إلى:
أولًا: إصدار قانون من الحكومة الانتقالية، يحدد المراسيم الملغاة بشكل صريح.
ثانيًا: مراجعة كافة الأحكام الصادرة عن المحاكم الاستثنائية، ومنح المتضررين الحق في إعادة المحاكمة أمام قضاء عادل ومستقل.
ثالثًا: إنشاء لجان خاصة؛ لإعادة الممتلكات المصادرة، أو تعويض أصحابها، في حال تعذر الرد العيني، وليس التعويض هنا خيارًا، بل ضرورة ملحة وحتمية، إذ تضررت عشرات آلاف العائلات، وفقد الكثير بيوتهم وأرزاقهم ومتلكاتهم، وجبر الضرر أهم ركائز العدالة الانتقالية.
وأضاف الضيعي أن إلغاء هذه المراسيم، سيشكل نقطة تحول كبيرة، حيث سيشعر المواطن، الذي عاش عقودًا تحت وطأة القوانين الاستثنائية الجائرة، بأن الدولة في خدمته، الأمر الذي من شأنه إعادة الثقة المفقودة بين المواطن ومؤسسات الدولة، موضحًا أن هذه الإجراءات، ستفتح الباب أمام مصالحة وطنية حقيقية، فالعدالة لن تبقى مجرد شعار، بل ستتحول إلى ممارسة يومية، وحين يرى المواطن أن حقوقه مصانة سيقتنع بأن سوريا تتجه نحو دولة قانون عادلة وديمقراطية، وسينتهي خوف الجميع من تكرار ما حدث من انتهاكات في العهد الماضي.
المرسوم 66 يناقض الدستور
وفي ذات السياق تحدث عضو اللجنة القانونية لرابطة إسقاط المرسوم 66 الظالم، المحامي لؤي العقلة، لـ”ألترا سوريا” عن المرسوم 66 الصادر في 18 أيلول عام 2012، والذي يعتبر أحد المراسيم الاستثنائية، التي أصدرها النظام المخلوع، حيث نص على إحداث منطقتين تنظيميتين، ما يسمى “ماروتا سيتي” و”باسيليا سيتي”، والذي أزيلت تبعا له مئات المنازل، معتبرًا المرسوم أداة للتهجير القسري والاستيلاء على أملاك المعارضين، بحجة معالجة السكن العشوائي والتطوير العمراني، مطالبًا بإصدار قرار واضح يلغي العمل بالمرسوم 66، باعتباره يناقض مواد الدستور الذي أقر في آذار/ مارس 2025.
وأكد العقلة أن المرسوم 66 يعتبر تعديًا سافرًا على الملكية الشخصية، والتي لا يجوز نزعها إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل ومسبق، وفقًا للمادة 15 من الدستور السوري لعام 2012، مؤكدًا أن الاستيلاء على منازل الناس وأملاكهم ضمن مناطق المشروع، ليس لها علاقة بالمنفعة العامة، بل تم تحويلها لمشاريع عقارية استثمارية، لصالح محافظة دمشق وشركات تابعة لها.
وأضاف العقلة أن المرسوم 66 صادر حق المالك في استثمار أرضه، علمًا أن لصاحب الأرض، حق استثمار أرضه حقًا مطلقًا، يخضع لضوابط وشروط المخطط التنظيمي الذي تقره المحافظة، حيث حول المرسوم ملكية الأفراد إلى أسهم شائعة تدار قسرًا عبر المحافظة وأذرعها، مؤكدًا أن مبدأ التعويض العادل لم يتحقق لأصحاب الأراضي، ولم يكن فوريًا، حيث أجبروا على الدخول في عملية توزيع الأسهم، وانتظار سكن بديل غير مضمون، ما يتنافى بشكل صريح مع تحقيق العدالة الانتقالية التي يعد “جبر الضرر” أحد أهم ركائزها.
ويطالب العقلة عبر “ألترا سوريا” بإسقاط المرسوم 66 وكل المراسيم الاستثنائية التي أصدرها رئيس النظام المخلوع للقضاء على معارضيه، عبر اعتقالهم والاستيلاء على ممتلكاتهم وامتهان كرامتهم.
الترا سوريا
————————————
تصاعد العنف وتحديات العدالة في سوريا الجديدة/ أغيد حجازي
14 أكتوبر 2025
تتكشّف في سوريا الجديدة معالم مشهد متداخل من العنف المتجدد والعدالة المؤجّلة. فبعد قرابة عام على سقوط النظام السابق، لم تطوَ بعد صفحة الدم، إذ ما زالت تقارير حقوق الإنسان تسجّل آلاف الضحايا، في ظل عجز الدولة الوليدة عن بسط سيطرتها الكاملة على الأرض أو فرض منظومة قضائية فعّالة كما يرى مراقبون. وبينما تتصاعد الأصوات المطالبة بالمحاسبة والعدالة الانتقالية، تبرز الانقسامات الداخلية وتعدد مراكز النفوذ كأكبر عائق أمام بناء دولة القانون والمؤسسات.
هكذا يقف السوريون اليوم عند مفترق حساس: هل تنجح السلطة الجديدة في كسر دائرة الإفلات من العقاب وتأسيس عدالة حقيقية تنهي إرث الحرب الطويل، أم أنّ البلاد تتجه نحو إعادة إنتاج العنف في أشكال جديدة، تهدّد استقرارها وتشوّه حلمها بالتحوّل الديمقراطي؟
منذ بداية عام 2025 وحتى مطلع تشرين الأول/ أكتوبر، وثّقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” مقتل 7486 شخصًا في مختلف المناطق السورية، في وقت تعيش فيه البلاد مرحلة انتقالية صعبة بين إرث دمويّ طويل وبدايات سلطة جديدة تحاول فرض النظام وبناء المؤسسات. ومع تأخر العدالة الانتقالية، تبرز تساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء هذا العنف المتجدد، وحدود قدرة الدولة الوليدة على مواجهته.
فضل عبد الغني: ضعف الإمكانيات وتفشّي السلاح وراء تصاعد العنف
قال مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” فضل عبد الغني لـ”الترا سوريا” إنّ “الإفلات من العقاب هو أحد الأسباب، وليس السبب الوحيد، وراء تزايد أعمال العنف والجرائم”، موضحًا أنّ “الناس ترى أن المجرمين يفلتون من العقاب من دون ملاحقة، ما يخلق شعورًا عامًا بأن الدولة تتقاعس عن محاسبتهم، لكن هذا التصور غير دقيق تمامًا”.
وأضاف عبد الغني في حديثه أنّ “هناك ضعفًا في إمكانيات الدولة الوليدة، سواء من حيث القدرات أو العناصر أو السجون أو غيرها من البنى اللازمة لفرض النظام، فهي لا تتعمّد ترك المجرمين، وإنما لا تملك حتى الآن أدوات كافية لملاحقتهم بشكل فعّال”.
وأشار إلى أنّ “تفشّي السلاح في المجتمع يعدّ عاملًا آخر يسهم في تفاقم هذه الظاهرة، ولا بد من معالجته بشكل جدي لأنه يسهل ارتكاب الجرائم ويعقّد عمليات الملاحقة والمحاسبة”، معتبرًا أنّ “التعامل مع هذه الملفات يتطلب خطة شاملة تعيد للدولة قدرتها على ضبط الأمن وإنفاذ العدالة”.
غياب العدالة الانتقالية يحوّل الانتقام إلى بديل عن القانون
في المقابل، قال الباحث السوري والمحاضر في جامعة كولن حسام الدين درويش إنّ التأخير الحاصل في تطبيق العدالة الانتقالية في سوريا “مرتبط بشكل واضح بحالات الاغتيالات والخطف والاضطرابات الأمنية”، مؤكّدًا أنّ الأمر لم يعد مجرد تخمين أو ظنون، بل يستند إلى وقائع موثقة على الأرض.
وأوضح درويش لـ”الترا سوريا” أنّ “عددًا من حوادث القتل والخطف استهدفت أشخاصًا متهمين بارتكاب جرائم لم تتم محاكمتهم، أو لم يكن هناك ثقة بالمحاكمات التي جرت، خصوصًا بعد المصالحات التي شملت بعض المتهمين والتنازل عن الحق العام أو الشخصي تجاههم”. وأضاف أنّ “الأشخاص الذين تعرّضوا للاعتداء أو الذين فقدوا أقرباءهم، تحدثوا بوضوح عن ارتباط تلك الحوادث بملفات محاسبة غير منجزة أو عدالة غائبة”.
وأشار الباحث إلى أنّ تلك العمليات “تتخذ شكلين؛ الأول مباشر عندما يوجَّه الاتهام إلى أشخاص ارتكبوا جرائم ولم يحاسَبوا بعد، والثاني غير مباشر، حيث تدفع الرغبة في الانتقام بعض الأطراف إلى تنفيذ عمليات خارج إطار المؤسسات الرسمية، خصوصًا لدى الجهات التي تمتلك نفوذًا أو دعمًا محليًا”.
وبيّن درويش أنّ “ما حدث في الساحل والسويداء مثال على ذلك، إذ لجأت بعض المجموعات إلى ما يعرف بالفزعات أو الرد الجماعي لمعاقبة المعتدين أو خصومهم، وهو ما تكرر في أكثر من منطقة، منها حادثة في إحدى قرى الرستن أو سهل الغاب حين عوقبت قرية بأكملها بعد مقتل أحد الضباط”.
وأضاف أنّ “هذه التجاوزات، التي توصف أحيانًا بأنها انتهاكات أو حوادث فردية، أصبحت تتكرر بصورة تجعلها شبه مباحة لعدة أطراف في ظل غياب المؤسسات الأمنية والقضائية الفاعلة”، مشيرًا إلى أنّ “النتيجة هي عدالة انتقائية أو انتقامية، لأن العدالة الانتقالية بالمعنى الحقيقي لم تطبّق بعد، ولا توجد مؤسسات قادرة على تنفيذها”.
وختم درويش بالقول إنّ “هذا الواقع يزيد من حدة التوترات والاضطرابات والاحتقان الاجتماعي”، لكنه عبّر عن أمله في تحسّن الأوضاع الأمنية والمؤسساتية والسياسية تدريجيًا، بما يسمح بضبط العلاقات بين الأطراف المختلفة، بحيث تبقى الحوادث فردية ولا تتحول إلى صراعات أوسع نطاقًا.
السلطة الحالية غير مؤهلة لتحقيق العدالة الانتقالية
أما منسّق تيار وعي المدني محمد الشمّاع فقال إنّه “من منظور العدالة الانتقالية، لا أعتقد أنّ التجربة يمكن أن تنجح في سوريا”، موضحًا أنّ “النماذج التي نجحت في العالم قليلة جدًا، ونجاحها ارتبط بوجود ظروف خاصة غير متوافرة في الحالة السورية، التي تعاني من ضغوط مادية واجتماعية وطائفية معقّدة”.
وأضاف الشمّاع أنّ “التجارب التي نجحت في تطبيق العدالة الانتقالية حول العالم كانت ضمن أنظمة توافقيّة جديدة تباينت كليًا عن الأنظمة السابقة، في حين أنّ سوريا اليوم ما زالت تعيش ضمن تركيبة سلطوية متشددة”.
وأكد الشمّاع أنّ “أي مشروع للعدالة الانتقالية في سوريا يجب أن ينبع من سلطة مدنية جديدة تحظى بتوافق واسع لا يقل عن 60 إلى 70 في المئة من السوريين”، مضيفًا أنّه “لا يؤمن بفكرة حكومة التكنوقراط في هذه المرحلة، لأنّ الأزمة السورية ليست أزمة اختصاصيين بل أزمة سياسية بامتياز”.
وأوضح أنّ “هيئة العدالة الانتقالية المنشودة يجب أن تكون بإشراف مباشر من الأمم المتحدة، وأن تستند إلى القانون الدولي، مع وضع آليات تنفيذية تطبَّق فعليًا على الأرض”، لافتًا إلى أنّ “ما يحدث اليوم ليس عدالة انتقالية بل عدالة انتقامية”، على حد تعبيره.
وختم الشمّاع حديثه لـ”الترا سوريا” بالقول إنّ “الحديث عن العدالة الانتقالية في الوقت الحالي سابق لأوانه، لأنّ الأولوية الآن هي لبناء الدولة الجديدة ومؤسساتها وتحقيق التوافق بين السوريين”، مضيفًا أنّ “العدالة الانتقالية يجب أن تأتي لاحقًا، بعد الاستقرار السياسي والاجتماعي، كما جرى في تجارب أخرى حول العالم حيث لم تبدأ العدالة الانتقالية إلا بعد مرور سنوات طويلة على انتهاء النزاعات، وليس فورًا بعدها”.
الترا سوريا
———————————–
العدالة الانتقالية التي لا تُشارك الناس.. تُقصيهم/ ميشال شماس
2025.10.17
كثيراً ما نسمع، في النقاشات الدائرة حول العدالة الانتقالية، من يقول إن أولى خطواتها هي تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، تتولى سرد ما جرى من جرائم وانتهاكات، وتحدد المسؤولين عنها، ثم تُحال القضايا إلى القضاء ليحاسب الفاعلين، وتتعهد الدولة بتعويض الضحايا.
وتُختزل العملية كلها في هذا التسلسل الإداري الجامد، وكأنها تحقيق قضائي موسّع لا شأن للمجتمع به سوى أن يكون شاهداً متفرجاً على ما جرى.
هذه الرؤية، رغم ما فيها من تنظيمٍ نظري، تعبّر في الحقيقة عن فهمٍ سطحي ومشوّه للعدالة الانتقالية، لأنها تفصلها عن جوهرها الإنساني والاجتماعي، وتحصرها في إطارٍ قانوني ضيّق، في حين هي في جوهرها عملية مجتمعية شاملة لإعادة بناء الثقة بين الناس والدولة، وبين الضحايا والجناة، وبين المكونات المتنازعة داخل المجتمع الواحد.
العدالة الانتقالية ليست “قانوناً يُطبّق” بقدر ما هي مسارٌ وطني يشارك فيه الجميع. فالقانون جزءٌ من هذا المسار، لكنه ليس المسار كله. فالعدالة التي يُرجى منها التئام الجراح لا يمكن أن تُفرض من فوق، بل تُبنى من القاعدة، من عمق التجارب الفردية والجماعية للضحايا والمجتمعات المحلية.
إن لجان تقصي الحقائق، التي تُستدعى عادة كنموذجٍ جاهز من تجارب العالم، ليست محاكم تصدر أحكاماً، بل أدوات توثيقٍ وتفسيرٍ واقتراح. وظيفتها رسم السردية الوطنية الجامعة لما جرى، وتقديم توصياتٍ للإصلاح والمحاسبة وجبر الضرر. أما التنفيذ والمساءلة فهما شأنٌ قضائي وسياسي ومجتمعي لاحق، لا يتحقق إلا عندما تتبنى المجتمعات نفسها تلك النتائج، وتشارك في تحويلها إلى ذاكرةٍ مشتركة، لا إلى وثيقةٍ مؤرشفة.
والمجتمع المحلي ليس شاهداً بل شريكاً، والقول إن “المجتمعات التي ينتمي إليها الضحايا والجناة هي شهود لا أكثر” قولٌ يعكس عقليةً مركزيةً متعالية، ترى الناس موضوعاً للعدالة لا فاعلين فيها. في حين التجارب الأكثر نضجاً، في جنوب إفريقيا ورواندا، أثبتت أن المجتمعات المحلية كانت العنصر الحاسم في نجاح المصالحات، لا اللجان وحدها.
في جنوب إفريقيا، تحولت جلسات لجنة الحقيقة والمصالحة إلى مهرجاناتٍ علنيةٍ للاعتراف والمواجهة، شارك فيها الضحايا والجناة والجمهور، واستُعيدت من خلالها القدرة الجماعية على الكلام والاعتراف بعد عقودٍ من الصمت والخوف. وفي رواندا، كانت محاكم “الغاتشاكا” الشعبية وسيلةً لمعالجة الجرائم عبر مساءلةٍ جماعيةٍ في الهواء الطلق.
هذه النماذج لم تختزل العدالة في تقارير أو لجان، بل جعلت المجتمع طرفاً فاعلاً في إعادة بناء ذاته، وهو جوهر العدالة الانتقالية. لكن تطبيقها كما هي في الحالة السورية لا يصلح، نظراً للتعقيد الطائفي والديني والمناطقي الفريد الذي لا يمكن تجاوزه أو تبسيطه. ففي سوريا، لا تنحصر الانقسامات في ثنائيةٍ عرقيةٍ أو عنصرية، بل تتداخل فيها الطوائف والأديان والمذاهب والمناطق، وتُستخدم الهويات أحياناً كغطاءٍ للانتهاك أو كذريعةٍ للإنكار.
من هنا، لا يكفي الإعجاب بالنماذج، بل يجب مساءلتها. فهذا التعقيد لا يُعالج باستنساخ تجارب جاهزة، بل بمقاربةٍ متعددة المستويات، تُراعي خصوصية النسيج السوري، وتُعيد تعريف العدالة بوصفها فعلاً مجتمعياً لا إجراءً إدارياً. العدالة الانتقالية في سوريا لا يمكن أن تُبنى على سرديةٍ واحدة، بل على اعترافاتٍ متجاورة، تُكتب بلغات الناس ولهجاتهم، وتُعترف فيها كل جماعةٍ بآلامها وآلام غيرها.
وحين تُتاح لكل جماعةٍ فرصة التعبير عن آلامها من دون خوفٍ أو إنكار، يصبح الاعتراف فعلاً مشتركاً لا تنازعاً على السردية. فقط حين تُصبح الطوائف شريكةً في قول الحقيقة، لا في إخفائها، يمكن أن تبدأ المصالحة.
إن الخطر الأكبر في اختزال العدالة الانتقالية إلى لجانٍ وخططٍ حكومية، هو أنها تتحول إلى “مشروعٍ إداري” يُدار بقراراتٍ فوقية، وعندها تفقد معناها الأخلاقي، لأنها تُقصي المجتمع وتحتكر السردية في يد السلطة أو في يد نخبةٍ سياسيةٍ أو حقوقية.
الذاكرة التي تُبنى بهذه الطريقة ليست ذاكرةً مشتركة، بل روايةً رسميةً جديدة، سرعان ما تُرفض من الناس لأنها لم تُكتب بلسانهم. والعدالة الانتقالية الحقيقية هي التي تُعيد للمجتمعات حقّها في امتلاك ذاكرتها، وتمنح الضحايا الكلمة الأولى، لا الأخيرة.
ولذلك، فإن أي مسارٍ يتجاهل أصوات المجتمعات المحلية، أو يحاول أن يختصرها في شهاداتٍ مكتوبة ضمن تقريرٍ نهائي، إنما يعيد إنتاج الصمت نفسه الذي مهّد للجرائم، لأن العدالة لا تتحقق بمجرد “تسجيل الوقائع”، بل بالاعتراف بها جماعياً.
صحيح أن النزاعات الأهلية تُخلّف كماً هائلاً من الجرائم والانتهاكات، وأن الغوص في التفاصيل قد يرهق العملية ويمدّها لسنواتٍ طويلة، لكن الحل ليس في إغلاق الملفات أو تجاوزها تحت شعار “لننطلق إلى الأمام”، فالمجتمعات لا تشفى من جراحها بالصمت.
المطلوب ليس “تفصيل الجرائم” عبثاً، بل تنظيم الاعتراف عبر آلياتٍ تشاركيةٍ ومدروسة، تمنح الضحايا صوتاً، وتمنح الجناة فرصةً للمساءلة والاعتذار، وتتيح للمجتمعات أن تتعلم من ماضيها كي لا تكرره.
إن اختصار العدالة الانتقالية في تحقيقٍ تقني يعفي الناس من مسؤوليتهم الأخلاقية والاجتماعية، يعني ببساطة إلغاء بعدها التحويلي الذي يبدّل العلاقات داخل المجتمع. فالمغزى ليس فقط معرفة من ارتكب الجريمة، بل كيف يمكننا العيش معاً بعد ذلك من دون تكرارها. حتى الإصلاحات التي تُوصي بها لجان الحقيقة – في القضاء والأمن والتعليم – لا يمكن تنفيذها بنجاحٍ إن لم تحظَ بقبولٍ اجتماعي حقيقي.
والسلطة تستطيع أن تعلن إصلاح المؤسسات، لكنها لا تستطيع أن تزرع الثقة في النفوس إن لم يشعر المواطنون أن صوتهم مسموعٌ وأن عدالتهم تخصّهم. من هنا، فإن العدالة الانتقالية ليست خطةً حكومية ولا مشروعَ منظمةٍ دولية، بل عقداً اجتماعياً جديداً تُكتب بنوده بالتجربة والمشاركة والاعتراف المتبادل.
في الحالة السورية، يصبح هذا النقاش أكثر إلحاحاً. فسنوات الحرب الطويلة خلّفت مروياتٍ متعددة ومتناقضة، وكل منطقةٍ تحمل ذاكرةً مختلفة. ومحاولة فرض سرديةٍ واحدة من جهةٍ سياسيةٍ أو لجنةٍ مركزية سيؤدي حتماً إلى إعادة إنتاج الانقسام لا تجاوزه.
الطريق الواقعي هو إشراك المجتمعات المحلية في تصميم وتنفيذ مسار العدالة الانتقالية، من خلال لجانٍ فرعيةٍ محلية أو جلسات استماعٍ شعبية، تُسهم في بناء روايةٍ وطنيةٍ جامعة، لا روايةٍ رسميةٍ جديدة.
العدالة الانتقالية ليست تحقيقاً في الماضي، بل وعدٌ بالمستقبل. والمجتمعات التي تُحرم من المشاركة في صياغة هذا الوعد، ستبقى عالقةً في جراحها مهما تغيّرت اللجان وتبدّلت التقارير.
تلفزون سوريا
————————————-
دور الإعلام في ترسيخ مفاهيم السلم الأهلي/ بتول الحكيم
15 أكتوبر 2025
مع سقوط نظام الأسد، طفت على السطح مصطلحات جديدة، تتناسب مع المرحلة وتنقل المشهد من مفردات الحرب والقتل والدمار، إلى مفردات تفكيك الأزمات وتحقيق الاستقرار، والعمل على سد الفجوات التي أحدثتها سنوات االمحنة، من خلال ترسيخ مفاهيم “السلم الأهلي” والعدالة الانتقالية ومحاكمة المتورطين وانتهاكات حقوق الإنسان، بهدف بناء مجتمع يضمن العدالة للجميع ويمنع تجدد دورة العنف.
ويلعب الإعلام دورًا أساسيًا في تعزيز قيم “السلم الأهلي” الذي يعرف بأنه حالة من التوافق الاجتماعي ونبذ العنف والتحريض أو حتى تبرير استخدامه، كما تقول المدربة في مجال الإعلام وقضايا الجندر والعدالة الانتقالية، مايا البوطي، لـ”الترا سوريا”، حيث يسمح بخلق مساحة للحوار والتواصل بين فئات قطعت العلاقات بينها بفعل الحرب، كما يساهم بنقل أصوات الضحايا والناجين والناجيات، والتي غالبًا ما تكون غائبة في فترة سيطرة أي سلطة ديكتاتورية.
عناصر الإعلام الفعال في بناء السلم الأهلي
وتضيف البوطي أن الإعلام إذا كان حرًا ولا يسمح لخطاب الكراهية والاستقطاب بالسيطرة على خطابه، يساهم بنقل السرديات المختلفة، وبالتالي يسمح بالتواصل بين فئات كانت تتصارع فيما بينها وبحاجة للتحاور والتواصل، ففي فترات ما بعد النزاع، من الضروري توحيد السرديات؛ لضمان تغيير وتحدي السرديات المهيمنة بفعل سلطة الأنظمة السابقة.
وتتابع: لذا من المهم تغيير السرديات غير العادلة التي سمحت بخلق الصراع وظلم فئات على حساب أخرى، من خلال السماح لجميع فئات المجتمع بالحضور على الشاشات والمنصات الإعلامية المختلفة، ومنح الجميع حق التعبير عن الرأي في جو آمن بعيد عن إثارة الأحقاد والنزاعات وبطريقة ديمقراطية، وكذلك من خلال عدم التمييز ضد أحد على أساس الجنس أو العرق أو الدين أو المنطقة الجغرافية.
وتوضح البوطي أننا نعاني من جو يسوده الخوف من الآخر، وهو أمر مفهوم كمرحلة أولية لبلد عايش صراعًا استمر لمدة 14 عامًا من الحرب والتدمير والتنكيل، وكذلك، يعاني السوريون من فقر البنى التحتية وخسارات على كافة الأصعدة العاطفية والإنسانية ومن أوضاع اقتصادية قاسية، ما يفرز جوًا من عدم الثقة والقلق وضعف الروابط الإنسانية، ويجعل من المهم العمل لإنقاذ البلاد من الدمار الذي عايشته على كافة المستويات، وهو جهد كبير ويحتاج لإمكانيات كبيرة، وهنا يبرز دور الإعلام لبناء الثقة بين الناس، عبر خلق خطاب مواطنة وإنسانية يوحد القلوب، ويبتعد عن التفريق والتحريض والتجييش ضد الآخر.
ومن الضروري وجود قوانين رادعة ضد خطاب الكراهية سواء على منصات التواصل الاجتماعي أو الصادر من قبل المنصات الإعلامية المختلفة، كذلك، وسن قوانين على الشخصيات المؤثرة سواء إعلامية أو عامة، في حال قامت بإنتاج محتوى كراهية أو تحريض، لكونها تستخدم منصاتها لنشر خطاب يؤثر بالجمهور ويمكن أن يقود للإساءة للآخر أو يقود للقتل وحصول انتهاكات.
وتؤكد البوطي أهمية فرض رقابة على المحتوى العنيف والتحريضي، ومن الضروري أن تتحرك الدول لمنع انتشار هذا المحتوى خاصة على منصات التواصل الاجتماعي، فكما شهدنا سابقًا، منعت إدارة الفيس بوك نشر محتوى سياسي تجاه بلاد معينة، بينما يستمر المحتوى العنيف والتحريضي الخاص بسوريا بالانتشار رغم التبليغ ضده من جهات كثيرة، إذ تسمح بعض المنصات بهذا المحتوى، كونه يحقق مشاهدات ويسمح ببيع الإعلانات وانتشارها، وهذا يصنف ضمن التكسب عن طريق مآسي الشعوب وعدم تحل المسؤولية تجاه ما قد يقود له من ضحايا قد تسقط بسبب العنف، مشيرة إلى أن الإعلام له دور أساسي بتحقيق العدل والسلم، من خلال منح جميع الأصوات الحق بالتعبير، ضمن جو من احترام الآخر.
دور الإعلام الاجتماعي
وفي السياق ذاته توضح الباحثة في مجال الإعلام الاجتماعي ليلاس منهل لـ”الترا سوريا” أن الخطاب الإعلامي ينقسم لأنواع كثيرة، كالخطاب الإعلامي السياسي والاقتصادي.. إلخ، مؤكدة أن مضامين خطاب الإعلام الاجتماعي، تتمحور حول طرح القضايا الاجتماعية والقيم التي تقوم عليها المجتمعات والأفراد، ويهدف بالأساس إلى تهدئة التوترات، ومعالجة قضايا مهمة كالعنصرية والمناطقية والتنمر والعنف الأسري وغيرها، مضيفة أنه في الحالة السورية أيضًا، تقع عليه مسؤولية معالجة المفاهيم التي غرسها النظام البائد، وطرح مفاهيم جديدة سليمة، تتمثل في رفض العنصرية والمناطقية والأحكام المسبقة، ومعالجة هذه المفاهيم من خلال ترسيخ الهوية الوطنية الجامعة. وتضيف منهل أن أدوات الإعلام الاجتماعي تؤثر في خطاب الأفراد بشكل سريع وفعال، وتتمثل في الدراما والمسلسلات والأغاني والمحتوى على السوشيال ميديا والبرامج التوعوية، فانعكاس هذه الأدوات يمكن لمسه بشكل سريع، ما يجعل من الاهتمام بتوجيه هذه الأدوات لصناعة الوعي أمرًا مهمًا، يساعد في ترسيخ القيم الإيجابية، مضيفة أن الإعلام يعد أحد أهم دوائر التنشئة الاجتماعية، من خلال دوره في صناعة مفاهيم الأفراد وصياغتها.
الهوية الوطنية إحدى حوامل “السلم الأهلي”
وتقوم السياسات الإعلامية الاجتماعية وفقًا لـمنهل على ركيزتين أساسيتين، الهوية الإنسانية والتي تتمحور حول القيم المشتركة بيننا كبشر، كالصدق وحس المسؤولية والاحترام وتقبل الآخر وغيرها من القيم الإيجابية التي تتعلق بسلوك الأفراد وتنعكس على المجتمعات، والهوية الوطنية الجامعة، التي تتمثل في مرجعية أبناء الوطن الواحد رغم اختلافهم، وبالتالي ترفض السياسة الإعلامية أي خطاب يكرس المناطقية والتحريض، وتؤسس لمجموعة نظم وقوانين، تجرم خطاب الكراهية، ووضع ضوابط محددة للحوار على المنصات والشاشات، مشيرة إلى أن القيام باستضافة مؤيدي انتهاكات النظام المخلوع والمدافعين عنه، يندرج تحت التأجيج وبث الكراهية وإثارة مشاعر الضحايا، أي أنه يتنافى مع بناء السلم الأهلي وترسيخه.
الترا سوريا
—————————————–
مقبرة جماعية نقلت سراً لصحراء الضمير في سوريا.. ما القصة؟
تضم ما لا يقل عن 34 خندقاً بطول كيلومترين لتكون من أوسع المقابر التي حُفرت خلال الحرب الأهلية السورية
الرياض- العربية.نت
15 أكتوبر ,2025
كشف عدة مسؤولين سوريين أن حكومة النظام السوري السابق في عهد بشار الأسد نفذت على مدى عامين عملية سرية لنقل آلاف الجثث من إحدى كبريات المقابر الجماعية المعروفة في منطقة القطيفة بسوريا إلى موقع سري يبعد أكثر من ساعة بالسيارة في الصحراء النائية خارج بلدة الضمير.
فقد أكد 13 شخصاً ومسؤولون سوريون على دراية مباشرة بالعملية التي استمرت عامين، فضلاً عن وثائق ومئات صور الأقمار الصناعية المأخوذة على مدى سنوات عدة لموقعي المقبرتين، حصول هذا النقل لآلاف الجثث.
كما أوضحوا أن السلطات السورية السابقة أطلقت على عملية نقل الجثث من القطيفة إلى موقع آخر سري على بُعد عشرات الكيلومترات اسم “عملية نقل الأتربة”، واستمرت من 2019 حتى 2021، وفق ما نقلت وكالة رويترز.
“التستر على الجرائم”
إلى ذلك، قال الشهود إن الهدف من العملية كان التستر على جرائم حكومة الأسد والمساعدة في تحسين صورتها.
واكتشفت رويترز أن المقبرة الجماعية الواقعة في صحراء الضمير تضم ما لا يقل عن 34 خندقاً بطول كيلومترين لتكون من أوسع المقابر التي حُفرت خلال الحرب الأهلية السورية. وتشير روايات الشهود وأبعاد الموقع الجديد إلى احتمال دفن عشرات الآلاف من الأشخاص هناك.
في حين أكد الشهود أن المقبرة الجماعية ضمت جثث جنود وسجناء لقوا حتفهم في سجون الأسد ومستشفياته العسكرية.
6 إلى 8 شحنات على مدى 4 ليالٍ أسبوعياً
كما أوضح شهود شاركوا في العملية أنه في الفترة من فبراير 2019 إلى أبريل 2012، كانت تتحرك من القطيفة إلى موقع الضمير في الصحراء من ست إلى ثماني شاحنات محملة بالتراب والرفات البشري وذلك على مدار أربع ليال تقريباً كل أسبوع.
وكان ناشط سوري في مجال حقوق الإنسان نشر صوراً لوسائل إعلام محلية عام 2014، كشفت عن وجود مقبرة القطيفة وموقعها العام على مشارف دمشق. وقد تحدد موقعها الدقيق بعد بضع سنوات من خلال شهادات في المحاكم وتقارير إعلامية أخرى.
رائحة كريهة
إلى ذلك، قال جميع من شاركوا بشكل مباشر في العملية إنهم يتذكرون الرائحة الكريهة بوضوح، ومن بينهم سائقان وثلاثة من فنيي إصلاح السيارات وسائق جرافة وضابط سابق من الحرس الجمهوري التابع للأسد شاركوا فيها منذ بدايتها. وقال الضابط السابق من الحرس الجمهوري إن فكرة نقل آلاف الجثث وردت في أواخر 2018، عندما اقترب الأسد من تحقيق النصر في الحرب الأهلية. وأضاف أن الأسد كان يأمل في استعادة الاعتراف الدولي بعد تهميش لسنوات جراء العقوبات ومزاعم الوحشية. علماً أنه في ذلك الوقت، توجهت أصابع الاتهام للأسد باحتجاز آلاف السوريين، لكن لم تستطع أي جماعة سورية مستقلة أو منظمة دولية الوصول إلى السجون أو المقابر الجماعية.
فيما كشف السائقان والضابط لرويترز أن القادة العسكريين أبلغوهم بأن مغزى عملية النقل هو تطهير مقبرة القطيفة الجماعية وإخفاء أدلة على عمليات قتل جماعي.
“موت محتم”
وقال سائقون وفنيو إصلاح سيارات وغيرهم ممن شاركوا في عملية النقل، إن إفشاء أمر العملية السرية كان يعني موتاً حتمياً. وأضاف أحد السائقين “ما في حد يقدر يخالف الأوامر، وإلا أنت نفسك تنتهي في الحفر”.
ويمكن أن يقدم التنقيب المنظم وتحليل الحمض النووي تفاصيل عما تعرض له هؤلاء الأشخاص، مما يخفف من وطأة أحد أكثر الأحداث إيلاماً في تاريخ سوريا، لكن في ظل نقص الموارد في سوريا، فإنه حتى المقابر الجماعية المعروفة غالباً ما تكون غير محمية ولم ينقب عنها أحد.
فيما أوضح محمد رضا جلخي، رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين التابعة للحكومة قائلاً إن “التحدي الآخر أننا نتعامل مع عدد كبير من المفقودين غير محدود لكن قد يتجاوز عشرات الآلاف، والحاجة اليوم إلى تأهيل كوادر متخصصة لأننا نتعامل مع ملف علمي يحتاج إلى كوادر متخصصة في الطب الشرعي والبصمة الوراثية، وهذا يحتاج إلى وقت لبناء هذه الكوادر”.
من جهته، أكد وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح لصحيفة “الوطن” في أواخر أغسطس، أن “هناك جرحاً نازفاً طالما هناك أمهات ينتظرن إيجاد قبور أبنائهن، وزوجات ينتظرن أيضاً إيجاد قبور أزواجهن، وكذلك الأطفال الذين ينتظرون قبور آبائهم”.
في حين شدد محمد العبد الله، المدير التنفيذي للمركز السوري للعدالة والمساءلة، وهي منظمة سورية معنية بتتبع المفقودين والتحقيق في جرائم الحرب، على أن وقع نقل الجثث عشوائياً مثل ما حدث من القطيفة إلى الضمير كان كارثياً على عائلات القتلى. وأضاف بعد اطّلاعه على نتائج رويترز “تجميع هذه الجثث معاً حتى يتسنى إرجاع الرفات كاملاً إلى العائلات سيكون أمراً معقداً للغاية”. فيما وصف إنشاء لجنة المفقودين بأنه خطوة إيجابية من الحكومة. واستطرد أن اللجنة تحظى بدعم سياسي، لكنها لا تزال بحاجة إلى الموارد والخبراء.
يشار إلى أن منظمات حقوقية سورية كانت أكدت أن ما يربو على 160 ألف شخص اختفوا في ظل جهاز الأمن الضخم للرئيس السوري المخلوع، ويُعتقد أنهم مدفونون في عشرات المقابر الجماعية التي أمر بحفرها.
————————————-
“نقل الأتربة”.. رويترز تكشف عن عملية سرية لطمس جرائم الأسد
نفذ نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد على مدى عامين قبل سقوطه عملية سرية لنقل آلاف الجثث من إحدى كبريات المقابر الجماعية المعروفة في سوريا إلى موقع سري يبعد أكثر من ساعة بالسيارة في الصحراء النائية، وفق تحقيق أجرته وكالة رويترز.
وبحسب التحقيق، نقل الجيش في عهد الأسد بين عامي 2019 و2021 آلاف الجثث لمعتقلين قضوا تحت التعذيب من مقبرة جماعية في القطيفة وحفر ثانية ضخمة في الصحراء خارج بلدة الضمير.
وأُطلق على عملية نقل الجثث من القطيفة إلى موقع آخر سري على بُعد عشرات الكيلومترات اسم “عملية نقل الأتربة”.
وقال الشهود إن الهدف من العملية كان التستر على جرائم حكومة الأسد والمساعدة في تحسين صورتها.
ولم تفصح رويترز في تحقيقها عن موقع المقبرة الدقيق لتقليل احتمال عبث المتسللين بها، قائلة إنها ستصدر قريبا تقريرا خاصا يشرح بالتفصيل كيفية تنفيذ حكومة الأسد العملية السرية وكيف كشف الصحفيون عنها.
مقبرة واسعة
واكتشفت رويترز أن المقبرة الجماعية الواقعة في صحراء الضمير تضم ما لا يقل عن 34 خندقا بطول كيلومترين لتكون من أوسع المقابر الجماعية التي حُفرت خلال سنوات الثورة السورية ومواجهة النظام لها بالقمع.
وتشير روايات الشهود وأبعاد الموقع الجديد إلى احتمال دفن عشرات الآلاف من الأشخاص هناك.
وبدأت حكومة الأسد دفن القتلى بالقطيفة في عام 2012 تقريبا، مع اندلاع المواجهات المسلحة بين النظام والمعارضين.
وقال الشهود لوكالة رويترز إن المقبرة الجماعية ضمت جثث جنود وسجناء لقوا حتفهم في سجون الأسد ومستشفياته العسكرية.
أعوام من النقل
ونشر ناشط سوري في مجال حقوق الإنسان صورا لوسائل إعلام محلية عام 2014 كشفت عن وجود مقبرة القطيفة وموقعها العام على مشارف دمشق. وقد تحدد موقعها الدقيق بعد بضع سنوات من خلال شهادات في المحاكم وتقارير إعلامية أخرى.
وقال شهود شاركوا في العملية إنه في الفترة من فبراير/شباط 2019 إلى أبريل/نيسان 2021، كانت تتحرك من القطيفة إلى موقع الضمير في الصحراء من ست إلى ثماني شاحنات محملة بالتراب والرفات البشري وذلك على مدى أربع ليال تقريبا كل أسبوع.
ولم تتمكن رويترز من تأكيد ما إذا كانت جثث من أماكن أخرى قد وصلت أيضا إلى الموقع السري، ولم تعثر على أي وثائق تشير إلى عملية “نقل الأتربة” أو المقابر الجماعية بشكل عام.
وقال جميع من شاركوا بشكل مباشر في العملية إنهم يتذكرون الرائحة الكريهة بوضوح، ومن بينهم سائقان وثلاثة من فنيي إصلاح السيارات وسائق جرافة وضابط سابق من الحرس الجمهوري التابع للأسد شاركوا فيها منذ بدايتها.
إخفاء الأدلة
وقال الضابط السابق من الحرس الجمهوري إن فكرة نقل آلاف الجثث وردت في أواخر 2018 عندما اعتقد الأسد أنه اقترب من تحقيق النصر في الحرب السورية.
وأضاف الضابط أن الأسد كان يأمل في استعادة الاعتراف الدولي بعد تهميشه لسنوات جراء العقوبات واتهامات بالوحشية.
ونقلت رويترز عن سائقين قولهما إن القادة العسكريين أبلغوهما أن مغزى عملية النقل هو تطهير مقبرة القطيفة الجماعية وإخفاء أدلة على عمليات قتل جماعي.
وأفاد سائقون وفنيو إصلاح سيارات وغيرهم ممن شاركوا في عملية نقل الجثث بأن إفشاء أمر العملية السرية كان يعني موتا حتميا.
وشدد أحد السائقين على أنه “لا أحد يقدر يخالف الأوامر، وإلا أنت نفسك تنتهي في الحفر”.
وبحلول الوقت الذي سقط فيه نظام الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول الماضي، كانت كل الخنادق الـ16 التي وثقتها رويترز سابقا في القطيفة قد أخليت.
مصير مجهول للآلاف
وقالت منظمات حقوقية سورية إن ما يربو على 160 ألف شخص اختفوا في ظل جهاز الأمن الضخم للرئيس السوري المخلوع، ويُعتقد أنهم مدفونون في عشرات المقابر الجماعية التي أمر بحفرها.
ويمكن أن يقدم التنقيب المنظم وتحليل الحمض النووي تفاصيل عما تعرض له هؤلاء الأشخاص، مما يخفف من وطأة أحد أكثر الأحداث إيلاما في تاريخ سوريا.
ولكن في ظل نقص الموارد في سوريا، فإنه حتى المقابر الجماعية المعروفة غالبا ما تكون غير محمية ولم ينقب عنها أحد.
ولم يصدر قادة البلاد الجدد حتى الآن أي وثائق تتعلق بالأفراد المدفونين هناك، رغم المطالبات المستمرة من عائلات المفقودين.
حاجة للتأهيل
من جهته، قال رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين (حكومية) محمد رضا جلخي إن التحدي هو التعامل مع عدد كبير من المفقودين قد يصل إلى عشرات الآلاف.
وتابع أن “الحاجة اليوم إلى تأهيل كوادر متخصصة لأننا نتعامل مع ملف علمي يحتاج إلى كوادر متخصصة في الطب الشرعي والبصمة الوراثية، وهذا يحتاج إلى وقت لبناء هذه الكوادر”.
وتعليقا على نتائج تقرير رويترز، قال محمد العبد الله المدير التنفيذي للمركز السوري للعدالة والمساءلة، وهي منظمة سورية معنية بتتبع المفقودين والتحقيق في جرائم الحرب، إن وقع نقل الجثث عشوائيا مثل ما حدث من القطيفة إلى الضمير كان كارثيا على عائلات القتلى.
وأضاف العبد الله أن “تجميع هذه الجثث معا حتى يتسنى إرجاع الرفات كاملا إلى العائلات سيكون أمرا معقدا للغاية”، ووصف إنشاء لجنة المفقودين بأنه خطوة إيجابية من الحكومة الجديدة.
واستطرد أن اللجنة تحظى بدعم سياسي، لكنها لا تزال بحاجة إلى الموارد والخبراء.
المصدر: رويترز
———————————–
“مغيبون ومعتقلون”: الفن كذاكرة جماعية بعد الأسد/ مصطفى الدباس
الجمعة 2025/10/17
من “المتحف الوطني” في دمشق إلى “المتحف الوطني” في حلب، يتجول معرض “مغيبون ومعتقلون” بوصفه محاولة منظمة لتثبيت ذاكرة الاعتقال والتغييب في الفضاء العام واستعادة المتحف باعتباره مكاناً مدنياً للمعرفة والنقاش.
المعرض من تنظيم مؤسسة “ذاكرة إبداعية”، المنصّة التي تأسست العام 2013 لأرشفة التعبيرات الفنية والفكرية المرتبطة بالثورة والحرب في سوريا، ويستند بصيغته البصرية والسردية إلى كتابها الأخير “معتقلون ومغيبون: الفن يوثّق والأرشيف يتحدث”، مع توسعات سياقية طورت في نسخة حلب بناء على ملاحظات الجمهور في دمشق.
منصة وأرشيف ورؤية
تقدّم المنصة نفسها باعتبارها أرشيفاً رقمياً مفتوحاً يشارك في بناء المعرفة وحرية الوصول إليها وحمايتها، ويلتزم المشروع بأرشفة ما يعكس قيم الثورة، مع استبعاد ما يدعو إلى الكراهية والعنف والتمييز.
وجاء العمل على موضوع الاعتقال والتغييب بشكل تراكمي قامت به المنصة منذ أكثر من خمس سنوات، ليثمر أخيراً عن قرار إطلاق معرض متنقل داخل سوريا اتُّخذ مباشرة بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، باعتباره خطوة رمزية لرد الاعتبار للمكان العام واستعادة دوره.
وفي لقاء مع “المدن”، قالت مؤسسة ومديرة منظمة “ذاكرة إبداعية” المشرفة على المعرض، سنا يازجي: “نعمل في ذاكرة إبداعيّة على موضوع الاعتقال والتغييب منذ اكثر من خمس سنوات، وعند سقوط نظام بشار الأسد، عدت سريعاً الى دمشق، مدينتي، وقد كنت مسكونة، كما السواد الأعظم من السوريين، بمسألة الاعتقال والتغييب…والصور الرهيبة التي ملأت الشاشات”، وأضافت: ” ويا للمرارة والقهر، تبين لنا بأن الجزء الأكبر من المعتقلين، مئات الآلاف منهم، صاروا في عداد المفقودين. فقررت على الفور البدء بإجراءات الترخيص لإقامة معرض متنقل في جميع أنحاء سوريا، عن المعتقلين والمغيبين”.
من دمشق إلى حلب: توسعات ضرورية
انطلقت المحطة الأولى في دمشق داخل “المتحف الوطني” حيث حظي المعرض بإقبال واسع أدى إلى تمديد مدته لشهرين إضافيين، وتزامن الحدث مع نقاش عام حول الفن والثقافة كشأن عام بمشاركة الباحث في التاريخ المعماري والآثار وحفظ التراث الثقافي عبدالرزاق معاذ، ومع حفلة إطلاق الكتاب في “المكتبة الوطنية” بدمشق بحضور الطيار السوري رغيد الططري، وهو أقدم سجين سياسي سوري بلا محاكمة لمدة 43 عاماً قبل تحريره، والطبيب النفسي جلال نوفل.
وفي 2 تشرين الأول/أكتوبر 2025 افتتحت المحطة الثانية في “المتحف الوطني” بحلب، مع الحفاظ على الهيكل نفسه وإضافة شروحات وسياقات خلف كل لوحة وقطعة، تلبية لملاحظات الجمهور في دمشق لتمكين الزوار من فهم القصة وراء العمل.
وحول نوعية الأعمال المعروضة، أوضحت يازجي: “تعكس المعروضات تنوعاً جغرافياً واجتماعياً ومهنياً، وتشمل لافتات وكاريكاتير وغرافيك وكتباً وأشكالاً من الفنون التشكيلية، من إنتاج نساء ورجال، أفراد وصفحات ومجموعات، مع تثبيت بيانات الاعتماد تحت كل عمل”.
بناء التجربة: تسلسل زمني وشهادات حيّة
يتحرك الزائر داخل مسار زمني واضح من 2011 حتى 2020، حيث يُرد لكل عام عنوانه ومفاتيحه السردية، على نحو يوازن بين الصورة المؤرشفة والشرح التفسيري. وأجرت الجهة المنظمة أكثر من 25 مقابلة قصيرة داخل الصالة لرصد الانطباعات، ولاحظت حضوراً لافتاً لفئة الشباب الذين لم يسبق لكثير منهم زيارة “متحف حلب الوطني”، كما أبدى كثيرون تأثراً لعدم معرفتهم بحجم الأذى والظلم الذي وثّقته الأعمال.
وأشارت يازجي إلى حضور عائلات لمعتقلين ومفقودين، وإلى شهادات قدّمها معتقلون سابقون تحولت إلى مادة تفسيرية تغذي تحديثات المعرض.
لحظات حساسة ودور العدالة
وتحدثت يازجي عن لحظات عاطفية قاسية داخل الصالة :” دموع وانهيارات أمام أعمال تسترجع قصصاً موجعة، وأسئلة ملحّة من الزوار حول كشف المصير ومحاسبة المسؤولين.”، مؤكدة أن العدالة وحق المعرفة كالخبز، وأن العمل الفني هنا ليس تعويضاً رمزياً بل مساهمة في مسار العدالة الانتقالية ثقافةً وتشريعاً وممارسة، ضمن أفق يرى في الأرشفة العلنية جزءاً من الحق العام للسوريين.
التنظيم والشراكة المؤسسية
وشددت يازجي على استقلالية “ذاكرة إبداعية” منذ تأسيسها، مع تمسكها بالعمل عبر مؤسسات وطنية عامة كالمتاحف بوصفها فضاءات عمومية لها حق على المجتمع كما للمجتمع حق عليها، واصفةً التنسيق مع “وزارة الثقافة وإدارات المتاحف” بأنه مهني وجيد، مع وضوح في لافتات الاعتماد وحماية المواد وتثبيت الحقوق.
وأشارت يازجي إلى أن المعرض في نسخته الثانية في حلب تضمن توسعات سياقية وتوجيهات إرشادية إضافية استجابة لملاحظات رواد نسخة دمشق.
النقاشات الموازية والخطوة التالية
ويرافق المعرض في حلب نقاش عام بعنوان “ناجون، شهود”، يستضيف الكاتب والمعتقل السابق لدى سلطة الأسد الأب عزيز تبسي، والأكاديمي والناشط المدني محمد جاويش، المعتقل السابق لدى سلطة الأسد الابن الذي حرر من المعقتل بعد سقوط نظام بشار الأسد.
وحول الخطط المستقبلية للمعرض، أكدت يازجي أن المعرض “مسافر” داخل سوريا بمحطات لاحقة قيد الإعداد، وحول إمكانية الوصول إلى المواد الفنية المعروضة قالت يازجي إن “مواد الأرشيف متاحة للباحثين عبر موقع ذاكرة إبداعية، مع سياسات حقوق نشر واضحة”، مؤكدة أن الفريق منفتح على التعاون الذي يخدم مسارات العدالة الانتقالية.
ونوهت يازجي إلى أن جميع الأعمال المؤرشفة نشرت للعموم سابقاً، وأن الروابط الأصلية قد تتعطل لاحقاً لأسباب خارجة عن إرادة المنصة، ما يعني أن التوثيق يحفظ الصيغة كما ظهرت زمن الأرشفة مشددة على منع إعادة النشر لأغراض تجارية، وعلى أن اختيار المواد يخضع لمعايير قيمية ومهنية واضحة، وأن إضافة السياقات تتم كلما كان ذلك ضرورياً ومتاحاً.
معرض “مغيبون ومعتقلون” لا يعد بإنهاء الألم، لكنه يضعه في مكانه الصحيح، في المتحف وفي الذاكرة وفي الحيز العام، كي لا يبقى الألم مادةً للهمس أو للإنكار، ولكي تستعاد اللغة من زمن الخوف، وتستعيد المدن حقها في أن تروي قصتها بضميرٍ حاضر وتجرب الثقافة دورها الأول بأن تكون شاهداً وجسراً إلى قضاءٍ عادل، وإلى دولة تقيس قوتها بقدرتها على صون الكرامة.
حين تغادر الأقدام القاعة تبقى اللوحات على الجدران، لكن قصة كل لوحة تتحرك خارجها في أيديب الأمهات وفي دفاتر الطلاب والانترنت وفي سجلات الباحثين وفي نقاشاتٍ عامة تعيد تشكيل معنى العيش المشترك، كبداية لطريق طويل يبدأ من صورة محفوظة بإتقان وينتهي بحقيقة موثقة في سجل العدالة لا في ذاكرة مهددة بالنسيان.
المدن
—————————–
وزير العدل السوري: مذكرة توقيف الأسد ليست حبراً على ورق
العدل: مذكرة اعتقال الأسد صدرت بناءً على التحقيقات الأولية وشكاوى المتضررين
2025-10-16
أكد وزير العدل في الحكومة السورية الانتقالية مظهر الويس، اليوم الخميس، أن مذكرة التوقيف الصادرة بحق رئيس النظام المخلوع بشار الأسد “ليست حبراً على ورق”.
وأضاف الويس، أن المذكرة تمثل إجراءً قانونياً طبيعياً وحقاً مشروعاً للمتضررين جراء حكم النظام، مشدداً على أن لا أحد فوق القانون مهما كان موقعه أو صفته السيادية السابقة.
وأشار إلى أن المذكرة جاءت في “توقيتٍ صحيح وطبيعي”، موضحاً أن الهدف منها ليس “العدالة السريعة أو الانتقامية”، بل تحقيق العدالة الحقيقية من خلال مسار قانوني نزيه.
وأوضح أن قاضي التحقيق توصل إلى قناعة حيادية وقانونية، استناداً إلى التحقيقات الأولية وشكاوى المتضررين، بأن بشار الأسد “يستحق أن يُستجوب ويمثل أمام القضاء”.
وشدد الويس، على أن العدالة لا يمكن أن تتحقق إلا عبر القضاء الوطني، معتبراً أن المحاكم الدولية “لم تتحرك طوال سنوات الثورة، ولم تصدر مذكرات توقيف بحق بشار الأسد”، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن وزارته “ليست منغلقة على هذا الملف”، لكنها متمسكة بمبدأ السيادة الوطنية واستقلالية القضاء.
ورأى الوزير أن بعض الإجراءات في المحاكم الدولية لا تتيح لها استجواب شخصيات سياسية معينة، كون سوريا ليست طرفاً في الاتفاقيات التي تمنح تلك المحاكم الصلاحيات القضائية، فضلاً عن الجدل القانوني القائم حول حصانة الرؤساء، وفق ما نقلته قناة “تي آر تي“.
وأكد، أن مصير الشخصيات البارزة في النظام سيُحدد وفق محاكمات عادلة وعلنية أمام الشعب ووسائل الإعلام، مشيراً إلى أن معايير المحاكمات تشمل “كل من تلطخت أيديهم بالدماء أو ارتكبوا انتهاكات جسيمة تمس كرامة وحقوق الشعب السوري”.
واعتبر أنه “لا يمكن محاسبة عشرات الآلاف أو الملايين لمجرد إقامتهم في مناطق سيطرة النظام أو عملهم ضمن مؤسساته”، لافتاً إلى أن العدالة يجب أن تسير في مسار قانوني وتشريعي واضح، قائم على الأدلة والمعايير المحددة في الرؤية الوطنية للعدالة الانتقالية.
ولفت إلى أن الفكر التصالحي المجرد لا يحقق العدالة الحقيقية، بل قد يؤدي إلى “ردّات فعل وانفجار للمشكلات في مرحلة لاحقة”، موضحاً أن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق إلا عبر “عدالة شاملة لا تعرف الانتقام أو الانتقائية”، وإنما تستند إلى القوانين والمعايير المتفق عليها و”التوافق الشعبي السوري”، على حد وصفه.
وكان قاضي التحقيق السابع في دمشق، توفيق العلي، قد أعلن في 27 أيلول الماضي/ سبتمبر إصدار مذكرة توقيف غيابية بحق بشار الأسد، بتهم تتعلق بأحداث درعا عام 2011، تضمنت اتهامات بالقتل العمد، والتعذيب المؤدي إلى الوفاة، وحرمان الحرية.
ونقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) حينها عن القاضي أن القرار القضائي يفتح الباب لتعميم المذكرة عبر منظمة “الإنتربول” ومتابعة القضية على الصعيد الدولي، موضحاً أن الإجراء جاء بناءً على دعاوى قدمها ذوو ضحايا أحداث درعا التي وقعت في 23 تشرين الثاني 2011.
———————————
======================



